Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢٠
كتاب الكراهية
قال: ولا يقرب المظاهرُ ولا يلمِسُ ولا يُقَبِّل ولا ينظر إلى فرجها بشهوة حتى
يُكفِّر؛ لأنه لما حُرِّم الوطءُ إلى أن يُكَفِّرَ حُرِّم الدواعي؛ للإفضاء إليه؛ لأن الأصل أن
القاعدة الكلية
إلى الوطء
سبب الحرام حرامٌ كما في الاعتكاف والإِحرام، وفي المنكوحة إذا وطئت بشبهة،
دواعي الوطء
ء
بخلاف حالة الحيض والصوم؛ لأن الحيض يمتد شطر عمرها، والصوم يمتد شهرا
فرضاً، وأكثر العمر نفلاً، ففي المنع عنها بعضُ الحرج، ولا كذلك ما عددناها لقصور
مددها، وقد صح: "أن النبي عليّا كان يُقَبِّل وهو صائم، ويضاجع نسائه وهنَّ خُيّض."
ولا يقرب المظاهر: هذه المسألة ليست من مسائل الاستبراء، لكنها مذكورة في "الجامع الصغير" استطراداً،
فإن الكلام لما انساق في الاستبراء إلى حرمة الدواعي، وفي هذه المسألة حرمة الدواعي ذكرها، ويجوز أن
يقال: صدر الفعل بالاستبراء وغيره، وهذه من غيره. [العناية ٤٨٢/٨] لما حرم الوطء: لقوله سبحانه تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّيَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا﴾. [البناية ٢٠٨/١١]
حرام إلخ: لامحالة، لأنه لو كان السبب حلالاً، كان المسبب أيضاً حلالاً؛ لأن المقصود من مشروعية
السبب، هو المسبب، كما في الاعتكاف لما حرم الوطء حرم الدواعي أيضاً، والإحرام أي كما في حالة
الإِحرام لما حرَّم الوطء حرَّم الدواعي أيضاً، وفي المنكوحة أي كما في المنكوحة إذا وطئت بشبهة حرم
وطؤها قبل انقضاء العدة، وكذلك حرم الدواعي. [البناية ٢٠٨/١١] بخلاف حالة الحيض إلخ: حيث يحرم
الوطء فيها، ولا يحرم الدواعي، ولكن في الصوم إذا أمن الصائم على نفسه وعليها. [البناية ٢٠٩/١١]
يمتد شطر إلخ: أي قريباً من شطر عمرها، وهو عشرة أيام في كل شهر، فكان قريباً من خمسة عشر
يوماً، وهي نصف الشهر. [الكفاية ٤٨٢/٨-٤٨٣]
*هما حديثان. [نصب الراية ٢٥٣/٤] فالأول: أخرجه البخاري في "صحيحه" عن عائشة أنها قالت:
"كان النبي ◌ُّ يقبّل ويباشر وهو صائم، وأَمْلَككم لإربه". [رقم: ١٩٢٧، باب المباشرة للصائم] والحديث
الثاني: أخرجه البخاري في "صحيحه" عن عائشة لما قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، فأراد
رسول الله * أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم يباشرها، قالت: وأيكم يملك إربه كما
كان النبي ◌ُّيملك إربه". [رقم: ٣٠٢، باب مباشرة الحائض]

٢٢١
کتاب الكراهية
قال: ومَن له أمتان أختان، فقبّلهُما بشهوة: فإنه لا يجامع واحدة منهما ولا يقبِّلها،
ولا يمسها بشهوة، ولا ينظر إلى فرجها بشهوة، حتى يُمَلِّك فرجَ الأخرى غيرَه بملك
أو نكاح أو يعتقها. وأصل هذا: أن الجمع بين الأختين المملوكتين لا يجوز وطأ؛ٍ
وعقداً
لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَحْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾، ولا يعارَضُ بقوله تعالى:
مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ لأن الترجيح للمحرَّم، وكذا لا يجوز الجمعُ بينهما في الدواعي؛
القبلة والمسّ
لإطلاق النص، ولأن الدواعي إلى الوطء بمنزلة الوطء في التحريم، على ما مهّدناه
من قبل، فإذا قَبَّلَهُما فكأنه وَطِئَهُمَا، ولو وطئهما فليس له أن يجامع إحداهما، ولا أن
يأتي بالدواعي فيهما، فكذا إذا قبَّلُهُما، وكذا إذا مسَّهمَا بشهوة، أو نظر إلى
فرجهما بشهوة؛ لما بيّناه، إلا أن يُمَلِّك فرج الأخرى غيرَه بملك أو نكاح أو يعتقها؛
لأنه لما حُرِّمَ عليه فرجها لم يبق جامعاً. وقوله: "بملك" أراد به ملكَ يمين، فينتظم
الأخرى
التمليك بسائر أسبابه بيعاً أو غيره، وتمليك الشِّقْص فيه كتمليك الكل؛
البعض
الملك
فقبلهما إلخ: [قيد بذلك؛ لأنه إذا لم يكن بشهوة لا يكون معتبرًا] [العناية ٤٨٣/٨] لأنه إذا لم يقبلهما أصلاً
كان له أن يقبل، ويطأ أيهما شاء، سواء كان اشتراهما معاً، أو اشتراهما على التعاقب، وإن قبل واحدة
منهما، فله أن يطأ المقبلة دون الأخرى، وإذا لم يكن التقبيل بشهوة صار كأنه لم يقبلهما أصلاً. (النهاية)
لإطلاق إلخ: والمراد: تحريم العقد والوطء بالإجماع، والمعطوف يشارك المعطوف عليه في الحكم تحقيقاً
لقضية العطف، وهو المروي عن علي رضاه، وعليه أكثر الصحابة. [البناية ٢١١/١١]
ولا يعارض إلخ: أراد بذلك أن قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يدل على الحل، وقوله: ﴿وَأَنْ تَحْمَعُوا﴾
على الحرمة، والمحرم مع المباح إذا اجتمعا، فالمحرم أولى؛ لأن الحرام يجب تركه، والمباح لا يجب فعله. (البناية)
مهّدناه من قبل: أشار به إلى قوله: لأن الأصل أن سبب الحرام حرام. (البناية) لما بيناه: أشار به إلى قوله: لأن
الدواعي إلى الوطء بمنزلة الوطء. (البناية) أو غيره: أي من حيث البيع أو غيره نحو الهبة والصدقة. [البناية ٢١٣/١١]

