Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨٠
باب الجنایات
ے
إلا أن الأفضل هو العَوْد، ولو رجع إلى أهله، وقد طافه محدثاً، إن عاد وطاف:
جاز، وإن بعث بالشاة، فهو أفضل؛ لأنه خَفَّ معنى النقصان، وفيه نفع للفقراء.
ولو لم يَطُفْ طواف الزيارة أصلاً، حتى رجع إلى أهله، فعليه أن يعود بذلك الإحرام؛
لانعدام التحلل منه، وهو مُحَرَّم عن النساء أبداً حتى يطوف، ومن طاف طواف
الصَّدْرِ محدثاً فعليه صدقة؛ لأنه دون طواف الزيارة وإن كان واجباً، فلا بد من إظهار
التفاوت. وعن أبي حنيفة له: أنه تَجب شاة إلا أن الأول أصح، ولو طاف جنباً:
فعليه شاة؛ لأنه نقص كثير، ثم هو دون طواف الزيارة فُكتفى بالشاة. ومن ترك من
طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها، فعليه شاة؛ لأن النقصان بترك الأقل يسير،
إلا أن الأفضل: استثناء من قوله: وإن لم يعد وبعث بدنة أجزأه يعني لكن الأفضل أن يعود؛ لأن
استدراك الشيء بجنسه وهو الطواف أولى من استدراكه بغير جنسه، وهو الفدية. [البناية ٢٨٤/٤]
حتى يطوف: وكذا إذا رجع إلى أهله، وقد ترك منه أربعة أشواط يعود بذلك الإِحرام وهو محرم أبداً في حق
النساء، وكلما جامع لزمه دم إذا تعددت المجالس إلا أن يقصد رفض الإحرام بالجماع الثاني. (فتح القدير)
التفاوت: بين الفرض والواجب. (البناية) شاة: أي فيما إذا طاف طواف الصدر محدثاً، وهو رواية
الكرخي. (البناية) الأول: أي وجوب الصدقة أصح، وهو رواية القدوري. (البناية)
دون طواف الزيارة: أي أدنى من طواف الزيارة فيجب في طواف الزيارة جنباً بدنة: بعير أو بقرة
فيجزئه الشاة في طواف الصدر جنباً؛ لئلا يلزم التسوية بين الفرض والواجب. [البناية ٢٨٤/٤-٢٨٥]
لأن النقصان إلخ: لرجحان جانب الوجود بالكثرة، وعن هذا ما ذكر من أن الركن عندنا هو الأربعة
الأشواط والثلاثة الباقية واجبة؛ لأن تركها يجبر بالدم، وإنما يجبر به الواجب وهذا حكم لا يعلل به؛ لأنه
محل النزاع، إذ جيرها بالدم ممنوع عند من يخالف فيه وهم كثيرون بل جبرها به لإقامة الأكثر مقام
الكل، وسبب اختصاص هذه العبادة به على خلاف الصلاة والصوم؛ إذ لا يقام الأكثر منهما مقام الكل،
قوله عليها: "الحج عرفة ومن وقف بعرفات فقد تم حجه" مع العلم ببقاء ركن آخر عليه وحكمنا لهذا
بالأمن من فساد الحج إذا تحقق بعد الوقوف ما يفسده قبله، فعلمنا: أن باب الحج اعتبر فيه شرعاً هذا
الاعتبار والطواف منه فأجرينا فيه ذلك. [فتح القدير ٤٦٤/٢]
٢٨١
باب الجنايات
فأشبه النقصان بسبب الحدث، فتلزمه شاة، فلو رجع إلى أهله: أجزأه أن لا يعود،
ويبعث بشاة؛ لما بينا. ومن ترك أربعة أشواط: بقي محرماً أبداً، حتى يطوفها؛ لأن
المتروك أكثر، فصار كأنه لم يَطُفْ أصلاً، ومن ترك طواف الصدر أو أربعة أشواط
ء
