Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠٠
باب كيفية القتال
لأنه لا يمتنع مخافة الضمان؛ لما فيه من إحياء نفسه، أما الجهاد: فمبنىٌّ على إتلاف النفس
فيمتنع حذر الضمان. قال: ولا بأسَ بإخراج النساء والمصاحف مع المسلمين، إذا كان
إلى أرض العدو
عسكراً عظيماً يُؤْمَنُ عليه؛ لأن الغالب هو السلامة، والغالب كالمتحقق. ويكره إخراج
ذلك في سرية لا يؤمن عليها؛ لأنّ فيه تعريضَهن على الضياع والفضيحة، وتعريضَ
النساء
المصاحف على الاستخفاف، فإنهم يستخفون بها مغايظة للمسلمين، وهو التأويل
لأجل غيظهم
الكفار
الصحيح؛ لقوله عليها: "لا تسافروا بالقرآن في أرض العدو" .*
لما فيه: أي في أكل مال الغير من إحياء نفسه، وهو منفعة عظيمة يتحمل بسببها بدل الضمان.
إتلاف النفس: فلو وجب الضمان بقتالهم لامتنعوا عن الجهاد الذي هو فرض وذلك لا يجوز، كما لا يجوز
إيجاب الدية، والكفارة على الإمام فيما إذا مات الزاني البكر من الجلد؛ لئلا يمتنع القاضي عن تقلد
القضاء. [العناية ١٩٩/٥] فيمتنع: أي يمتنع المجاهد عن القتل؛ خوفا عن الضمان.
في سرية: وهي عدد قليل يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار، ذكره في "المبسوط"، وقال محمد حاله في
"السير الكبير": أفضل مايبعث في السرية أدناه ثلاثة، وعن أبي حنيفة بحثه: أقل السرية مائة، وقال الحسن
ابن زياد من قول نفسه: أقل السرية أربع مائة، وأقل الجيش أربعة آلاف. [البناية ١٣١/٩]
لأن فيه: أي في أخراج ذلك. (البناية) وهو التأويل الصحيح: أي تعريض المصاحف على استخفاف هو
التأويم الصحيح. [البناية ١٣٢/٩] وأما قيد التأويل بالصحيح احترازاً عما قال أبو الحسن القمي: النهي
كان في ابتداء الإسلام عند قلة المصاحف، وكذا روي عن الطحاوي. [العناية ٢٠٠/٥]
لا تسافروا إلخ: أن المصنف بله حمل الحديث على الجيش الصغير الذي لايؤمن معه ضياعه، والشافعية
معنا في ذلك، وأخذ المالكية بإطلاقه، قال القرطبى: ولا فرق بين الجيوش والسرايا؛ عملاً بإطلاق الحديث.
والمراد بالقرآن في الحديث: بالمصاحف، وقد جاء مفسراً في بعض الأحاديث، وأشار إليه البخاري بقوله:
باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو. [البناية ١٣٣/٩]
* رواه الجماعة إلا الترمذي. [نصب الراية ٣٨٣/٣] أخرجه البخاري في "صحيحه" عن مالك مالك، عن نافع
عن ابن عمر هما أن رسول الله وّ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. [رقم: ٢٩٩٠، باب كراهية
السفر بالمصاحف إلى أرض العدو]
٢٠١
باب كيفية القتال
ولو دخل مسلمٌ إليهم بأمان لا بأس بأن يحمل معه المصحفَ، إذا كانوا قوماً يُوفُون
الكفار
بالعهد؛ لأن الظاهر عدمُ التعرض، والعجائز يخرجن في العسكر العظيم لإقامة عمل يليق
لا في السرية
بهن كالطبخ والسقي والمداواة. فأما الشوابُّ: فقرارهُنَّ في البيوت أدفعُ للفتنة، ولا يباشرن
العجائز
جمع شابة
مداواة الجرحى
القتالَ؛ لأنه يُسْتدل به على ضعف المسلمين إلا عند الضرورة، ولا يُسْتحب إخراجُهن
للمباضعة والخدمة، فإن كانوا لابد مُخرجين، فبالإِماء دون الحرائر. ولا تقاتل المرأةُ إلا
للجماع والخدمة
للجماع
بإذن زوجها، ولا العبدُ إلا بإذن سيده؛ لما بيناه إلا أن يَهْجُمَ العدوُّ على بلد؛ للضرورة.
وينبغي للمسلمين أن لا يَغْدِرُوا، ولا يَغُلُّوا، ولا يَعْثُلُوا؛ لقوله عليها: "لا تَغُلّا، ولا تَغْدِرُوا،
ولا تَمْثُلُوا". والغَلُولُ: السرقة من المغنم، والغدرُ: الخيانة، ونقض العهد، والمُثْلَةُ المرويةُ في
الغنيمة
بالضم
قصة العُرَّين منسوخة بالنهي المتأخر وهو المنقول. ولا يقتلوا امرأةً، ولا صبيًّا، ولا شيخاً
فانياً، ولا مُقْعَداً، ولا أعمى؛ لأن المبيح للقتل عندنا هو الحرابُ، ولا يتحقق منهم،
جمع حرب
لما بيناه: أشار به إلى قوله: لتقدم حق المولى والزوج. (البناية) إلا أن: استثناء من قوله: ولا تقاتل المرأة،
ولا العبد يعني عند الضرورة يقاتلان، لأن الجهاد جنئذٍ يصير فرض عين. [البناية ١٣٤/٩]
العرنيين: جمع عربني تصغير عرنة، قال ابن الملك: عرنة وادٍ بحذاء عرفة، وهي قبيلة ينسب إليها العرنيون
سقطت ياء التصغير وتاء التأنيث عن النسبة، كما يقال: في جهينة جهني. ولا يقتلوا امرأة: هذا كله من
كلام القدوري. [البناية ١٣٥/٩] ولا شيخاً فانياً: قال في "الذخيرة": هذا الجواب في الشيخ الكبير الفاني
الذي لايقدر على القتال، ولا على الصياح عند التقاء الصفين، ولا يقدر على الأحبال، ولا يكون من أهل
الرأي والتدبير، أما إذا كان يقدر على ذلك يقتل؛ لأنه بقتاله محارب، وبصياحه محرض على القتال،
وبالأحبال يكثر المحارب، وقد صح أن رسول الله (35 قتل دريد بن الصمة، وكان ابن مائة وعشرين سنة،
وفي رواية: ابن مائة وستين سنة؛ لأنه كان صاحب رأي. [العناية ٢٠١/٥-٢٠٢ -٢٠٣]
٢٠٢
باب كيفية القتال
ولهذا لا يُقْتَلُ يابسُ الشقِّ، والمقطوعُ اليمنى، والمقطوع يده ورجله من خلاف.
والشافعي بحلّه يخالفنا في الشيخ والمقعد والأعمى؛ لأن المبيح عنده الكفر، والحجة عليه
صلى الله
ما بينا، وقد صح أن النبي عليّ نهى عن قتل الصبيان والذراري، * وحين رأى رسول الله وُل ◌ُّ
امرأة مقتولة، قال: "هاه: ما كانت هذه تقاتل فلِمَ قُتِلَتْ؟" *** قال: إلا أن يكون أحدُ
هؤلاء ممن له رأي في الحرب، أو تكون المرأة ملكة؛ لتعدي ضررها إلى العباد، وكذا يقتل
بفتحتین
من قاتل من هؤلاء؛ دفعاً لشره، ولأن القتال مبيح حقيقة. ولا يقتلوا مجنوناً؛ لأنه غيرُ
لكفرهم وأذاهم
مخاطب، إلا أن يقاتل، فيقتل؛ دفعاً لشره، غير أن الصبي والمجنون يقتلان ما داما يقاتلان،
بالشرائع
يابس الشق: أي المفلوج، ويراد بالييس بطلان حسه وذهاب حركته، لا إنه ميت حقيقة، كذا في "المغرب".