٢٢٢
كتاب الكراهية
لأن الوطءَ يحرم به، وكذا إعتاق البعض من إحداهما كإعتاق كلّها، وكذا الكتابة
كالإعتاق في هذا؛ لثبوت حرمة الوطء بذلك كله، وبِرَهْن إحداهما وإجارتها
وتدبيرها لا تحل الأخرى، ألا ترى أنها لا تخرج بها عن ملكه، وقوله: "أو نكاح"
هذه الأفعال
أراد به النكاح الصحيح، أما إذا زوَّج إحداهما نكاحاً فاسداً لا يباح له وطءُ
الأخرى، إلا أن يدخل الزوجُ بهَا فِيهِ؛ لأنه تحب العِدَّةُ عليها، والعدة كالنكاح
الصحيح في التحريم. ولو وطء إحداهما: حل له وطء الموطوءة دون الأخرى؛
لأنه يصير جامعاً بوطء الأخرى لا بوطء الموطوءة،
وكذا الكتابة إلخ: أي وكذا لو كاتب إحداهما، فإن الكتابة كالإعتاق لثبوت حرمة الوطء بها حتى لو وطئها
يعزم العقد لها. وقال صاحب "العناية": وكلمة "كذا" زائدة. قلت: زيادة كذا في كلام العرب غير
مشهورة. (البناية) وفي "المبسوط": هذا الجواب في الكتابة مشكل؛ لأنها بالكتابة لا تخرج عن ملك المولى، حتى
لا يلزمه استبراء جديد بعد العجز، ولم يحل فرجها لغيره، فكان ينبغي أن لا يحل له وطء الأخرى، ولكن قال:
ملك المولى يزول بالكتابة، ولهذا يلزمه العقر بوطئها، فكان وطؤه إياها في غير ملكه، حتى لا ينفك عن عقوبة
أو غرامة، وقد سقطت العقوبة، فتجب الغرامة، فيجعل زوال ملك الحل عنها بالكتابة كزواله بتزويجها، فيحل
له أن يطأ الأخرى. [الكفاية ٤٨٤/٨-٤٨٥] في هذا: أي في أنه تحل الأخرى. [البناية ٢١٣/١١]
بذلك كله: أي كما ذكرنا في الصور، وهو تمليك الشقص، وإعتاق البعض والكتابة. [البناية ٢١٣/١١]
لا تخرج إلخ: أقول: كان الظاهر في التعليل هنا أن يقول: لأنه لا تثبت بها حرمة الوطء؛ فإن مجرد عدم خروجها
عن ملكه لا يقتضي أن لا تحل له الأخرى، ألا ترى أنها لا تخرج عن ملكه بالكتابة أيضاً كما تقرر في كتاب
المكاتب، وصرح به الشراح أيضاً هنا فيما قبل مع أنه إذا كاتب إحداهما تحل له الأخرى كما مر آنفاً، وحمل
الملك في قوله: لا تخرج بها عن ملكه على ملك الوطء كما فعله بعض المتأخرين تعسف لا يخفى؛ إذ المستعمل في
اللغة والعرف حل الوطء لا ملك الوطء، وإنما يقال: ملك اليمين أو ملك النكاح. [فتح القدير ٤٨٤/٨-٤٨٥]
والعدة كالنكاح: أي على المولى، فيجعل له حينئذ أن يطأ أختها. [البناية ٢١٤/١١]

٢٢٣
كتاب الكراهية
وكلُّ امرأتين لا يجوز الجمع بينهما نكاحاً فيما ذكرناه بمنزلة الأختين. قال: ويكره
محمد
امتین
مُ
أن يقبِّل الرجل فمَ الرجل، أو يده، أو شيئاً منه، أو يعانقه، وذكر الطحاوي أن هذا
في شرح الآثار
قول أبي حنيفة ومحمد بهما. وقال أبو يوسف بحثه: لا بأس بالتقبيل والمعانقة؛ لما روي:
"أن النبي ◌ُّ عانق جعفرًاً نظرُله حين قدم من الحبشة، وقبَّل بين عَيْنَيَّه"،* ولهما: ما روي:
صلابته
نهى عن المكامعة-وهي المعانقة-وعن المكاعمة - وهي التقبيل" - ** وما
"أن النبي
رواه محمولٌ على ما قبل التحريم، ثم قالوا: الخلاف في المعانقة في إزار واحد،
لا يجوز الجمع: كل شخصين لو جعل أحدهما ذكراً والأخرى أنثى أيهما جاز النكاح بينهما. جاز الجمع
بينهما إذا كانتا أنثيين، وإن كان لا يجوز النكاح بينهما لا يجوز الجمع بينهما إذا كانتا أنثيين.
بمنزلة الأختين: يعني تكونان بمنزلة الأختين في قضاء الشهوة، فإذا قبلهما، أو مسّهما، أو نظر إلى
فرجهما بشهوة لا يجوز له وطء واحدة منهما، حتى يحرم فرج الأخرى عليه بوجه من الوجوه، وكذا الحكم
فيما إذا كانت إحداهما أم الأخرى أو بينهما لا يجوز الجمع بينهما في قضاء الشهوة. [البناية ٢١٤/١١]
ثم قالوا إلخ: والشيخ أبو منصور له وفق بين هذه الأحاديث، فقال: المكروه من المعانقة ما كان على
وجه الشهوة، وعبر عنه المصنف بقوله: في إزار واحد، فإنه سبب يفضي إليها، فأما على وجه البر
والكرامة إذا كان عليه قميص أو جبة، فلا بأس به. [العناية ٤٨٥/٨]
*روي مسنداً ومرسلاً، أما المسند فعن ابن عمر وجابر وأبي جحيفة وعائشة. [نصب الراية ٢٥٤/٤] أخرجه
الحاكم في "المستدرك" عن ابن عمر قال: "وجه رسول الله ( ◌ّ جعفر بن أبي طالب إلى بلاد الحبشة، فلما قدم
منها اعتنقه النبي (33)، وقبّل بين عينيه،" وقال الحاكم: إسناده صحيح لا غبار عليه. [٤٦٤/١، في أواخر الصلاة]
** رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" في "النكاح" حدثنا زيد بن الحباب حدثني يحيى بن أيوب المصري أخبرني
عياش بن عباس الحميري عن أبي الحصين الهيثم عن عامر الحجري قال: سمعت أبا ريحانة صاحب النبي (48ً
واسمه شمعون قال: "كان رسول الله ﴿® ينهى عن مكاعمة أو معاكمة المرأة المرأة ليس بينهما شيء، وعن
معاكمة الرجل الرجل ليس بينهما شيء".[٤٥٣/٣، باب في مباشرة الرجل الرجل والمرأة المرأة]

٢٢٤
كتاب الكراهية
أما إذا كان عليه قميص أو جُبَّة فلا بأس بها بالإجماع، وهو الصحيح. قال:
الرجل
ولا بأس بالمصافحة؛ لأنه هو المتوارث، وقال عاليًا: "من صافح أخاه المسلمَ
المصافحة
وحرَّك يده تناثرت ذنوبُه" . *
فصل في البيع
قال: ولا بأس ببيع السِّرْقِين، ويكره بيعُ العَذِرة، وقال الشافعي بحوثّه: لا يجوز بيع
محمد
السرقين أيضاً؛ لأنه نجسُ العين، فشابه العذرةَ وجلدَ الميتة قبل الدباغ. ولنا: أنه منتفع
به؛ لأنه يلقى في الأراضي لاستكثار الرِّيْع، فكان مالاً، والمالُ محلٌّ للبيع، بخلاف
العذرة؛ لأنه لا ينتفع بها إلا مخلوطاً، ويجوز بيعُ المخلوط هو المروي عن محمد محله،
وهو الصحيح، وكذا يجوز الانتفاع بالمخلوط لا بغير المخلوط في الصحيح،
في البيع: أخر فصل في البيع عن فصل الأكل والشرب واللمس والوطء؛ لأن أثر تلك الأفعال متصل ببدن
الإنسان، وهذا لا وما كان أكثر اتصالاً كان أحق بالتقديم. [نتائج الأفكار ٨ /٤٨٦] فكان مالاً: لأن المال
ما يتمول أي يدخر لوقت الحاجة، وقد يتمول المسلمون السرقين، وانتفعوا به من نكير من أحد من السلف.
بيع المخلوط: لأنه مال، ونجاسة العين يمنع الأكل، ولا يمنع الانتفاع. (البناية) وهو الصحيح: احترز به
عما روي عن أبي حنيفة أنه قال: لا بأس ببيع غير المخلوط أيضًا. (البناية) في الصحيح: احترز به عما
روي عن أبي حنيفة مالك أنه قال: لا بأس بالانتفاع بالعذرة الخالصة. [البناية ٢٢٦/١١]
"روى الطبراني في "معجمه الوسط" حدثنا أحمد بن رشدين ثنا يحيى بن بكير ثنا موسى بن ربيعة عن
موسى بن سويد الجمحي عن الوليد بن أبي الوليد عن يعقوب الخريقي عن حذيفة بن اليمان عن النبي ◌َّ
قال: "إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلّم عليه، وأخذه بيده فصافحه تناثرت خطاياهم كما يتناثر ورق
الشجر".[نصب الراية ٢٥٩/٤]

