Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢٠
کتاب الرضاع
من غير فصل، ولأن الحرمة وإن كانت لشبهة البعضية الثابتة بنشوز العظم وإنبات
اللحم، لكنه أمر مبطن، فتعلق الحكم بفعل الإرضاع، وما رواه مردود بالكتاب،
أو منسوخ به، وينبغي أن يكون في مدة الرضاع؛ لما نبين. ثم مدة الرضاع ثلاثون شهراً
عند أبي حنيفة باليه، وقالا: سنتان، وهو قول الشافعي بد له. وقال زفرد له: ثلاثة أحوال؛
لأن الحول حسن للتحول من حال إلى حال، ولا بد من الزيادة على الحولين؛ لما نبين،
فَيُقَدَّرُ به. ولهما: قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلأُونَ شَهْراً﴾، ومدة الحمل أدناها ستةً
أشهر، فبقي للفصال حولان، وقال النبي عليه: "لا رضاعَ بعد حولَيْن)* وله هذه الآية.
ووجهه: أنه تعالى ذَكَرَ شِيئَيْن، وضرب لهما مدةً؛ فكانت لكل واحد منهما بكمالها،
الحمل والفصال
من غير فصل: يعني في الكتاب والسنة، والزيادة على الكتاب بخبر الواحد لا تجوز على ما عرف. [العناية ٣٠٧/٣]
ولأن الحرمة إلخ: دليل معقول يتضمن جواب سؤال مقدر ، تقديره: تحريم الرضاع باعتبار إنشاز العظم،
وإنبات اللحم، وليس ذلك في القليل، وتقرير الجواب: الحرمة وإن كانت لشبهة البعضية الثابتة بنشوز العظم
وإنبات اللحم، لكنه أمر مبطن فتعلق الحكم بفعل الإرضاع. [العناية ٣٠٧/٣] مبطن: أي فيه خفاء،
والرضاع سبب ظاهر. (البناية) مردود بالكتاب: جواب عن استدلال الخصم. لأن العمل به أقوى على تقدير
أن يكون الكتاب قبله، أو منسوخ إن كان بعده. [العناية ٣٠٧/٣]
أن يكون: أي أن يكون الرضاع الذي يتعلق به التحريم. (البناية) للتحول: هذا دليل زفر بدله، الحول
أي صالح للتحول، أي لتغير طبع الصبي. (البناية) حال إلى حال: باعتبار حولان الحول الموجب لتغير
الطباع في أجل العنين. (البناية) لما نبين: في وجه قول أبي حنيفة محله. وله: أي ولأبي حنيفة بدالله هذه الآية
يعني قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ﴾. (البناية)
* أخرجه الزيلعي من ثلثة طرق عن الهيثم بن جميل عن ابن عيينة ومعمر عن ابن عيينة وثوربن زيد عن
ابن عباس. [نصب الراية ٢١٨/٣-٢١٩] أخرجه الدار قطني في "سنته" عن الهيثم بن جميل عن سفيان
عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّ: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين"، قال الدار قطني:
لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ. [٥٨/٤، رقم: ٤٣١٨، كتاب الرضاع]

١٢١
کتاب الرضاع
كالأجل المضروب للدّيْنَيْن، إلا أنه قام المنقص في أحدهما، فبقي في الثاني على ظاهره،
ولأنه لابد من تغيُّر الغذاء؛ لينقطع الإِنبات باللبن، وذلك بزيادة مدةٍ يتعود الصِيُّ فيها
تغير الغذاء
غَيْرَه، فقُدِّرَتْ بأدنى مدة الحمل؛ لأنها مغيِّرة، فإن غذاء الجنين يغاير غذاءَ الرضيع، كما
يغاير غذاءَ الفطيم، والحديث محمول على مدة الاستحقاق، وعليه يُحْمَلُ النصُّ المقيَّدُ
بحولين في الكتاب. قال: وإذا مضت مدة الرضاع لم يتعلق بالرضاع تحريم؛
كالأجل المضروب: مثل أن يقول لفلان: عليَّ ألف درهم وخمسة أقفزة حنطة إلى شهرين، يكون الشهران
أجلاً لكل واحد من الدينين بكماله. [العناية ٣٠٨/٣] قام المنقص: من تلك المدة وهو حديث عائشة وهما:
"الولد لا يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين ولو بفلكة مغزل". [العناية ٣٠٨/٣]
ولأنه لا بد [حين إذا ترك الرضاعة] إلخ: أي لأنه لا بد من تغير الغذاء؛ لينقطع الإنبات باللبن، ويحصل
التغير إبقاء لحياته، وذلك أي التغير يكون بزيادة مدة يتعود الصبي فيها غيره؛ لأن القطع عن اللبن دفعة من غير
أن يتعود غيره مهلك. وهذا هو الذي وعده المصنف لزفر لكنه قدره بسنة، كما في العنين، وقدرناه بأدنى مدة
الحمل؛ لأنه مغيرة فإن غذاء الجنين يغاير غذاء الرضيع، فإن غذاء الجنين كان غذاء أمه، ثم صار لبناً خالصاً،
كما أن غذاء الرضيع يغاير غذا الفطيم؛ لأن غذاء الرضيع اللبن، وغذا الفطيم اللبن مرة والطعام أخرى؛ لأنه يفطم
تدريجاً، فكان الحاصل أنه لا بد من تغيير الغذاء بستة أشهر، فلا بد من ستة أشهر. [العناية ٣٠٨/٣-٣٠٩]
والحديث: يعني قوله عليًا: "لا رضاع بعد حولين". (العناية) مدة الاستحقاق: قالوا: المراد من قوله عليها:
"لا رضاع بعد حولين" أي لا يستحق الولد الرضاع بعد الحولين، وقال بعضهم: المراد من الحديث. نفي استحقاق
الأجرة، وقال في "المحيط": كثير من المشايخ قالوا: إن مدة الرضاع في حق استحقاق الأجر على الأب مقدر بحولين
عند الكل، حتى لا يستحق المطلّقة أجرة الرضاع بعد الحولين بالإجماع، وتستحق في الحولين بالإجماع. (النهاية)
وعليه يحمل إلخ: أي وعلى الاستحقاق يحمل النص المقيد بحولين في الكتاب يعني قوله تعالى:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ بدليل قوله تعالى بعده: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ﴾، فإنه
ذكر بحرف الفاء معلقاً له بالتراضي، ولو كان الرضاع بعده حراماً لم يعلق به؛ لأنه لا أثر للرضاع في إزالة
المحرم شرعاً. [العناية ٣٠٩/٣]