منه: فعليه شاة؛ لأنه ترك الواجب، أو الأكثر منه، وما دام بمكة يُؤمر بالإِعادة؛ إقامة
من الواجب
للواجب في وقته. ومن ترك ثلاثة أشواط من طواف الصدر: فعليه الصدقة، ومن
طاف طواف الواجب في جَوْف الحِجر، فإن كان بمكة: أعاده؛ لأن الطواف وراء
الحطيم واجب على ما قدَّمناه، والطواف في جوف الحِجر أن يدور حول الكعبة،
ويدخل الفُرْحَتَيْن اللتين بينهما وبين الحطيم، فإذا فعل ذلك فقد أدخل نَقْصاً في طوافه،
فما دام بمكة أعاده كلَّ؛ ليكون مؤدياً للطواف على الوجه المشروع. وإن أعاد على
الحجر خاصة أجزأه؛ لأنه تلافى ما هو المتروك، وهو أن يأخذ عن يمينه خارج الحجر
تدارك
حتى ينتهي إلى آخره، ثم يدخل الحجر من الفرجة،
ـي
لما بينا: أشار به إلى قوله: لأن النقصان بترك الأقل يسير، وقيل: يرجع إلى قوله: لأنه خفّ معنى النقصان،
وفيه نفع للفقراء. [البناية ٢٨٥/٤] شاة: أي إذا رجع إلى أهله، ولا يُؤمر بالعود إلى مكة للإعادة. (النهاية)
في وقته: أي في مطلق الزمان، وهو وقت طواف الصدر؛ لأنه ليس بموقت بأيام النحر، ولهذا لا يجب شيء
بالتأخير عنهما بالاتفاق ولا ذبح عليه؛ لأنه تلافى الفائت. [البناية ٢٨٦/٤] فعليه الصدقة: لكل شوط
نصف صاع من بر. (البناية) الواجب: وفي بعض النسخ: ومن طاف الطواف الواجب. (البناية)
قدمناه: أراد به قوله عليها: "الحطيم من البيت"، وعند الشافعي ومالك وأحمد ك الطواف في جوف
الحجر لا يعتد به. [البناية ٢٨٦/٤] ما هو المتروك: وهو الطواف بالحظيم. (البناية) وهو: إنما ذكر الضمير
الراجع إلى الإعادة بالنظر إلى الخبر. (البناية)
٢٨٢
باب الجنایات
ويخرج من الجانب الآخر هكذا يفعله سبع مرات فإن رجع إلى أهله ولم يعده: فعليه
دم؛ لأنه تمكّن نقصان في طوافه بترك ما هو قريب من الربع، فلا تجزيه الصدقة. ومن
طاف طواف الزيارة على غير وضوء، وطواف الصدر في آخر أيام التشريق طاهراً:
فعليه دم، فإن كان طاف طواف الزيارة جُنباً، فعليه دمان عند أبي حنيفة بحثته. وقالا:
عليه دم واحد؛ لأن في الوجه الأول لم ينقل طواف الصدر إلى طواف الزيارة؛ لأنه
واجب، وإعادة طواف الزيارة بسبب الحدث غيرُ واجب، وإنما هو مستحب فلا ينقل
إليه. وفي الوجه الثاني ينقل طواف الصدر إلى طواف الزيارة؛ لأنه مستحق الإِعادة،
لأنه تمكن إلخ: هذا التعليل إنما يستقيم لو كان الواجب هو طواف الكل؛ لأن الربع يحكي حكاية
الكمال، كما حلق ربع الرأس، وإذا كان الواجب طواف الكل، كان تاركاً طواف الربع، فيجب بتركه
ما يجب بترك الكل، كما في حلق الرأس، ولكن كل الواجب ههنا هو طواف الحطيم باعتبار أنه ترك كل
الواجب، فإن طواف ما سواه فرض، لا واجب، فلا معنى لإِيجاب الدم بتركه إنما يصح ذلك لو كان
طواف الكل واجباً. والأظهر في التعليل ههنا ما ذكره في "الكافي" حيث قال: وإن رجع إلى أهله ولم يعده،
فعليه دم؛ لأنه ترك ما ثبت وجوبه بخبر الواحد.