٢٢٥
كتاب الكراهية
والمخلوطُ بمنزلة زيت خالطته النجاسةُ. قال: ومن علم بجارية أنَّها لرجلٍ، فرأى
آخرَ يبيعها، وقالٍ: وكلني صاحبُها ببيعها: فإنه يَسَعهُ أن يبتاعها ويطأها؛ لأنه أخبر
الآخر
الآخر
بخبر صحيح لا منازع له، وقول الواحد في المعاملات مقبول على أيِّ وصف كان؛
لما مرّ من قبل. وكذا إذا قال: اشتريتُها منه، أو وهبها لي، أو تصدّق بها عليّ؛ لما قلنا،
الآخر
يقبل قوله
وهذا إذا كان ثقة، وكذا إذا كان غير ثقة وأكبرُ رأيه أنه صادق؛ لأن عدالة المخبر في
الآخر
قبول قوله الآخر
المعاملات غيرُ لازمة؛ للحاجة على ما مرّ، وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب: لم يَسَعْ
له أن يتعرض لشىء من ذلك؛ لأن أكبر الرأي يقام مقام اليقين، وكذا إذا لم يعلم
یقصد
أنها لفلان، ولكن أخبره صاحب اليد أنها لفلان،
بمنزلة زيت: أي المخلوط من العذرة بالتراب بمنزلة زيت خالطته النجاسة حيث يجوز بيعه والانتفاع
به كالاستصباح ونحوه اتفاقاً، فذلك العذرة المخلوطة بالتراب الغالب يجوز بيعه قياساً عليه، والجامع كونها
منتفعاً بها؛ لأن الناس ينتفعون بها مخلوطة. [البناية ٢٢٦/١١] بخبر صحيح: لأنه صدر عن عقل ودين مع
اعتقاد حرمة الكذب. (البناية) أي وصف: يعني حراً كان أو عبداً، مسلماً كان أو كافرًا، رجلاً كان أو
امرأة، عدلاً كان أو غير عدل، صبياً كان أو بالغاً، بعد أن كان عاقلاً مميزاً. [البناية ٢٢٧/١١]
من قبل: يعني في فصل الأكل والشرب في قوله: ومن أرسل أجيراً له مجوسيًا؛ وهذا لأن خبر الواحد في
المعاملات مقبول من غير شرط العدالة؛ دفعاً للحرج. (العناية) لما قلنا: إشارة إلى قوله: لأنه أخبر بخبر
صحيح لا منازع له. [العناية ٤٨٧/٨] كان ثقة: مراد المصنف بقوله: إذا كان ثقة إذا كان عدلاً، وبقوله:
وكذا إذا كان غير ثقة، وكذا إذا كان غير عدل، ولا تناقض بين ذلك وبين قوله: على أي وصف كان
أصلاً. [نتائج الأفكار ٤٨٧/٨] على ما مر: إشارة إلى ما قال في فصل الأكل والشرب: إن قول
الواحد قبل في المعاملات؛ دفعاً للحرج.
لشيء من ذلك: أي يقصد بشيء من الانتفاع والوطء يعني: لا يشتريها ولا يطأها. (البناية) لم يعلم: أي وكذا
الحكم إذا لم يعلم الرجل أن الجارية لفلان، ولكن الذي في يده أخبره أنها لفلان. [البناية ٢٢٨/١١]

٢٢٦
كتاب الكراهية
وأنه وكله ببيعها، أو اشتراها منه، والمخبر ثقةً: قبل قوله، وإن لم يكن ثقة يعتبر أكبر
الفلان
رأيه؛ لأن إخباره حُجَّة في حقه، وإن لم يخبره صاحب اليد بشيء: فإن كان عرفها
الجارية
للأول لم يشترها، حتى يعلم انتقالها إلى ملك الثاني؛ لأن يد الأول دليل ملكه، وإن كان
من صاحب الید
لا يعرف ذلك، له أن يشتريها، وإن كان ذو اليد فاسقاً؛ لأن يد الفاسق دليلُ الملك في
حق الفاسق والعدل، ولم يعارضه معارِضٌ، ولا معتبرَ بأكبر الرأي عند وجود الدليل
الظاهر، إلا أن يكون مثلُه لا يملك مثل ذلك، فحينئذ يُسْتحب له أن يتنزه. ومع
الید
عن الشراء
ذلك لو اشتراها يرجى أن يكون في سعة من ذلك؛ لاعتماده الدليل الشرعي، وإن
كان الذي أتاه بها عبداً أو أمة: لم يقبلها ولم يشترها حتى يسأل؛ لأن المملوك لا ملكَ
له، فيعلم أن الملك فيها لغيره، فإن أخبره أن مولاه أذن له وهو ثقة: قُبلَ، وإِن لم يكن
ثقة يعتبر أكبر الرأي، وإن لم يكن له رأيٌ لم يشترها؛ لقيام الحاجز، فلابد من دليل.
حجة في حقه: أى في حق نفسه فيما يرجع إليه، وهو قوله: ليس لي، بل لفلان، ولكن غير حجة فيما
لا يرجع إليه، وهو قوله: وكلني أو اشتريت منه، فلابد من حجة، وهو أكبر الرأي. [البناية ٢٢٩/١١]
الفاسق والعدل: أي في حق الناس كافة؛ لأن اليد دليل الملك شرعاً، والفاسق والعادل في هذا سواء،
حتى إذا نازعه غيره، فالقول له، ويحل لمن رآه في يده أن يشهد له بالملك. [الكفاية ٤٩٠/٨]
مثل ذلك: كدرة في يد الفقير لا يملك شيئاً، أو كتاب في يد جاهل لم يكن في إيابه وهو أهل
لذلك. [البناية ٢٢٩/١١] الدليل الشرعي: وهو أن اليد دليل الملك. وإن كان الذي إلخ: أي وإن كان
الذي أتى الرجل بالجارية عبداً أو أمة، وقال: وههنا شك لم يقبلها ولم يشترها حتى يسأل إلخ. (البناية)
أکبر الرأي: فإن کان أکبر رأيه أنه صادق صدقه، وإن کان أکېر رأيه أنه كاذب لم يتعرض لشيء من
ذلك. (البناية) لقيام الحاجز: لأن الرق حاجز عن التصرف أي مانع عنه، فما لم يوجد نوع دليل لا يعمل
بمجرد اليد. [البناية ٢٣٠/١١]