١٢٢
کتاب الرضاع
لقوله عليه: "لا رضاعَ بعد الفصال"، * ولأن الحرمة باعتبار النُّشُوءِ، وذلك في المدة؛ إذ
الكبير لا يترَّى به، ولا يُعتبر الفِطَامُ قبل المدة إلا في رواية عن أبي حنيفة محله؛ إذا
اسْتُغْنِى عنه، ووجهه: انقطاعُ النشوء بتغير الغذاء، وهل يباح الإرضاع بعد المدة؟ قد
قيل: لا يباح؛ لأن إباحته ضرورية؛ لكونه جزء الآدمي. قال: ويَحْرُمُ من الرضاع ما
وهوٍ مكرم القدوري
يَحْرُمُ من النسب؛ للحديث الذي روينا، إلا أمَّ أخته من الرضاع؛ فإنه يجوز أن
يتزوجها، ولا يجوز أن يتزوج أمَّ أخته من النسب؛ لأنها تكون أُمَّه، أو موطوءةً أبيه،
أم الأخت
بخلاف الرضاع. ويجوز تزوج أخت ابنه من الرضاع، ولا يجوز ذلك من النسب؛
لا يتربى به: أي باللبن عادة بوجوب تغذيته بغيره. (البناية) ولا يعتبر إلخ: أي إذا فطم قبل المدة لم يعتبر
الفطام إلا في رواية عن أبي حنيفة مله، حتى لو فطم صبي قبل الحولين، أو قبل ثلاثين شهراً عند أبي حنيفة،
ثم أرضعته امرأة قبل أن تمضي عليه مدة الرضاع تعلق به التحريم في ظاهر الرواية دون رواية الحسن إذا
اسْتَغْنى عنه. [العناية ٣٠٩/٣] النشوء: والحرمة باعتبار النشوء. روينا: وهو قوله عليه: يحرم من الرضاع
ما يحرم من النسب، وقد ذكره في أوائل كتاب النكاح. [البناية ٣٠٢/٦]
من الرضاع: جاز أن يتعلق بالأخت، مثل أن يكون للرجل أخت من الرضاعة، ولها أم من النسب،
وجاز أن يتعلق بالأم، مثل أن يكون له أخت من النسب، ولها أم من الرضاعة، وجاز أن يتعلق بهما جميعاً،
مثل أن يجتمع الصبي والصبية الأجنبيان على ثدي امرأة واحدة أجنبية، وللصبية أم أخرى من
الرضاعة. [العناية ٣١١/٣] من النسب: لأن أخت ابنه من النسب إن كانت منه، فهي بنته، وإن لم تكن
منه بأن كانا من أم، فهي ربيبة، والربيبة تحرم بالدخول، ولم يوجد هذا المعنى في الرضاع حتى لو لم يوجد
أحد هذين المعنیین في النسب، بأن کانت أمة مشتر کة بین اثنین، فجاءت بولد، فادعیاه حتى يثبت النسب
منهما، ولكل منهما بنت من امرأة أخرى جاز لكل واحد من الموليين أن يتزوج بنت شريكه، وإن كان
كل من الموليين متزوجاً بأخت ابنه من النسب.
* روي من حديث علي، ومن حديث جابر. [نصب الراية ٢١٩/٣] رواه عبد الرزاق في "مصنفه" حدثنا
معمر عن جويبر عن الضحاك بن مزاحم عن النزال بن سبرة عن علي عن النبي : "لا رضاع بعد
الفصال". [٤١٦/٦، رقم: ١١٤٥٠، باب الطلاق قبل النكاح]

١٢٣
کتاب الرضاع
لأنه لما وطئ أمَّها حَرُمَتْ عليه، ولم يوجد هذا المعنى في الرضاع. وامرأةُ أبيه أو امرأة ابنه
من الرضاع: لا يجوز أن يتزوجها، كما لا يجوز ذلك من النسب؛ لما روينا، وذكرَ الأصلابَ
في النص؛ لإسقاط اعتبار التبني على ما بيناه. ولبنُ الفَحْل يتعلق به التحريمُ، وهو أن تُرْضِعَ
المرأةُ صيبةً، فَتَحْرُمُ هذه الصبيةُ على زوجها، وعلى آبائه وأبنائه، ويصير الزوجُ الذي نزل لها
في فصل المحرمات
منه اللبن أباً للمرضعة، وفي أحد قولي الشافعي بطلته: لبن الفحل لا يُحَرِّمُ؛ لأن الحرمة لشبهة
البعضية، واللبنُ بعضُها لا بعضُه. ولنا: ما روينا، والحرمة بالنسب من الجانبين، فكذا
المرضعة
بالرضاع، وقوله عليّ لعائشة هما: "لِيَلِجْ عليكِ أفلحُ؛ فإنه عمُّكِ من الرضاعة"،*
لما روينا: إشارة إلى قوله عليه: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". (العناية) ذكر الأصلاب: هذا جواب عما
يقال: إنه تعالى حرم حليلة الابن من الصلب، وحليلة الابن من الرضاع ينبغي أن لا تحرم؛ لأن هذا ليس من صلبه،
فأجاب بقوله: وذكر الأصلاب في النص، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَلاِلُ أَبْنَائِّكُمُ الّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. [البناية ٣٠٤/٦]
لإسقاط إلخ: فإن حليلة الابن المتبنى كانت حراماً في الجاهلية، وأما حرمة حليلة ابن الرضاع، فثابتة بالحديث
المشهور، وهو قوله عليها: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". [العناية ٣١٢/٣]
ولبن الفحل: من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ لأن سبب اللبن إنما هو الفحل. (العناية)
وهو أن إلخ: إنما ذكره تنبيهاً على أنه ليس المراد لبن الفحل، وهو أن ينزل اللبن، فأرضع صبية؛ لأن
بإرضاعه لا يتعلق التحريم بالإجماع. لشبهة البعضية: باعتبار النشوء والنماء. ماروينا: وهو قوله عليها:
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. (البناية) من الجانبين: أي من جانبي الرجل والمرأة. (البناية)
من الرضاعة: والعم من الرضاع لا يكون إلا من الفحل.
* أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن عائشة. [نصب الراية ٢٢٠/٣]
أخرجه البخاري عن عائشة بها قالت: جاء عمي من الرضاعة، فاستأذن عليَّ، فأبيت أن آذن له حتى
أسأل رسول الله ﴿ ﴿، فجاء رسول الله ﴿ّ، فسألته عن ذلك، فقال: إنه عمك فَأْذَنِيْ له، قالت: فقلت:
يا رسول الله! إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال رسول الله .: إنه عمك، فليلج عليك.
[رقم: ٥٢٣٩، باب ما يحل من الدخول والنظر إلى النساء في الرضاع]

١٢٤
کتاب الرضاع
ولأنه سببٌ لنزول اللبن منها، فيضاف إليه في موضع الحرمة؛ احتياطاً. ويجوز أن يتزوج
الرجل بأخت أخيه من الرضاع؛ لأنه يجوز أن يتزوج بأخت أخيه من النسب،
وذلك مثل الأخ من الأب، إذا كانت له أخت من أمه جاز لأخيه من أبيه أن يتزوجها.
وكل صبِيَّيْنِ اجتمعا على ◌َدْي امرأةٍ واحدةٍ: لم يَجُزْ لأحدهما أن يتزوج
بالأخرى، هذا هو الأصل؛ لأن أمَّهما واحدة، فهما أخ وأخت. ولا يتزوج المرضَعَةٌ
أحداً من ولد التي أرضعَتْ؛ لأنه أخوها، ولا ولدُ ولدها؛ لأنه ولدُ أخيها، ولا يتزوج
الصبيُّ الْمُرْضَعُ أختَ زوجِ المُرْضِعة؛ لأنها عمتُه من الرضاع. وإذا اختلط اللبن بالماء،
التي أرضعت
واللبن هو الغالب: تَعَلّقَ به التحريم، وإن غلب الماء: لم يتعلق به التحريمُ، خلافاً
للشافعي مساله هو يقول: إن موجود فيه حقيقةً، ونحن نقول: المغلوبُ غيرُ موجود حكماً،
حتى لا يظهر في مقابلة الغالب كما في اليمين. وإن اختلط بالطعام لم يتعلق به التحريم.
جاز إلخ: لأنه لا نسب بينهما موجب للحرمة، فكذلك في الرضاع، كذا في "المبسوط" . (النهاية)
وكل صبيين إلخ: غلب الصبي على الصبية، كما في القمرين للشمس والقمر. (العناية)
ولا يتزوج المرضعة: قال في "النهاية": المرضعة بصيغة اسم المفعول، وبالرفع على الفاعلية، ونصب أحداً على
المفعولية من ولد التي على طريق الإضافة، وهذا هو الأصل من النسخ، وفي نسخة أخرى: ولا يتزوج المرضعة
أحد من ولد التي أرضعت بعكس الأولى في الفاعلية والمفعولية، وهذا أيضاً صحيح، وكان كلاهما بخط
شيخي، ونسختان أخريان ليستا بصحيحتين، وهما بعد صيغة اسم الفاعل في المرضعة كونها فاعلة، أو مفعولة
على ما ذكرنا، ولكن هذان التقديران لابد، وأن يكون من الولد الذي أرضعته معرفاً باللام. [العناية ٣١٥/٣]
خلافاً للشافعي: فإن عنده إذا اختلط مقدار ما يحصل به خمس رضعات من اللبن في حب الماء، فشربه الصبي
تثبت به الحرمة، هو يقول: إنه موجود حقيقة، فيكون معتبراً؛ لأن المحسوس لا ينكر. [العناية ٣١٥/٣]
كما في اليمين: حلف لا يشرب لبناً، فشرب لبناً مخلوطاً بالماء، والماء غالب على اللبن لا يحنث. [العناية ٣١٥/٣]