علىٍ غير وضوء: قال الكاكي: يحتمل الجنابة، قلت: لا يعمل بهذا الاحتمال؛ لأن المراد به الحدث الأصغر
جزماً. [البناية ٢٨٧/٤] فعليه دمان: لأن الطواف مع الجنابة في حكم العدم، ولهذا يؤمر بالإعادة ما دام
بمكة وجوباً لا استحباباً، ولما كان في حكم العدم وجب نقل طواف الصدر إليه؛ لأن العزيمة في ابتداء
الإحرام حصلت للأفعال على الترتيب الذي شرعت، فبطلت نيته على خلاف ذلك الترتيب، فانتقل طواف
الصدر إلى طواف الزيارة، فيصير كأنه طاف طواف الزيارة في آخر أيام التشريق، ولم يطف للصدر فيجب
عليه دمان، دم لترك طواف الصدر، ودم آخر لتأخير طواف الزيارة عن أيام التشريق. [البناية ٢٨٨/٤]
الأول: وهو ما إذا طاف طواف الزيارة على غير وضوء. (البناية)
وفي الوجه الثاني: وهو ما إذا طاف طواف الزيارة جنباً. (البناية)، والفرق بينهما واضح. وفائدة نقل
طواف الصدر إلى طواف الزيارة: سقوط البدنة عنه، وههنا أصل، وهو أن كل من وجب عليه طواف
وأتى به في وقته وقع عنه سواء نواه بعينه أو لم ينوه، أو نوى به طوافاً آخر. [العناية ٤٦٥/٢]
٢٨٣
باب الجنايات
فيصير تاركاً لطواف الصدر، مؤخّراً لطواف الزيارة عن أيام النحر، فيجب الدم بترك
الصدر بالاتفاق، وبتأخير الآخر على الخلاف، إلا أنه يُؤْمرُ بإعادة طواف الصدر ما دام
بمكة، ولا يؤمر بعد الرجوع على ما بينا. ومن طاف لعمرته وسعى على غير وضوء
وحلّ، فما دام بمكة: يعيدهما، ولا شيء عليه، أما إعادة الطواف؛ فلتمكّن النقص فيه
بسبب الحدث؛ وأما السعي؛ فلأنه تبع للطواف، وإذا أعادهما لا شئ عليه؛ لارتفاع
النقصان. وإن رجع إلى أهله قبل أن يُعيد: فعليه دم؛ لترك الطهارة فيه، ولا يؤمر بالعَوْد؛
لوقوع التحلل بأداء الركن؛ إذ النقصان يسير، وليس عليه في السعي شيء؛ لأنه أتى به
على أثر طواف معتدٍّ به. وكذا إذا أعاد الطواف، ولم يُعد السعي في الصحيح،
بالاتفاق: بين أبي حنيفة وصاحبيه . (البناية) الآخر: وهو طواف الزيارة. (البناية)
على الخلاف: بين أبي حنيفة وصاحبيه، فإنه يجب دمان عنده، ودم واحد عندهما. (البناية) ما بينا: إشارة
إلى قوله: ومن ترك طواف الصدر أو أربعة أشواط منه فعليه شاة - إلى قوله -: وما دام بمكة يؤمر بالإعادة.