[البناية ١٣٥/٩] ما بينا: وهو قوله: لا يقتل يابس الشق فإن قلت: احتج الشافعي مدالله بقوله عليها: "اقتلوا
شيوخ المشركين، والستبقوا شرخهم" الحديث، قلت: المراد من الشيوخ الذين يقاتلون، توفيقاً بين الحدثيين."
هاه: كلمة تنبيه والهاء في آخرها للسكت. (البناية) من هؤلاء: أشاربه إلى الشيخ الفاني والأعمى والمقعد
والمرأة. [البناية ١٣٧/٩]
*غريب بهذا اللفظ. [نصب الراية ٣٨٦/٣] وروى البخاري في "صحيحه" عن نافع عن ابن عمر ◌ُما
قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله وُ﴿ّ فنهى رسول الله ◌ُّ عن قتل النساء والصبيان.
[رقم: ٣٠١٥، باب قتل النساء في الحرب]
** أخرج أبوداود والنسائي عن أبي الوليد الطيالسي، وابن ماجه عن المغيرة بن عبدالرحمن، ورواه أحمد في
"مسنده"، وكذلك رواه ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك". [نصب الراية ٣٨٧/٣] أخرج
أبوداود في "سننه" عن أبي الوليد الطيالسي عن عمر بن المرقع بن صيفي، حدثنی أبي عن جده رباح
ابن المرابيع بن صيفي قال: كنا مع رسول الله ـ في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلاً، فقال:
انظر علام اجتمع هؤلاء فجاء، فقال: على امرأة قتيل، فقال: ما كانت هذه لتقاتل، قال: وعلى المقدمة خالد
بن الوليد، فبعث رجلاً، فقال: قل لخالد: لا يقتلن امرأة ولا عسيفاً. [رقم: ٢٦٦٩، باب في قتل النساء]
٢٠٣
باب كيفية القتال
وغيرُهما لا بأسَ بقتله بعد الأسر؛ لأنه من أهل العقاب لتوجه الخطاب نحوه، وإن كان
الحبس
( بالعقل والبلوغ
يَجُنُّ وَيَفِيْقُ، فهو في حال إفاقته كالصحيح. ويكره أن يبتدئ الرجلُ أباه من المشركين
فيقتله؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَافِي الدِّنْيَا مَعْرُوفا﴾، ولأنه يجب عليه إحياؤه بالإنفاق،
علی الابن
فيناقضه الإِطلاقُ في إفنائه. فإن أدركه امتنع عليه حتى يقتله غيرُه؛ لأن المقصود يحصل
غیر الابن
بغيره من غير اقتحامه المأثم، وإن قصد الأبُ قتله بحيث لا يمكنه دفعُه إلا بقتله، لا بأسَ
ارتکابه
به؛ لأن مقصوده الدفع، ألا ترى أنه لو شهر الأبُ المسلم سيفَه على ابنه، ولا يمكنه
عن نفسه
دفعه إلا بقتله يقتله؛ لما بينا، فهذا أولى.
كالصحيح: يعني يقتل، سواء قاتل أو لم يقاتل كالصحيح، فإنه يقتل وإن لم يقاتل، لكنه إنما يقتل في حال
إفاقته؛ لأنه ممن يقاتل ويخاطب. [البناية ٢٠٣/٥] يجب عليه إلخ: قلت: هذا التعليل مشكل بوجهين: أحدهما:
ما ذكره بعض الشارحين في باب النفقة أن الآباء والأمهات والأولاد إذا كانوا حربيين، أو مستأمنين
لا يجب نفقتهم على المسلم؛ لأنا نهينا عن البر في حقهم، اللهم إلا أن يعتبر وجوب الإنفاق في الجملة،
وإنفاق الأبوين مع اختلاف الدين واجب في الجملة. وثانيهما: أنه يباح للأب أن يقتل الابن قصاصاً مع
أنه يجب عليه إنفاقه وإحياؤه، فيناقضه إفناؤه إلا أن يقال: الإحياء الواجب على الولد بالإنفاق أقوى مما
يجب على الوالد. لما بينا: أشاربه إلى قوله: لأن مقصوده الدفع. (البناية ١٣٩/٩)
٢٠٤
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
وإذا رأى الإِمامُ أن يصالح أهلَ الحرب، أو فريقاً منهم، وكان في ذلك مصلحة
للمسلمين: فلا بأس به؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْتَحْلَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
ووادع رسول الله عليها أهل مكة عام الحديبية، على أن يَضَعَ الحربَ بينه وبينهم
عشر سنين،* ولأن الموادعة جهاد معنى إذا كان خيراً للمسلمين؛ لأن المقصود-وهو
ء
دفع الشر- حاصلٌ به، ولا يُقْتصر الحكمُ على المدة المروية؛ لتعدي المعنى إلى ما زاد
عليها، بخلاف ما إذا لم يكن خيراً؛
باب الموادعة: والموادعة المصالحة، وسميت بها؛ لأنها متاركة، وهي من الودع، وهو الترك، وذكر ترك القتال بعد ذكر
القتال ظاهر المناسبة. (العناية) في ذلك مصلحة: قيل عليه: بأن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمْ﴾ ليس بمقيد بالمصلحة،
فكان الاستدلال به مخالفاً للمدعى، وأجيب بأن هذه الآية محمولة على ما إذا كانت في المصالحة مصلحة للمسلمين
بدليل آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. [العناية ٢٠٤/٥-٢٠٥]
فلا بأس به: ولا يجب عليه؛ لأن الصلح إنما شرع نفعاً في حق المسلمين، فلو وجب لصار حقاً عليهم،
فينقلب الحكم على عكسه. [الكفاية ٢٠٤/٥ -٢٠٥] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْم إلخ: أي وإن مالوا للصلح
يقال: جنح له وإليه: إذا مال، وفي السلم: ثلاث لغات: فتح السين وكسرها وفتحهما جميعاً. [البناية ١٤٠/٩]
ما زاد عليها: لا وجه لتخصيص الزيادة بالذكر؛ إذ المعنى الداعي إلى المصالحة كما يدعو إلى أكثر من
عشر سنين، كذلك يدعو إلى الأقل أيضاً، فكان التخصيص؛ لأن اختلاف العلماء إنما وقع في الزيادة.