١٢٥
کتاب الرضاع
وإن كان اللبن غالباً عند أبي حنيفة رسوله، وقالا: إذا كان اللبنُ غالباً يتعلق به التحريم.
قال له﴿ه: قولُهما فيما إذا لم تَمَسَّهِ النارُ، حتى لو طُبِخَ بها لا يتعلق به التحريمُ في قولهم
جميعاً. لهما: أن العِبْرةَ للغالب، كما في الماء إذا لم يغيِّره شيء عن حاله، ولأبي حنيفة مدالله:
اللبن
أن الطعامَ أصل، واللبنُ تابعٌ له في حق المقصود، فصار كالمغلوب. ولا مُعْتَبَر
يتقاطُرِ اللبن من الطعام عنده هو الصحيح؛ لأن التغذيَ بالطعام؛ إذ هو الأصل. وإن
اختلط بالدواء واللبنُ غالب: تعلّق به التحريم؛ لأن اللبن يبقى مقصوداً فيه؛ إذ الدواء
لتقويته على الوصول، وإذا اختلط اللبن بلبن الشاة، وهو الغالب: تعلَّق به التحريم،
اللبن
وإن غلب لبن الشاة: لم يتعلق به التحريمُ؛ اعتباراً للغالب كما في الماء. وإذا اختلط
لبن امرأتين: تعلّق التحريم بأغلبهما عند أبي يوسف به؛ لأن الكل صار شيئًاً واحداً،
في قولهم جميعاً: يعني سواء كان غالباً أو مغلوباً، أما إذا كان مغلوباً، فظاهر، وأما إذا كان غالباً؛ فلأنه
إذا طبخ بالطعام يصير اللبن تبعاً للطعام، وإن كان غالباً حتى لا يسمى لبناً مطلقاً. [العناية ٣١٦/٣]
المقصود: وهو الأكل بالموصول إلى المعدة، ولهذا يأكل ولا يشرب، وغير المائع يستتبع المائع. (البناية)
كالمغلوب: أي الكاف زائدة، أي فصار اللبن مغلوباً، وإن كان غالباً. هو الصحيح: احتراز عن قول
بعضهم في قول أبي حنيفة محله: إن ذلك عنده إذا لم يتقاطر اللبن من الطعام عند حمل اللقمة، فأما إذا كان
يتقاطر منه فتثبت به الحرمة عنده؛ لأن القطرة من اللبن إذا دخلت حلق الصبي كانت كافيةً لإِثبات
الحرمة، والأصح: أنه لا يثبت على كل حال عنده؛ لأن التغذي بالطعام؛ لأنه الأصل دون اللبن، والمعتبر
لما يقع به التغذي الموجب لإنبات اللحم. [العناية ٣١٦/٣]
إذ الدواء إلخ: لأنه يجعل فيه ليصل به إلى ما لا يصل هو بنفسه، هذا من المجربات، والتجربة تورث الظن
الغالب. على الوصول: أي على الوصول إلى ما لا يصل بانفراده. (البناية) وهو الغالب: أي إذا اختلط
لبن المرأة بلبن شاة، ولبن المرأة غالب. (البناية) كما في الماء: أي كما بالماء حيث يعتبر الغلبة. (البناية)
عند أبي يوسف مثله: وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ملك (البناية)

١٢٦
کتاب الرضاع
فُيُجْعل الأقلُّ تابعاً للأكثر في بناء الحكم عليه. وقال محمد وزفر دهمثا: يتعلق التحريمُ
بهما؛ لأن الجنسَ لا يَغْلِبُ الجنس، فإن الشيء لا يصير مُسْتَهْلَكاً في جنسه؛ لاتحاد
المقصود، وعن أبي حنيفة بدلته في هذا روايتان، وأصل المسألة في الأيمان. وإذا نزل
للبكر لبن، فأرضعت صبيًّا تعلّق به التحريم؛ لإطلاق النص، ولأنه سبب النشوء،
فيثبت به شبهة البعضية. وإذا حُلِبَ لبنُ المرأة بعد موتها، فَأُوْجِرَ الصِيُّ: تعلَّق به
التحريمُ، خلافاً للشافعي بدله، هو يقول: الأصل في ثبوت الحرمة إنما هو المرأة، ثم
تتعدى إلى غيرها بواسطتها، وبالموت لم تَبْقَ محلاً لها، ولهذا لا يوجب وطؤها حرمة
٠
الميتة
الحرمة
المصاهرة. ولنا: أن السبب هو شبهة الجزئية، وذلك في اللبن لمعنى الإِنشاز والإِنبات،
سبب الحرمة
وهو قائم باللبن، وهذه الحرمة تَظْهر في حقِّ الميتة دفناً وتيمماً،
بسبب الرضاع
روايتان: في رواية كما قال أبو يوسف بالته، وبه قال الشافعي سحله في قول، وفي رواية كما قال محمد،
وهو قول زفر والشافعي بما في قول، وفي "الغاية": قول محمد أظهر وأحوط فيه. [البناية ٣١١/٦]
في الأيمان: فيما إذا حلف لا يشرب من لبن هذه البقرة، فخلط لبنها بلبن بقرة أخرى، وهو غالب،
فشربه، فهو على هذا الاختلاف عند أبي يوسف بحثه لا يحنث؛ لأن المغلوب كالمستهلك، وعند محمد
يحنث؛ لأن الشيء يتكثر بجنسه، ولا يصير مستهلكاً. [العناية ٣١٧/٣]
لإطلاق النص: أي وهو قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَِّي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. (البناية) بعد موتها: قيد بالموت؛ لأنه
لو حلب قبل الموت، وأوجر بعد الموت كان قوله كقولنا على الأظهر. (العناية) فأوجر الصبي: على صيغة
المجهول من الوجر والوجور، هو الدواء الذي يصب في وسط الفم، يقال: أوجرته الدواء ووجرته واحد
المفعولين محذوف، وهو اللبن، والآخر هو الصي، أي أوجر الصبي اللبن. [البناية ٣١٢/٦]
ولهذا: أي ولأجل عدم المحل بالموت. (البناية) وهو قائم باللبن: لأن الموت لم يخرجه عن كونه مغذياً كما أنه
لم يخرج لحمه عن ذلك. (العناية) دفئاً وتيمماً: بأن كان لهذه المرضعة التي أوجر لبن هذه الميتة في فمها زوج،
فإن لهذا الزوج أن يدفن وييمم بالميتة؛ لأنه صار محرماً لها حيث صارت أم امرأته. [العناية ٣١٨/٣]

