Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦٠
باب كتاب القاضي إلى القاضي
والشرط أن يشهدهم أن هذا كتابُه وختمُه. وعن أبي يوسف له: أن الختم ليس بشرط
أيضاً، فسهَّل في ذلك لما ابتُلي بالقضاء، وليس الخبرُ كالمعاينة، واختار شمس الأئمة
أبويوسف
السرخسي قول أبي يوسف بدله. قال: فإذا وصل إلى القاضي: لم يقبله إلا بحضرة الخصم؛
القدوري كتاب القاضي
لأنه بمنزلة أداءِ الشهادة، فلابد من حضوره، بخلاف سماع القاضي الكاتب؛ لأنه للنقل
الکتاب
لا للحكم. قال: فإذا سلمه الشهودُ إليه: نَظَرَ إلى خَتْمِه، فإذا شهدوا أنه كتابُ فلان القاضي
القدوري
13
سلمه إلينا في مجلس حكمه وقضائه، وقرأه علينا، وختمه، فتحه القاضي وقرأه على الخصم
وألزمه ما فِيه، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد حمدًا. وقال أبو يوسف بحثه: إذا شهدوا أنه كتابه
الكتّاب
وخاتمه قَبَلهَ على ما مر، ولم يَشْترط في الكتاب ظهورَ العدالة للفتح، والصحيح: أنه يفضُّ
الكتابَ بعد ثبوت العدالة كذا ذكره الخصاف بدله؛ لأنه ربما يحتاج إلى زيادة الشهود،
والشرط أن يشهدهم إلخ: وأجمعوا في الصك على أن الإشهاد لا يصح ما لم يعلم الشاهد ما في
الكتاب. (النهاية) وليس الخبر: لأن الخبر يحتمل الصدق والكذب، وليس في المعانية احتمال. [البناية ٢٥٧/١١]
واختار شمس الأئمة: تيسيراً على الناس. (العناية) فإذا وصل إلخ: لما فرغ من بيان الأحكام المتعلقة
بجانب القاضي الكاتب شرع في بيان الأحكام المتعلقة بجانب المكتوب إليه. [العناية ٣٨٨/٦]
لأنه: أو لأن ذلك في معنى الشهادة على الشهادة، فإن القاضي الكاتب ينقل ألفاظ الشهود بكتابه إلى القاضي
المكتوب إليه، كما أن شاهد الفرع ينقل شهادة الأصل بعبارته، ثم لا يسمع الشهادة على الشهادة إلا بمحضر
من الخصم، فكذا هنا. [الكفاية ٣٨٨/٦-٣٨٩] بخلاف سماع القاضي إلخ: أي فإنه يسمع شهادة شهود
المدعي مع أن الخصم وهو المدعى عليه ليس بحاضر. (النهاية) إليه: أي إلى القاضي المكتوب إليه. (البناية)
على ما مر: أشار إلى ما قال قبل هذا وقال أبو يوسف مه: آخراً إلخ. [البناية ٢٥٩/١١]
في الكتاب [أي في القدوري]: حيث لم يقل: فإذا شهدوا وعدلوا، فعلم بهذا أنه لم يشترط العدالة للفتح. (النهاية)
لأنه ربما إلخ: أي لأن العدالة متى لم تظهر يحتاج إلى أن يزيد في شهوده لعدم ظهور عدالة هؤلاء.

٣٦١
باب كتاب القاضي إلى القاضي
وإنما يمكنهم أداءُ الشهادة بعد قيام الختم، وإنما يقبله المكتوبُ إلیه إذا كان الكاتبُ على
الکتاب
القضاء، حتى لو مات أو عُزِلَ، أو لم يَبْقَ أهلاً للقضاء قبل وصول الكتاب لا يَقْبَلُ؟
لأنه التحق بواحد من الرعايا، ولهذا لا يُقْبَلُ إخبارُه قاضياً آخرَ في غير عمله، أو في غير
عملهما، و کذلك لو مات المکتوبُ إلیه إلا إذا کتب إلی فلان بن فلان قاضي بلد كذا،
وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين؛ لأن غيرَه صار تبعاً له وهو مُعَرَّف، بخلاف
الکتاب
ما إذا كتب ابتداءً إلى كل من يصل إليه على ما عليه مشايخنا محمًّا؛ لأنه غيرُ معرّفٍ،
أداء الشهادة: ليشهدون أن هذا كتاب فلان القاضي، وختمه، فأما إذا فك الخاتم فلا يمكنهم
ذلك. [البناية ٢٥٩/١١] أهلاً للقضاء: بجنون أو إغماء، أو فسق إذا تولى وهو عدل، ثم فسق على ما
مر من قول بعض المشايخ. (العناية) وصول الكتاب: أو بعد الوصول قبل القراءة. لأنه التحق إلخ: وهذا ظاهر
فيما إذا عزل، أما في الموت، أو في الخروج عن الأهلية فليس بظاهر؛ لأن الميت أو المجنون لا يلتحقان
بواحد من الرعايا، ويمكن أن يقال: يعلم ذلك بالأولى؛ وذلك لأنه إذا كان حياً، وعلى أهلية القضاء
لم يبق كلامه حجة؛ فلأن لا يبقى الموت أو الخروج عن الأهلية أولى. [العناية ٣٨٩/٦]
من الرعايا: فلا ينفذ الحكم بكتابه. (البناية) ولهذا: أي ولكونه ملتحقاً بواحد من الرعايا. (البناية)
لا يقبل إخباره إلخ: يعني إذا أخبر القاضي قاضياً آخر في غير عمل المخبر لا يقبل، وفي "الذخيرة": قاضيان
لو التقيا في مصر ليس من عملهما، فقال أحدهما للآخر: ثبت عندي لفلان كذا، فاعمل بما يحق لك لم يقبل
منه، ولم ينفذ؛ لأن السماع وجد من غير القاضي حيث لم يكن في مكان ولايته. [البناية ٢٥٩/١١-٢٦٠]
لو مات: أي لا يفيد كتاب القاضي فيه أيضاً بل يبطل حكمه. (النهاية)
تبعاً له: وكم من شيء يجوز تبعاً، وإن كان لا يجوز قصداً. إذا كتب إلخ: أي كتب من فلان بن فلان
قاضي بلد كذا إلى من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين، فإنه لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد دعمثًا،
وعند أبي يوسف اليه: يجوز توسّع فيه ولما ابتلي بالقضاء. [الكفاية ٣٩٠/٦]
لأنه غير معرف: حاصل الكلام: أنه في الصورة الأولى صرح الكاتب باعتماده على الكل بعد تعريف
واحد منهم، فأتى بما هو شرط، وهو أن يكون من معلوم إلى معلوم، ثم صير غيره تبعاً له، وأما في
الصورة الثانية فإنه لا يصح؛ لأنه من معلوم إلى مجهول، والعلم فيه شرط. [البناية ٢٦٠/١١]

٣٦٢
باب كتاب القاضي إلى القاضي
ولو كان مات الخصم يُنَفَذُ الكتابَ على وارثه؛ لقيامه مقامه. ولا يُقْبَلُ كتاب
المدعى عليه
القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص؛ لأن فيه شبهة البدلية، فصار كالشهادة
على الشهادة، ولأن مبناهما على الإسقاط، وفي قبوله سعي في إثباتهما.
فصل آخر
ويجوز قضاء المرأة في كل شيء إلا في الحدود والقصاص؛ اعتبارا بشهادتها فيهما،
وقد مر الوجه، وليس للقاضي أن يَسْتَخلفَ على القضاء؛ إلا أن يفوض إليه ذلك؛ لأنه
قُلِّدَ القضاء دون التقلید به،
ولو كان مات: أي قبل وصول كتاب القاضي إلى القاضي. [البناية ٢٦٠/١١] ينفذ إلخ: سواء كان
تاريخ الكتاب قبل موت المطلوب أو بعده. (العناية) شبهة البدلية: فإن الشهود الأصول شهدوا عند
الكاتب، وكتب شهادتهم، ونقلت في الكتاب. على الشهادة: وهي غير مقبولة فيهما. [العناية ٣٩٠/٦]
فصل آخر: قال في "النهاية": قد ذكرنا أن كتاب القاضي إذا كان سجلاً اتصل به قضاؤه يجب على
القاضي المكتوب إمضاؤه إذا كان في محل مجتهد فيه، بخلاف الكتاب الحكمي، فإن الرأي له في التنفيذ
والرد، فلذلك احتاج إلى بيان تعداد محل الاجتهاد بذكر أصل يجمعها. وهذا الفصل لبيان ذلك، وما يلحق
به، وهذا يدل على أن الفصل من تتمة كتاب القاضي إلى القاضي لكن قوله آخر ينافي ذلك؛ لأنه ليس في
ذلك الكتاب فصل قبل هذا، حتى يقول: فصل آخر، والأولى أن يجعل هذا فصلاً آخر في أدب القاضي
فإنه تقدم فصل الحبس، وهذا فصل آخر. [العناية ٣٩٠/٦]
وقد مر الوجه: أي في أول أدب القاضي أن حكم القضاء يستقى من حكم الشهادة؛ لأن كل واحد منهما
من باب الولاية، فكل من كان من أهل الشهادة يكون أهلاً للقضاء، وهي أهل للشهادة في غير الحدود
والقصاص، فهي أهل للقضاء في غيرهما. وقيل: أراد به ما مر قبل سطور من قوله: لأن فيه شبهة البدلية،
فلا يعتبر فيهما وشهادتها كذلك، كما سيجىء، وقضاؤها مستفاد من شهادتها. [العناية ٣٩١/٦]