لم يكن خيراً: متصل بقوله: إذا كان خيراً، يعني لا يجوز الصلح إذا لم يكن خيراً. [البناية ١٤١/٩]
*رواه أبوداود في "سننه" من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور
بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس وعلى أن بيننا
عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال. [رقم: ٢٧٦٦، باب فى صلح العدو]
٢٠٥
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
لأنه تركُ الجهاد صورةً ومعنى. وإن صالحهم مدةً، ثم رأى نَقْضَ الصلح أنفعَ: نَبَذَ
إليهم الإمام وقاتلهم؛ لأنه عليًّا نبذ الموادعة التي كانت بينه وبين أهل مكة،* ولأن
المصلحة لما تبدلت كان النبذُ جهاداً، وإيفاءُ العهد ترك الجهاد صورةً ومعنى، فلابد
من النبذ تحرزاً عن الغدر،
صورة ومعنى: أما صورة: فظاهر حيث ترك القتال، وأما معنى: فلأنه لما لم يكن فيه مصلحة للمسلمين
لم يكن في تلك الموادعة دفع شر، فلم يحصل الجهاد معنى أيضاً. (البناية) نبذ إليهم: من النبذ، وهو
الطرح، والمراد بالنبذ: نقض العهد، ولابد من بلوغ النبذ إلى جميعهم. (البناية ١٤٢/٩)
*روى البيهقى في "دلائل النبوة" في باب غزوة موتة من طريق ابن اسحاق حدثني الزهري عن عروة
ابن الزبير عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة قالا: كان في صلح رسول الله و308 يوم الحديبية بينه وبين
قريش أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد رّ وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قریش وعهدهم
دخل، فدخلت خزاعة في عقد محمد رَّ وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش فمكثوا في الهندة نحو
السبعة أو الثمانية عشرة شهراً، ثم أن بني بكر الذين دخلوا في عقد قريش وثبوا على خزاعة الذين دخلوا
في عقد رسول الله {﴿﴿ ليلاً بماء لهم، يقال له الوتير قريب من مكة، وقالت قريش: هذا ليل وما يعلم بنا
محمد ولا يرانا أحد، فأعانوا بني بكر بالسلاح والكراع، وقاتلوا خزاعة معهم للضغن على رسول الله صلّ
وركب عمرو بن سالم إلى رسول الله ® عند ذلك يخبر الخبر فلما قدم عليه أنشده:
خلف أبينا وأبيه الأتلدا
اللهم إني ناشد محمداً
ونقضوا ميثاقكم المؤكدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا
فقتلونا ركعاً وسجداً
هم بیتونا بالوتیر هجدا
فانصر رسول الله نصراً عتداً.
فقال رسول الله ◌ّ نصرت يا عمرو بن سالم، ثم أمر الناس فتحهزّوا وسأل الله أن يعمي على قريش
خبرهم حتى يبعثهم في بلادهم، وذكر موسى بن عقبة نحو هذا وأن أبا بكر قال له: يا رسول الله ألم تكن
بينك وبينهم مدة، قال: ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب. [نصب الراية ٣٩٠/٣]
٢٠٦
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
وقد قال عليه: "في العهود وفاء لا غدْر"، * ولابد من اعتبار مدةٍ يبلغ فيها خبرُ النبذ
طرَح العهد
إلى جمعهم، ويكتفى في ذلك بمضي مدةٍ يتمكن ملكُهم بعد علمه بالنبذ من إنفاذ
الكفار
الخبر إلى أطراف مملكته؛ لأن بذلك ينتفي الغدر. قال: وإن بدءوا بخيانة: قاتلهم،
الإِمام.
ولم ينبذ إليهم إذا كان ذلك باتفاقهم؛ لأنهم صاروا ناقضين للعهد، فلا حاجة إلى نقضه،
بخلاف ما إذا دخل جماعة منهم، فقطعوا الطريقَ، ولا منعة لهم، حيث لا يكون هذا
نقضاً للعهد، ولو كانت لهم منعة، وقاتلوا المسلمين علانيةً: يكون نقضاً للعهد في
حقهم دون غيرهم؛ لأنهم بغير إذن ملكهم، ففعلُهم لا يلزمهم غيرَهم، حتى لو كان
بإذن ملكهم صاروا ناقضين للعهد؛ لأنه باتفاقهم معنى.
باتفاق الكل
فعلهم هذا
من اعتبار إلخ: قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عهدهم عَلَى سَوَاءِ﴾ أي على سواء
منكم ومنهم في العلم بذلك، فعرفنا أنه لا يحل قتالهم قبل النبذ، وقبل أن يعلموا بذلك ليعودوا إلى ما كانوا
عليه من التحصن، وكان ذلك للتحرز عن العذر. [العناية ٢٠٦/٥] لأن بذلك: أي بمضي المدة المذكورة.
ولم ينبذ إليهم: أي ولم يرسل خبر الطرح إليهم. جماعة منهم: أي من أهل دار الحرب. (البناية)
نقضاً للعهد: لا في حقهم، ولا في حق غيرهم. (البناية) منعة: بفتحتين جمع مانع.
وقاتلوا: أي الجيش؛ لأنه تمنع عنهم.
*هكذا وقع في الكتاب، والموجود في كتب الحديث موقوفاً من كلام عمرو بن عبسة أخرجه أبوداود
والترمذي والنسائي عن شعبة. [نصب الراية ٣٩٠/٣] أخرجه أبوداود عن شعبة أخبرني أبو الفيض عن
سليم بن عامر رجل من حمير قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا
انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر، فنظروا
فإذا عمروبن عسبة فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله ( يقول: من كان بينه وبين قوم عهد فلا
يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء، فرجع معاوية. [رقم: ٢٧٥٩، باب في
الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير عليه]
٢٠٧
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
وإذا رأى الإمامُ موادعة أهل الحرب، وأن يأخذ على ذلك مالاً: فلا بأس به؛ لأنه
لما جازت الموادعة بغير المال، فكذا بالمال، لكن هذا إذا كان بالمسلمين حاجة، أما إذا
لم تكن: لا يجوز؛ لما بّنا من قبل. والمأخوذ من المال يصرف مصارف الجزية، هذا إذا
لم ينزلوا بساحتهم، بل أرسلوا رسولاً؛ لأنه في معنى الجزية، أما إذا أحاط الجيش
ولا خمس فیه
جيش المسلمین
بهم، ثم أخذوا المال، فهو غنيمة يخمسها، ويقسم الباقي بينهم؛ لأنه مأخوذ بالقهر
معنى. وأما المرتدون: فيوادعهم الإِمامُ حتى ينظروا في أمرهم؛ لأن الإِسلام مَرْجُوّ
منهم، فجاز تأخيرُ قتالهم طمعاً في إسلامهم. ولا يأخذ عليه مالاً؛ لأنه لا يجوز
أخذَ الجزية منهم؛ لما نبين. ولو أخذه: لم يرده؛ لأنه مال غير معصوم، ولو حاصر
فى باب الجزية
العدوُّ المسلمين، وطلبوا الموادعة على مال يدفعه المسلمون إليهم، لا يفعله الإِمام؛
موصوف
لما فيه من إعطاء الدنية، وإلحاق المذلة بأهل الإسلام، إلا إذا خاف الهلاك؛
النقيصة
رأى الإمام إلخ: إنما كرر هذا بعد أن يبين حكم موادعة أهل الحرب؛ لأن القدوري لم يذكر الموادعة على المال،
ولم يذكر الموادعة مع المرتدين أيضاً، وذكر ذلك كله في "الجامع الصغير"، فلذلك كرر موادعة أهل الحرب،