١٢٧
کتاب الرضاع
أما الحرمة في الوطء؛ لكونه ملاقياً لمحل الحَرْثِ، وقد زال بالموت، فافترقا. وإذا احتُقْنَ
الصبِيُّ باللبن: لم يتعلق به التحريم، وعن محمد سعله: أنه تثبت به الحرمةُ كما يَفْسُدُ به
الصومُ. ووجه الفرق على الظاهر: أن المُفْسِد في الصوم إصلاحُ البدن، ويوجد ذلك في
الدواء، فأما المُحَرِّمُ في الرضاع معنى النشوء، ولا يوجد ذلك في الاحتقان؛ لأن المُغَذِّيَ
وصولُه من الأعلى. وإذا نزل للرجل لبن، فأرضع صبيًّ: لم يتعلّق به التحريم؛ لأنه ليس
بلبن على التحقيق، فلا يتعلَّقُ به النشوءُ والنموُّ؛ وهذا لأن اللبن إنما يُتُصور مما يُتُصور منه
الولادة. وإذا شرب صبيان من لبن شاة: لم يتعلق به التحريم؛ لأنه لا جزئية بين الآدمي
والبهائم، والحرمة باعتبارها. وإذا تزوج الرجل صغيرةً وكبيرةً، فأرضعت الكبيرةُ
الصغيرةَ: حَرُّمَتَا على الزوج؛ لأنه يصير جامعاً بين الأم والبنت رضاعاً، وذلك حرام
كالجمع بينهما نسباً. ثم إن لم يدخل بالكبيرة: فلا مَهْرَ لها؛ لأن الفرقة جاءت من قبَلُها
قبل الدخول بها، وللصغيرة نصفُ المهر؛ لأن الفرقة وقعت لا من جهتها، والارتضاع
أما الحرمة إلخ: جواب عن قوله: ولهذا لا يوجب وطؤها حرمة المصاهرة، يعني أن حرمة المصاهرة بالوطء
إنما تثبت بملاقاته بمحل الحرث؛ لتثبت به الحرمة، ومحل الحرث قد زال بالموت، فافترقا. [العناية ٣١٨/٣]
ووجه الفرق: بين الصوم والتحريم في باب الاحتقان. لأنه ليس بلبن إلخ: ثم تسميته لبناً؛ لقوله: "وإذا
نزل للرجل لبن" لتصوره بصورة اللبن، كما يقال: "دم السمك" مع أنه ليس بدم على التحقيق؛ لتصوره
بصورة الدم. (النهاية) فأرضعت الكبيرة: يعني بلبن هذا الزوج، أو بلبن زوج آخر.
حرمتا على الزوج: فأما الكبيرة؛ فإن حرمتها مؤبدة، وكذلك الصغيرة إن كان دخل بالكبيرة، وإن
لم يدخل بها جاز التزوج بالصغيرة؛ لأنها ربيبة لم يدخل بأمها. [العناية ٣٢٠/٣] فلا مهر لها: إن تعمدت
الفساد أو لم تتعمد. (العناية) والارتضاع إلخ: فإن قيل: العلة للفرقة الارتضاع، وهي فعلها، فلم لم تضف
الفرقة إليها؟ أجاب بقوله: والارتضاع إلخ. (العناية)

١٢٨
کتاب الرضاع
وإن كان فعلاً منها، لكنَّ فعلها غيرُ مُعْتَبَر في إسقاط حقها، كما إذا قتلَتْ مُورِثَها.
شرعا
ويرجع به الزوج على الكبيرة إن كانت تعَمَّدت به الفسادَ، وإن لم تتعمد، فلا شيء عليها
فساد النكاح
نصف المھر
وإِن عَلِمَتْ بأن الصغيرة امرأته. وعن محمد حاله: أنه يرجع في الوجهين، والصحيح ظاهر
الرواية؛ لأنها وإن أكدت ما كان على شَرَفِ السقوط، وهو نصف المهر، وذلك يجري
مجرى الإتلاف، لكنها مسَيِّة فيه، إما لأن الإرضاع ليس بإفساد للنكاح وضعا، وإنما ثبت
لا مباشرة
في إيجاب الضمان
ذلك باتفاق الحال، أو لأن إفسادَ النكاح ليس بسببٍ لإلزام المهر، بل هو سبب لسقوطه،
المھر
إلا أن نصف المهر يجب بطريق المتعة على ما عُرِفَ، لكن من شرطه إيطالُ النكاح،
كما إذا قتلت: لم تحرم عن الميراث بلا خلاف. (البناية) وإن لم تتعمد: بأن قصدت دفع الهلاك عنها
جوعاً. (العناية) في الوجهين: يعني في تعمد الفساد وعدمه؛ لأن من أصله أن المسبب كالمباشر، ولهذا جعل
فتح باب القفص، والإسطيل، وحل قيد الآبق موجباً للضمان على ما عرف في الأصول، وفي المباشرة:
المتعدي وغير المتعدي سواء، فكذلك في التسبب. [العناية ٣٢١/٣] السقوط: بتقبيل ابن الزوج إذا بلغت
حداً تشتهي. (العناية) وذلك: أي تأكيد ما كان على شرف السقوط. (البناية)
بإفساد للنكاح وضعاً: لأن وضعه لتربية الصغيرة، لا لإفساد النكاح، وإنما يثبت الإفساد باتفاق الحال
لتأديته إلى الجمع بين الأم والبنت في ملك رجل نكاحاً. [العناية ٣٢٢/٣] ليس بسبب إلخ: لأنه غير
مضمون بالاتفاق؛ لكونه غير متقوم في نفسه؛ لأنه ليس بملك عين، ولا منفعة على التحقيق، ولهذا لا يقدر
على بيعه وهبته وإيجاره، وإنما هو ملك ضروري يظهر في حق الاستيفاء، بل هو سبب لسقوطه؛ لأن ما
يفوت به المبدل يفوت به البدل أيضاً. فإن قيل: إذا لم يكن سباً لإلزامه كيف وجب على الزوج نصف
المهر، أجاب بقوله: إلا أن نصف المهر يجب بطريق المتعة على ما عرف في باب المهر، والمتعة تجب بالنص
ابتداءً بقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوْهُنَّ﴾؛ لأن المعقود عليه عاد إليها سالماً، لكن من شرط وجوبه أي وجوب
نصف المهر بطريق المتعة إبطال النكاح، فكانت صاحبة شرط، فهي مسببة. [العناية ٣٢٢/٣-٣٢٣]
عرف: في باب المهر أن المتعة تجب بالمهر ابتداءً. (البناية)

١٢٩
کتاب الرضاع
الكبيرة
ء
وإذا كانت مسببة يشترط فيه التعدي كحفر البئر. ثم إنما تكون متعدية إذا علمت
بالنكاح وقصدت بالإِرضاع الفساد، أما إذا لم تعلم بالنكاح، أو علمت بالنكاح
ولكنها قصدت دفع الجوع والهلاك عن الصغيرة دون الإفساد لا تكون متعدية؛ لأنها
الكبيرة
مأمورة بذلك، ولو علمت بالنكاح ولم تعلم بالفساد لا تكون متعدية أيضاً، وهذا
مِنَّا اعتبارُ الجهل؛ لدفع قصد الفساد لا لدفع الحكم. ولا تقبل في الرضاع شهادة
النساء منفرداتٍ، وإنما يثبت بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، وقال مالك لحظته:
يثبت بشهادة امرأة واحدة إذا كانت موصوفة بالعدالة؛ لأن الحرمة حقٌ من حقوق
الشرع فيثبت بخبر الواحد، كمن اشترى لحماً، فأخبره واحد أنه ذبيحة المجوسي.
ولنا: أن ثبوت الحرمة لا يَقْبل الفصلَ عن زوال الملك في باب النكاح، وإبطال الملك
لا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، بخلاف اللحم؛ لأن حرمة التناول
تنفكُّ عن زوال الملك، فَاعْثِرَ أمراً دينيًّا، والله أعلم.
کحفر البئر: فإنه لو حفرها في ملكه لا يضمن ما وقع فيها، ولو حفرها في الطريق، أو في ملك غيره يضمن
ما وقع فيها. [البناية ٣١٧/٦] بذلك: أي بالإرضاع لدفع الهلاك. (العناية) منفردات: أي عن الرجال، أجنبيات
كن أو أمهات أحد الزوجين، واحدة كانت أو أكثر. (العناية)
فأخبره واحد إلخ: فإنه ينبغي للمسلم أن لا يأكل منه، ولا يطعم غيره؛ لأن المخبر أخبره بحرمة العين،
وبطلان الملك، فتثبت الحرمة مع بقاء الملك، ثم لما ثبتت الحرمة مع بقاء الملك لا يمكنه الرد على بائعه،
ولا أن يحبس الثمن عن البائع. [العناية ٣٢٤/٣]
لا يقبل إلخ: فإن بقاء النكاح لا يتصور مع ثبوت الحرمة المؤبدة، فإذا لم يبطل النكاح بخبر الواحد لا يثبت الحرمة.
تنفك: لأن الحرمة مع ملك اليمين يجتمعان، كما في الخمر. (البناية)