[العناية ٤٦٥/٢] وحل: أي حلق أوقصر (العناية) يعيدهما: أي يعيد الطواف والسعي جميعاً. (البناية)
الركن: وهو الطواف والسعي. (البناية) وليس عليه إلخ: قال الكاكي بثه قوله: ليس عليه، معطوف على
قوله: فعليه دم؛ لترك الطهارة. وهذا جواب سؤال، وهو أن يقال: لمَّا قام الدم مقام الطواف عند الرجوع إلى
أهله صار كأنه أعاد الطواف، ولو أعاده لا يجب عليه إعادة السعي فلما لم يعد السعي وجب الدم، كما إذا
أعاد الطواف ولم يعد السعي على رواية التمرتاشي، وقاضي خان، وغيرهما. فأجاب عن السؤال في "الفوائد
الظهيرية" فقال: إنما لزمه دم؛ لعدم إعادة السعي؛ لأن بالإعادة ارتفع المؤدّى فبقي السعي قبل الطواف فلا يقع
الاعتداد فيلزم الدم، بخلاف ما إذا لم يعد الطواف وأراق الدم حيث لا يرتفع المؤدّى. [البناية ٢٦٦/٥]
وكذا: أي لا شيء عليه للسعي. (الكفاية) الصحيح: واحترز به عما ذكره في جامع التمرتاشي وقاضي
خان وغيرهما أنه لو أعاد الطواف ولم يعد السعي كان عليه دم، واختار المصنف وشمس الأئمة السرخسي
والمحبوبي أن لا شيء عليه؛ لأن الطهارة ليست بشرط للسعي، وإنما كانت شرطاً للطواف لاختصاصه
بالبيت، واعتباره بالصلاة من وجه؛ لما جاء في الحديث وإنما الشرط في السعي أن يأتي به على أثر طواف
معتد به، وطواف المحدث معتد به، ألا تري أنه تحلّل به. [البناية ٢٦٦/٥]
٢٨٤
باب الجنايات
ومن ترك السَّعْي بين الصفا والمروة: فعليه دم، وحجُّه تامًّ؛ لأن السعي من الواجبات
عندنا، فيلزم بتركه الدم دون الفساد، ومن أفاض قبل الإِمام من عرفات: فعليه دم.
وقال الشافعي له: لا شيء عليه؛ لأن الركن أصل الوقوف، فلا يلزمه بترك الإطالة
شيء. ولنا: أن الاستدامة إلى غروب الشمس واجبة؛ لقوله عليها: فادفعوا بعد غروب
الشمس"، * فيجب بتركه الدم، بخلاف ما إذا وقف ليلاً؛
من الواجبات: قال في البدائع": وإذا كان السعي واجباً، فإن تركه لعذر، فلا شيء عليه، وإن تركه لغير
عذر، لزمه دم؛ لأن هذا حكم تركِ الواجب في هذا الباب. أصله طواف الصدر، وأصل ذلك ما روي
عنه عليَلا أنه قال: "من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف"، ورخص للحيض فأسقطه
للعذر، وعلى هذا فإلزام الدم في "الكتاب" بترك السعي يحمل على عدم العذر. [فتح القدير ٤٦٧/٢]
عندنا: وعند الشافعي مدلله ركن. (البناية) قبل الإمام: فال في "النهاية" كان من حق الرواية أن يقال:
ومن أفاض قبل غروب الشمس فعليه دم؛ لما أن المحظور عليه الإفاضة قبل غروب الشمس، وأقول: قوله
هذا يستلزم ذلك؛ لأن الاستدامة إذا كانت واجبة إلى غروب الشمس فالإضافة قبل الإمام لا تكون إلا
قبل الغروب؛ لأن الظاهر أن الإمام لا يترك ما وجب عليه من الاستدامة. [العناية ٤٦٧/٢]
الشافعي مدالله: هو أحد قولي الشافعي له، وفي قوله الآخر: يجب الدم كقولنا، وبه قال أحمد. [البناية ٢٦٧/٥]
الإطالة: أي الإطالة إلى جزء من الليل. (البناية) بخلاف: وهذا متصل بقوله: ولنا: أن الاستدامة إلى غروب