٣٦٣
باب كتاب القاضي إلى القاضي
فصار كتوكيل الوكيل، بخلاف المأمور بإقامة الجمعة حيث يَسْتخلف؛ لأنه على
شرف الفوات لتوقُّته، فكان الأمرُ به إذناً في الاستخلاف دلالةً، ولا كذلك القضاء.
ولو قضى الثاني بمحضرٍ من الأول، أوقضى الثاني فأجاز الأول: جاز، كما في الوكالة؛
وهذا لأنه حَضَرَهُ رأيُ الأول، وهو الشرط، وإذا قُوِّضَ إليه يملكه، فيصير الثاني نائباً
الخليفة*
عن الأصيل، حتى لا يملك الأولُ عَزْلَهُ، إلا إذا فُوِّضَ إليه العزلُ، هو الصحيح.
إلی الأول
الثاني
كتوكيل الوكيل: لا يجوز له التوكيل إلا إذا فوض إليه ذلك. (العناية) حيث يستخلف: لكن استخلاف
الإمام غيره في الجمعة إنما يجوز أن لو كان ذلك الغير سمع الخطبة، وأما إذا لم يكن ذلك الغير شهد الخطبة لم يجز
له أن يصلي بهم الجمعة؛ لأن الخطبة من شرائط افتاح الجمعة، فإذا لم يستجمع شرائطها لم يجز له افتتاحها
كالأول. فإن قيل: يشكل هذا بما لو افتح الأول الصلاة، ثم سبقه الحدث، فاستخلف من لم يشهد الخطبة حيث
يجوز، قلنا: لأن هناك الثاني بان، وليس بمفتتح، والخطبة من شرائط الافتتاح، وقد وجد ذلك في حق الأصل،
فيغني عن اعتباره في حق التبع (النهاية) الفوات لتوقته: بوقت يفوت الأداء بانقضائه. [العناية ٣٩١/٦]
في الاستخلاف دلالة: وإن لم يكن صريحاً. [البناية ٢٦٤/١١] ولا كذلك القضاء: أي ليس القضاء
كالجمعة [العناية ٣٩١/٦-٣٩٢] لأن القضاء غير مؤقت، ولا يفوت بتأخيره عند العذر، والجمعة مؤقتة
تفوت بتأخيرها عند العذر إذا لم يستخلف، ومن ولاه لما أمره بذلك مع علمه أنه قد يعرض له عارض
يمنعه من أدائها في الوقت، فقد صار راضياً باستخلافه. [الكفاية ٣٩٢/٦] ولو قضى الثاني: أي لو فرضنا
أنه استخلف وقضى إلخ. (العناية) أو قضى الثاني: عند غيبة الأول. [العناية ٣٩٢/٦]
في الوكالة: فإن الوكيل إذا وكل غيره، ولم يأذن له الموكل في ذلك فعقد و کیله بحضرته، أو بغیر حضرته،
وأجاز الوكيل الأول جاز. [الكفاية ٣٩٢/٦] وهذا: أي الجواز للمسألتين يصلح دليلاً، أي مسألة القضاء
ومسألة الوكالة. رأي الأول: وكان رأيه معتمداً عليه للخليفة. وإذا فوض إليه: أي إذا فوض القضاء إلى
القاضي يملك القاضي الاستخلاف حينئذ، وهو أن يقول الخليفة للقاضي: ولّ من شئت كان له أن يولي غيره،
قيل: ما الفرق بين الوصي والقاضي، فإن كلاً منهما مفوض إليه من جهة الغيرة والوصي يملك التفويض إلى غيره
توكيلاً وإيصاء. وأجيب بأن أوان وجوب الوصايا ما بعد الموت، وقد يعجز الوصي عن الجري على موجب
الوصاية، ولا يمكنه الرجوع إلى الموصي، فيكون الموصي راضياً بالاستعانة من غيره، ولا كذلك القضاء.

٣٦٤
باب كتاب القاضي إلى القاضي
قال: وإذا رُفعَ إلى القاضي حكمُ حاكم: أمضاه، إلا أن يخالف الكتابَ، أو السنة،
نفذه
أو الإجماع، بأن يكون قولاً لا دليل عليه. وفي "الجامع الصغير"؛ وما اختلف فيه الفقهاء
فقضى به القاضي، ثم جاء قاض آخرُ يرى غيرَ ذلك: أمضاهٍ، والأصل: أن القضاء متى
القضاء الأول
لاقی فصلاً مجتهداً فیه ینفذ، ولا يردُّه غيره؛ لأن اجتهاد الثاني کاجتهاد الأول، وقد
في احتمال الخطأ
تَرَجَّحَ الأولُ باتصال القضاء به، فلا ينقض بما هو دونه. ولو قضى في المجتهد فيه مخالفاً
القاضي
لرأيه ناسیاً لمذهبه: نفذ عند أبي حنيفة رحله، وإن کان عامدا: ففيه روايتان،
وإذا إلخ: هذه مسألة القدوري. يخالف الكتاب: كالحكم بحل متروك التسمية عامداً، فإنه مخالف لقوله
تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. [العناية ٣٩٣/٦] أو السنة: أي المشهورة منها كالحكم
بثبوت الحل بنفس العقد بدون الوطء فإنه يخالف الحديث المشهور، وهو حديث رفاعة: لا، حتى تذوقي من
عسيلته، ويذوق من عسيلتك. (الكفاية) أو الإجماع: كالحكم بجواز بيع متروك التسمية عمداً، فإنه مخالف
لما اتفقوا عليه في الصدر الأول، فكان قضاؤه بخلاف الإجماع. [الكفاية ٣٩٣/٦]
بأن يكون إلخ: وفي بعض النسخ: أو يكون قولا لا دليل عليه، كما إذا مضى على الدين سنون،
فحكم بسقوط الدين عمن عليه، لتأخير المطالبة، فإنه لا دليل شرعي يدل على ذلك. (العناية)
وفي الجامع إلخ: إنما ذكر رواية "الجامع الصغير" بهذا اللفظ المذكور؛ لأن فيه فائدتين إحداهما: أنه قيد فيه
بالفقهاء؛ لأن القاضي إذا كان غير عالم بموضع الاجتهاد فاتفق قضاؤه بموضع الاجتهاد، فعلى قول العامة
لا يجب على الثاني تنفيذ حكمه. والثانية: أنه قيد بقوله: يرى غير ذلك، ففي رواية القدوري لم يتعرض ذلك،
وكان يحتمل أن يحمل قوله: أمضاه فيما إذا كان رأي القاضي الثاني موافقاً لحكم الأول، وأما إذا كان مخالفاً
فلا يمضيه، وأما رواية "الجامع الصغير" فتحكم، بأن ذلك الإمضاء عام سوى المستثنيات من مخالفة الكتاب أو السنة
أو الإجماع، فإنه لما كان يمضي حكم القاضي الأول فيما يخالف رأيه ينفذ فيما كان يوافقه أولى. (النهاية)
والأصل: أي في تنفيذ القاضي ما يرفع إليه إذا لم يكن مخالفاً للأدلة المذكورة أن إلخ. [العناية ٣٩٢/٦]
فلا ينقض: الأول، وإلا فينقض الثاني بالثالث وهكذا. هو دونه: أي درجة منه، وهو ما لم يتصل القضاء به. (العناية)
وإن كان عامداً: أي يتعمد لمخالفة مذهبه.