١٣٠
كتاب الطلاق
كتاب الطلاق
باب طلاق السنة
قال: الطلاقُ على ثلاثة أوجه: حسن، وأحسن، وبِدْعِي. فالأحسن: أن يُطَلَقَ
الرجل امرأته تطليقةً واحدةً في طهر لم يجامِعْها فيه، ويتركها حتى تنقضي عِدَتُها؛
لأن الصحابة ﴿، كانوا يستحبُّون أن لا يزيدوا في الطلاق على واحدةٍ، حتى تنقضي
العدة، وإن هذا أفضل عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثاً عند كُلِّ طهرٍ واحدة، ولأنه
أبعدُ من الندامة، وأقلُّ ضرراً بالمرأة، ولا خلاف لأحد في الكراهة. والحسن:
هو طلاقُ السنة، وهو أن يطلق المدخولَ بها ثلاثاً في ثلاثة أطهار، وقال مالك ظه: إنه
بدعة، ولا يُنَاحُ إلا واحدةٌ؛ لأن الأصل في الطلاق هو الحَظْرُ، والإباحة لحاجة الخلاص،
كتاب الطلاق [وفي "المغرب": الطلاق مصدر بمعنى التطليق] إلخ: لما كان الطلاق متأخراً عن النكاح طبعاً، أخره
عنه وضعاً؛ ليوافق الوضع الطبع، والطلاق في اللغة: عبارة عن رفع القيد، وفي عرف الفقهاء: عبارة عن حكم
شرعي برفع القيد النكاحي بألفاظ مخصوصة، وسببه: الحاجة الموجة إليه، وشرطه: كون المطلق عاقلاً بالغاً،
والمرأة في النكاح، أو عدته التي تصلح بها محلاً للطلاق، وحكمه: زوال الملك عن المحل. [العناية ٣٢٥/٣-٣٢٦]
باب طلاق السنة: وهو مذكور أصالة، وإنما ذكر البدعي؛ لأن الأشياء تتبين بأضدادها.
ضرراً بالمرأة: حيث لا يطول عليها العدة بحال، أما لو طلقها أكثر من واحدة، فالعدة ربما تطول بأن
يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها. في الكراهة: أي لا خلاف في عدم الكراهة، يعني لم يقل أحد بكراهة
إيقاع الواحد، بخلاف الحسن، فإنه فيه خلاف مالك ه، فيكون هذا أحسن. [البناية ٣٢٣/٦]
هو طلاق السنة: إنما سمي به - مع أن القسم الأول أيضاً سنة، بل الأول متفق عليه، فكان ذلك للسنية
أولى-؛ للرد على مالك . المدخول بها: إنما قيد به؛ لأن غير المدخول بها لا يتصور في حقها التفريق.
الحظر: أي المنع؛ لقوله عا: تزوجوا ولا تطلقوا، رواه أبو داود. (البناية)

١٣١
كتاب الطلاق
وقد اندفعت بالواحدة. ولنا: قوله عليّة في حديث ابن عمر فيها: "إن من السنة
أن تَسْتقبل الطهرَ استقبالاً، فتطلقها لكل قُرْءٍ تطليقة"،* ولأن الحكم يدار على دليل
الحاجة، وهو الإقدامُ على الطلاق في زمان تجدُّد الرغبة، وهو الطهر الخالي عن الجماع،
فالحاجة كالمتكررة نظراً إلى دليلها، ثم قيل: الأولى أن يُؤَخِّر الإيقاعَ إلى آخر الطهر؛
وقد اندفعت: أي الحاجة بالواحدة أي بالطلقة الواحدة، فلا يباح غيرها. (البناية) ولأن الحكم إلخ: أي إباحة
الطلاق. حاصله: أن الحاجة أمر مبطن، وفي الأمر المبطن يقام الدليل مقامه، والدليل ههنا الإقدام على الطلاق
في وقت الرغبة، وذلك الوقت وقت الطهر، وأما وقت الحيض، فوقت الرغبة عنها، فالطلاق حينئذ لتنفر الطبع
عنها؛ لانعدام حصول مصالح النكاح. ثم قيل: وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة بهما (العناية)
* رواه الدار قطني في "سنته" عن معلى بن منصور ثنا شعيب بن رزيق أن عطاء الخراساني حدثهم عن
الحسن قال: ثنا عبدالله بن عمر أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين
عند القرئين، فبلغ ذلك رسول الله ، فقال: يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله، إنك قد أخطأت السنة،
والسنة: أن تستقبل الطهر، فيتطلق لكل قروءٍ. قال: فأمرني رسول الله 5*®، فراجعتها، ثم قال: إذا هي
طهرت، فطلق عند ذلك، أو أمسك، فقلت: يا رسول الله! أرأيت لو أني طلقتها ثلاثاً أكان يحل لي
أن أراجعها، قال: لا، كانت تبين منك وتكون معصية. [١٨/٤، ١٩، رقم: ٣٩٢٩، كتاب الطلاق]
وذكره عبد الحق في "أحكامه" من جهة الدار قطني، وأعلَّه بمعلى بن منصور، وقال: رماه أحمد بالكذب.
[نصب الراية ٢٢٠/٣] وثقه ابن معين ويعقوب بن شيبة، وقال العجلي: ثقة صاحب سنة، وقال ابن سعد:
كان صدوقاً صاحب حديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقاً في الحديث،
وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال أحمد بن حنبل: معلى بن منصور من كبار أصحاب أبي يوسف
ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية. [تهذيب التهذيب ٢١٥/١٠-٢١٦]
وأحسن من هذا: ما رواه النسائي بإسناده عن عبدالله قال: طلاق السنة: أن يطلقها تطليقة وهي طاهرة
من غير جماع، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة، فأخبر أنه طلاق السنة،
وهي سنة رسول الله ﴿. [البناية ٦/٥]

١٣٢
كتاب الطلاق
احترازاً عن تطويل العدة، والأظهر: أن يطلقها كما طَهُرَتْ؛ لأنه لو أُخَّر ربما يجامعها،
ومن قصده التطليق، فيُبتلى بالإِيقاع عقيب الوقاع. وطلاق البدعة: أن يطلقها ثلاثاً
بكلمةٍ واحدة، أو ثلاثاً في طهر واحد، فإذا فعل ذلك وقع الطلاق وكان عاصياً.
إيقاع الطلاق
وقال الشافعي معطفه: كلُّ طلاق مباح؛ لأنه تصرُّف مشروع، حتى يُستفاد به الحكمُ،
والمشروعيةُ لا تجامع الحظرَ، بخلاف الطلاق في حالة الحيض؛ لأن المُحَرَّم تطويل
العدة عليها، لا الطلاق. ولنا: أن الأصل في الطلاق هو الحظر؛ لما فيه من قطع
النكاح الذي تعلّقَتْ به المصالحُ الدينية والدنيوية، والإِباحةُ للحاجة إلى الخلاص،
تطويل العدة: فإنه لو جامعها لكان يتأخر عدتها؛ لأن هذا الطهر ينضم إلى أيام العدة، وهي أيام الحيض.
والأظهر: وإنما قال المصنف: والأظهر؛ لأن محمداً قال في "الأصل": فإذا أراد أن يطلقها ثلاثاً، طلقها
واحدة إذا طهرت من الحيض. [البناية ٣٢٦/٦] الوقاع: أي الجماع، فيكون الطلاق بدعياً. (البناية)
بكلمة واحدة: في الطهر أو الحيض، وكذا اثنين، وكذا واحداً في الحيض وواحدا في الطهر جامعاً فيه.
تصرف مشروع: المشروع عنده المأخوذ من الشارع، واستدل عليه بترتب أثر شرعي عليه، فإن كل
ما يترتب عليه أثر شرعي، فهو مشروع، وههنا ترتب أمر شرعي، وهو وقوع الطلاق. يستفاد: بضم الدال؛
لأنه حال أي يستفاد بالطلاق الحكم. (البناية) بخلاف الطلاق إلخ: هذا جواب عما يقال: كيف يصح
العموم، والطلاق في حال الحيض حرام، فأجاب بقوله: بخلاف الطلاق في حالة الحيض. [البناية ٣٢٧/٦]
في حالة الحيض: وبخلاف ما لو طلقها في طهر جامعها فيه؛ لأنه يؤدي إلى تلبيس أمر العدة عليها؛ لأنه
لا يدري أنها حامل، فتعتد بوضع الحمل، أو حائل، فتعتد بالأقراء، كذا في "الكافي".
تطويل العدة: فإن العدة عنده بالأطهار، وبالحيض عندنا، لكن لا يحتسب هذا الحيض.
المصالح الدينية: من تحصين الفرج عن الزنا المحرم في جميع الأديان، والدنيوية؛ لما فيه من المسكن،
والازدواج، واكتساب الولد، وكل ما هو كذلك ينبغي أن لا يجوز وقوعه في الشرع، إلا أنه أبيح للحاجة
إلى الخلاص كما تقدم، ولا حاجة إلى الجمع بين الثلاث. [العناية ٣٣١/٣]

