Indexed OCR Text

Pages 1-20

فقد آذنته بالحرب
زاهر بن محمد الشهري
مصدر هذه المادة:
www.ktibat.com
دَارُ الْقَ سّم

0
فقد آذنته بالحرب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله
وصحبه أجمعين .. وبعد،
فهذه رسالة تشتمل على وقفات مع حديث قدسي شريف
جمعتها من كلام أهل العلم وخاصة كلام الإمامين الجليلين؛ شيخ
الإسلام ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام وتلميذه ابن
قيم الجوزية رحمهما الله تعالى.
فأغلب ما في هذه الرسالة هو من تقريراتهما وإبداعاتهما وإن لم
يحصل إحالة عليه.
والله أسأل أن ينفع بهذه الرسالة، وأن يعفو عن الهفوات
والزلات منّه وكرمه.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
کتبه
أبو محمد
زاهر بن محمد الخشرمي الشهري
ص. ب ٧٣٦٩٠ - الخبر ٣١٩٥٢

٦
فقد آذنته بالحرب
نص الحديث
عن أبي هريرة ظه قال: قال رسول اللهلَ ﴾: «إن الله قال: من
عادي لي وليًا» وفي رواية: من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب»
[وفي رواية: «فقد استحل محاربتي»] [وفي أخرى: «فقد بارز الله
بالمحاربة»] وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته
عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته
كنت سمعه الذي يسمع به. وبصره الذي يبصر به، ويده التي
يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه. ولئن
استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن
نفس المؤمن یكره الموت وأنا أکره مساءته»(١).
قال الطوفي: «هذا حديث أصل في السلوك إلى الله تعالى،
والوصول إلى معرفته ومحبته. وطريقة أداء المفروضات الباطنة وهي
الإِيمان والظاهرة وهي الإسلام، والمركب منهما وهو الإحسان،
كما تضمنه حديث جبريل الكلية. والإحسان يتضمن مقامات
السالكين من الزهد والإخلاص والمراقبة وغيرها»(٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وهو أشرف حديث
روي في صفة الأولياء»(٣).
(١) الحديث أخرجه البخاري (الفتح ٤١٤/١١ (٦٥٠٢») دون الزيادات، انظر
السلسلة الصحيحة للألباني رحمه الله رقم (١٨٣).
(٢) فتح الباري ١٣٠/١٤.
(٣) الفتاوى ١٢٩/١٨.

٧
فقد آذنته بالحرب
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: «حديث من عادى لي وليًا قد
اشتمل على فوائد كثيرة النفع جليلة القدر لمن فهمها حق فهمها،
وتدبرها كما ينبغي».
قلت: ولهذا ألف الشوكاني رحمه الله كتابًا شرح فيه هذا
الحديث سماه «قطر الولي على حديث الولي» والعبارة السابق منه.

٨
فقد آذنته بالحرب
تعريف الولاء
تعريف الولاء لغة:
يطلق الولاء لغة على عدة معان منها: المحبة .. والنصرة ..
والاتباع .. والقرب من الشيء .. والدنو منه.
والموالاة ضد العداوة .. والولي ضد العدو.
وتطلق كذلك على المتابعة .. والتولي .. والإعراض، فهي من
أسماء الأضداد.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾
[محمد: ٣٨]. أي: تعرضوا عن الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] أي:
يتبعهم.
تعريف الولاء شرعًا:
هو موافقة العبد ربه فيما يحبه ويرضاه من الأقوال والأفعال
والاعتقادات والذوات، فسِمَتُ ولي الله هو محبته لما يحب الله،
ورضاه بما يرضى الله، وعمله بذلك كله، وميله إليه على وجه
الملازمة له.
فالولاية: مرتبة في الدين عظيمة لا يبلغها إلا من قام بالدين
ظاهرًا وباطنًا.

٩
فقد آذنته بالحرب
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «الولاية ضد العداوة.
وأصل الولاية: المحبة والتقرب. وأصل العداوة: البغض والبعد ..
والولي: القريب. يقال: هذا يلي هذا أي يقرب منه .. ومنه قوله
4: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر»(١)
أي لأقرب رجل إلى الميت، فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له
فيما يحبه ويرضاه .. ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه، كان
المعادي لوليه معاديًا له، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا
تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ فمن عادى
أولياء الله فقد عاداه. ومن عاداه فقد حاربه ولهذا جاء في الحديث:
«ومن عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة»(٢). اهــ.
(١) أخرجه البخاري ١١/١٢ (٦٧٣٢)، ومسلم ١٢٣٣/٣ (١٦١٥).
(٢) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص٧.