الشمس واجبة. فإن قيل: قوله عليه: "من وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد أدرك الحج" يقتضي أن لا تكون
الاستدامة شرطاً لا في الليل ولا في النهار، فكيف جعلتم شرطاً في النهار دون الليل. وأجيب بترك ظاهر
الحديث في حق النهار بقوله عليها: "فادفعوا بعد غروب الشمس"، فبقي الليل على ظاهره. هذا أورده
الأ كمل في شرحه، والعجب منه كيف يجيب بهذا الجواب! لأن الحديث الصحيح كيف يترك ظاهره
بحديث لا يعرف، ولا له أصل عند المحدثين؟ [البناية ٢٩١/٤]
* هذا حديث غريب ... وكان ينبغي أن يستدل في هذا بما في حديث جابر الطويل. [البناية ٤ /٢٩١] حديث
جابر : أخرجه مسلم في صحيحه وفيه: فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى
غاب القرص. [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة النبي {4] =
٢٨٥
باب الجنايات
لأن استدامة الوقوف على من وقف نهاراً لا ليلاً. فإن عاد إلى عرفة بعد غروب
الشمس: لا يسقط عنه الدم في ظاهر الرواية؛ لأن المتروك لا يصير مستدركاً،
واختلفوا فيما إذا عاد قبل الغروب. ومن ترك الوقوف بالمزدلفة: فعليه دم؛ لأنه من
الوقوف بمزدلفة
الواجبات، ومن ترك رمي الجمار في الأيام كلها، فعليه دم؛ لتحققُّ تَرْك الواجب،
ويكفيه دم واحد؛ لأن الجنس متحد كما في الحلق، والترك إنما يتحقق بغروب الشمس
من آخر أيام الرمي؛ لأنه لم يعرف قربة إلا فيها، وما دامت الأيام باقية، فالإِعادة ممكنة،
في ظاهر الرواية: وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة له أنه يسقط عنه الدم؛ لأنه استدرك ما فاته.
لأن الواجب عليه الإفاضة بعد الغروب وقد أتى به فكان كمن جاوز الميقات حلالاً ثم عاد إلى
الميقات وأحرم، وجه الظاهر ما ذكره في الكتاب أن المتروك لا يصير مستدركاً، معناه أن المتروك
سنة الدفع مع الإمام وذلك ليس مستدرك بعوده وحده لا محالة. [العناية ٤٦٧/٢]
واختلفوا: أي العلماء الثلاثة وزفر هلك ... فعند زفر لا يسقط، وعند الثلاثة يسقط، وبه قال الشافعي
وأحمد رحمهًا (البناية)، فمنهم من قال: لا يسقط عنه الدم؛ لأن استدامة الوقوف قد انقطعت، ولا يمكن
تداركها فبقي عليه الدم، ومنهم من قال: يسقط؛ لأنه استدرك سنة الدفع مع الإمام. [العناية ٤٦٧/٢]
ويكفيه: يعني في ترك سبعين حصاة كلها. (البناية) لأن الجنس متحد: أي جنس المتروك واحد، وفي قول
الشافعي بل يجب عليه دمان؛ لما أن رمي يوم النحر منفرد بنفسه، ورمي أيام التشريق شيء واحد،
والأصح أنه يجب أربعة، ذكره في "شرح الوجيز". [البناية ٢٦٩/٥] في الحلق: أي في حلق الرأس، فإن حلق
ربعه في غير أوانه يوجب الدم، ثم حلق جميعه لا يوجب إلا دماً واحداً، كذا في "المبسوط". (البناية)
الرمي: وهو اليوم الرابع. (البناية) باقية: فكان هذا نظير تكبير أيام التشريق. (النهاية)
= وأخرج الترمذي في سننه عن علي بن أبي طالب ه قال: وقف رسول الله مُّ بعرفة فقال: هذه عرفة