٣٦٥
باب كتاب القاضي إلى القاضي
ووجه النفاذ: أنه ليس بخطأ بيقين، وعندهما لا ينفذ في الوجهين؛ لأنه قضى بما هو خطأ
النسيانٍ والعمد
عنده، وعليه الفتوى، ثم المجتهد فيه أن لا يكون مخالفا؛ لما ذكرنا، والمراد بالسنة:
ءُ
المشهورة منها، وفيما اجتمع عليه الجمهورُ لا يعتبر مخالفة البعض، وذلك خلاف،
وليس باختلاف، والمعتبرُ الاختلافُ في الصدر الأول.
ووجه النفاذ إلخ: [وهو دليل النسيان أيضاً] ووجه عدمه أنه زعم فساد قضائه وهو مؤاخذ بزعمه. (العناية)
ليس بخطأ: لكونه مجتهداً فيه. (العناية) خطأ عنده: لأنه زعم فساد قضائه. (البناية) ثم المجتهد فيه: لما ذكر
أن حكم الحاكم في محل مجتهد فيه ماض أراد أن يبين المجتهد فيه، فقال: ثم المجتهد فيه ما لا يكون مخالفاً
لما ذكرنا من الكتاب والسنة المشهورة والإجماع، فإذا حكم حاكم بخلاف ذلك ورفع إلى آخر لم ينفذه،
بل يبطله حتى لو نفذه ثم رفع إلى قاض ثالث نقض؛ لأنه باطل بخلاف المجتهد فيه، فإذا رفع إلى الثاني نفذه
كما مر، فإن نقضه فرفع إلى ثالث فإنه ينفذ القضاء الأول، ويبطل الثاني؛ لأن الأول كان في محل الاجتهاد،
وهو نافذ بالإجماع. والثاني مخالف للإجماع، ومخالف الإجماع باطل لا ينفذ، والمراد من مخالفة الكتاب:
مخالفة نص الكتاب الذي لم يختلف السلف في تأويله كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾،
فإن السلف اتفقوا على عدم جواز تزويج امرأة الأب وجاريته التي وطئها الأب، فلو حكم حاكم بجواز ذلك
نقضه من رفع إليه. [العناية ٣٩٧/٦] عليه الجمهور: أي جل الناس، وأكثرهم. (العناية)
لا يعتبر إلخ: فعلى هذا إذا حكم الحاكم على خلاف ما عليه الأكثر كان حكمه على خلاف الإجماع
نقضه من رفع إليه، وينبغي أن يحمل كلام المصنف هذا على ما إذا كان الواحد المخالف ممن لم يسوغ
اجتهاده ذلك، كقول ابن عباس في جواز ربا الفضل، فإنه لم يسوغ له ذلك فلم يتبعه أحد، وأنكروا عليه،
فإذا حكم حاكم بجواز ذلك وجب نقضه؛ لأن الإجماع منعقد على الحرمة بدونه، فأما إذا سوغ له ذلك
لم ينعقد الإجماع بدونه، كقول ابن عباس في اشتراط حجب الأم من الثلث إلى السدس بالجمع من
الإخوة، فإن حكم به حاكم لم يكن مخالفاً للإجماع. [العناية ٣٩٧/٦]
والمعتبر الاختلاف إلخ: معناه: أن الاختلاف الذي يجعل المحل مجتهداً فيه هو الاختلاف الذي كان بين الصحابة
والتابعين، لا الذي يقع بعدهم وعلى هذا إذا حكم الشافعي أو المالكي برأيه بما يخالف رأي من تقدم عليه من
الصدر الأول، ورفع ذلك إلى حاكم لم ير ذلك كان له أن ينقضه. [العناية ٣٩٧/٦]

٣٦٦
باب كتاب القاضي إلى القاضي
قال: وكل شيء قضى به القاضي في الظاهر بتحريمه، فهو في الباطن كذلك عند
أبي حنيفة له، وكذا إذا قضى بإحلال، وهذا إذا كانت الدعوى بسبب معين، وهي
مسألة قضاء القاضي في العقود، والفسوخ بشهادة الزور، وقد مرت في النكاح.
قال: ولا يقضي القاضي على غائب إلا أن يَحْضُرَ مَنْ يقوم مقامِهِ،
کالو کیل
قال: أي محمد مساله في "الجامع الصغير". (البناية) في الباطن كذلك: ومن صور التحريم: ما إذا ادعت على
زوجها أنه طلقها ثلاثاً، وأقامت بينة كاذبة، وقضى القاضي بالفرقة، وتزوجت بآخر بعد انقضاء العدة،
فعلى قول أبي حنيفة وقول أبي يوسف بحما أولاً: لا يحل للزوج الأول وطؤها ظاهراً وباطناً، ويحل للثاني
ظاهراً وباطناً علم بحقيقة الحال أو لا، وعلى قول أبي يوسف بطله آخراً ومحمد والشافعي ومالك وأحمد مظهر
لا يحل للثاني وطؤها إذا كان عالماً بحقيقة الحال. [البناية ٢٧٠/١٠]
وكذا إذا قضى: يعني إذا قضى القاضي بإحلال شيء في الظاهر فهو في الباطن كذلك، ومن صوره:
رجل ادعى على امرأة نكاحاً، وهي تجحد، فأقام عليها شاهدي زور، وقضى القاضي بالنكاح بينهما حل
للزوج وطؤها، وحل للمرأة التمكين عند أبي حنيفة وأبي يوسف بهما في قولهما الأول، وعند محمد بدلته:
لا يحل لهما ذلك. [البناية ٢٧١/١٠]
بسبب معين: كنكاح، أو بيع، أو طلاق، أو عتاق لا في الأملاك المرسلة. [العناية ٣٩٨/٦] وأما لو ادعى
ملكاً مطلقاً بلا بيان السبب فالقضاء فيها بشهادة الزور لا ينفذ باطناً بالإجماع؛ لأن هناك لا يمكن تصحيح
القضاء باطناً؛ لأنه لا يمكن إنشاء الملك سابقاً؛ لأن إنشاء الملك مطلقاً بلا سبب ليس في وسع العباد، وتعذر
إنشاء السبب؛ لأن في أسباب الملك كثرة، وليس البعض بأولى من البعض. (النهاية)
في العقود: منها ما إذا قضى بالبيع بشهادة الزور سواء كانت الدعوى من جهة المشتري مثل أن قال: بعتني
هذه الجارية، أو من جهة البائع، مثل أن يقول: اشتريت من هذه الجارية، فإنه يحل للمشتري وطؤها في
الوجهين جميعاً. ومن الفسوخ ما إذا ادعى أحد المتعاقدين فسخ العقد في الجارية، وأقام شاهدي زور، ففسخ
القاضي. [العناية ٣٩٨/٦ -٣٩٩] ولا يقضي: هذا قول القدوري.