وذكر الموادعة على المال. [البناية ١٤٤/٩] إذا كان: جواز الموادعة على المال. من قبل: أن المقصود من الجهاد
إعلاء كلمة الله لا سلب الأموال، إلا أن أخذ المال يجوز لحاجة المسلمين كالجزية. [الكفاية ٢٠٧/٥]
غنيمة يخمسها: أي يخرج الخمس منها، ويقسم الباقي بينهم أي بين جيش المجاهدين القائمين. (البناية)
بالقهر معنى: يعني فيكون كالمأخوذ قهراً صورة ومعنى، وهو المأخوذ بعد الفتح بالقتال. [الكفاية ٢٠٧/٥]
تأخير قتالهم: قال الفقيه أبو الليث في "شرح الجامع الصغير": هذا إذا غلب المرتدون على مدينة. (البناية)
لأنه مال إلخ: لأن مالهم فيء للمسلمين إذا ظهروا على ذلك، بخلاف ما إذا أخذ من أهل البغي، حيث
يرده عليهم بعد ما وضع الحرب أوزارها؛ لأنه ليس بفيء إلا أنه لا يرده حال الحرب؛ لئلا يكون إعانة لهم
على المعصية. [البناية ١٤٥/٩] خاف الهلاك: يعني على نفسه، ونفس سائر المسلمين، فحينئذ لا بأس
بدفع المال. [العناية ٢٠٨/٥]
٢٠٨
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
لأن دفع الهلاك واجب بأي طريق يمكن. ولا ينبغي أن يباع السلاحُ من أهل
الحرب، ولا يُجَهَّزُ إليهم؛ لأن النبي عليّا "نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب وحملِهِ
إليهم"،* ولأن فيه تقويتهم على قتال المسلمين، فيمنع من ذلك، وكذا الكراع؛
لما بينا، وكذا الحديد؛ لأنه أصل السلاح، وكذا بعد الموادعة؛ لأنها على شَرَفِ النقض،
أو الانقضاء، فكانوا حرباً علينا، وهذا هو القياس في الطعام والثوب إلا أنا عرفناه
جواز ذلك
بالنص، فإن عليًّا أمر ثمامةً أن یمیرَ أهل مكة، وهم حرب علیه . **
بأي طريق يمكن: وهذا لا يجري على عمومه، فإن لم يكن دفع الهلاك عن نفسه إلا بإجراء كلمة الكفر،
ينبغي أن يفعل ولا يجب، بل هو مرخص به، كذا لو أكره بقتل نفسه، أو بقتل غيره، لا يجب عليه بل
الصبر عن قتل الغير واجب حتى لوحبر في الصورتين كان شهيداً فعلم أن المراد بأي طريق كان سوى
المستثنيات التي لا إباحة في مباشرتها شرعاً. (البناية) ولا يجهز إليهم: أي لا يحتمل إليهم التجار الجهاز
أي المتاع، يعني السلاح. [البناية ١٤٦/٩] لما بينا: إشارة إلى قوله: لأن فيه تقويتهم. [البناية ١٤٧/٩]
وكذا الحديد إلخ: قلت: ذكر أبو الليث في "شرح الجامع الصغير" أن بيع الحديد منهم لا يكره؛ لأن نفسه
ليس بآلة للمعصية كالعصير، قلت: هذا الذي قاله مثل ما قاله فخر الإسلام، وهذا هو التحقيق إلا أن ظاهر
الرواية بخلاف ذلك، ألا ترى أن الحاكم قدنص على تسوية الحديد بالسلاح، وإليه ذهب المصنف. (البناية)
أو الانقضاء: أي على شرف انقضاء مدة الموادعة. [البناية ١٤٧/٩] وهذا: أي عدم جواز بيع ذلك.
أن يمير: يقال: مار أهله أتاه بالميرة، وهو الطعام. وهم: أي الكفار حرب على رسول الله ﴿.
*غريب بهذا اللفظ، وروى البيهقي في "سنته"، والبزار في "مسنده"، والطبراني في "معجمه" من حديث
بحربن كنيز القاء عن عبد الله بن اللقيطي عن أبي رجاء عن عمران بن حصين أن رسول الله صلّ نهى عن
بيع السلاح في الفتنة، وقال البيهقي: رفعه وهم، والصواب موقوف. [نصب الراية ٣٩١/٣]
** رواه البيهقي في "دلائل النبوة" في آخر باب حديث "الإفك" من طريق ابن اسحاق حدثني سعيد المقبري عن
أبي هريرة فذكر قصة اسلام ثمامة بلفظ "الصحيحين"، وفي آخره: فقال: إني والله ما صَبَوْتُ ولكني أسلمت
وصدقت محمداً، وآمنت به وأيم الذي نفس ثمامة بيده لا يأتيكم حبة من اليمامة - وكانت ريف مكة ما بقيت-
حتى يأذن فيها محمد 5 ®، وانصرف إلى بلده، ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله صل ﴿
يسألونه بأرحامهم أن يكتبه إلى ثمامة يخلي إليهم حمل الطعام، ففعل رسول الله . [نصب الراية ٣٩١/٣-٣٩٢]
٢٠٩
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
فصل
إذا أمَّن رجل حر، أو امرأة حرة كافراً، أو جماعةً، أو أهلَ حصنٍ، أو مدينة: صحَّ
أماهُم، ولم يكن لأحد من المسلمين قتالهم، والأصل فيه قوله عليها: "المسلمون تتكافأ
دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم* أي: أقلهم، وهو الواحد، ولأنه من أهل القتال،
فيخافونه؛ إذ هو من أهل المنعة، فيتحقق الأمانُ منه لملاقاته محلّه، ثم يتعدى إلى غيره،
فصل: في بيان أحكام الأمان. (البناية) صح أمانهم: أي صح أمان جماعة الكفار، وأهل الحصن، والمصدر
مضاف إلى مفعوله، وطوي ذكر الفاعل. (البناية) ولم يكن لأحد إلخ: سواء كان الرجل الحر الذي أمنهم
أعمى، أو شيخاً، أو مريضاً. [البناية ١٤٩/٩] تتكافأ: أى تتساوى في القصاص والديات لا فضل
للشريف على الوضيع. (البناية) بذمتهم: الذمة: العهد والضمان. [البناية ١٥٠/٩]
أي أقلهم: وإنما فسره بالأقل احترازا عن تفسير محمد بحالته حيث فسره بالعبد؛ لأنه أدنى المسلمين، فجعل
الأدنى ههنا من الدناءة، وجعله غيره من الدنو. (البناية) ولأنه: أي ولأن كل واحد من الرجل والمرأة من
أهل القتال، أما الرجل: فظاهر، وأما المرأة: بأن تخرج للمداواة والخبز والطبخ، وذلك منها جهاد. (البناية)
فيخافونه: الضمير المنصوب في "فيخافونه"، وفي قوله: "إذ هو"، وقوله: "منه"، كلها يرجع إلى ما يرجع
الضمير الذي في قوله: ولملاقاته محله. [البناية ١٥٠/٩]
محله: هو محل الخوف. (العناية) إلى غيره: أي غير الذي أمن من أهل الإسلام، كما في شهادة رمضان،
فإن الصوم يلزم من شهد برؤية الهلال، ثم يتعدى منه إلى غيره. [العناية ٢١١/٥]
*احتج المصنف بقوله: "ويسعى بذمتهم أدناهم" على جواز أمان الرجل الواحد أو المرأة الواحدة لأهل مدينة،
أو حصن وهو في "الصحيحين" أخرجه البخاري في الجهاد، ومسلم في الحج. [نصب الراية ٣٩٣/٣-٣٩٤]
أخرجه البخاري في "صحيحه" عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي بن أبي طالب هُه قال: ما كتبنا عن
النبي ◌ُّ إلا القرآن وما في هذه الصحيفة، قال النبي ◌ُّ: المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا، فمن أحدث
حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف، وذمة المسلمين
واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف
ولا عدل. الحديث [رقم: ٣١٧٩، باب إثم من عاهد ثم غدر]
٢١٠
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
ولأن سببه لا يتجزأ، وهو الإيمان، وكذا الأمان لا يتجزأ فيتكامل كولاية الإنكاح.