١٣٣
كتاب الطلاق
ولا حاجة إلى الجمع بين الثلاث، وهي في المُفَرِّقِ على الأطهار ثابتة؛ نظراً
إلى دليلها، والحاجة في نفسها باقية. فأمكن تصويرُ الدليل عليها، والمشروعية في ذاته
الحاجة الباقية
من حيث إنه إزالة الرقِّ لا تنافي الحظر لمعنى في غيره، وهو ما ذكرناه، وكذا إيقاعُ
الثنتين في الطهر الواحد بدعة؛ لما قلنا. واختلفت الرواية في الواحدة البائنة: قال
محمد
في "الأصل": إنه أخطأ السنة؛ لأنه لا حاجة إلى إثبات صفةٍ زائدة في الخلاص، وهي
البينونة، وفي رواية "الزيادات": أنه لا يُكْره للحاجة إلى الخلاص ناجزاً. والسنة
في الحال
في الطلاق من وجهين: سنة في الوقت، وسنة في العدد، فالسنة في العدد يستوي فيها
المدخول بها، وغير المدخول بها، وقد ذكرناها. والسنة في الوقت تَتْبُتُ في المدخول
بها خاصة، وهو أن يطلْقَهَا في طُهْرٍ لم يجامعها فيه؛ لأن المراعى دليلُ الحاجة،
الوجه المرعى
والحاجة في نفسها: هذا جواب عما يقال: دليل الحاجة إنما يقام مقام الحاجة فيما يتصور وجودها،
وهاهنا لا يتصور؛ لأن الحاجة إلى الخلاص عن عهدة النكاح في الطهر الثاني والثالث مع ارتفاع النكاح
بالأولى غير متصور، فأجاب بقوله: والحاجة في نفسها أي في ذاتها باقية. [البناية ٣٢٩/٦]
والمشروعية: هذا جواب عن قوله: والمشروعية لا يجامع الحظر. (البناية) ما ذكرناه: من فوات مصالح الدين
والدنيا. (البناية) لما قلنا: أنه لا حاجة إلى الجمع بين الثلاث. (البناية) الأصل: أي المبسوط في كتاب الطلاق. (البناية)
أخطأ السنة: أي تجاوز السنة، وحفظ لسانه أن يقول: بدعة مع أنه بدعة.
رواية الزيادات: قال الأتراري: ينبغي أن يقول: وفي "زيادات الزيادات"؛ لأن محمداً - ذكر هذه المسألة
فيها لا في "الزيادات"، فيحتمل أنه وقع سهواً من الكاتب، أو يحتمل أنه إنما قال كذلك؛ لأن "زيادات الزيادات"
من تتمة "الزيادات" كأنها مسألة الزيادات. [البناية ٣٣٠/٦] ذكرناها: يعني في أول الباب يعني أن السنة
في الطلاق من حيث العدد أن يطلقها واحدة، ويترك حتى تنقضي عدتها. [البناية ٣٣٠/٦]
وهو: أي السنة في حق المدخول بها. في طهر إلخ: لابد من قيود أخرى بأن يقال: يطلقها في طهر لم يجامعها
فیه، ولم يطلقها فيه, ولا في الحيض التي تليه.

١٣٤
كتاب الطلاق
وهو الإقدام على الطلاق في زمان تجدُّد الرغبة، وهو الطهر الخالي عن الجماع. أما
زمانُ الحيض فزمان النُّفْرة، وبالجماع مرةً في الطهر تَفْتُرُ الرغبةُ. وغير المدخول بها
يطلقها في حالة الطهر والحيض، خلافاً لزفر سلكه، وهو يقيسها على المدخول بها.
ولنا: أن الرغبةَ في غير المدخول بها صادقة لا تَقِلُّ بالحيض ما لم يَحْصُلْ مقصودُه منها،
وفي المدخول بها تتجدَّدٍ بالطهر. قال: وإذا كانت المرأة لا تحيض من صغَر، أو كَبَرِ،
الرغبة
فأراد أن يطلقها ثلاثاً للسنة: طلّقها واحدةً، فإذا مضى شهرٌ طلقها أخرى، فإذا مضى
وقت السنة
شهر طلقها أخرى؛ لأن الشهر في حقها قائم مقامَ الحيض. قال الله تعالى: ﴿
ئِي
اللا
يَسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاللَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. والإقامة في حق الحيض
خاصة حتى يُقَدَّرَ الاستبراء في حقهما بالشهر، وهو بالحيض لا بالطهر.
الصغيرة والآئسة
تجدد الرغبة: المراد من تجدد الرغبة: معنى يشتمل نفس الرغبة وتجددها. عن الجماع: وعن الطلاق
لانتفاء الحاجة بالطلاق الأول، فلا يتجدد الحاجة إلى الثاني إلا بتجدد الزمان، ولم يوجد. الطهر: أي في
الحيض التي قبله. تفتر الرغبة: في هذا الطهر، فالظاهر أن طلاقه لأجل عدم الرغبة لا للحاجة.
يقيسها: أي يقيس غير مدخول بها. (البناية) قال: أي القدوري؛ فإن المسألة من مسائل "مختصره".
في حقهما: أي في حق الصغيرة والكبيرة التي لا تحيض، وعند الشافعي بدله: وإن كانت الحامل تحيض،
فطلاقه في حالة الحيض ليس ببدعة، وقال بعض أصحابه: ولا يتأتى هذا خلافاً للشافعي بذلك؛ لأن إيقاع
الثلاث بكلمة واحدة غير بدعة عنده، ولكن الأولى التفريق على الأشهر، وفي "البسيط": ليس في طلاق
الصغيرة والآيسة سنة ولا بدعة، وبه قال أحمد، وكذا الحامل عندهم، قال الله عزوجل ﴿وَاللَّائِي ◌َئِسْنَ مِنَ
الْمَحِيضِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاللَِّي لَمْ يَحِضْنَ﴾، أورد هذه الآية الكريمة دليلاً على أن الأشهر تقوم مقام
الحيض في حق هاتين الطائفتين. [البناية ٣٣١/٦]
والإقامة إلخ: أي إقامة الشهر مقام الحيض خاصة، واحترز به عن قول بعض مشايخنا، حيث قالوا: الشهر
في التي لا تحيض يقوم مقام الحيض والطهر جميعاً، إليه ذهب صاحب الينابيع وغيره. [البناية ٣٣١/٦-٣٣٢]