١٠
فقد آذنته بالحرب
صفة أولياء الله في القرآن
قال الله تعالى: ﴿أَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ أَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].
وصف الله عز وجل أولياءه في هذه الآية بصفتين هما:
الأولى: الإيمان. وهو عند أهل السنة والجماعة قول وعمل
واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وأهله متفاوتون في أصله
وفي شعبه بالإِيمان عند أهل السنة يتضمن خمسة أمور هي:
٢- وعمل الأركان.
١- قول اللسان.
٤ - وطاعة الرحمن.
٣- واعتقاد الجنان.
٥- وعصيان الشيطان.
والولي عند أهل السنة والجماعة: هو من جمع كل هذه
الخمس .. وبناء عليه، فأهل السنة والجماعة أكبر وأعلى الناس ولاية
لله تعالى.
الثانية: التقوى:
أي تقوى الله بتوحيده .. واتباع رسوله ﴿ فامتثال الأوامر
واجتناب المناهي .. ومنها الورع بأنواع وهو ترك ما لا بأس به
حذرًا مما به بأس.

١١
فقد آذنته بالحرب
فصارت مراتب التقوى ثلاثةً:
١ - التوحيد.
٢- ثم الطاعة في فعل الواجبات واجتناب المحرمات.
٣- ثم الورع والزهد بدرجات متفاوتة.
والتقوى تتفاضل وتتبعض، فلابد من المرتبة الأولى .. ثم يتفاضل
الناس في المرتبة الثانية والثالثة.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ
الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩].

١٢
فقد آذنته بالحرب
تفاضل الناس في الولاية
الولاية مبنية على الإيمان والتقوى .. وكلاهما متفاضل كما
سبق، فكل مؤمن تقي له نصيب من الولاية .. ومن عظم إيمانه
وتقواه زاد الوصف فيه واستحق وصفه به .. وظهر جليًا .. وإلا
فالعاصي قد اجتمع فيه شيء من إيمان وغيره.
وقد تكون ولاية الله لأحد الصالحين أعظم من ولاية الله لآجر؛
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا كان أولياء الله هم المؤمنون
المتقون، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته تعالى؛ فمن كان
أكمل إيمانًا وتقوى كان أكمل ولاية لله؛ فالناس متفاضلون في
ولاية الله عز وجل بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك
يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق»(١).
اهـ.
(١) الفتاوى ١٧٥/١١.

١٣
فقد آذنته بالحرب
الولاية توجد في جميع أصناف الأمة
إذا تقرر أن منزلة الولاية تتفاضل وتتبعض، فلا شك أنها توجد
في جميع أصناف الأمة لمن آمن بالله عز وجل واتقاه ما لم يكونوا
من أهل البدع الظاهرة والفجور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن أولياء الله:
«فيوجدون في أهل القرآن، وأهل العلم .. ويوجدون في أهل الجهاد
والسيف ويوجدون في التَّجار والصنّاع والزرَّاع. وقد ذكر الله
أصناف أمة محمد ﴿ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى
مِنْ تُلْثَى اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلْتَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَأَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾
[المزمل: ٢٠].
«وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من
الأمور المباحات؛ فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما
مباحًا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحًا؛ كما قيل:
کم من صدِّيق في قباء وكم من زنديق في عباء»(١).
(١) الفتاوى ١٩٤/١١.

١٤
فقد آذنته بالحرب
وليكن شعارك: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم)؛ فالمسلم مهما
كانت جنسيته ووطنه ولونه أخو المسلم، له من الولاء والنصرة
والمحبة والتقريب بحسب ما عنده من إيمان وهدى، وله من البراء
والعداوة بحسب ما عنده من فسوق ومعاص.
عن النبي ﴿ أنه قال: «لا فضل لعربي على عجمي ولا
لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود
إلا بالتقوى، كلكم لآدم وآدم من تراب»(١).
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤١١/٥، وصححه الألباني في تعليقه على شرح العقيدة
الطحاوية ص ٣٦١.