التصديق
الواو حالية
قال: إلا أن يكون في ذلك مفسدة، فينبذ إليهم، كما إذا أمَّن الإِمام بنفسه، ثم رأى
المصلحة في النبذ، وقد بيناه. ولو حاصر الإِمام حصنا، وأمن واحد من الجيش، وفيه
مفسدة: ينبذ الإِمام الأمان؛ لما بينا، ويؤدبه الإِمامُ لافتياته على رأيه، بخلاف ما إذا
كان فيه نظر؛ لأنه ربما تفوت المصلحةُ بالتأخير، فكان معذوراً، ولا يجوز أمانُ
مصلحة
ذميَّ؛ لأنهم متهم بهم، وكذا لا ولاية له على المسلمين. قال: ولا أسيرٍ ولا تاجرٍ
يدخل عليهم؛ لأنهما مقهوران تحت أيديهم، فلا يخافونهما، والأمان يختص بمحل الخوف،
على أهل الحرب
على أهل الحرب
ولأن سببه إلخ: واعلم أن المصنف استدل بالمعقول على وجهين، جعل المناط في أحدهما كون من يعطى
الأمان ممن يخافونه، وفي الآخر الإيمان. والأول يقتضي عدم جواز أمان العبد المحجور، والتاجر والأسير،
والثاني يقتضي جوازه ولو جعلهما علة واحدة بحذف الواو من الثاني ليقع علة لقوله: ثم يتعدى إلى غيره
كان أولى. (العناية) الأمان لا يتجزأ: فإذا تحقق من البعض، فإما أن يبطل أو يكمل، لا يجوز الأول بعد
تحقق السبب، فيتحقق الثاني، كما إذا وجد الإنكاح من بعض الأولياء المستويين في الدرجة صح النكاح
في حق الكل؛ لأن سبب ولايته، وهو القرابة غير متجزئ، فلا تتجزأ الولاية. [العناية ٢١١/٥]
إلا أن يكون: استثناء من قوله: صح أمانهم أي إلا أن يكون في الأمان فساد في حق المسلمين، فينبذ إليهم
أي يعلم الإمام أهل الحرب بالنبذ؛ دفعاً للعذر عنهم. (البناية) وقد بيناه: أي في أول فصل الموادعة. (البناية)
لما بينا: أي في فصل الموادعة. [البناية ١٥١/٩] لافتياته على رأيه: قال في "المجمل": الافتيات افتعال من
الفوات، وهو السبق إلى الشيء، وأصل الافتيات الافتوات؛ لأنه من الفوت أجوف واوي، فقلبت الواو ياء
بتحركها، وانكسار ما قبلها. (البناية) كان فيه: أي في أمان هذا الواحد من الجيش. [البناية ١٥٢/٩]
متهم بهم: أي بالكفار للإلحاد في الاعتقاد. على المسلمين: وأمان الذي لو صح لزم حكمه على المسلمين
ابتداء لا أنه يلزمه حكمه أولا، ثم يتعدى إلى آخره حتى لا يكون من باب الولاية؛ إذ لا حق له في الغنيمة.
فلا يخافونهما: أي فلا يخاف أهل الحرب من الأسير والتاجر. [البناية ١٥٢/٩-١٥٣]
٢١١
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
ولأنهما يجبران عليه، فيعرى الأمانُ عن المصلحة، ولأنهم كلما اشتد الأمرُ عليهم
يجدون أسيراً أو تاجراً، فيتخلصون بأمانه، فلا ينفتح لنا باب الفتح، ومن أسلم في
عند الشدائد
مُ
دار الحرب، ولم يهاجر إلينا: لا يصح أمانه؛ لما بينا. ولا يجوز أمان العبد المحجور عند
أبي حنيفة حاله إلا أن يأذن له مولاه في القتال، وقال محمد بحثه: يصح، وهو قول
الشافعي، وأبو يوسف بد له معه في رواية، ومع أبي حنيفة رحلته في رواية. لمحمد بالله
قوله عليًا: "أمان العبد أمان"،* رواه أبوموسى الأشعري ته، ولأنه مُؤَمِّن ممتنع،
فيصح أمانُه اعتباراً بالمأذون له في القتال، وبالمؤبد من الأمان،
ذو قوة
يجبران عليه: أي يجبره الكفار عليه. عن المصلحة: لأن الأمان شرع لمصلحة المسلمين، ولا مصلحة في أمان حصل
عن إكراه مفسد للتراضي. (البناية) فلا ينفتح: لأنه ينسد بالأمان، فيؤدي إلى سد ركن الجهاد. [البناية ١٥٣/٩]
لما بينا: أي أن الأمان يختص بمحل الخوف. [الكفاية ٢١٣/٥] أن يأذن: فحينئذ يصح أمانه أيضاً.
معه في رواية: ذكرها الكرخي، واعتمد عليه القدوري في شرحه.
ومع أبي حنيفة سله إلخ: وذكره الطحاوي مع أبي حنيفة، وهو الظاهر عنه، وهو اعتمد عليه
صاحب "الأسرار". [العناية ٢١٣/٥] في القتال: والجامع إعلاء كلمة الله، ودفع شر الكفار. (البناية)
وبالمؤبد: يعني عقد الذمة، فإن الحربي إذا عقد الذمة مع العبد وقبل الجزية وقبل العبد منه هذا العقد يصح
هذا العقد، والقبول من العبد ويصير ذميا بالاتفاق. [البناية ١٥٤/٩]
*غريب. [نصب الراية ٣٩٦/٣] وروى عبدالرزاق في "مصنفه" حدثنا معمر عن عاصم بن سليمان عن
فضيل بن يزيد الرقاشي قال: شهدت قرية من قرى فارس يقال لها: "شاهرتا" فحاصرناها شهراً حتى إذا
كان ذات يوم وطمعنا أن نصبحهم انصرفنا عنهم عند المقبل، فتخلف عبد منا فاستأمنوه، فكتب إليهم في
سهم أماناً، ثم رمى به إليهم، فلما رجعنا إليهم خرجوا في ثيابهم ووضعوا أسلحتهم، فقلنا: ما شأنكم،
فقالوا: أمنتمونا، وأخرجوا إلينا السهم فيه كتاب أمانهم، فقلنا: هذا عبد، والعبد لا يقدر على شيء،
قالوا: لا ندري عبدكم من حركم، وقد خرجوا بأمان، قلنا: فارجعوا بأمان، قالوا: لا نرجع إليه أبداً،
فكتبنا إلى عمر بعض قصتهم، فكتب عمر أن العبد المسلم من المسلمين أمانه أمانهم قال: ففاتنا ما كنا
أشرفنا عليه من غنائمهم. [٢٢٢/٥، باب الجوار وجوار العبد والمرأة]
٢١٢
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
فالإيمان: لكونه شرطاً للعبادة، والجهادُ عبادة، والامتناع: لتحقق إزالة الخوف به،
والتأثير إعزازُ الدين، وإقامةُ المصلحة في حق جماعة المسلمين؛ إذ الكلام في مثل هذه
الحالة، وإنما لا يملك المسايفة؛ لما فيه من تعطيل منافع المولى، ولا تعطيلَ في مجرد القول.
حالة المصلحة
ولأبي حنيفة له: أنه محجور عن القتال، فلا يصح أمانُه؛ لأنهم لا يخافونه، فلم يلاقٍ
الأمانُ محله، بخلاف المأذون له في القتال؛ لأن الخوف منه متحقق، ولأنه إنما لا يملك
العبد المحجور
المسايفة؛ لما أنه تصرف في حق المولى على وجه لا يعرى عن احتمال الضرر في حقه،
لا يخلو
والأمانُ نوعُ قتال، وفیه ما ذكرناه؛ لأنه قد يخطئ، بل هو الظاهر، وفيه سدُّ باب
الاستغنام، بخلاف المأذون؛ لأنه رضي به، والخطأُ نادر لمباشرته القتال، وبخلاف المؤبد؛
أي بأمانه
فالإيمان: الإيمان في قولنا: ولأنه مؤمن ممتنع يصح أمانه. (البناية) والامتناع: أي الامتناع شرط أيضاً.