١٣٥
كتاب الطلاق
ثم إن كان الطلاق في أول الشهر تُعتبر الشهور بالأَهِلَّةِ، وإن كان في وسطه، فبالأيام
في حقِّ التفريق، وفي حق العدة كذلك عند أبي حنيفة منحظك، وعندهما: يُكَمَّلُ الأول
بالأخير، والمتوسطان بالأهلة، وهي مسألة الإِجارات. قال: ويجوز أن يُطَلِّقَها ولا يَفْصُلُ
بين وطئها وطلاقها بزمان، وقال زفر الته: يفصل بينهما بشهر؛ لقيامه مقام الحيض،
ولأن بالجماع تَفُرُ الرغبةُ، وإنما تتحدد بزمان، وهو الشهر. ولنا: أنه لا يُتَوَهَّمُ الَلُ
فيها، والكراهيةُ في ذوات الحيض باعتباره؛ لأن عند ذلك يشتبه وجهُ العدة، والرغبة
وإن كانت تفتر من الوجه الذي ذكر لکن تَكْثُرُ من وجه آخر؛ لأنه یرغب في وطٍ
الآيسة والصغيرة
غيرِ مُعْلِقٍ؛ فراراً عن مُؤَنِ الولد، فكان الزمانَ زمانَ الرغبة، فصاركزمان الجبل.
وطلاقُ الحامل يجوز عقيب الجماع؛ لأنه لا يؤدي إلى اشتباه وجه العدة، وزمان
ـر
الحبل زمانَ الرغبة في الوطء؛
كذلك: أي إن كان ابتداؤها من الوسط فبالأيام. الأول: يكمل الشهر الأول بالشهر الأخير بالأيام. (البناية)
وهي مسألة إلخ: قال صاحب "الهداية" في كتاب الإجارات: ثم إن كان العقد حين يهل الهلال، فشهور السنة
كلها بالأهلة، وإن كان في أثناء الشهر، فالكل بالأيام عند أبي حنيفة سحله، وهو رواية عن أبي يوسف سداثه،
وعند محمد محله، وهو رواية عن أبي يوسف بحلته، الأول بالأيام والباقي بالأهلة.
ويجوز: المسألة من "مختصر القدوري". أن يطلقها: أي ويجوز أن يطلق الآيسة أو الصغيرة. (البناية)
لقيامه إلخ: فيمن تحيض، وفيها يفصل بين طلاقها ووطئها بحيضة، فكذا هنا بشهر. (البناية)
بزمان: على ما عليه الجبلة السليمة. والكراهية: أي في كراهية الطلاق بعد الجماع. (البناية)
وجه العدة: أي وجه عدتها، فلا يدري أنها حائل، فتعتد بالأقراء، أو حامل، فتعتد بوضع الحمل. [البناية ٣٢٣/٦]
والرغبة: هذا جواب عن قول زفر بالله: وإنما تتجدد الرغبة. (البناية) مؤن: بضم الميم وفتح الهمزة جمع
مؤنة. (البناية) فصار كزمان الحبل: فإن طلاق الحامل جائز عقيب الجماع؛ لأنه لا يؤدي إلى تلبيس وجه
العدة، ولأنه زمان الرغبة؛ لأنه غير معلق. الحامل: المسألة من القدوري.

١٣٦
كتاب الطلاق
لكونه غيرَ مُعْلِقٍ، أو يرغب فيها لمكان ولده منها، فلا تَقِلُّ الرغبة بالجماع، ويطلقها للسُّنَّة
ثلاثاً يَفْصِلُ بين كل تطليقتين بشهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف دعمًا. وقال محمد وزفر بحمنها:
لا يطلقها للسنة إلا واحدةً؛ لأن الأصل في الطلاق الحظرُ، وقد ورد الشرع بالتفريق على
فصول العدة، والشهر في حق الحامل ليس من فصولها، فصارٍ كالمُمْتَدَّة طُهرُها. ولهما:
مُ
أن الإباحة لعلة الحاجة، والشهر دليلها كما في حق الآئِسَةِ والصغيرة؛ وهذا لأنه زمانَ
مٍ إباحة الطلاق باعتبار الحاجة
تجددِ الرغبة على ما عليه الحِبِلَّةُ السليمة، فصلح عَلَماً ودليلاً، بخلاف الممتدة طهرها؟
على الحاجة
غير معلق: أي لكون الوطء غير معلق أي غير مُحبلٍ. (البناية) أو يرغب فيها: عطف على قوله: في الوطء)،
والضمير يرجع إلى الحامل يعني أن زمان الحبل زمن الرغبة في الوطء؛ لأنه في حالة الحبل غير معلق، وهو
زمان الرغبة في الحامل. [البناية ٣٣٤/٦] ويطلقها إلخ: هذا أيضاً من مسائل "مختصر القدوري".
وقد ورد الشرع إلخ: يعني قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، قال ابن عباس: أي لإطهار عدتهن،
ففي ذوات الأقراء فُرِق على الأطهار، وفي الآيسة والصغيرة على الأشهر؛ لأنها في حقهن كالأقراء في حق
ذوات الحيض والشهر في حق الحامل ليس من فصول العدة؛ لأن مدة الحمل وإن طالت، فهو طهر واحد
حقيقة وحكماً. ألا ترى أن انقضاء العدة لا يتعلق بها، فصار كالممتد طهرها، وإن امتد شهوراً فهو فصل واحد
لا تفرق التطليقات فيه. [العناية ٣٣٧/٣] فصول العدة: والمراد من الفصول: ما يعد به المدة أعني الشهر.
ليس من فصولها: فإن عدة الحامل ليس بالحيض، ولا بالأشهر، بل بوضع الحمل. وهذا: أي كون
الشهر دليلاً في حق الآيسة والصغيرة. (البناية) تجدد الرغبة: فيه بحث؛ لأن تجدد الرغبة في حقٍ الحامل
موقوف على مضي الشهر أو لا، فعلى الأول ينبغي أن لا يطلقها في الشهر المتصل بالوطء، وعلى الثاني
فلا يكون تجدد الرغبة موقوفاً على مضي الشهر. علماً ودليلاً: والحكم يدار على دليلها، فإذا وجد ما أبيح
لأجله الطلاق، فيكون مباحاً. [العناية ٣٣٧/٣]
بخلاف الممتدة إلخ: جواب عن قياس قول محمد بالفرق بأن هناك لا يصلح الشهر أن يكون علماً؛ لأن
العلم على الحاجة في حقها الطهر أي تجدده، وهو موجود فيها في كل زمان؛ لأنه يمكن أن تحيض، فتطهر
ولا يرجى تجدد الطهر مع الحمل؛ لأن الحامل لا تحيض. [العناية ٣٣٧/٣]