٢٢٧
كتاب الكراهية
قال: ولو أن امرأة أخبرها ثقة أن زوجها الغائبَ مات عنها، أو طّقها ثلاثاً، أو كان
غير ثقة، وأتاها بكتاب من زوجها بالطلاق، ولا تدري أنه كتابه أم لا، إلا أن أكبر
رأيها أنه حق، يعني بعد التحري: فلا بأس بأن تعتد ثم تتزوج؛ لأن القاطع
طارئٍ ولا منازع. وكذا لو قالت لرجل: طلّقْني زوجي وانقضت عدّتي، فلا بأس
أن يتزوجها، وكذا إذا قالت المطلقة الثلاث: انقضت عدتي، وتزوّجت بزوج آخر،
ودخل بي، ثم طلقني وانقضت عدتي، فلا بأس بأن يتزوجها الزوج الأول، وكذا لو
قالت جارية: كنت أمةً لفلان، فأعتقني؛ لأن القاطع طارئ. ولو أخبرها مخبرً: أن
أصل النكاح كان فاسداً، أو كان الزوج حين تزوجها مرتدًّا، أو أخاها من الرضاعة:
لم يقبل قوله ، حتى يَشْهد بذلك رجلان أو رجل وامرأتان. وكذا إذا أخبره مخبر أنك
عدل
المخبر
تزوجتها، وهي مرتدة، أو أختك من الرضاعة: لم يتزوج بأختها أو أربع سواها،
ولو أن امرأة: هذه المسألة مع ما بعدها إلى قوله: وإذا باع المسلم خمراً من مسائل كتاب الاستحسان،
ذكرها هنا تفريعاً على مسألة "الجامع الصغير". فلا بأس: بناء على أن القاطع إذا كان طارئاً ولا منازع
للمخبر به يقبل قول الواحد، فإن كان ثقة لا يحتاج إلى غيره، وإن لم يكن لابد من انضمام أكبر رأي
المخبر له. [العناية ٤٩٠/٨] ثم تتزوج: هذا في الإخبار، وأما في الشهادة فلا يصح، وإن كان الشاهد اثنين
حيث لا يقضي القاضي بالفرقة؛ لأنها قضاء على الغائب. [الكفاية ٤٩٠/٨]
لأن القاطع: أي لأن القاطع للزوجية طارئ أي: عارض وهو الموت أو الطلاق، والزوجية السابقة
لا تنازعه؛ لأنها لا تدل على البقاء، وهو معنى قوله: ولا منازع يعني ولا منازع موجود هنا. [البناية ٢٣١/١١]
فلا بأس إلخ: [أي إذا كانت ثقة، أووقع في قلبه أنها صادقة] لأنها أخبرت عن أمر لا منازع فيه. (البناية)
فأعتقني: يحل للمخبر له أن يتزوجها. (البناية) القاطع طارئ: أي القاطع للرقبة عارض وهو العتق،
ولا منازع. [البناية ٢٣٤/١١]

٢٢٨
کتاب الكراهية
حتى يَشْهد بذلك عدلان؛ لأنه أخبر بفساد مقارن، والإِقدامُ على العقد يدل
للعقد
المخبر
على صحته وإنكار فساده، فثبت المنازع بالظاهر، بخلاف ما إذا كانت المنكوحة
صغيرة، فأخبر الزوج أنها ارتضعتٍ من أمه أو أخته، حيث يقبل قولُ الواحد فيه؛ لأن
القاطع طارئ، والإقدامُ الأول لا يدل على انعدامه، فلم يثبت المنازع فافترقا، وعلى
على العقد
هذا الحرف یدور الفرقُ. ولو كانت جارية صغيرة لا تُعبِّر عن نفسها في يد رجل
يَدَّعى أنها له، فلما كبرت لقيها رجل في بلد آخر، فقالت: أنا حرة الأصل، لم يسعه
أن يتزوجها؛ لتحقق المنازع، وهو ذو اليد، بخلاف ما تقدم. قال: وإذا باع المسلم
خمراً، وأخذ ثمنها، وعليه دين: فإنه يكره لصاحب الدين أن يأخذ منهٍ، وإن كان
البائع نصرانياً: فلا بأس به. والفرق: أن البيع في الوجه الأول قد بطل؛ لأن الخمر ليس
بمال متقوّم في حق المسلم، فبقي الثمنُ على ملك المشتري، فلا يحلّ أخذه من البائع،
المسلم
لأنه أخبر إلخ: أي لأن هذا خبر في موضع المنازعة؛ لأن الظاهر من حال العاقد أنه يدعي صحة عقده،
وهذا يدعي فساده، فلا یقبل، إلا إذا شهد عنده شاهدان عدلان علی ذلك، فحينئذ يقبل.
فيثبت المنازع إلخ: فالحاصل: إنا لم نقبل خبر الواحد في موضع المنازعة؛ لحاجتنا إلى الإلزام، وقبلنا في
موضع المسالمة؛ لعدمه. (الكفاية) لأن القاطع طارئ: أي القاطع للزوجية عارض وهو الرضاع. (البناية)
يدور الفرق: [أي بين قبول قول الواحد وعدم قبوله] هو أن المفسد إذا كان طارئاً يثبت بخبر الواحد
العدل، وإن كان مقارناً، فلا يثبت حتى يشهد بذلك عدلان. [الكفاية ٤٩١/٨]
بخلاف ما تقدم: أراد به قوله: أنها لو قالت: كنت أمة لفلان، فأعتقني حيث يقبل قولها؛ لأن الخبر الأول
في غير موضع المنازعة. [البناية ٢٣٥/١١] فإنه يكره: وروي عن محمد بنله أنه قال: هذا إذا كان القضاء
والاقتضاء بالتراضي، فإن كان بقضاء القاضي بأن قضى عليه بهذا الثمن غير عالم بكونه ثمن الخمر طاب له
ذلك بقضائه. [العناية ٤٩١/٨]

٢٢٩
کتاب الكراهية
وفي الوجه الثاني: صحّ البيع؛ لأنه مال متقوَّم في حق الذميّ، فملكه البائعُ، فيحل
النصراني
الأخذ منه. قال: ويكره الاحتكارُ في أقوات الآدميين والبهائم إذا كان ذلك في
بلد يَضُرُّ الاحتكارُ بأهله، وكذلك التلقّي، فأما إذا كان لا يضرّ: فلا بأس به.
والأصل فيه قوله عليه: "الجالب مرزوقٌ والمحتكِرُ ملعون"، * ولأنه تعلق به حق
الدليل كراهة الاحتكار
العامة، وفي الامتناع عن البيع إبطالُ حقِّهم، وتضييقُ الأمر عليهم، فيكره إذا كان
يضرّ بهم ذلك بأن كانت البلدة صغيرة، بخلاف ما إذا لم يضرّ، بأن كان المصرُ
كبيراً؛ لأنه حابسٌ ملكه من غير إضرار بغيره، وكذا التلقِّي على هذا التفصيل؛
لأَنَّ النبي عليَلا نهى عن تلقّي الجَلَب،
ويكره الاحتكار: هو افتعال من حكر أي حبس، والمراد به حبس الأقوات متربصاً للغلاء. [العناية ٤٩١/٨]
وكذلك التلقّي إلخ: أي وكذا يكره التلقي الجلب إذا كان في بلد يضر أهله، وإلا فلا، والمراد منه: أن
يخرج من البلدة إلى القافلة التي جلبت الطعام، فاشتراها خارج البلد، يكره، وإلا فلا إذا كان لا يضر،
فلا بأس به. [البناية ٢٣٧/١١ -٢٣٨] الجالب: قال الفقيه أبو الليث: أراد بالجالب الذي يشتري الطعام
للبيع، فيجلبه إلى بلده، فيبيعه فهو مرزوق؛ لأن الناس ينتفعون به، فيناله بركة دعاء المسلمين، والمحتكر
يشتري الطعام للمنع، ويضر بالناس؛ لأن في ذلك تعنيفاً على المسلمين. [البناية ٢٣٩/١١]
ملعون: قيل: اللعن على نوعين: أحدهما: الطرد من رحمة الله تعالى، وذلك لا يكون إلا للكافر، والثاني:
الإبعاد عن درجة الأبرار ومقام الصالحين، وهو المراد ههنا؛ لأن عند أهل السنة المؤمن لا يخرج عن الإِيمان
بارتكاب كبيرة. [الكفاية ٤٩١/٨] هذا التفصيل: يعني إن أضر بأهل البلدة يكره، وإلا فلا. (البناية)
* أخرجه ابن ماجه في "التجارات" عن علي بن سالم بن ثوبان عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن
المسيب عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله و2 37: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون". [رقم: ٢١٥٣،
باب الحكرة والجلب]