٣٦٧
باب كتاب القاضي إلى القاضي
وقال الشافعي بداله: يجوز؛ لوجود الحجة، وهى البينة، فظهر الحق، ولنا: أن العمل
بالشهادة لقطع المنازَعة، ولا منازعة بدون الإنكار، ولم يوجد، ولأنه يحتمل
الإِقرارَ والإِنكارَ من الخصم، فيشتبه وجهُ القضاء؛ لأن أحكامَهما مختلفة،
ولو أنكر ثم غاب، فكذلك الجواب؛ لأن الشرط قيامُ الإِنكار وقتَ القضاء، وفيه
خلاف أبي يوسف سله. ومن يقوم مقامه قد يكون نائباً بانابته كالوكيل أو يإنابة
الشرع كالوصي من جهة القاضي، وقد یکون حَگَماً بأن كان ما يدعي على الغائب
يجوز: أي إن غاب عن البلد، أو عن مجلس الحكم، واستتر في البلد جاز، وإلا لا يصح في الأصح؛ لأن في
الاستتار تضييعا للحقوق دون غيره. [العناية ٤٠٠/٦] لقطع المنازعة: لأن الشهادة خبر تحتمل الصدق
والكذب، ولا يجوز بناء الحكم على الدليل المحتمل إلا أن الشرع جعلها حجة ضرورة قطع المنازعة، ولهذا
إذا كان الخصم حاضراً وأقر بالحق لا حاجة إليها. [البناية ٢٧٢/١١]
ولم يوجد: والبينة بدون حضوره ليس بحجة لاحتمال أن يطعن في الشهود، أو يسلم الدعوى ويدعي
الأداء. ولأنه: دليل آخر على المطلوب، والضمير للشأن. (العناية) أحكامهما مختلفة: أي أحكام القضاء
مع البينة عند الإنكار، وأحكام القضاء مع الإقرار، فإن حكم القضاء بالبينة يقع على الناس كافة، وعلى
الأصيل لا على الاقتصار في الحال، وحكم القضاء بالإقرار بخلافه. فكذلك الجواب: [لأن البينة إنما تصير
حجة بالقضاء [البناية ٢٧٢/١١] يعني لا يقضي القاضي في غيبته وإن وجد منه الإنكار، وكذا إذا أنكر،
وسمعت البينة ثم غاب قبل القضاء. [العناية ٤٠١/٦] لأن الشرط: أي شرط صحة البيئة. (النهاية)
خلاف أبي يوسف: فإنه يقول: الشرط الإصرار على الإنكار إلى وقت القضاء، وهو ثابت بعد غيبته
بالاستصحاب، وأجيب بأن الاستصحاب يصلح للرفع لا للإثبات. (العناية) ومن يقوم: لما ذكر أن القضاء
على الغائب لا يجوز إلا أن يحضر من يقوم مقامه بين ذلك. [العناية ٤٠١/٦] كالوصي إلخ: احتراز عن
المسخر من جهة القاضي، فإن فيه اختلاف الروايتين، فإنه ذكر في "الذخيرة": إذا نصب القاضي مسخراً عن
الغائب لا يجوز، ولو حكم عليه لا يجوز حكمه عليه، وتفسير المسخر: أن ينصب القاضي وكيلاً عن الغائب
ليسمع الخصومة عليه. (النهاية) وقد يكون حكماً: أي من يقوم مقامه من حيث الحكم. [الكفاية ٤٠٣/٦]

٣٦٨
باب كتاب القاضي إلى القاضي
سبباً لما يدعيه على الحاضر، وهذا في غير صورة في الكتب، أما إذا كان شرطاً لحقّه،
سبباً لازما
فلا معتبر به في جعله خصماً عن الغائب، وقد عرف تمامه في "الجامع".
الصغير
" الحاضر
سبباً لما إلخ: أي سبباً لامحالة، أما إذا لم يكن سبباً لا محالة لا ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب كما إذا
قال لامرأة رجل غائب: إن زوجك وكلني أن أحملك إليه، فقالت المرأة: إنه كان طلقني ثلاثاً، وأقامت
على ذلك بينة، قبلت بينتها في قصر يد الوكيل عنها لا في حق إثبات الطلاق على الغائب، حتى لو حضر
الغائب وأنكر الطلاق فالمرأة تحتاج إلى إعادة البينة؛ لأن المدعى على الغائب وهو الطلاق ليس بسبب
لثبوت ما يدعي على الحاضر، وهو قصر يد الوكيل لامحالة، فإن الطلاق متى تحقق قد لا يوجب قصر يد
الوكيل، بأن لم يكن وكيلاً بالحمل قبل الطلاق، وقد يوجب بأن كان وكيلاً بالحمل قبل الطلاق، فكان
المدعي على الغائب سبباً لثبوت المدعي على الحاضر من وجه دون وجه، فقلنا: إنه يقضي بقصر يد
الوكيل، ولا يقضي بالطلاق والعتاق عملاً بهما. [الكفاية ٤٠٣/٦]
على الحاضر: كما إذا ادعى داراً في يد رجل أنها داره اشتراها من فلان الغائب، وهو يملكها، وأنكر
ذواليد، وقال: الدار داري، وأقام المدعي بينة على دعواه قبلت بينته، ويكون ذلك قضاء على الحاضر
والغائب، وينتصب الحاضر خصماً عن الغائب؛ لأن ما يدعي على الغائب وهو الشراء منه سبب لثبوت
ما يدعي على الحاضر؛ لأن الشراء من المالك سبب له لامحالة. [الكفاية ٤٠٣/٦]
وهذا [أي له نظائر في الكتب] وفي غير صورة إلخ: أي ليس له صورة واحدة فقط في الكتب بل له
صور متعددة، منها إذا ادعى الشفعة في دار إنسان، وقال ذو اليد: الدار داري ما اشتريتها من أحد، فأقام
المدعي البينة أن ذا اليد اشترى هذه الدار من فلان بألف درهم، وهو يملكها، وأنه شفيعها يقضي بالشراء
في حق ذي اليد والغائب جميعاً. (النهاية) إذا كان: أي ما يدعى على الغائب. [البناية ٢٧٦/١١]
لحقه: أي لحق المدعي على الحاضر. [البناية ٢٧٦/١١] فلا معتبر به: هذا قول عامة المشايخ، فأما على
قول بعض المتأخرين منهم فخر الإسلام علي البزدوي، وشمس الإسلام محمود الأوزجندي بهما: فللشرط
اعتبار أيضاً كما للسبب؛ لأن دعوى المدعي كما تتوقف على السبب تتوقف على الشرط أيضاً.
وصورته: رجل قال لامرأته: إن طلق فلان امرأته فأنت طالق، ثم إن امرأة الحالف ادعت على الحالف أن
فلاناً طلق امرأته، وفلان غائب، وأقامت البينة لا تقبل منها هذه البينة، ولا يحكم بوقوع الطلاق عليها، =

٣٦٩
باب كتاب القاضي إلى القاضي
قال: ويُقْرِضُ القاضي أموالَ اليتامى، ويكتب ذكرَ الحق؛ لأن في الإقراض مصلحتهم؛
للتفاوت
لبقاء الأموال محفوظة مضمونة، والقاضي يقدر على الاستخراج، والكتابة ليحفظه.
وإن أقرض الوصيُّ: ضمن؛ لأنه لا يقدر على الاستخراج، والأَبُ بمنزلة الوصي في
أصح الروايتين لعجزه عن الاستخراج.
= وقد أفتى بعض المتأخرين بقبول هذه البينة إذا كان شرطاً يتضرر به الغائب، أما إذا كان شرطاً
لا يتضمن ضرراً كما لو قال لامرأته: إن دخل فلان الدار فأنت طالق، ثم أن المرأة أقامت البينة أن فلاناً دخل
الدار، وفلان غائب تقبل هذه البينة، ويحكم بوقوع الطلاق عليها. [الكفاية ٤٠٣/٦-٤٠٥]
قال: أي محمد ماله في "الجامع الصغير". (البناية) ويكتب: أي يكتب كتاباً، وهو الصك لأجل ذكر الحق وهو
الإقراض. [البناية ٢٧٦/١١-٢٧٧] لبقاء الأموال إلخ: فإن القاضي لكثرة أشغاله قد يعجز عن الحفظ بنفسه
وبالوديعة، إن حصل الحفظ لم تكن مضمونة بالهلاك، فلم تكن مضمونة، وبالقرض تصير محفوظة مضمونة. [العناية ٤٠٥/٦]
محفوظة: ولو كان المستقرض معسراً في الابتداء لا يجوز له أن يقرضه مال اليتيم. [الكفاية ٤٠٦/٦]
وإن أقرض الوصي: أي ليس له أن يقرض، فإن فعل ضمن؛ لأن الحفظ والضمان وإن كانا موجودين
بالإقراض، لكن مخافة التوى مانعة لعدم قدرته على الاستخراج؛ لأنه ليس كل قاضٍ يعدل، ولا كل بينة
تعدل. [العناية ٤٠٥/٦] بمنزلة الوصي: في إقراض مال الصغير. في أصح الروايتين: وبمنزلة
القاضي في رواية؛ لأن ولاية الأب تعم المال والنفس، كولاية القاضي، وشفقته تمنعه من ترك النظر له،
والظاهر أنه يقرضه ممن يأمن جحوده، وإن أخذه الأب قرضاً لنفسه قالوا: يجوز، روى الحسن عن
أبي حنيفة رحمها أنه قال: ليس للأب أن يستقرض مال الصغير لنفسه. [الكفاية ٤٠٦/٦]