١٣٧
كتاب الطلاق
3A
لأن العلم في حقها إنما هو الطهرُ، وهو مَرْجُوَّ فيها في كل زمان، ولا يُرجى مع الحَبَل.
وإذا طلّق الرجلُ امرأته في حالة الحيض: وقع الطلاق؛ لأن النهيَ عنه لمعنىّ في غيره،
وهو ما ذكرنا، فلا ينعدم مشروعيتُه. ويُسْتَحَبُّ له أن يراجعها؛ لقوله عليها لعمر صيته:
"مر ابنَك فليراجعْها"،* وقد طلّقها في حالة الحيض، وهذا يفيد الوقوعَ، والحثّ على
عبد الله
الرجعة، ثم الاستحبابُ قول بعض المشايخ. والأصح: أنه واجب؛ عملاً بحقيقة الأمر،
وإذا طلق إلخ: هذا أيضاً من "مختصر القدوري". وقع الطلاق: ويأثم بإجماع الفقهاء. (البناية)
لأن النهي إلخ: نقل صاحب "النهاية" عن شيخه أن المراد بالنهي ههنا هو النهي المستفاد من ضد الأمر
في قوله تعالى: ﴿فَطَلْقَوْهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي لأطهار عدتهن، أو الأمر المذكور في قوله (375ّ لعمر: "مر ابنك فليراجعها"،
لما أنه كان مأموراً برفع الطلاق الواقع في حال الحيض لأجل الحيض، كان منهيًا عن إيقاعه في حالة الحيض. (العناية)
وهو ما ذكرنا: يعني من قوله: لأن المحرَّم تطويل العدة؛ لأن الحيضة التي يقع فيها الطلاق لا تكون
محسوبة منها، فتطول العدة عليها. [العناية ٣٣٨/٣]
ويستحب إلخ: هذا لفظ القدوري ثه، ووقال محمد في "الأصل": ينبغي له أن يراجعها. (البناية)
طلقها: أي والحال أن ابن عمر طَّما قد كان طلق امرأته. (البناية) الوقوع: أي وقوع الطلاق؛ إذ لا يتصور
الرجعة بدون الوقوع. (البناية) قول بعض المشايخ: وبه قال الشافعي وأحمد مهمًا. [البناية ٣٣٧/٦]
ووجهه: أن أدنى الأمر الاستحباب، فيصرف إليه بقرينة أن الرجعة حق له، ولا وجوب على الإنسان فيما
هو حقه. (العناية) والأصح أنه: أي أن المراجعة أو الرجعة ذكر الضمير على تأويل الرجوع. (البناية)
بحقيقة الأمر: لأن مطلق الأمر للوجوب حقيقة، قال الأتراري: قال صاحب "الهداية": والأصح أنه واجب،
ولأن فيه نظر لمحمد لم يذكر في "الأصل": لفظ الوجوب، بل قال: ينبغي له أن يراجعها. [البناية ٣٣٧/٦]
* أخرجه الأئمة الستة عن ابن عمر. [نصب الراية ٢٢١/٣] أخرج البخاري في "صحيحه" عن أنس
بن سيرين قال: سمعت ابن عمر ◌ُما قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر عمر للنبي ◌ّ فقال:
فليراجعها، قلت: تُحتسب. قال: فَمَه. [رقم: ٥٢٥٢، باب إذا طُلِّقت الحائض تعتد بذلك الطلاق]

١٣٨
كتاب الطلاق
ورفعاً للمعصية بالقَدْرِ الممكن برفع أثره، وهي العدة، ودفعاً لضرر تطويل العدة.
قال: فإذا طَهُرَتْ وحاضت، ثم طهرت: فإن شاء طلقها وإن شاء أَمْسكها. قال نظره: وهكذا
ذُكِرَ في "الأصل"، وذكر الطحاويُّ بْه: أنه يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة الأولى،
قال أبو الحسن الكرخي: ما ذكر الطحاوي قول أبي حنيفة مثله، وما ذُكِرَ في "الأصل"
قولهما. ووجه المذكور في "الأصل": أن السنة أن يَفْصِلَ بين كلِّ طلاقين بحيضة،
والفاصل ههنا بعض الحيضة، فتُكمَّلُ بالثانية، ولا تتجزّأ، فتكامل. وإذا تكاملت الحيضة
الثانيةُ، فالطهر الذي يليه زمان السنة، فأمكن تطليقها على وجه السنة. وجه القول الآخر:
الحيضة
أن أثّرَ الطلاق قد انعدم بالمراجعة، فصار كأنه لم يُطَلِّقْها في الحيض، فيسن تطليقُها
في الطهر الذي يليه. ومن قال لامرأته - وهي من ذوات الحيض، وقد دخل بها -: أنت
طالق ثلاثاً للسنة، ولا نية له: فهى طالق عند كل طهر تطليقة؛ لأن "اللام" فيه للوقت،
ورفعاً للمعصية: أي ولأجل رفع المعصية؛ لأن إيقاع الطلاق في الحيض معصية، والسبيل في رفع المعاصي
برفعها. [البناية ٣٣٧/٦] العدة: أي أثر الطلاق الذي هو معصية، وهو العدة. (البناية)
في "الأصل": أي المبسوط؛ لأنه قال فيه: فإذا طهرت من حيضة أخرى طلقها واحدة قبل الجماع، وهذا
يدل على أن الطهر الذي يقع في الطلاق هو الطهر الذي بعد حيضة أخرى، لا الطهر بعد حيضة أوقع
فيها الطلاق. [البناية ٣٣٧/٦] الحيضة: لأن الطلاق وقع في الحيضة.
القول الآخر: أراد به ما ذكره الطحاوي. (البناية) الطلاق: أي الواقع في الحيض. وقد دخل بها: لأنه لو قال
لغير المدخول بها: أنتِ طلاق ثلاثاً للسنة يقع في الحال واحدة، سواء كانت حائضة أو طاهرة، ويتعلق الثاني بالتزويج
ثانياً، والثالثة بالتزويج ثالثاً؛ لأن الطلاق السني المرتب في حق غير المدخول بها لا يتصور إلا على هذا الوجه.
للوقت: [بأن يستعار الوقت فكأنه قال: وقت السنة] وذلك؛ لأن المتبادر من السنة الطلاق الذي في مقابلة
البدعة، وإذا تبادر منه ذلك يتبادر لام الوقت، ولأن حمل اللام على الأجل تكلف بحسب المعنى.
القدوري

١٣٩
كتاب الطلاق
ووقت السنة طهر لا حِمَاعَ فيه. وإن نوى أن تقع الثلاثُ الساعةَ، أو عند رأس كلّ
شهر واحدة: فهو على ما نوى، سواء كانت في حالة الحيض أو في حالة الطهر. وقال
تلك الساعة
زفر بطله: لا تصح نية الجَمْع؛ لأنه بدعة، وهي ضد السنة. ولنا: أنه محتَمَل لَفْظِه؛ لأنه
سني وقوعاً من حيث إن وقوعَه بالسنة، لا إيقاعاً، فلم يتناوله مطلقُ كلامه، وينتظمه عند
◌ِته. وإن كانت آيسةً، أو من ذوات الأشهر: وقعت الساعة واحدة، وبعد شهر
أخرى، وبعد شهر أخرى؛ لأن الشهر في حقّها دليل الحاجة كالطُّهر في حقِّ ذوات
الأَقْرَاءِ على ما بينا. وإن نوى أن يقع الثلاث الساعة: وقعن عندنا؛ لما قلنا، بخلاف ما إذا
خلافاً لزفر
قال: أنتِ طالق للسنة، ولم ينص على الثلاث حيث لا تصح نية الجمع فيه؛ لأن نية
الثلاث إنما صحّتْ فیه من حيث إن اللام فيه للوقت، فیفید تعمیمَ الوقت، ومن ضرورته
تعميم الواقع فيه، فإذا نوى الجمع بطل تعميمُ الوقت، فلا تصح نية الثلاث.
ما نوى: أي من وقوع المجموع ساعة، ومن وقوع الثلاث متفرقة. محتمل لفظه: وهو السنة من حيث
الوقوع. (البناية) بالسنة: وهو قوله عليًا: من طلق امرأته ألفاً بانت منه بثلاث، والباقي رد عليه. (البناية)
كلامه: أي لم يؤخذ عند الإطلاق. آيسة: وقد قال لها: أنت طالق ثلاثاً. ذوات الأشهر: يعني صغيرة
مدخولاً بها فقال: أنت طالق ثلاثاً للسنة. (البناية) على ما بينا: إشارة إلى ما ذكر في التعليل قريباً من
ورقة بقوله: لأن الشهر في حقهما قائم مقام الحيض. [البناية ٣٤٠/٦]
لما قلنا: إشارة إلى قوله: لأنه سني وقوعاً. (البناية) فيه: أي فيما إذا قال: أنت طالق للسنة. الوقت: أي كل وقت
السنة. تعميم الواقع فيه: أي في الوقت لأنه جعل الوقت ظرفاً للواقع، وقد تكرر الظرف فيتكرر المظروف،
فإذا نوى الجمع بطل تعميم الوقت، فيبطل تعميم الواقع فيه؛ لأن بطلان المقتضى يوجب بطلان المقتضي،
فلا تصح نية الثلاث، بخلاف ما إذا ذكر ثلاثاً؛ لأن الثلاث مذكور صريحاً، فتصح نيته. [العناية ٣٤٢/٣]