٢٣٠
کتاب الكراهية
وعن تلقّي الرُّكْبَان . * قالوا: هذا إذا لم يَلْبِرْ المتلقّي على التجار سعرَ البلدة، فإن
لم يخف
لبس فهو مكروه في الوجهين؛ لأنه غادرٌ بهم، وتخصيصُ الاحتكار بالأقوات
بتلبيس السعر التجار
تلقي
كالحنطة والشعير والتبن والقَتّ قول أبي حنيفة مطظه، وقال أبو يوسف بحثه: كل
ما أضرَّ بالعامة حبسُه، فهو احتكار، وإن كان ذهباً أو فضةً أو ثوباً، وعن محمدٍ بِه
في رواية هاشم
أنه قال: لا احتكار في الثياب، فأبو يوسف بحالته اعتبر حقيقة الضرر؛ إذ هو المؤثر
في الكراهة، وأبو حنيفة بالته اعتبر الضرر المعهود المتعارف.
قالوا: هذا: أي قال المشايخ : هذا الذي ذكرناه من الكراهة فيما إذا أضر بأهل البلدة، وعدم الكراهة فيما
لم يضر بهم فيما إذا اشترى المتلقي بلا لبس السعر على التجارة، أما إذا لبس عليهم، فإنه يكره سواء أضر بأهل
البلدة أو لم يضر. (البناية) في الوجهين: أي في صورة الإضرار وعدم الإضرار. [البناية ٢٤٠/١١]
لا احتكار إلخ: فإن الحاجة اللازمة الدائمة في الأقوات دون غيرها، والثياب لا يقف قيام الأبدان، وبقاء
الحياة عليها، وقوت الحيوان ما كان قوامه به من المأكول، وقال القدوري في شرح مختصر الكرخي، وأما
قول محمد بحثه: إن حبس الأرز ليس باحتكار، فهو محمول على البلاد التي لا يتقوتون به، أما في الموضع
الذي هو قوتهم مثل طبرستان، فهو احتكار.
حقيقة الضرر: أي وحقيقة الضرر موجودة في كل شيء، ولعموم النهي أيضاً. [البناية ٢٤١/١١]
المعهود المتعارف: غالباً بين الناس، وذكر في "الكافي" محمد مع أبي حنيفة محلّه، قال: وعليه الفتوى،
والحاصل: أنهما اعتبرا الأمر الغالب العام، وذلك لا يكون إلا فيما هو ضرر مطلق. [البناية ٢٤١/١١-٢٤٢]
** ما حديثان. [نصب الراية ٢٦١/٤] فالأول: أخرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة أن رسول الله وَطَّ
قال: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقّاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار".[رقم: ١٥١٩،
باب تحريم تلقي الجلب] والثاني: أخرجه البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس أنّها قال: قال رسول الله ◌َّ:
"لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد"، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: لا يبيعُ حاضر لباد؟ قال: لا يكون
له سمسارًا. [رقم: ٢١٥٨، باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر]

٢٣١
كتاب الكراهية
ثم المدةُ إذا قصرت لا يكون احتكاراً؛ لعدم الضرر، وإذا طالتٍ يكون احتكاراً
مكروهاً؛ لتحقق الضرر، ثم قيل: هي مقدرة بأربعين يوماً؛ لقول النبي 38: "من
احتكر طعاماً أربعين ليلةً فقد برئ من الله وبرئ اللهُ منه"، * وقيل: بالشهر؛ لأن ما
مقدرة بالشهر
دونه قليل عاجل، والشهر وما فوقه كثير آجل، وقد مر في غير موضع، ويقع
التفاوتُ في المأثم بين أن يتربص العزّة وبين أن يتربص القحط-والعياذ بالله-، وقيل:
ينتظر
المدة للمعاقبة في الدنيا، إمَّا يأثم وإن قلَّت المدّة، والحاصل: أن التجارة في الطعام غير
محمودة. قال: ومن احتكر غلة ضيعته، أو ما جلبه من بلد آخر: فليس بمحتكر، أما
القدوري
الأول؛ فلأنه خالص حقّه لم يتعلق به حقُّ العامة، ألا ترى أن له أن لا يزرع،
أرضه
فكذلك له أن لا يبيع. وأما الثاني فالمذكور قول أبي حنيفة بداله؛
هي مقدرة: أي مدة الاحتكار التي يمنع منها. وقد مر إلخ: أي قد مر بيان أن الشهر کثیر وما دونه قليل في
غير موضع من الكتاب في الصلاة، والسلم والوكالة واليمين وغيرها. (البناية) ويقع التفاوت إلخ: أراد أن إثم
من يتربص القحط أعظم من إثم من يتربص عزة الطعام، وهي الغلاء. (البناية) المدة للمعاقبة: يعني ضرب
المدة في الاحتكار لأجل المعاقبة في الدنيا، يعني يقدر الإمام المحتكر ويهدده. [البناية ٢٤٣/١١]
غير محمودة: هذا إذا كان على قصد الاحتكار، وتربص الغلاء، وقصد الإضرار بالناس، أما إذا لم يكن شيء من
ذلك فهو محمود؛ لأن الكاسب صديق الله. [الكفاية ٤٩٢/٨] أما الثاني: وهو ما جلبه من بلد آخر. (البناية)
"رواه أحمد وابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، والحاكم في "المستدرك"، والدار قطني
في غرائب مالك، والطبراني في "معجمه الوسط"، وأبو نعيم في "الحلية". [نصب الراية ٢٦٢/٤] أخرجه
الحاكم في "المستدرك" عن عمرو بن الحصين عن أصبغ بن زيد ثنا أبو بشر عن أبي الزاهدية عن كثير بن
مرة الحضرمي عن ابن عمر عن النبي قال: "من احتكر طعاماً أربعين ليلة، فقد برئ من الله وبرئ الله
منه، وأيما أهل عرصةٍ بات فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله".[١١/٢، في البيوع]