والتأثير: أي العلة الجامعة في قياس العبد المحجور عليه على المأذون له. [البناية ١٥٤/٩]
وإنما لا يملك: جواب عما يقال: الأصل في الجهاد، وهو المسايفة، وهي المضاربة بالسيف وهو يملكه، فكذا
لا يملك الأمان أيضاً. [العناية ٢١٣/٥-٢١٤] لايخافونه: ذلك يعلم بترك المسايفة، فإنهم لما رأوا شاباً مقتدراً
على القتال مع القاتلين، ولا يحمل سلاحاً ولا يقاتلهم علموا أنه ممنوع عن ذلك ممن له المنع. [العناية ٢١٤/٥]
بخلاف المأذون إلخ: يشير إلى أن قياس المحجور على المأذون قياس مع الفارق. والأمان نوع قتال: [فلا يملكه
أيضاً] لأن المقصود بالقتال دفع شرهم عن المسلمين، وبالأمان يحصل ذلك، فيكون نوع قتال. (الكفاية)
وفيه [التصرف فى حق المولى] ما ذكرناه: أي في أمان العبد المحجور ما ذكرنا في قتاله. [الكفاية ٢١٤/٩]
هو الظاهر: لأن اشتغاله بخدمة المولى يمنعه عن التعلم بآداب الحرب. (البناية) وفيه سدُّ باب إلخ: أي في الأمان
سد باب الاستغنام على المسلمين، وذلك ضرر في حقهم، فإذا كان ممنوعاً عن الضرر للمولى، فكيف يصح منه
ما يضر المولى والمسلمين. (البناية) بخلاف المأذون: حيث يصح أمانه. لمباشرته القتال: أي المأذون فيعلم
آداب القتال. وبخلاف المؤبد: وهو جواب قول محمد بدلته. [البناية ١٥٥/٩]
٢١٣
باب الموادعة ومن يجوز أمانه
لأنه خلف عن الإسلام، فهو منزلة الدعوة إليه، ولأنه مقابل بالجزية، ولأنه مفروض
وهي نفع
وهي نفع
عند مسألتهم ذلك، وإسقاط الفرض نفع فافترقا. ولو أمَّن الصبيُّ وهو لا يعقل:
كان يعقل، وهو محجور عن القتال: فعلى الخلاف، وإن كان
لا يصح كالمجنون، وإن الصبي
مأذوناً له في القتال: فالأصح أنه يصح بالاتفاق.
لأنه خلف: أي الأمان المؤبد خلف عن الإسلام من حيث إنه ينتهي به القتال المطلوب به إسلام الحربي.
[العناية ٢١٤/٥] عند مسألتهم: قال الأتراري هنا: يعني إذا طلب الحربي الإسلام عليه من المحجور
يفترض عليه الفرض، وقال الأكمل: ولأنه مفروض عند مسألتهم ذلك يعني أن الكفار إذا طلبوا عقد
الذمة يفترض على الإمام إجابتهم إليه. (البناية) فافترقا: أي افترق أمان العبد المحجور عليه عن القتال،
وأمان المأذون له بالقتال، أو افترق الأمان المؤقت من المحجور عليه عن القتال والأمان المؤبد منه. (البناية)
كالمجنون: في عدم صحة أمانة. [البناية ١٥٦/٩]
فعلى الخلاف: فعند أبي حنيفة بدالله لا يصح أمانه، وعند محمد سعداله يصح. (البناية) بالاتفاق: أي باتفاق أصحابنا،
وليس على الخلاف؛ لأنه تصرف دائر بين النفع والضرر كالبيع، فيملكه الصبي بعد الإذن. [البناية ١٥٦/٩-١٥٧]
٢١٤
باب الغنائم وقسمتها
باب الغنائم وقسمتها
وإذا فتح الإِمام بلدةً عُنْوةً أي قهراً، فهو بالخيار إن شاء قسمها بين المسلمين، كما فعل
رسول الله عليها بخيبر،* وإن شاء أقر أهله عليه، ووضع عليهم الجزية، وعلى أراضيهم
الخراج، كذلك فعل عمر ◌ُله بسواد العراق بموافقة من الصحابة عليه، ولم يُحْمَدْ من
خالفه، وفي كل من ذلك قدوة، فيتخير. وقيل: الأولى هو الأول عند حاجة الغانمين،
القسمة
القسمة والإقرار
والثاني عند عدم الحاجة؛ ليكون عدة في الزمان الثاني، وهذا في العقار. أما في المنقول المجرد:
لا يجوز المن بالرد عليهم؛ لأنه لم يرد به الشرع فيه، وفي العقار خلاف الشافعى حدثله؟
المن
باب الغنائم: أخر باب الغنائم وحكمها عن فصل الأمان؛ لأن الإِمام بعد المحاصرة ، إما أن يؤمنهم، أو يقتلهم
ويستغنم أموالهم [العناية ٢١٥/٥] الغنائم: جمع غنيمة والغنيمة اسم لمال مأخوذ من الكفرة بالقهر، والغلبة والحرب
قائمة، والفيء اسم لمال يؤخذ منهم بغير قتال كالخراج، والجزية ويخمس الغنيمة، وأربعة أخماسه للغانمين
والفيء لا يخمس، بل هو الكافة للمسلمين والنفل ما يخص الإِمام للغازي زيادة على سهمه. [البناية ١٥٧/٩]
قهراً: قال في "النهاية": ليس بتفسير له لغة؛ لأن عنا عنوا بمعنی ذل وخضع، وهو لازم، وقهر متعد، بل
يكون هو تفسيره من طريق شعور الذهن؛ لأن من الذلة يلزم القهر. [العناية ٢١٥/٥]
والثاني: أي قرار أهل البلد عليه بالمن ووضع الجزية والخراج كما فعل عمر له. (البناية) وهذا: أي إقرار
أهل البلد على بلدهم بالمن. (البناية) المجرد: وإنما قيد المنقول بالمجرد؛ لأنه يجوز المن عليهم في المنقول بطريق
التبعية بالعقار على ما يأتي عن قريب. (البناية) خلاف الشافعي بدله: فإن عنده: لا يجوز إقرار أهل البلد
على بلدهم بالمن في العقار، بل يقسم الأرض أيضاً. (البناية)
* أخرج البخاري في "صحيحه" عن زيد بن أسلم أن عمر قال: والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر
الناس بياناً ليس لهم شيء، ما فُتِحَتْ عليَّ قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله وُّ خيبرَ، ولكن أتركها
لهم خزانة يقتسمونها. [رقم: ٤٢٣٥، باب غزوة خيبر]ً
٢١٥
باب الغنائم وقسمتها
لأن في المن إيطالَ حقِّ الغانمين، أو ملكِهم، فلا يجوز من غير بدلٍ يعادله، والخراجُ غير
معادل لقلته، بخلاف الرقاب؛ لأن للإمام أن يبطل حقّهم رأساً بالقتل، والحجة عليه
ما رويناه. ولأن فيه نظراً؛ لأنهم كالأَكَرَة العاملة للمسلمين العالمةِ بوجوه الزراعة، والمُؤَنُ
مؤنة الزراعة
مرتفعة مع أنه يحظى به الذين يأتون من بعد، والخراج وإن قلَّ حالاً، فقد جَلَّ مآلاً لدوامه،
وإن مَنَّ عليهم بالرقاب والأراضي يدفع إليهم من المنقولات بقدر ما يتهيأ لهم العملُ؛
ليخرج عن حد الكراهة. قال: وهو في الأُسَارَى بالخيار، إن شاء قتلهم؛ لأنه عليها قد قتل،"
القدوري الإمام
حق الغانمين: أي عندنا لأنه لا يثبت الملك قبل الإحراز بدار الإِسلام. (البناية) أو ملكهم: أي أو إبطال
ملكهم عند الشافعي له؛ لأن الغنيمة تملك عنده قبل الإحراز بالدار. [البناية ١٦٠/٩]
غير معادل: جواب عما يقال: الخراج يعادله. ما رويناه: أي من فعل عمر ظه. (البناية) كالأكرة: بفتح الهمزة