وهو الموقف وعرفة كلها موقف ثم أفاض حين غربت الشمس. الحديث ، وقال: حديث علي حديث حسن
صحيح. [رقم: ٨٨٥، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف]
٢٨٦
باب الجنايات
فيرميها على التأليف، ثم بتأخيرها يجب الدم عند أبي حنيفة بحلته خلافاً لهما. وإن
عن أيامها
ترك رمي يوم واحد، فعليه دم؛ لأنه نسك تام، ومن ترك رمي إحدى الجمار
الثلاث، فعليه الصدقة؛ لأن الكل في هذا اليوم نسك واحد، فكان المتروك أقل إلا
أن يكون المتروك أكثر من النصف، فحينئذ يلزمه الدم؛ لوجود ترك الأكثر. وإن
ترك رمي جمرة العقبة في يوم النحر، فعليه دم؛ لأنه كل وظيفة هذا اليوم رمياً، وكذا
إذا ترك الأكثر منها، وإن ترك منها حصاة، أو حصاتين، أو ثلاثاً تصدق لكل حصاة
نصف صاع، إلا أن يبلغ دماً فينقص ما شاء؛ لأن المتروك هو الأقل، فتكفيه
الصدقة. ومن أخر الحلق حتى مضت أيام النحر، فعليه دم عند أبي حنيفة له، وكذا
إذا أخر طواف الزيارة حتى مضت أيام التشريق، فعليه دم عنده.
التأليف: يعني على الترتيب وبه قال الشافعي بعدلكه في قول. (البناية) الثلاث: من يوم واحد. (البناية)
فعليه الصدقة: لكل حصاة نصف صاع من بر. (البناية) وجوب الصدقة والدم بالترك ليس على الإطلاق،
بل هذا لو لم یقض في اليوم الثاني، وأما لو قضی رمي الأول في اليوم الثاني أو اليوم الثالث، أو قضی رمي اليوم الثاني
في الثالث، فالجواب إنما هو على قول أبي حنيفة لته، أما على قولهما فلا دم ولا صدقة؛ لأن تأخير النسك
وتقديمه عنده موجب للجزاء خلافاً لهما. (النهاية) إلا أن يكون: هذا استثناء من قوله: فعليه الصدقة.(البناية)
أكثر من النصف: مثل أن يترك إحدى عشرة حصاة ويرمي عشر حصيات فحينئذ يلزمه الدم؛ لوجود
ترك الأكثر، والأكثر يقوم مقام الكل. [العناية ٤٦٨/٢] رمياً: وإنما قيد بقوله: رمياً؛ احترازاً عن الوارد
عليه إذا لم يقل كذلك بأن يقال: كيف قلت: إن رمي جمرة العقبة كل وظيفة هذا اليوم، والذبح، والحلق،
والطواف أيضاً من وظائف هذا اليوم؟ فلمّا قال: رمياً، خرجت الأشياء المذكورة. [البناية ٢٧٠/٥]
وكذا: أي يجب عليه الدم أيضاً إذا ترك الأكثر من جمرة العقبة. (البناية) إلا: استثناء من قوله: تصدق
لكل حصاة. (البناية) أن يبلغ دماً: يعني إذا بلغ قيمة ما تصدق لكل حصاة قيمة الدم، فحينئذ ينقص من
الدم ما شاء حتى لا يلزم التسوية بين الأقل والأكثر. [العناية ٤٦٩/٢]
٢٨٧
باب الجنايات
وقالا: لا شيء عليه في الوجهين، وكذا الخلاف في تأخير الرمي، وفي تقديم نسك
على نسك كالحلق قبل الرمي، ونحر القارن قبل الرمي، والحلق قبل الذبح. لهما: أن
ما فات مستدرك بالقضاء، ولا يجب مع القضاء شيء آخر، وله حديث ابن مسعود نظّ
ـه
أنه قال: "من قدم نسكاً على نسك فعليه دم"،* ولأن التأخير عن المكان يوجب الدم
فيما هو موقت بالمكان كالإحرام، فكذا التأخير عن الزمان فيما هو موقت بالزمان.