١٥
فقد آذنته بالحرب
الولاية والعصمة
ليس من شرط ولي الله أن يكون معصومًا لا يغلط ولا يخطئ؛
بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه
بعض أمور الدين، والناس في هذا على ثلاثة أصناف؛ طرفان
ووسط:
(١) فمن الناس من إذا اعتقد في شخص أنه ولي الله وافقه في
كل ما يظن أنه حدَّث به قلبه عن ربه، وسلّم إليه جميع ما يفعله.
وهذه طريقة الصوفية الذين يقولون: كن بين يدي الشيخ
كالميت بين يدي المغسل، ولا تعترض على شيء؛ فكل ما تراه من
الشيخ أو رئيس الحضرة فهو حق وصواب وإن كان باطلاً وخطاً؛
فالأعيان تنقلب له؛ فالخمر التي يشاهدها الناس خمرًا تنقلب في بطن
الولي لبنًا خالصًا، والزانية الفاجرة التي يرى الناس الولي بصحبتها
تكون زوجة؛ بل إنهم جعلوا للولي تصرُّفًا في الكون، وأنه يقول
للشيء كن فيكون.
وأقول: فما أبقوا لله عز وجل؟! تعالى الله عما يقول الظالمون
علوًا كبيرًا.
ومن المؤسف أن كثيرًا من بلاد المسلمين قد انتشر فيها هؤلاء
الصوفية الضَّال، وإن الواجب على علماء المسلمين وطلبة العلم
كبير في بيان بدع هؤلاء القوم وتحذير العامة منهم ومقاومة الحجة

١٦
فقد آذنته بالحرب
بالحجة، ومجادلتهم بالتي هي أحسن؛ لعل الله أن يهديهم إلى طريق
الحق والصواب.
وإن أمكن مجالدتهم - إن أصروا على بدعتهم - بعد مجادلتهم
فهو الواجب لمن قدر عليه بضوابطه الشرعية؛ بشرط ألا يترتب على
ذلك مفاسد.
(٢) ومن الناس من إذا رأى شخصًا قال أو فعل ما ليس بموافق
للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية، وإن كان مجتهدًا مخطئًا، ولا
شك أن هذا خطأ وانحراف في الفهم. وعليه فلا يمكن لأحد أن
يكون وليًا لله.
(٣) وخيار الأمور أوساطها، وهو أن لا يُجعل معصومًا ولا
مأثومًا إذا كان مجتهداً مخطئًا، فلا يُتبع في كل ما يقوله، ولا يحكم
عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده.
والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله ﴿؛ قال أبو
القاسم الجنيد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن
ويكتب الحديث لا يصح له أن يتكلم في علمنا أو قال: لا يقتدى
به.
وقال أبو عثمان النيسابوري: من أمرَّ السنة على نفسه قولاً
وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمرَّ الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق
بالبدعة؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].

١٧
فقد آذنته بالحرب
الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
لقد ذكر الله عز وجل في كتابه أن للشيطان أولياء كما أن
للرحمن أولياء في آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ
ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران:
١٧٥].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾
[الأنعام: ١٢١].
ولهذا كان على المؤمن أن يفرق بين أولياء الرحمن وأولياء
الشيطان، كما يفرق الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الرديء،
وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء ..
وكما يفرق من يعرف الفروسية بين الشجاع والجبان، وكما أنه
يجب الفرق بين النبي الصادق وبين المتنبئ الكذاب؛ فيفرق بين محمد
الصادق الأمين رسول رب العالمين، وموسى والمسيح وغيرهم، وبين
مسيلمة الكذاب، والأسود العنسى، وطليحة الأسدي، والحارث
الدمشقي (١) وغيرهم من الكذابين.
(١) وهؤلاء ممن ادعوا النبوة كذبًا وزورًا وإلا فمحمد ﴿ هو خاتم الأنبياء والمرسلين.

١٨
فقد آذنته بالحرب
ولو بلغ الرجل في الزهد والعبادة والعلم ما بلغ ولم يؤمن بجميع
ما جاء به محمد﴿ فليس بمؤمن ولا ولي الله تعالى؛ كالأحبار
والرهبان من علماء اليهود والنصارى وعبادهم الذين قالوا: ﴿نحن
أبناء الله وأحباؤه) وكذلك المنتسبين إلى العلم والعبادة من المشركين
مشركي العرب الذين زعموا أنهم أولياء الله من دون الناس كما
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ
دُونِ النَّاسِ فَتَمََّّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦].
وكذلك كل من كان من حكماء الهند والترك وله علم أو زهد
وعباده في دينه، وليس مؤمنًا بجميع ما جاء به محمد ﴿ فهو كافر
عدو الله، وإن ظن طائفة أنه ولي الله؛ كما كان حكماء الفرس من
المجوس كفارًا مجوسًا، وكذلك كان حكماء اليونان، مثل: أرسطو
وأمثاله كانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب.
ولهذا تنزلت عليهم الشياطين واقترنت بهم، فصاروا من أولياء
الشيطان، لا من أولياء الرحمن ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ تُقَيِّضْ
لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وذكر الرحمن هو الذكر
الذي بعث به رسوله ﴿ّ مثل: القرآن، فمن لم يؤمن بالقرآن
ويصدق خبره، ويعتقد وجوب أمره، فقد أعرض عنه، فيقيض له
الشيطان فيقترن به؛ قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء:
٥٠] وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا *
قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤،
١٢٥].