والكاف والراء أي المزارعين، وحاصل الكلام: أن تصرف الإمام وقع على وجه النظر في إقرار أهلها
عليها؛ لأنه لو قسمها بین الغانمین اشتغلوا بالزراعة، وقعدوا عن الجهاد، فکان یکر عليهم العدو، وربما
لا يهتدون لذلك العمل أيضاً فإذا تركها في أيديهم وهم عارفون بالعمل صاروا كالأكرة المزارعين
للمسلمين العالمة بوجوه الزراعة. [البناية ١٦١/٩]
مع أنه إلخ: قال شيخنا: هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. (البناية) يحظى: أي يعطى الحظ
بالظاء المعجمة. والخراج: هذا جواب عن قول الشافعي بدله: والخراج غير معادل لقلته. [البناية ١٦١/٩]
جل: بوجوبه في كل سنة. (العناية) عن حد الكراهة: معناه ما قال الإِمام التمرتاشي فإنْ مَنَّ عليهم برقابهم
وأراضيهم، وقسم النساء والذرية وسائر الأموال جاز، ولكن يكره؛ لأنهم لا ينتفعون بالأراضي بدون المال،
ولا بقاء لهم بدون ما يمكن به ترجية العمر إلا أن يدع لهم ما يمكنهم به العمل في الأراضي. [العناية ٢١٨/٥]
قد قتل: عقبة بن أبي معيط والنضر بن سهيل تعد ما حصلانى يده، وقتل بني قريظة بعد ثبوت اليد عليهم فان
اسملموا سقط عنهم القتل لانه عقوبة وجبت للبقاء على الكفر فإذا ازال الكفر سقط القتل. [العناية ٢١٨/٥-٢١٩]
* في الباب أحاديث، منها حديث ابن خطل وحديث عطية القرظي. [نصب الراية ٤٠١/٣] أخرج البخاري في
"صحيحه" عن الزهري عن أنس بن مالك له أن النبي ◌َّ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء
رجل، فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه. [رقم: ١٨٤٦، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام]
٢١٦
باب الغنائم وقسمتها
ولأن فيه حسمَ مادةِ الفساد، وإن شاء استرقّهم؛ لأن فيه دفعَ شَرِّهم مع وفور المنفعة
قطع
لأهل الإِسلام، وإن شاء تركهم أحراراً ذمة للمسلمين؛ لما بينا، إلا في مشركي العرب
والمرتدين على ما نبين، إن شاء الله تعالى. ولا يجوز أن يردهم إلى دار الحرب؛ لأن فيه
في باب الجزية
تقويتَهم على المسلمين، فإن أسلموا لا يقتلهم؛ لاندفاع الشر بدونه، وله أن يسترقهم؛
بدون القتل
الأسارى
توفيراً للمنفعة بعد انعقاد سبب الملك، بخلاف إسلامهم قبل الأخذ؛ لأنه لم ينعقد السببُ
بعد. ولا يفادي بالأسارى عند أبي حنيفة بحلته، وقالا: يفادى بهم أسارى المسلمين،
وهو قول الشافعي ماله؛ لأن فيه تخليص المسلم، وهو أولى من قتل الكافر والانتفاع به.
وله: أن فيه معونة للكفرة؛ لأنه يعود حربا علينا، ودفع شر حرابه خير من استنقاذ الأسير
المسلم؛ لأنه إذا بقي في أيديهم، كان ابتلاءً في حقه غير مضاف إلينا، والإعانة بدفع
أسيرهم إليهم مضاف إلينا، أما المفاداةُ بمال يأخذه منهم لا يجوز في المشهور من المذهب؛
استرقهم: فإن أسلموا بعد ذلك لم يسقط عنهم الرق؛ لأن الرق جزاء الكفر الأصلي على ما عرف،
بخلاف ما إذا أسلموا قبل الاستيلاء حيث لا يجوز القتل والاسترقاق أيضاً. [العناية ٢١٩/٥]
مشركي العرب والمرتدين: فإنه لا يجوز استرقاقهم ولا وضع الجزية عليهم، ولا يقبل منهم إلا الإسلام
أو السيف. سبب الملك: وهو أخذهم وهم كفار. (البناية) بخلاف إسلامهم: حيث لا يجوز استرقاقهم. (البناية)
ولا يفادي: أي لا تؤخذ فدية بمقابلة إطلاق الأسارى [الكفاية ٢٢٠/٥] المفاداة بين اثنين يقال: فاداه إذا أطلقه،
وأخذ فديته، ومنه قوله: ولا يفادى بالأسارى أي لا يعطى أسارى الكفار، ويؤخذ منهم أسارى
المسلمين. (العناية) وقالا: وجعل في "السير الكبير" قولهما أظهر الروايتين عن أبي حنيفة مدله. [العناية ٢١٩/٥]
يفادى: ولا تجوز الفدية بالمال. (العناية) قول الشافعي: وبه قال مالك وأحمد بحثًا إلا بالنساء، فإنه
لا يجوز المفاداة بالنساء عندهم. [البناية ١٦٤/٩] إلينا: أي لحصولها بفعلنا، وهو إطلاق أسراء الكفار.
أما المفاداة: أي في إطلاق أسرائهم.
٢١٧
باب الغنائم وقسمتها
ء
لما بينا. وفي "السیر الکبیر": أنه لابأس به إذا كان بالمسلمین حاجة؛ استدلالاً بأساری
بالمفاداة بالمال
بدر، ولو کان أسلم الأسیر في أیدینا لا یفادی بمسلم أسير في أيديهم؛ لأنه لا يفيد
إلا إذا طابت نفسُه به، وهو مأمون على إسلامه. قال: ولا يجوز المنُّ عليهم أي: على
الأسارى، خلافاً للشافعي بداله فإنه يقول: مَنَّ رسول الله عليًّا على بعض الأسارى
لما بينا: أي بقوله: أن فيه معونة للكفرة. (البناية) استدلالاً: [وسيجيء جوابه] قال الأتراري: وهذا الاستدلال
عجيب مع نزول الآية بالإنكار على المفاداة. [البناية ١٦٥/٩] بأسارى بدر: [كان الفداء أربعة آلاف]
لما أسر أسارى بدر، وهم سبعون نفراً من الكفار شاور النبي ◌ُّ أصحابه في حقهم، فتكلم كل منهم
برأيه، فقال أبوبكر: هم قومك وأهلك خذ منهم فداء ينفعنا، وخلهم أحراراً لعلهم يوفقون بالإِسلام. وقال
عمر: مكن نفسك من قتل عباس، ومكن علياً من قتل عقيل، ومكنى من قتل فلان، فقال رسول الله مثل:
إن الله ليلين قلوب رجال كالماء، ويشدد قلوب رجال كالحجارة مثلك يا أبا بكر! كمثل إبراهيم حيث
قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ومثلك يا عمر! كمثل نوح حيث قال:
﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾، ثم استقر رأيه عليها على رأي أبي بكر، فأمر بأخذ الفداء،
فنزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُيُرِيدُ
الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً
طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فبكى رسول الله رَّ والصحابة كلهم، وقال: لو نزل العذاب ما
نجى منا أحد إلا عمر وسعد بن معاذ، فظهر أن الحق هو رأي عمر، وإن رسول الله وُّ أخطأ حين
عمل برأي أبي بكرته، لكنه لم يقرر على الخطأ، بل نبه عليه بإنزال الآيات، وأمضى الحكم على
الفداء، وأمر بأكله، ولم يأمر برده. وهذا هو الفرق بين نزول النص، بخلاف الرأي وبين ظهوره بخلافه؛
لأن في الأول لا ينقض الرأي به، وفي الثاني ينقض.