٣٧٠
باب التحكيم
باب التحكيم
وإذا حكّم رجلان رجلاً، فحكم بينهما، ورضيا بحكمه: جاز؛ لأن لهما ولايةً
على أنفسهما، فصحَّ تحكيمهما، وينفذ حكمُه عليهما، وهذا إذا كان المحكم بصفة
الحاكم؛ لأنه بمنزلة القاضي فيما بينهما، فيُشْترط أهليةُ القضاء، ولا يجوز تحكيمُ
الكافر، والعبد، والذميِّ، والمحدود في القذف، والفاسق، والصبي؛ لانعدام أهلية القضاء؟
اعتباراً بأهلية الشهادة، والفاسقُ إذا حكم يجب أن يجوز عندنا كما مر في لُوَلَّى. ولكل
أي القاضي
واحد من المحكمين أن يرجع ما لم يَحْكُمْ عليهما؛ لأنه مُقلّد من جهتهما،
باب التحكيم: هذا باب من فروع القضاء، وتأخيره من حيث أن الحكم أدنى مرتبة من القاضي لاقتصار
حكمه على من رضى بحكمه، وعموم ولاية القاضي، وهو مشروع بالكتاب، والإجماع. أما الكتاب
فقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمَاً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمَاً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدًا إِصْلاحً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ والصحابة ◌َّما
كانوا مجتمعين على جواز التحكيم. [العناية ٤٠٦/٦] وإذا حكم: أي فوضا الحكم إليه. (النهاية)
حكمه عليهما: ولا ينفذ على غيرهما حتى لو ظفر المشتري بعيب، فحكم هو والبائع رجلاً، فرده على
البائع محكمه لم يكن للبائع أن يرده على بائعه. [البناية ٢٧٩/١١]
أهلية القضاء: [من الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية] فلو حكما امرأة فيما يثبت بالشبهات جاز؛
لأنها من أهل الشهادة فيها. (العناية) ولا يجوز: هذا لفظ القدوري في "مختصره". [البناية ٢٨٠/١١]
والذمي: إن حكمه المسلمون، وإن حكمه أهل الذمة جاز؛ لأنه من أهل الشهادة فيما بينهم، وتراضيهما عليه
في حقهما كتقليد السلطان إياه، وتقليد الذمي ليحكم أهل الذمة صحيح، دون الإسلام. [العناية ٤٠٧/٦]
في القذف: وإن تاب؛ لأنه ليس من أهل الشهادة عندنا.
والصبي: هذا كله من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول. (النهاية) اعتبارا: مرتبط بالانعدام. كما مر: في أول
أدب القاضي من أن الفاسق لا ينبغي أن يقلد القضاء، ولو قلد جاز. [العناية ٤٠٧/٦]

٣٧١
باب التحکیم
فلا يحكم إلا برضاهما جميعاً، وإذا حكم: لزمهما؛ لصدور حكمه عن ولاية عليهما. وإذا
رفع حكمُه إلى القاضى فوافقٍ مذهبَه: أمضاه؛ لأنه لا فائدة في نقضه، ثم في إبرامه على
ذلك الحكم
ذلك الوجه، وإن خالفه: أبطله؛ لأن حكمه لا يلزمه؛ لعدم التحكيم منه. ولا يجوز
التحكيمُ في الحدود والقصاص؛ لأنه لاولايةَ لهما على دمهما، ولهذا لا يملكان
الإباحةَ، فلا يستباح برضاهما. قالوا: وتخصيص الحدود والقصاص يدل على جواز التحكيم
تخصيص القدوري
إباحة الدم
فلا يحكم: لأن ما كان وجوده من شيئين لابد له من وجودهما، وأما عدمه فلا يحتاج إلى عدمهما بل يعدم
بعدم أحدهما، وعلى هذا يسقط ما قيل ينبغي أن لا يصح الإخراج إلا باتفاقهما أيضاً. (العناية)
لزمهما: الحكم، كالقاضي إذا قضى ثم عزله السلطان فإنه لازم. (العناية) أمضاه: وفائدة إبرامه أنه
لو رفع إلى حاكم يخالف مذهبه لم يتمكن من نقضه، ولو لم يمض لتمكن؛ لأن إمضاء الأول بمنزلة حكم
نفسه. [العناية ٤٠٨/٦] ذلك الوجه: أي على الوجه الذي حكم به المحكم. (البناية)
وإن خالفه: حكم الحكم مذهب الحاكم. [البناية ٢٨١/١١] لأن حکمه لا يلزمه: بخلاف حكم
الحاكم كما تقدم؛ فلأنه لا يبطله الثاني، وإن خالف مذهبه لعموم ولايته، فكان قضاؤه حجة في حق
الكل، فلا يجوز لقاضٍ آخر أن يرده. [العناية ٤٠٨/٦] ولا يجوز التحكيم إلخ: لا يجوز التحكيم في
الحدود الواجبة حقا لله تعالى باتفاق الروايات؛ لأن الإمام هو المتعين لاستيفائها، وأما في حد القذف
والقصاص فقد اختلفت المشايخ، قال شمس الأئمة من أصحابنا: من قال: التحكيم في حد القذف
والقصاص جائز؛ وذكر في "الذخيرة" عن صلح "الأصل" أن التحكيم في القصاص جائز؛ لأن الاستيفاء
إليهما، وهما من حقوق العباد، فيجوز التحكيم كما في الأموال، وذكر الخصاف أن التحكيم لا يجوز في
الحدود والقصاص، واختار المصنف ذلك. [العناية ٤٠٨/٦]
لأنه لا ولاية: وهو دليل القصاص، ولم يذكر دليل الحدود، وقالوا في ذلك: لأن حكم الحكم ليس بحجة
في حق غير الحكمين، فكانت فيه شبهة، والحدود والقصاص لا تستوفى بالشبهات، وهذا كما ترى أشمل
من تعليل المصنف. (العناية) قالوا: أي المتأخرون من مشايخنا. [العناية ٤٠٨/٦]

٣٧٢
باب التحکیم
في سائر المجتهدات كالطلاق والنكاح وغيرهما، وهو صحيح، إلا أنه لا يُقْتَی به،
ويقال: يُحْتاج إلى حكم المُوَلَّى؛ دفعاً لتجاسر العوام فيه. وإن حكَّماه في دم خطأ،
فقضى بالدية على العاقلة: لم ينفذ حكمُه؛ لأنه لا ولايةً له عليهم؛ إذ لا تحكيمَ من
الحكم
جهتهم، ولو حكم على القاتل بالدية في ماله: ردَّه القاضي، ويقضي بالدية على العاقلة؛
لأنه مخالف لرأيه، ومخالف للنص أيضاً، إلا إذا ثبت القتل بإقراره؛ لأن العاقلة لا تَعْقُلُه.
ويجوز أنٍ يسمع البينةَ، ويقضي بالتُّكُولِ، وكذا بالإقرار؛
في سائر المجتهدات: كالكنايات في جعلها رجعية. (العناية) كالطلاق: ذكر في "الذخيرة": إذا رفع اليمين
بالطلاق المضاف إلى الملك إلى حاكم أصحاب الشافعي ليبطل اليمين، ويجوز النكاح، فالأحسن له أن
يقول: أبطلت هذه اليمين، ونقضت هذا الطلاق عملاً بقوله عليها: "لا طلاق قبل النكاح". (النهاية)
والنكاح: بغير إذن القاضي. حكم الموّى: كما في الحدود والقصاص. دفعاً لتجاسر إلخ: أي كيلا
يتطرق الجهال إلى ذلك فيؤدي إلى هدم مذهبنا. [العناية ٤٠٨/٦]
وإن حكماه إلخ: كما إذا رأى صيداً، فإذا أصاب آدمياً. من جهتهم: وحكم الحكم لا ينفذ على غير
المحكمين. (البناية) على العاقلة: أي أهل النصرة من أهل الديوان، أو القبيلة، أو أهل الحرف، أو غيرهم.
لأنه: أي لأن حكم الحكم على القاتل. [البناية ٢٨٣/١١] ومخالف للنص: وهو حديث حمل بن مالك
أن النبي ◌ُّ قال للأولياء: قوموا فدوه. (الكفاية) أيضاً: على ما يأتي في كتاب المعاقل. (النهاية)
إلا: استثناء من قوله: رده القاضي. [الكفاية ٤٠٩/٦]
يإقراره: حينئذ يجوز الحكم بالدية في مال القاتل. [البناية ٢٨٣/١١-٢٨٤] لا تعقله: وأما أروش الجروحات إن
كانت بحيث لا يتحملها العاقلة، وتجب في مال الجاني بأن كانت دون أرش الموضحة، وهو خمس مائة درهم،
ويثبت ذلك بالإقرار، أو النكول أو كانت عمداً، أو قضى على الجاني جاز؛ لأنه لا يخالف حكم الشرع، وقد
رضي الجاني بحكمه عليه، فيجوز. وإن كانت بحيث يتحملها العاقلة بأن كانت خمس مائة فصاعداً، وقد يثبت
الجناية بالبينة، وكان خطأ لا يجوز قضاؤه بها أصلاً؛ لأنه إن قضى بها على الجاني فقد قضى، بخلاف حكم
الشرع، وإن قضى بها على العاقلة فالعاقلة ما رضوا بحكمه. (النهاية)