٢٣٢
كتاب الكراهية
لأن حق العامة إنما يتعلق بما جُمعَ في المصر، وجلب إلى فنائها، وقال أبو يوسف حدثته:
من بلد آخر
وأهل مصر
يكره لإطلاق ما روينا، وقال محمد بدله: كل ما يجلب منه إلى المصر في الغالب فهو
بمنزلة فناء المصر، يَحْرَمِ الاحتكارُ فيه؛ لتعلق حق العامة به، بخلاف ما إذا كان البلد
الذي جلبت منه
بعيداً لم تجرِ العادةُ بالحمل منه إلى المصر؛ لأنه لم يتعلق به حق العامة. قال: ولا ينبغي
القدوري
للسلطان أن يُسَعِّرَ على النَّاس؛ لقوله عليها: "لا تسعِّروا فإن الله هو المسعِّر القابض
الباسط الرازق"،* ولأن الثمن حق العاقد، فإليه تقديره، فلا ينبغي للإمام أن يتعرض
لحقه، إلا إذا تعلق به دفع ضرر العامة على ما نبيّن. وإذا رُفِعَ إلى القاضي هذا الأمر
الاحتکار
يأمر المحتكِرَ ببيع ما فَضَلَ عن قُوتِه وقوت أهله على اعتبار السعة في ذلك، وينهاه عن
الاحتکار، فإن رُفعَ إليه مرة أخرى حبسه وعزره على ما یری زجراً له؛
ما روينا: أشار به إلى قوله : "المحتكر ملعون". (البناية) كل ما يجلب: أي كل موضع يجلب إلخ.
يحرم الاحتكار فيه: ذكر الفقيه أبو الليث بطلته في شرح "الجامع الصغير": إن هذا على ثلاثة أوجه: في
وجه لا بأس به، وفي وجه مكروه، وفي وجه اختلفوا فيه، فأما الذي هو مكروه هو أن يشتري طعاماً في
مصر ويمتنع عن بيعه، وفي ذلك ضرر بالناس، فإنه مكروه. [البناية ٢٤٤/١١]
إلا إذا تعلق به إلخ: بأن يتعدى المعتاد تعدياً فاحشاً يبيع ما يساوي خمسين بمائة، فحينئذ يمنع منه دفعاً للضرر
عن المسلمين، وأما المتعارف فليس به بأس. [البناية ٢٤٦/١١] على ما نبين: والبيان في قوله: ويتعدون عن
القيمة تعدياً فاحشاً.(الكفاية) في ذلك: يعني في قوته وقوت أهله. (البناية) مرة أخرى: وفي "الجامع الصغير":
فإن رفع إليه مرة أخرى وعظه وهدده، فإن رفع إليه مرة ثالثة، فحينئذ حبسه. [الكفاية ٤٩٢/٨]
*روي من حديث أنس، ومن حديث أبي جحيفة، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث الخدري. [نصب
الراية ٢٦٢/٤] أخرجه أبوداود في "سنته" عن أنس بن مالك قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السِّعرُ
فسعِّر لنا، فقال رسول الله تع الى: "إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى
وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال". [رقم: ٣٤٥١، باب في التسعير]

٢٣٣
کتاب الكراهية
دفعاً للضرر عن الناس. فإن كان أربابُ الطعام يتحكمون، ويتعدَّون عن القيمة تعدِّياً
فاحشاً، وعجز القاضى عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فحينئذ لا بأس به،
التسعير
بمشورةٍ من أهل الرأي والبصيرة، فإذا فعل ذلك، وتعدَّى رجل عن ذلك، وباع
التسعير
بأكثر منه أجازه القاضي، وهذا ظاهر عند أبي حنيفة بداله؛ لأنه لا يرى الحِجْرَ
يعني لا ينقضه
الذي سعره
على الحُرِّ، وكذا عندهما، إلا أن يكون الحجر على قوم بأعيانهم. ومن باع منهم
بما قدَّره الإِمام: صح؛ لأنه غير مُكْرَهٍ على البيع، وهل يبيع القاضي على المحتكر
البالغ العاقل
طعامه من غير رضاه؟ قيل: هو على الاختلاف الذي عُرف في بيع مال المديون،
وقيل: يبيع بالاتفاق؛ لأن أبا حنيفة ك يرى الحجر؛ لدفع ضرر عام، وهذا كذلك.
قال: ويُكره بيعُ السِّلاح في أيام الفتنة، معناه: ممّن يُعْرف أنه من أهل الفتنة؛
القدوري
تعدياً فاحشاً: بأن يبيعوا فقيرًا بمائة، وهو يُشْتَرى بخمسين، فيمنعون منه دفعاً للضرر عن المسلمين. [العناية ٤٩٢/٨]
أجازه القاضي: وذلك لأنه إذا لم يكن على قوم بأعيانهم لا يكون ذلك حجراً بل يكون قبولاً في ذلك.
لا يرى الحجر: وفي إبطال بيعه كأنه رأى الحجر عليه. (البناية) وكذا عندهما: أي وكذا هو ظاهر
عندهما؛ لأنهما وإن رأيا الحجر، ولكن على حر معين، أو قوم بأعيانهم، أما على قوم مجهولين فلا، وههنا
كذلك، فلا يصح. [البناية ٢٤٨/١١] من غير رضاه: أي امتنع عن البيع بالكلية.
على الاختلاف: أشار به إلى اختلاف المشايخ، قال بعضهم: لا يبيع على مذهب أبي حنيفة محله، ويبيع
على قولهما كما في بيع مال المديون المفلس إذا امتنع عن البيع. (البناية) يبيع بالاتفاق: وإليه ذهب
"القدوري" في شرحه. (البناية) يرى الحجر: كالحجر على الطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، والمفتي
الماجن؛ لأن ضررهم يرجع إلى العامة. (البناية) وهذا كذلك: أي وهذا الحكم وهو بيع القاضي طعام
المحتكر بغير رضا كالحجر لدفع ضرر عام؛ لأن ضرره يرجع على العامة. (البناية) معناه: أي معنى كلام
القدوري يكره بيع السلاح في أيام الفتنة. [البناية ٢٤٩/١١]

٢٣٤
کتاب الكراهية
لأنه تسبيب إلى المعصية، وقد بينّاه في السِّير، وإن كان لا يعرف أنه من أهل
البيع
الفتنة لا بأس بذلك؛ لأنه يُحْتَمل أن لا يستعمله في الفتنة، فلا يكره بالشك. قال:
القدوري
البيع منه
ولا بأس يبيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمراً؛ لأن المعصية لا تقام بعينه بل بعد
تغييره، بخلاف بيع السلاح في أيام الفتنة؛ لأن المعصية تقوم بعينه. قال: ومن أخَّرَ
بیتاً لُنّخَذ فیہ بیتُ نار، أو کنيسة، أو بيعة، أو يباع فيه الخمر بالسواد: فلا بأس به،
٣٠لليهود
للنصارى
وهذا عند أبي حنيفة مسافيه، وقالا: لا ينبغي أن يُكْرِيه لشيء من ذلك؛ لأنه إعانة على
المعصية، وله: أن الإِجارة تردّ على منفعة البيت، ولهذا تجب الأجرة بمجرد التسليم،
أبي حنيفة
ولا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر، وهو مختار فيه، فقطع نسبته عنه، وإنما
المکري
الإجارة
قَيَّده بالسواد؛ لأنهم لا يُمَكّنون من اتخاذ البيع والكنائس، وإظهار بيع الخمور
الكفار
والخنازير في الأمصار؛ لظهور شعائر الإسلام فيها، بخلاف السواد، قالوا: هذا كان
أعلام
في سواد الكوفة؛ لأن غالب أهلها أهل الذمة،
إلى المعصية: وهو الإعانة على العدوان وقد نهينا عنه، قال الله سبحانه تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ
وَالْعُدْوَانِ﴾. (البناية) في السير: أي في آخر كتاب السير. (البناية) بعد تغييره: أي استحالته إلى الخمر. (البناية)
بالسواد: [القرى أي بيتاً كائناً بالسواد] يتعلق بالجميع. (البناية) بمجرد التسليم: أي تسليم البيت إلى
المستأجر. مختار فيه: أي المستأجر مختار في فعل المعصية يعني أن ذلك باختياره. [البناية ٢٥١/١١]
فقطع نسبته: أي قطع نسبة المعصية عن العقد، وفي بعض النسخ: فيقطع نسبه عنه، وهذا كما إذا أخذ
من هرب ممن قصده بالقتل حتى قتله لا شيء على الآخر لتخلل فعل فاعل مختار. [البناية ٢٥١/١١]
شعائر الإسلام فيها: أي في الأمصار، وهي الجمع والجماعات والأعياد، وإقامة الحدود على ما ذكرنا عن
قريب. (البناية) بخلاف السواد: أي أهل القرى؛ لأنه ليست فيه شعائر الإسلام كالأمصار. [البناية ٢٥١/١١]