لأنه لا يفيد: لأنه لا فائدة في تخليص المسلم بالمسلم إلا إذا طابت نفسه به أي إلا إذا رضي بذلك نفس الأسير
المسلم، وهو مأمون على إسلامه لا يخاف عليه بالردة. [البناية ١٦٥/٩] ولا يجوز المن: أي الإنعام عليهم
بأن يتركهم مجاناً من غير استرقاق، ولا ذمة، ولا قتل. [العناية ٢٢١/٥] بعض الأسارى: وهو أبو العاص
زوج زينب بنت رسول اللهڅ.
٢١٨
باب الغنائم وقسمتها
يوم بدر .* ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَحَدْتُمُوهُمْ﴾، ولأنه بالأسر
والقسْر ثبت حقُّ الاسترقاق فیه، فلا يجوز إسقاطه بغير منفعة وعوض، وما رواه منسوخ
من حدیث المن
بما تلونا. وإذا أراد الإِمام العَوْدَ، ومعه مواش، فلم يقدر على نقلها إلى دار الإسلام: ذبحها
وحرقها، ولا يَعْقِرْها ولا يتركها وقال الشافعي بحظته: يتركها؛ لأنه عليها نهى ** عن ذبح
الشاة إلا لمأكلة. ولنا: أن ذبح الحيوان يجوز لغرض صحيح، ولا غرضَ أُصحّ من كسر
شوكة الأعداء، ثم يحرق بالنار؛ لينقطع منفعته عن الكفار، فصار کتخريب البنيان، بخلاف
التحريق قبل الذبح؛ لأنه منهي عنه، *** وبخلاف العَقْر؛ لأنه مُثْلَةٍ، وتحرق الأسلحةُ أيضاً،
جمع السلاح
و هو حرام
ولنا قوله تعالى: وهو متأخر نزولاً؛ لأن سورة البراءة آخر ما نزلت، وقد تضمنت وجوب القثل على كل
حال، فكان ناسخاً لما تقدم. بما تلونا: وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. (البناية) العَوْدَ: أي إلى دار
الإسلام. (البناية) مواش: جمع ماشية، وهي الإبل والبقر والغنم. [البناية ١٦٦/٩] لمأكلة: بفتح الكاف
وضمها مصدر الأكل. (البناية) فصار: والجامع قطع المنفعة عنهم. [البناية ١٦٧/٩]
*أخرجه البخاري عن جبير بن مطعم أن النبي ◌ُّ قال في أسارى بدر: لوكان المطعم بن عدى حياً، ثم
كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له. [رقم: ٤٠٢٤، باب ما منَّ النبي ◌ُ ◌ّ على الأسارى من غير أن يخمس]
** غريب [نصب الراية ٤٠٦/٣] وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" حدثنا محمد بن فضل عن يحي بن سعيد
قال: حدثت أن أبا بكر بعث جيوشاً إلى الشام، فخرج يتبع يزيد بن أبي سفيان، فقال: إنى أُوصيك بعشر
لا تقتلن صبياً ولا امرأة ولا كبيراً هرماً ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاةً، ولا بعيراً
إلا لمأكلة ولا تغرقن نخلاً، ولا تحرقنه، ولا تغلل، ولا تجين. [٦٥٥/٧، باب من ينهى عن قتله في دار الحرب]
*** فيه أحاديث. [نصب الراية ٤٠٧/٣] أخرج البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة له أنه قال: بعثنا
رسول الله ﴿﴿ في بعث فقال: إن وجدتم فلاناً وفلاناً، فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله # وحين أردنا
الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما.
[رقم: ٣٠١٦، باب لا يعذب بعذاب الله]
٢١٩
باب الغنائم وقسمتها
وما لا يحترق منها يدفن في موضع لا يطلع عليه الكفارُ؛ إبطالا للمنفعة عليهم. ولا يقسم
غنيمةً في دار الحرب حتى يخرجها إلى دار الإِسلام، وقال الشافعي بدله: لا بأس بذلك،
وأصله: أن الملك للغانمين لا يثبت قبل الإحراز بدار الإِسلام عندنا، وعنده: يثبت، ويبتنى
على هذا الأصل عدة من المسائل ذكرناها في "كفاية المنتهي". له: أن سبب الملك
الاستيلاءُ إذا ورد على مال مباح كما في الصُّؤُد، ولا معنى للاستيلاء سوی إثبات
اليد، وقد تحقق. ولنا: أنه عليّ نهى عن بيع الغنيمة: في دار الحرب . * والخلاف ثابت
في دار الحرب
فيه، والقسمة بيع معنىًّ، فتدخل تحته، ولأن الاستيلاء إثبات اليد الحافظة والناقلة،
لا يحترق منها: بأن كان من الحديد. (البناية) لا بأس بذلك: أي بتقسيم الغنيمة في دار الحرب.
عدة من المسائل: منها: أن أحداً من الغانمين إذا وطئ أمة من السبي فولدت فادعاه، ثبت نسبه عنده، وصارت
الأمة أم ولد، وعندنا لا يثبت النسب لعدم الملك، ويجب العقر، ويقسم الأمة والولد والعقر بين الغانمين. ومنها:
البيع لو باع الإِمام أو واحد من الغزاة شيئاً من الغنيمة لا يجوز عندنا، خلافاً لهم، ومنها: الإرث إذا مات
أحد الغزاة بدار الحرب لا يورث منه عندنا خلافاً لهم، ومنها: لو لحق المدد قبل القسمة لا يشاركه
عندهم، ويشارك عندنا، ومنها: لو أتلف واحد شيئاً من المغنم قبل الإحراز لا يضمن عندنا خلافاً لهم. (البناية)
كفاية المنتهي: وهو كتاب معدوم لم يوجد في ديار العراق والشام والمصر. [البناية ١٦٨/٩]
كما في الصيود: فإنه يملك فيه بالاستيلاء على الصيد، وكذا في الاحتطاب. [البناية ١٦٨/٩]
والخلاف: أي الخلاف المذكور بيننا وبين الشافعي بالله ثابت فيه أي في البيع، فمن حرم البيع حرم
القسمة، والقسمة بيع معنى أي من حيث المعنى لاشتمالها على الإفراز والمبادلة لا محالة، فتدخل القسمة
تحت البيع، فكما لا يجوز، لا تجوز القسمة. [البناية ١٦٩/٩] اليد الحافظة: وهي اليد التي يثبت بها حفظ
العين، والناقلة: وهي التي تنقل العين من شخص إلى شخص، قاله الأتراري، وقال الكاكي: والناقلة بأن
ینقله کیف شاء يتصرف فيه. [البناية ١٦٩/٩]
*غريب جداً، واستدل به المصنف على منع جواز قسم الغنائم في دار الحرب، قال: لأن البيع في معنى
القسمة فكما لا يجوز البيع كذلك لا تجوز القسمة. [نصب الراية ٤٠٨/٣]