١٩
فقد آذنته بالحرب
فدل ذلك على أن ذكره هو آياته التي أنزلها، ولهذا لو ذكر الله
سبحانه وتعالى الرجلُ دائمًا ليلاً ونهاراً مع غاية الزهد، وعبده
مجتهدًا في عبادته، ولم يكن متبعًا الذي أنزله القرآن كان من أولياء
الشيطان، ولو طار في الهواء أو مشى على الماء فإن الشيطان يحمله
في الهواء.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧].
قال ابن القيم رحمه الله: «فأولياء الرحمن هم المخلصون لربهم
المحكمون لرسوله في الحرم والحل. الذين يخالفون غيره لسنته، لا
يخالفون سنته لغيرها، فلا يبتدعون، ولا يدعون إلى بدعة، ولا
يتحيزون إلى فئة غير الله ورسوله وأصحابه، ولا يتخذون دينهم لهوًا
ولعبًا، ولا يستحبون سماع الشيطان على سماع القرآن، ولا يؤثرون
صحبة الأفتان على مرضاة الرحمن ولا المعازف والمثاني على السبع
المثاني:
بهم مرض مورد للضنا
برئنا إلى الله من معشر
شفا جرف من سماع الغنا
وكم قلت: يا قوم أنتم على
تركنا غويًا وما قد جنى
فلما استهانوا بتنبيهنا
غوي أصار الغنا ديدنا
وهل يستجيب لداعي الهدى
وماتوا على (تاتنا تنتنا)
فعشنا على ملة المصطفى
ولا يشتبه أولياء الرحمن بأولياء الشيطان إلا على فاقد البصيرة
والإِيمان، وأنى يكون المعرضون عن كتابه وهدي رسوله وسنته،
المخالفون له إلى غيره أولياءه وقد ضربوا لمخالفته جأشًا، وعدلوا

٢٠
فقد آذنته بالحرب
عن هدي نبيه وطريقته، ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
فأولياء الرحمن المتلبسون بما يحبه وليهم، الداعون إليه، المحاربون
لمن خرج عنه، وأولياء الشيطان المتلبسون بما يحبه وليهم قولاً وعملاً
يدعون إليه، ويحاربون من نهاهم عنه.
فإذا رأيت الرجل يحب السماع الشيطاني، ومؤذن الشيطان،
وإخوان الشياطين، ويدعو إلى ما يحبه الشيطان من الشرك والبدع
والفجور علمت أنه من أوليائه، فإن اشتبه عليك، فاكشفه في ثلاثة
مواطن: في صلاته ومحبته للسنة وأهلها ونفرته عنهم، ودعوته إلى
الله ورسوله وتجريد التوحيد والمتابعة وتحكيم السنة، فزنه بذلك لا
تزنه بحال ولا كشف ولا خارق، ولو مشى على الماء وطار في
الهواء(١).
(١) الروح لابن القيم ص ٢٥٧ط، دار الفكر.

٢١
فقد آذنته بالحرب
شروط ولاية الله
لا يكون العبد وليًا إلا إذا توافرت فيه الأمور التالية:
(١) العقل: فلا ولية مجنون حال جنونه؛ لأن المجنون رفع عنه
القلم، فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء، ولا يصح منه
إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات، بل لا يصلح
هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة والصناعة؛ فلا يصلح
أن يكون بزازًا ولا عطارًا ولا حدادًا ولا نجارًا، ولا تصح عقوده
باتفاق العلماء .. فلا يصح بيعه ولا شراؤه .. ولا نكاحه ولا طلاقه
ولا إقراره ولا شهادته. ولا غير ذلك من أقواله، بل أقواله كلها لغو
لا يتعلق بها حكم شرعي، ولا ثواب ولا عقاب.
فإذا كان المجنون بهذه المثابة فلا يصح أن يكون وليًا لله تعالى،
ولا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي الله تعالى، خلافًا لمن زعم ذلك.
أما إذا كان يُجن أحيانًا .. ويُفيق أحيانًا، فإذا كان في حال
إفاقته مؤمنًا بالله ورسوله ويؤدي الفرائض ويجتنب المحارم، فهذا إذا
جُن لم يكن جنونه مانعًا من أن يثيبه الله تعالى على إيمانه وتقواه
الذي أتى به في حال إفاقته، ويكون له من الولاية بحسب ذلك.
وكذلك من طرأ عليه الجنون بعد إيمانه وتقواه، فإن الله تعالى
يثيبه ويأجره على ما تقدم من إيمانه وتقواه، ولا يحبطه بالجنون الذي
ابتلي به من غیر ذنب فعله، والقلم مرفوع عنه في حال جنونه.