٢٣٥
كتاب الكراهية
فأما في سوادنا فأعلام الإِسلام فيها ظاهرة، فلا يمكنون فيها أيضاً، وهو الأصح.
القرى
الكفار
قال: ومن حمل لذقِّيِّ خمراً: فإنه يطيب له الأجرُ، عند أبي حنيفة مدلّه،
قياساً
وقال أبو يوسف ومحمد يحميها: يكره له ذلك؛ لأنه إعانة على المعصية، وقد صح:
الحمل
استحسانا
صلى الله
لعن في الخمر عشراً: حاملها والمحمول إليه" .* وله: أن المعصية في شربها،
عليه
"أن النبي ◌ُّ
وهو فعلُ فاعلٍ مختار، وليس الشربُ من ضرورات الحمل، ولا يقصد به، والحديث
محمول على الحمل المقرون بقصد المعصية. قال: ولا بأس ببيع بناء بيوت مكة، ويكره
اتفاقا
محمد
بيع أرضها، وهذا عند أبي حنيفة بداله. وقالا: لا بأس ببيع أرضها أيضاً، وهذا رواية
أبو يوسف ومحمد بحثًا
عن أبي حنيفة بدله؛ لأنها مملوكة لهم؛ لظهور الاختصاص الشرعي بها، فصار كالبناء.
أرض مكة
أرض مكة
وهو الأصح: وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وعند الفضلي: لا يمنعون من ذلك
في السواد، واحترز بقوله: وهو الأصح عن قوله. [البناية ٢٥٢/١١] على المعصية: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا
عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. من ضرورات الحمل: لأن الشرب قد يوجد بدون الحمل، والحمل قد يوجد
بلا شرب، بل يكون الحمل للإراقة، أو للصب في النخيل ليتخلل، فلم تكن المعصية من لوازمه. [البناية ٢٥٤/١١]
ولا يقصد به: أي لا يقصد الحامل بالحمل شرب الذمي، بل مقصوده تحصيل الأجرة. [الكفاية ٤٩٣/٨]
والحديث محمول إلخ: هذا جواب عن استدلالهما بالحديث، والمقرون بقصد المعصية هو شرب
الخمر. [البناية ٢٥٤/١١] وهذا: أي كراهة بيع أرض مكة عند أبي حنيفة محله، وبه قال مالك وأحمد حماها
في رواية. [البناية ٥٦٧/١٤] لظهور الاختصاص إلخ: أراد بالاختصاص الشرعي: التوارث، وقسمتها في
المواريث من الصدر الأول إلى يومنا. [البناية ٢٥٥/١١]
*روي من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث أنس. [نصب
الراية ٢٦٣/٤] أخرجه أبوداود عن ابن عمر أن رسول الله رَّ قال: "لعن الله الخمر، وشاربَها، وساقيها،
وبائعها، ومبتاعها، وعامرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه". [رقم: ٣٦٧٤، باب العنب يعصر للخمر]

٢٣٦
كتاب الكراهية
ولأبي حنيفة بدله قوله عليها: "ألا إن مكة حرام لا تباع رباعُها ولا تورث"، *. ولأنها
أرض مكة
حرَّة محتومة؛ لأنها فناء الكعبة، وقد ظهر آية أثر التعظيم فيها حتى لا يُنَفَّرُ صِيدُها،
أراضي مكة
ولا يُخْتَلَى خَلاها، ولا يُعَضَّدُ شوكُها، فكذا في حق البيع، بخلاف البناء؛ لأنه
خالص ملك الباني، ويكره إجارتها أيضاً؛ لقوله عليها: "من آجر أرض مكة فكأنما
بیوت مكة
أكلَ الربا"، ** ولأن أراضيَ مكة تسمّى السوائبَ على عهد رسول الله عليًا مَن
احتاج إليها سكنها،
رباعها: الرباع جمع ربع: وهو الدار بعينها حيث كانت، والمحلة والمنزل، كذا في "القاموس" وغيره، ولاشك
أن كلاً من الدار والمحلة والمنزل: اسم لما يشمل البناء والعرصة التي هي الأرض. [نتائج الأفكار ٤٩٥/٨]
حرة: أي خالصة لله تعالى، ووقف الخليل عليه موضع الحرم. (البناية) محترمة: أي لها حرمة عظيمة، وقد
حرمها إبراهيم الخليل عليّة، وقال ◌َّ: ألا إن مكة حرام منذ خلق الله السماوات والأرض. الحديث. (البناية).
لا ينفر: أي لا يزعج من موضعه، ولا يخوف. (البناية) ملك الباني: فيجوز بيعه كمن غرس شجرًا في
أرض الحرم، أو في أرض الوقف أو في طريق العامة: يجوز بيعه. [البناية ٢٦٠/١١]
السوائب: جمع سائبة الناقة التي كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه. [لسان العرب ٣١٥/٧]
* أخرج الحاكم في "المستدرك" في البيوع، وكذلك الدار قطني في "سنته" عن إسماعيل بن مهاجر عن أبيه،
وقال الدار قطني: إسماعيل بن مهاجر ضعيف. [نصب الراية ٢٦٥/٤] أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن
عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله : "مكة مناخ لا يباع رباعها، ولا يواجر بيوتها". وقال
الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. [٥٣/٢، في البيوع]لكن لا ضير، فإن الضعيف يصلح
شاهداً، وأخرجناه نحن للاستشهاد لا للاحتجاج. [إعلاء السنن ٤٤١/١٧]
** غريب بهذا اللفظ. [نصب الراية ٢٦٦/٤] وروى محمد بن الحسن في "كتاب الآثار" أخبرنا أبو حنيفة
عن عبيد الله بن أبي زياد عن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌ّ قال: "من أكل من أجور بيوت
مكة، فإنما يأكل النار". [رقم ٢٤٣، باب بيوت مكة وأجرها]