وإن حلق في أيام النحر في غير الحرم، فعليه دم، ومن اعتمر فخرج من الحرم وقصر،
الوجهين: أي في تأخير الحلق، وتأخير طواف الزيارة. (البناية) الخلاف: أي بين أبي حنيفة وصاحبيه هلك.
(البناية) في تأخير الرمي: بأن أخر رمي جمرة العقبة في اليوم الأول إلى الثاني، وكذا إذا أخر رمي الجمار من
اليوم الثاني أو الثالث إلى الرابع. (البناية) كالحلق قبل الرمي إلخ: بيانه: حلَقَ المفرد بالحج أو القارن أو المتمتع
قبل الرمي، وذَبَحَ القارن أو المتمتع قبل الرمي، بخلاف ما إذا ذبح المفرد قبل الرمي، أو حلَق قبل الذبح حيث
لا يجب عليه شيئ؛ لأن النسك لا يتحقق في حقه؛ لأن المفرد يذبح إن أحب، ولا يجب عليه. [البناية ٢٧٠/٥]
لهما إلخ: ولهما أيضاً من النقول ما في " الصحيحين " أنه عليتوقف في حجة الوداع، فقال رجل: يا رسول الله!
لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: "اذبح ولا حرج"، وقال آخر: يا رسول الله! لم أشعر، فنحرت قبل أن
أرمي قال: " ارم ولا حرج"، والجواب أن نفي الحرج يتحقق بنفي الإثم والفساد، فيحمل عليه دون نفي الجزاء.
ولأن التأخير إلخ: قوله: لأن التأخير جواب عن قولهما، يعني القياس كما قالا: أن لا يجب شيء مع القضاء إلا
أنا تركناه استدلالاً بتأخير الإحرام عن الميقات، والقياس يترك بدلالة النص، كذا في "المبسوط". [البناية ٢٧٢/٥]
كالإحرام: فإن الحاج إذا جاوز الميقات بغير إحرام ثم أحرم، وجب عليه الدم. (العناية)
*هكذا هو في غالب النسخ: ابن مسعود ظلّه، وفي بعضها: ابن عباس ◌ُما وهو الأصح، رواه ابن أبي شيبة.
[البناية ٢٧١/٥] حديث ابن عباس ما أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" عن مجاهد عن ابن عباس هما
قال: من قدَّم شيئًا من حجه أو أخَّره فليهرق لذلك دماً، وبه قال حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا
الخصيب، قال: ثنا وهيب عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس جما مثله. [١ / ٤٤٧ و٤٤٨]
٢٨٨
باب الجنايات
فعليه دم عند أبي حنيفة ومحمد بحمًّا، وقال أبو يوسف بحلته: لا شىء عليه. قال نظريته:
ذكر في "الجامع الصغير" قول أبي يوسف مثله في المعتمر، ولم يذكره في الحاج، وقيل:
هو بالاتفاق؛ لأن السنة جرت في الحج بالحلق بمنى، وهو من الحرم، والأصح أنه على
الخلاف، هو يقول: الحلق غير مختص بالحرم؛ لأن النبي عليه وأصحابه أحصِروا
بالحديبية، وحلقوا في غير الحرم .* ولهما: أن الحلق لما جعل محلّلاً صار كالسلام في
آخر الصلاة، فإنه من واجباتها وإن كان محللا، فإذا صار نسكا اختص بالحرم كالذبح،
وبعض الحديبية من الحرم، فلعلهم حلقوا فيه. فالحاصل: أن الحلق يتوقت بالزمان
والمکان عند أبي حنيفة رحلته، وعند أبي يوسف بأنه لا يتوقت بهما،
وهو الحرم
دم: لتأخيره عن مكانه كما يلزمه الدم بتأخيره عن وقته (البناية) بالاتفاق: أي قيل: وجوب الدم في الحج
بالاتفاق إذا حلق خارج الحرم، ولا خلاف فيه لأبي يوسف. [البناية ٢٧٣/٥] لأن السنة إلخ: لأن التوارث
من لدن النبي عليه، وجميع الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المسلمين جرى على الحلق في الحج في الحرم
من منى، وهو إحدى الحجج. [فتح القدير. ٤٧٠/٢] الخلاف: عندهما، يجب الدم، وعند أبي يوسف بسطله:
لا يجب. (البناية) بالحديبية: تصغير حدباً اسم موضع قريب من مكة. (البناية)
من الحرم: هذا جواب عن تمسك أبي يوسف بسطله بالحديث المذكور، وبه قال الشافعي بدلته في الأظهر.