٣٧٣
باب التحكيم
لأنه حكم موافق للشرع، ولو أَخْبَرَ بإقرار أحد الخصمين، أو بعدالة الشهود، وهما
الخصمان
على تحكيمهما يُقْبَلُ قِوِله؛ لأن الولايةَ قائمة، ولو أَخْبَ بالحكم لا يُقْبَل قولُه؛
المحكم
لانقضاء الولاية، كقول المولَّى بعد العزل. وحكمُ الحاكم لأبويه، وزوجته، وولده
باطل، والمُوَلَى والمحكم فيه سواء؛ وهذا لأنه لا تقبل شهادتُه لهؤلاء لمكان التهمة،
رجل
بطلان الحكم
بطلان الحكم
فكذلك لا يصح القضاءُ لهم، بخلاف ما إذا حَكَمَ عليهم؛ لأنه تُقْبَل شهادتُه عليهم؛
لانتفاء التهمة، فكذا القضاء، ولو حكَّما رجلين لابد من اجتماعهما؛ لأنه أمر يحتاج
لأن الحكم
فيه إلى الرأي، والله أعلم بالصواب.
لأنه: أي لأن كل واحد من سماع البينة والقضاء بالنكول، وبالإقرار. [البناية ٢٨٤/١١] ولو أخبر: يعني لو قال
الحكم بينهما لأحدهما: قد أقررت عندي لهذا بكذا، وكذا أو قامت عندي عليك بينة لهذا بكذا وكذا، فعدلوا
عندي، وقد ألزمتك ذلك، وحكمت به لهذا عليك، وأنكر المقضى عليه أن يكون أقر عنده بشيء، أو قامت
البينة عليه بشيء لم يلتفت إلى قوله، ومضى القضاء عليه ونفذ؛ لأن الحكم يملك إنشاء الحكم عليه بذلك،
فيملك الإقرار كالقاضي المولى إذا قال في حال قضائه لإِنسان: قضيت عليك لهذا بإقرارك، أو بينة قامت عندي
على ذلك، فإنه يصدق في ذلك، ولا يلتفت إلى إنكار المقضي عليه، فكذا هنا، إلا أن يخرجه من الحكم، ويعزله
عنه قبل أن يقول: قد حكمت عليك، ثم قال الحكم بعد ذلك لم يصدق. [الكفاية ٤٠٩/٦ - ٤١٠]
ولو أخبر بالحكم: مثل أن يقول الحكم: كنت حكمت عليك لهذا بكذا لم يصدق؛ لأنه إذا حكم صار
معزولاً فلا يقبل قوله: إني حكمت بكذا كالقاضي المولى إذا قال بعد عزله حكمت بكذا. [العناية ٤١٠/٦]
لهؤلاء: أي للوالدين والولد والزوجة. (البناية) من اجتماعهما: فلو حكم أحدهما لا يجوز؛ لأنهما إنما
رضيا برأيهما، ورأي الواحد ليس كرأي المثنى . [العناية ٤١٠/٦]

٣٧٤
باب التحكيم
مسائل شتى من كتاب القضاء
قال: وإذا كان عُلُوٌّ لرجل، وسُفْل لآخر: فليس لصاحب السُّفْلِ أن يَتَّد فيه وَتَداً،
ولا يَنْقُبُ فيه كُوَّةً عند أبي حنيفة ظْه، معناه: بغير رضا صاحب العلو. وقالا: يصنع
ما لا يضر بالعلو، وعلى هذا الخلاف إذا أراد صاحبُ العلو أن يبني على علوه. قيل:
ما حُكِي عنهما تفسير لقول أبي حنيفة ماله، فلا خلاف، وقيل: الأصل عندهما
ءُ
الإِباحة؛ لأنه تصرف في ملكه، والملك يقتضي الإطلاق، والحرمة بعارض الضرر،
الإباحة
فإذا أشكل لم يجز المنع، والأصل عنده الحظر؛ لأنه تصرَّف في محل تعلّق به حقٌّ مختوم
للغير كحق المرتهن والمستأجر، والإِطلاق بعارض، فإذا أُشكل لا يزول المنعُ،
للتُصرف
مسائل شتى: [أي متفرقة جمع شتيت] ذكر في آخر كتاب أدب القاضي مسائل منه كما هو دأب المصنفين
أن يذكروا في آخر الكتاب مسائل تتعلق بما قبلها استدراكاً لما فات من الكتاب، ويترجمونه مسائل شتى،
أو منثورة، أو متفرقة، قيل: وعلى هذا كان القياس أن يؤخرها إلى آخر كتاب القضاء، ويمكن أن يجاب عنه
بأنه ذكر بعدها القضاء بالمواريث والرجم، وأنه لجدير بالتأخير لامحالة. [العناية ٤١٠/٦] قال: أي محمد بداخله
في "الجامع الصغير". (البناية) مالا يضر: لأن التصرف حصل في ملكه. (العناية)
الخلاف: المذكور بين الإمام وصاحبيه . (البناية) على علوه: يعني زيادة على ما كان. (الكفاية)
تفسير: يعني أن أبا حنيفة مطّه إنما منع صاحب السفل عن أن يتد فيه وتداً، وأن ينقب فيه كوة؛ لأن صاحب
العلو متضرر به، ولو لم يتضرر به لا يمنع كما هو قولهما، فكان جواز التصرف لكل واحد منهما فيما لا يتضرر
فيه الآخر فصلاً مجمعاً عليه. [الكفاية ٤١١/٦] وقيل: أي ليس هذا تفسير لقول أبي حنيفة محله بل بينهما
خلاف لأن الأصل إلخ. فإذا أشكل: بأن لم يعلم فيه ضرر أم لا يزول المنع. [البناية ٢٨٧/١١]
لأنه تصرف: وتعلق حق الغير بملكه يمنع تصرفه. (البناية) حق محترم إلخ: وهو صاحب العلو. (العناية)
كحق المرتهن إلخ: في منع المالك عن التصرف في المرهون والمستأجر. (البناية) بعارض: وهو الرضا به دون
عدم الضرر. [العناية ٤١١/٦] فإذا أشكل: بأن لم يعلم فيه ضرراً أم لا؟. [البناية ٢٨٧/١١]