٢٣٧
كتاب الكراهية
ومن استغنى عنها أسكن غيرَه .* ومن وضع درهماً عند بقَّال یأخذ منه ما شاء: يكره
واضع الدراهم
له ذلك؛ لأنه ملَّكَه قرضاً جرّ به نفعاً، وهو أن يأخذ منه ما شاء حالاً فحالاً، وفى
النفع
رسول الله عليّا عن قرضٍ جرَّ نفعًا، ** وينبغي أن يستودعه، ثم يأخذ منه ما شاء جزءاً
فجزءاً؛ لأنه وديعةٌ، وليس بقرض، حتى لو هلك لا شيء على الآخذ، والله أعلم.
ومن وضع إلخ: ومعنى المسألة: أن رجلاً فقيراً له درهم يخاف لو كان في يده يهلك، أو يصرف إلى
حاجة، لكن حاجته إلى المعاملة مع البقال أمس من غيرها، كما في شراء التوابل: الملح والكبريت وليس له
فلوس حتى يشتري بها ما سنحت له من الحاجة كل ساعة، فيعطي الدرهم البقال؛ لأن يأخذ منه ما يحتاج
إليه مما ذكرنا بحسابه جزءاً فجزءاً حتى يستوفي ما يقابل الدرهم، وهذا الفعل منه مكروه؛ لأن حاصل هذا
الفعل راجع إلا أن يكون قرضاً فيه جرّ نفع وهو مكروه، وينبغي أن يستودعه ثم يأخذ منه ما شاء جزءًا
فجزءًا؛ لأنه وديعة وليس بقرض، حتى لوهلك لاشيء على الآخذ. [الكفاية ٤٩٥/٨-٤٩٦]
بقال: البقال: هو الذي يبيع توابل الطعام وغيرها، وهذا في اصطلاح تلك البلاد، وأهل الشام يسمونه
الفامي، وأهل مصر الزيات. (البناية) يأخذ منه إلخ: خارجاً مخرج الشرط يعني وضعه بشرط أن يأخذ منه
ما شاء، وأما إذا وضعه ولم يشترط شيئاً فهو وديعة إن هلك لم يضمن البقال شيئاً. [العناية ٤٩٥/٨]
لأنه ملكه: أي لأن واضع الدرهم ملك البقال ذلك الدرهم من حيث القرض. [البناية ٢٦٢/١١-٢٦٣]
"رواه ابن ماجه في "سنته" في "الحج" حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عمر بن
سعيد بن أبي حسين عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة قال: "توفي رسول الله تَّ وأبو بكر وعمر
وما تُدعى رباع مكة إلا السوائبَ من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن".[رقم: ٣١٠٧، باب أجر بيوت مكة]
"مر الحديث في آخر كتاب الحوالة.

٢٣٨
مسائل متفرقة
مسائل متفرقة
قال: ويكره التعشير والنقط في المصحف؛ لقول ابن مسعود رضيته:
إظهار الإعراب
محمد
"جرِّدُوا القرآنَ، ويروى: "جرّدوا المصاحف"، * وفي التعشير والنقط تركُ
التجريد، ولأن التعشير يخل بحفظ الآي، والنقطُ بحفظ الإعراب اتكالاً عليه،
اعتمادا
ومعرفتها
فُيُكْره، قالوا: في زماننا لابد للعَجَمِ من دلالةٍ، فتركُ ذلك إخلالٌ بالحفظ، وهجران
المشائخ لله
القرآن، فيكون حسناً. قال: ولا بأس بتحلية المصحف؛ لما فيه من تعظيمه وصار
سَ
كنقش المسجد، وتزيينه بماء الذهب، وقد ذكرناه من قبل. قال: ولا بأس بأن
محمد
نقش المسجد
يدخل أهلُ الذِّمة المسجد الحرام، وقال الشافعي بحظه: يكره ذلك، وقال مالك بحثه:
یکره في كل مسجد،
ويكره التعشير: التعشير جعل العواشر في المصحف، وهو كتابة العلامة عند منتهى عشر آيات. (العناية)
جردوا القرآن: فقيل: المراد: نقط المصاحف، فيكون دليلاً على كراهة نقط المصاحف، وقيل: هو أمر
بتعلم القرآن وحده، وترك الأحاديث، وقالوا: هذا باطل، وقيل: هو حث على أن لا يتعلم شيء من
كتب الله غير القرآن؛ لأن غيره إنما يؤخذ من اليهود والنصارى، وليسوا بمؤتمنين عليها. [العناية ٤٩٦/٨]
لابد للعجم: لأن العجم لا يمكنهم التعليم والتلاوة إلا بالنقط، وعلى هذا كتبة أسامي السور وعدد
الآي، فهو وإن كان إحداثاً، فهو بدعة حسنة، وكم من شيء يختلف باختلاف الزمان والمكان كذا ذكره
الإمام التمرتاشي محله. [الكفاية ٤٩٧/٨] من قبل: أي في كتاب الصلاة قبل باب صلاة الوتر. (البناية)
كل مسجد: يعني سواء كان في المسجد الحرام أو غيره. [البناية ٢٦٩/١١]
*رواه ابن أبي شيبة في فضائل القرآن حدثنا وكيع عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله:
"جرّدوا القرآن". [٥٥٠/١٠، باب من قال جردوا القرآن]

٢٣٩
مسائل متفرقة
للشافعي مه: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْحِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ
ذو نجس
عَامِهِمْ﴾، ولأن الكافر لا يخلو عن جنابة؛ لأنه لا يغتسل اغتسالاً يخرجه عنها،
والجُنُبُ يُحَنَّبُ المسجد، وبهذا يحتج مالك، والتعليل بالنجاسة عام، فينتظم
بدلیل الشافعي
المساجد كلها. ولنا: ما روي: "أن النبي عليّ أنزل وفد ثقيفٍ في مسجده وهم
كفّار" * ولأن الخَبَثَ في اعتقادهم، فلا يؤدي إلى تلويث المسجد، والآية محمولةٌ
على الحضور استيلاءً واستعلاءً، أو طائفين عراة، كما كانت عادتُهم في الجاهلية.
قال: ويكره استخدام الخصيان؛
القدوري
بعد عامهم: أي بعد حج عامهم هذا، وهو عام تسع من الهجرة، كذا في "الكشاف"، ومذهب الشافعي بطلبه
ظاهر؛ لأن ظاهر الآية يدل على النهي لهم من أن يقربوا المسجد الحرام لا غير، والشافعي بحالته أخذ بقول
الزهري بحلته، هكذا قال الفقيه أبو الليث. (البناية) عن جنابة: لأنه لا يراعي الكيفية المسنونة، ولا يزال
جنباً. [البناية ٢٦٩/١١] والتعليل بالنجاسة إلخ: يعني علل بأن المشرك إنما يجنب عن المسجد الحرام؛
لكونه نَحِسًا، فلا تفصيل بين مسجد ومسجد. [الكفاية ٤٩٧/٨]
تلويث المسجد: ولا تلويث ههنا؛ لأن المنهي عنه تلويث المسجد. (البناية) على الحضور إلخ: هذا جواب
عما استدل به الشافعي بطلبه من الآية المذكورة، فأجاب عنه بجوابين: الأول: أن الآية محمولة على منعهم
أن يدخلوها مستولين عليها، ومستعلين على أهل الإسلام من حيث التدبير، والقيام بعمارة المسجد؛ لأن
قبل الفتح كانت الولاية والاستعلاء لهم ولم يبق ذالك بعد الفتح. [البناية ٢٧١/١١]
* أخرجه أبوداود في "سنته" في "كتاب الخراج" في باب خبر الطائف عن حماد بن سلمة عن حميد عن
الحسن عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف لما قدموا على النبي ◌ّ أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم،
فاشترطوا عليه أن لا يحشروا ولا يُعشروا ولا يُحبّوا، فقال عليًا: "لكم أن لا تحشروا ولا تُعشروا، ولا خير
في دين ليس فيه ركوع". [رقم: ٣٠٢٦، باب ما جاء في خبر الطائف]