٢٢
فقد آذنته بالحرب
وضلت طائفة من هذه الأمة عن طريق الحق، فادعت الولاية في
المجانين ويسمونهم «المجاذيب» أي انجذبت روحهم وعقولهم نحو الله
تعالى. ولا يسمونه مجنونًا بل مجذوبًا جذبه الله عز وجل إليه، فذهب
من عالم الحسِّ إلى عالم الغيب على زعمهم.
ولا شك أن هذا ضلال وانحراف عن شرع الله، وإن هذا
الموقف الخطير من «المجانين» ليدل على مدى الانحدار والسقوط
الذي وقعت فيه الأمة، حين ركن الجمهور فيها إلى المجاذيب
والمجانين يحبونهم ويهابونهم .. ويخافون منهم .. ويجلونهم ..
ويكرمونهم .. ويغضون الطرف عن فضائحهم وقبائحهم ..
ويستشفون الغيب منهم، وصار الأولياء في عرف الناس هم
المجاذيب والمجانين والمعتوهون؛ لهذا استحقت الأمة أن تغزى في عقر
دارها .. وأن تستباح بيضتها، وأن تُجتاح بلادها .. وأن يُغرب
أهلها .. وتُمسخ هويتها، وهو ما وقع بالفعل.
(٢) البلوغ: فلا ولاية لمن لم يبلغ من الصبيان والمميزين؛ لقوله
: «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم: «وعن الصبي حتى
يحتلم».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والحديث رواه أهل السنن من
حديث علي وعائشة رضي الله عنهما، واتفق أهل المعرفة على تلقيه
بالقبول، لکن الصبي المميز تصح عبادته، ويثاب عليها عند جمهور
العلماء.

٢٣
فقد آذنته بالحرب
(٣) موافقته لله تعالى فيما يحب ويكره؛ لأن هذا هو معنى
الولاية كما سبق، ولأن الله عز وجل وصف أولياءه بالإِيمان
والتقوى.
(٤) العلم بأصول الدين حتى يعرف ما يحب الباري عز وجل
من توحيده، والإيمان به، ومعرفة رسوله ﴿®، وما يتبع هذين
الأصلين من التصديق بالأخبار الشرعية والإيمان بمدلولها.
(٥) العلم بفروع الشريعة والتي بها يعرف الحلال من الحرام،
ويدرك ما يصح به عبادته؛ فمن الناس من يؤمن بالرسل إيمانًا
مجملاً، وأما الإِيمان المفصل، فيكون قد بلغه كثير مما جاءت به
الرسل ولم يبلغه بعض ذلك؛ فيؤمن بما بلغه عن الرسل، وما لم يبلغه
لم يعرفه، ولو بلغه لآمن به، ولكن آمن بما جاءت به الرسل إيمانًا
مجملاً .. فهذا إذا عمل بما علم أن الله أمره به مع إيمانه وتقواه فهو
من أولياء الله تعالى.
له من ولاية الله بحسب إيمانه وتقواه وما لم تقم عليه الحجة فإن
الله تعالى لم يكلفه معرفته والإيمان المفصل به فلا يعذبه على تركه
لكن يفوته من كمال ولاية الله بحسب ما فاته من ذلك؛ فمن علم
بما جاء به الرسول وآمن به إيمانا مفصلا وعمل به، فهو أكمل إيمانا
لله ممن لم يعمل ذلك مفصلا ولم يعمل به، وكلاهما ولي لله تعالى.
(٦) أن يتخلق بالأخلاق المحمودة مع اجتناب المحرمات وفعل
الواجبات مع إخلاص العمل والمتابعة لما جاء عن الرسول ◌ِ﴿مّ.