٣٧٥
باب التحكيم
على أنه لا يعرى عن نوع ضرر بالعلو من توهين بناء أو نقضه، فُمْنع عنه. قال: وإذا
كانت زائغة مستطيلة تنشعب منها زائغة مستطيلة، وهي غير نافذة: فليس لأهل الزائغة
السكة
الأولى أن يفتحوا باباً في الزائغة القُصْوَى؛ لأن فَتْحَه للمرور، ولا حقَّ لهم في المرور؛ إذ
هو لأهلها خصوصاً، حتى لا يكون لأهل الأولى فيما بِيعَ فيها حقُّ الشُّفْعَة، بخلاف
المرور المنشعبة
النافذة؛ لأن المرور فيها حقُّ العامة، قيل: المنع من المرور لا من فتح الباب؛ لأنه رفع
المنشعبة
بعض جداره، والأصح: أن المنع من الفتح؛ لأن بعد الفتح لا يمكنه المنعُ من المرور في
كل ساعة، ولأنه عبياه يدعي الحقَّ في القصوى بتركيب الباب. وإن كانت مستديرةً
قد لُزِقَ طرفاها: فلهم أن يفتحوا باباً؛ لأن لكل واحدٍ منهم حقَّ المرور في كلَها، إذ
هي ساحة مشتركة، ولهذا يشتركون في الشفعة إذا بيعت دار منها.
على أنه إلخ: إشارة إلى أن القياس قول أبي حنيفة سلكه، فوجب منعه. (الكفاية) لايعرى: ولهذا لا يملك
صاحب السفل أن يهدم كل الجدار أو السقف، فكذا بعضه. (البناية) قال: أي محمد بحثه في "الجامع
الصغير". [البناية ٢٨٨/١١] تنشعب: عن يمينها أويسارها. [العناية ٤١٢/٦] وهي: أي الزائغة الثانية
المنشعبة، ولا فرق في الأولى بين أن تكون نافذة أو غير نافذة في أن لا حق لأهلها في المنشعبة، بخلاف ما إذا
كانت المنشعبة نافذة؛ لأن المرور فيها حق العامة، فلأهل الأولى فتح الباب فيها. [الكفاية ٤١٢/٦-٤١٣]
خصوصاً: لكونها غير نافذة. (العناية) لأهل الأولى: لأن تلك السكة لهم خاصة. (العناية) فيها: أي في السكة
القصوى. (البناية) حق العامة: وليست للسكان فيها خاصة. [البناية ٢٨٩/١١] رفع بعض جداره: وله أن
يرفع جميع جداره بالهدم، فرفع بعضه أولى. [العناية ٤١٣/٦] يدعي الحق: لأنه إذا فعل ذلك، وتقادم العهد
ربما يدعي الشركة في الطريق في تلك الزائغة ويستدل على ذلك بالباب المركب، ويكون القول قوله من هذا
الوجه، فيمنع منه. [الكفاية ٤١٣/٦] وإن كانت: أي الزائغة الثانية مستديرة، أي سكة فيها اعوجاج حتى
بلغ اعوجاجها رأس السكة، فلكل واحد منهم أن يفتح بابه في أي موضع شاء؛ لأنها سكة واحدة من أولها إلى
آخرها، وهي بينهم على الشركة. (النهاية) فلهم: أي لأهل الزائغة الأولى. يشتركون: أهل الزائغة الأولى.

٣٧٦
باب التحکیم
قال: ومن ادعى في دار دعوى، وأنكرها الذي هي في يده، ثم صالحه منها: فهو جائز،
الدار
محمد بحظه
المدعي
وهي مسألة الصلح على الإنكار، وسنذكرها في الصلح إن شاء الله تعالى. والمدعي وإن
كان مجهولاً، فالصلحُ على معلوم عن مجهول جائز عندنا؛ لأنه جهالة في الساقط،
فلا تُقْضِي إلى المنازعة على ما عرفٍ. قال: ومن ادعى داراً في يد رجل أنه وهبها له في
المدعي
فی کتاب الصلح
وقت كذا، فسئل البينة، فقال: جحدني الهبة، فاشتريتُها منه، وأقام المدعي البينة على
الشراء قبل الوقت الذي يدعي فيه الهبة: لا تُقْبَل بينته؛ لظهور التناقض؛ إذ هو يدعي
على دعواه المدعي
الشراء بعد الهبة، وهم يشهدون به قبلها، ولو شهدوا به بعدها: تُقْبَل لوضوح التوفيق،
الهبة
الشراء الهبة
ومن ادعى إلخ: ولم يبين أن المدعى ثلث أو ربع، أو نحو ذلك. [الكفاية ٤١٥/٦] فهو جائز. ولقائل
أن يقول: جهالة المدعى إما أن تكون مانعة صحة الدعوى أو لا، فإن كان الثاني صح دعوى من ادعى
على إنسان شيئاً لكنها لم تصح، ذكره في "النهاية" ناقلاً عن "الفوائد الظهيرية"، وإن كان الاول لما جاز
الصلح فيما نحن فيه لجهالة المدعى لكنه صحيح. والجواب باختيار الشق الأول، ولا يلزم عدم جواز الصلح
فيما نحن فيه؛ لأن صحة الدعوى ليست بشرط لصحة الصلح؛ لأنه لقطع الشغب والخصام، وذلك يتحقق
بالباطل كما يتحقق الحق. [العناية ٤١٥/٦] والمدعي إلخ: هذا جواب عما يقال: كيف يصح الصلح مع جهالة
المدعي، ومعلومية مقداره شرط صحة الدعوى. [البناية ٢٩٠/١١] المنازعة: والمانع ما أفضى إلى المنازعة.
قال: أي محمد ملكه في "الجامع الصغير". (البناية) ومن ادعى إلخ: أي إذا ادعى داراً في يد رجل أنه وهبها له
منذ شهرين مثلاً، وسلمها إليه، وأنها ملكه بطريق الهبة والتسليم، وجحد دعواه ذو اليد، فسئل البينة فقال: لي
بينة تشهد على الشراء لأني طلبت منه، فجحدني الهبة فاضطررت إلى شرائها منه، فاشتريتها منه وأشهدت
عليه، وأقام البيئة إلخ. [العناية ٤١٦/٦] جحدني الهبة: ولم يكن لي بينة في حق الهبة. (البناية)
إذ هو يدعي إلخ: لأنه قال: جحدني الهبة فاشتريتها منه، والفاء للتعقيب. [الكفاية ٤١٦/٦]
وهم يشهدون: فكانت الشهادة مخالفة للدعوى. [العناية ٤١٦/٦] ولو شهدوا: یرید به لو ادعى
"الشراء بعد من ادعى الهبة، وشهدوا له بالشراء بعد الهبة. (الكفاية) لوضوح التوفيق: لأنه يمكنه أن يقول:
وهب منذ شهر، ثم جحدني الهبة، فاشتريتها منه منذ أسبوع، وهذه المسألة تدل على أن التناقض إنما يمنع
صحة الدعوى إذا لم يمكن التوفيق، أما إذا أمكن فلا، كذا ذكر في الأقضية. [الكفاية ٤١٧/٦]

٣٧٧
باب التحکیم
ولو كان ادعى الهبةَ، ثم أقام البينة على الشراء قَبْلَها، ولم يقل: جحدني الهبة،
فاشتريتها، لم تُقْبُلْ أيضاً، ذكره في بعض النسخ؛ لأن دعوى الهبة إقرار منه بالملك
في ذلك الوقت
،في وقت
الجامع الصغير
عندها للواهب، ودعوى الشراء رجوع عنه، فعد مناقضا، بخلاف ما إذا ادعى الشراءَ
قبل ذلك
بعد الهبة؛ لأنه تقرير ملكه عندها. ومن قال لآخر: اشتريتَ مني هذه الجارية، فأنكر
الهبة
الآخرُ: إن أجمع البائعُ على ترك الخصومة وَسِعَهُ أن يطَأَها؛ لأن المشتري لما جَحَده
العقد
كان فسخا من جهته؛ إذ الفسخ يثبت به، كما إذا تجاحدا، فإذا عزم البائعُ على ترك
الخصومة تم الفسخُ، وبمجرد العزم، وإن كان لا يثبت الفسخُ، فقد اقترن بالفعل،
من الجانبين
وهو إمساك الجارية ونقلها وما يضاهيه، ولأنه لما تعذر استيفاء الثمن من المشتري
کالاستخدام
فات رضا البائع، فيستبد بفسخه. قال: ومن أقر أنه قبض من فلان عشرة دراهمَ،
٠
يستقل البائع
فعد مناقضاً: لأنه وإن كانت الشهادة موافقة للدعوى إلا أنه متناقض في الدعوى. [الكفاية ٤١٧/٦]
بعد الهبة: حيث تقبل بينته. (البناية) إن أجمع: أي عزم بقلبه، وقيل: أن يشهد بلسانه على العزم بالقلب أن
لا يخاصم معه. [العناية ٤١٧/٦] على ترك الخصومة: أي عزم وقصد ترك الخصومة. (النهاية) وسعه: أي حل
له، أي للبائع. [البناية ٢٩١/١١] يثبت به: أي بالجحود؛ لأن الجحود كناية عن الفسخ؛ لأن الفسخ رفع العقد
من الأصل، والجحود إنكار العقد من الأصل، فكان بينهما مناسبة، فيجعل أحدهما مجازاً عن الآخر. (النهاية)
إذا تجاحدا: فإنه يجعل فسخاً لامحالة. (العناية) وبمجرد العزم: جواب شبهة، وهو أن يقال: كيف يثبت
الفسخ بعزم البائع على الفسخ، وفسخ شيء من العقود لا يثبت بمجرد العزم، ألا ترى أن من له خيار
الشرط إذا عزم بقلبه على فسخ العقد لا ينفسخ العقد بمجرد عزمه. [الكفاية ٤١٨/٦] اقترن بالفعل: لأن ذلك
لا يحل بدون الفسخ، فتحقق الانفساخ لوجود الفسخ منهما دلالة. [العناية ٤١٧/٦]
ونقلها: من موضع الخصومة إلى بيته. (العناية) لما تعذر: دليل آخر، والفرق بين الدليلين: أن الانفساخ كان
في الأول مترتباً على الفسخ من الجانبين، وجعل جحوده فسخاً من جانبه، والعزم على ترك الخصومة من
جانب البائع، وفي الثاني يترتب على الفسخ من جانب البائع باستبداده. [العناية ٤١٧/٦-٤١٨]
قبض من فلان: قرضاً، أو ثمن سلعة له عنده أو غير ذلك. [العناية ٤١٨/٦]

٣٧٨
باب التحكيم
ثم ادعى أنها زُيُوف: صُدِّقَ، وفي بعض النسخ: اقتضى، وهو عبارة عن القبض أيضاً،
اقتضاء
ووجهه: أن الزيوف من جنس الدراهم إلا أنها معيبة، ولهذا لو تجوز بها في الصرف
والسلم جاز، والقبض لا يختص بالجياد، فيصدق؛ لأنه أنكر قبضَ حقّه، بخلاف ما إذا
أقر أنه قبض الجيادَ، أو حقّه، أو الثمن، أو استوفى؛ لإقراره بقبض الجياد صريحاً، أو دلالة،
فلا يصدق. والنبهرجة كالزيوف، وفي الستوقة لا يصدق؛ لأنه ليس من جنس الدراهم،
حتى لو تجوز بها فيما ذكرنا لا يجوز، والزَّفُ: ما زَيَّفَه بيتُ المال،
فصار مناقضاً
الصرف والسلم
صدق: [أي القول قوله مع اليمين] سواء كان مفصولاً أو موصولاً، دل على ذلك دلالة في الكتاب، والتصريح
به في غيره. (العناية) وفي بعض النسخ: أي في بعض نسخ "الجامع الصغير" وقع في موضع قبض اقتضى. (العناية)
ولهذا: أي ولكونها من حنس الدرهم. [البناية ٢٩٣/١١] لو تجوز بها: أي لو تجوز (أي تسامح) به فيما
لا يجوز الاستدلال في بدله كالصرف والسلم جاز، ولو لم يكن من جنسها كان التجويز استبدالاً، وهو فيهما
لا يجوز كما تقدم. [العناية ٤١٨/٦] والقبض: جواب عما يقال: الإقرار بالقبض يستلزم الإقرار بقبض الحق،
وهو الجياد، ولو أقر بقبض حقه، ثم ادعى أنه زيوف لم يسمع عنه، فكذا هذا. [البناية ٢٩٤/١١]
فيصدق: في دعواه أنها زيوف. فلا يصدق: أي لا يصدق فيما إذا ادعى الزيافة بعد ذلك؛ لأنه تناقض،
أما الأول فظاهر، وكذا في غيره؛ لأن حقه في الجياد، فكان الإقرار بقبض حقه مطلقاً إقرار منه بقبض
الجياد، وكذا الإقرار بقبض الثمن والاستيفاء عبارة عن القبض بوصف التمام، فكان عبارة عن قبض حقه
أيضاً. [الكفاية ٤١٩/٦] والنبهرجة: معرب نبهره، هو الدراهم الذي فضته رديئة، وقيل: الذي الغلبة فيه
للفضة. (النهاية) كالزيوف: أي في حكم التصديق إذا قال: اقتضيت من فلان كذا درهماً، ثم ادعى أنها
نبهرجة يصدق، كما إذا قال: إنها زيوف. [البناية ٢٩٤/١١]
وفي الستوقة : -بالفتح- أرداً من النبهرج، وعن الكرخي الستوق عندهم ما كان الصفر أو النحاس هو
الغالب، وفي "المبسوط": الستوقة كالفلوس؛ فإنه صفر مموه من الجانبين، وهو معرب سه طاقة، أي الطاق
الأعلى والأسفل فضة، والأوسط صفر. [الكفاية ٤١٩/٦] لا يصدق: يعني لو ادعاها بعد الإقرار بقبض
العشرة. [العناية ٤١٩/٦] ما زيفه: أي رده، وفي "المغرب": زافت عليه دراهمه أي صارت مردودة عليه
بغش فيها، وقد زيفت، أي ردت. (النهاية)

٣٧٩
باب التحكيم
والتَّبَهْرَجَة ما يردُّه التجار: والسَّوقة: ما يغلب عليها الغشُّ. قال: ومن قال لآخرَ:
لك علىَّ ألفُ درهم، فقال: ليس لي عليك شيء، ثم قال في مكانه: بل لي عليك
ألفُ درهم، فليس عليهِ شيءٍ؛ لأنِ إقراره هو الأول، وقد ارتدَّ بردِ المُقَرِّ له، والثاني
دعوى، فلابد من الحُجَّة، أو تصدِيقٍ خَصْمِه، بخلاف ما إذا قال لغيره: اشتريتَ،
ثانیا
وأنكر الآخرُ: له أن يُصَدِّقَه؛ لأن أحد المتعاقدين لا يتفرد بالفسخ، كما لا يتفرد
بالعقد، والمعنى: أنه حقَّهما، فبقي العقدُ، فعمل التصديق، أما المقر له يتفرد برد
الإقرار، فافترقا. قال: ومن ادعى على آخرَ مالاً فقال: ما كان لك علي شيء قط،
فأقام المدعي البينةَ على ألف، وأقام هو البينةَ على القضاء: قُبَلَتْ بينتُه،
والنبهرجة إلخ: ولعله أرداً من الزيف. (العناية) والستوقة: لبن مغشوش مخلوط بماء الذهب. قال: أي محمد محافظته
في "الجامع الصغير". (البناية) وقد ارتد إلخ: إذ الإقرار بالدين يرتد برد المقر له، وكذا الإقرار بالعين،
ولو صدق ثم رد لا يرتد. (الكفاية) والثاني: وهو قوله: بل لي عليك ألف درهم. (البناية) اشتريت: مني هذا
العبد. [البناية ٢٩٦/١١] أن يصدقه: أي للآخر المقر له أي بعد الرد؛ لأن الإقرار بالبيع لا يرتد برد المقر له. (الكفاية)
لأن أحد إلخ: فبرده لا ينفسخ البيع، فلو صدق بعد ذلك والعقد قائم عمل تصديقه. [الكفاية ٤٢١/٦]
لا يتفرد إلخ: قال في "الكافي": ذكر في "الهداية": أن أحد العاقدين لا يتفرد بالفسخ، وذكر قبله، ولأنه
لما تعذر استيفاء الثمن من المشتري فات رضا البائع، فیستبد بفسخه، والتوفيق بين کلاميه صعب، وذلك؛
لأنه قال: لما تعذر استيفاء الثمن يستبد، وههنا لما أقر المشتري في مكانه بالشراء لم يتعذر الاستيفاء،
فلا يستبد بالفسخ. [العناية ٤٢١/٦] يتفرد: بخلاف ما لو أقر بنسب عبده من إنسان، فكذبه المقر له،
ثم ادعاه المقر لنفسه حيث لا يثبت عند أبي حنيفة له؛ لأن الإقرار بالنسب إقرار بما لا يحتمل الإبطال،
فلا يرتد بالرد. [الكفاية ٤٢١/٦-٤٢٢] قال: أي محمد مدالله في "الجامع الصغير". [البناية ٢٩٧/١١]
ما كان: معناه: نفي الوجوب عليه في الماضي على سبيل الاستغراق. (العناية) قبلت بينته: ودلت المسألة
على أن التوفيق إذا كان ممكناً بين الكلامين يجب قبول البينة من غير دعوى التوفيق. (النهاية)