[البناية٢٧٤/٥]، فيه بحث؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَدَّكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ﴾.
ورد في قصة إحصار النبي عليّا وأصحابه. وقد قيل فيه: والهدي أي صدور الهدي معكوفاً أبي حال كون
الهدي ممنوعاً أن يبلغ محله، وهو الحرم، ولو كان بعض الحديبية الحرم لم يكن هديه معكوفاً، إلا أن يراد
المحل المعهود، وهو منى، فإن المتعارف هو الذبح فيه. بالزمان: وهو أيام النحر. (فتح القدير)
* أخرجه البخاري فى صحيحه عن المسور بن مخرمة ومروان قالا: خرجا رسول الله لطّ زمن الحديبية - إلى
أن قالا -: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله مُّ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. [رقم: ٢٧٣١،
باب الشروط في الجهاد والمصالحة]
٦
٢٨٩
باب الجنايات
وعند محمد رأ یتوقت بالمكان دون الزمان، وعند زفر بالله يتوقت بالزمان دون
المكان، وهذا الخلاف في التوقيت في حق التضمين بالدم، وأما في حق التحلل
فلا يتوقت بالاتفاق. والتقصير والحلق في العمرة غير موقت بالزمان بالإجماع؛ لأن أصل
العمرة لا يتوقت به، بخلاف المكان؛ لأنه موقت به. قال: فإن لم يقصر حتى رجع
بالزمان
وقصر، فلا شيء عليه في قولهم جميعاً، معناه: إذا خرج المعتمر ثم عاد؛ لأنه أتى به في
مكانه، فلا يلزمه ضمانه. فإن حلق القارن قبل أن يذبح، فعليه دمان عند أبي حنيفة حدثله:
دم بالحلق في غير أوانه؛ لأن أوانه بعد الذبح، ودم بتأخير الذبح عن الحلق، وعندهما:
يجب عليه دم واحد، وهو الأول، ولا يجب بسبب التأخير شيء على ما قلنا.
في حق التضمين إلخ: يعني أنه لا خلاف في أنه في أي مكان أو زمان أتى به يحصل به التحلل بل الخلاف
في أنه إذا حلق في غير ما توقت به يلزم الدم عند من وقّته ولا شيء عليه عند من لم يوقته، ثم هو أيضاً في
حلق الحاج، أما المعتمر فلا يتوقت في حقه بالزمان بالاتفاق، بل بالمكان عند أبي حنيفة ومحمد خلافاً
لأبي يوسف. [فتح القدير ٤٧١/٢] لأن أصل العمرة إلخ: وأصل العمرة الطواف والسعي، فلا يتوقت بالزمان
بالإجماع بخلاف المكان؛ لأنه موقت به أي بخلاف مكان العمرة، فإن أصلها موقت به، وهو الحرم، فكذا
يتوقت ما يترتب عليه وهو الحلق أو التقصير، حتى لو حلق خارج الحرم للعمرة فعليه دم عند أبي حنيفة
ومحمد حمها، كما في الحج. وعند أبي يوسف بسطله لا شيء عليه. كذا في "المبسوط". [البناية ٢٧٥/٥]
قال: أي محمد محله في "الجامع الصغير". (البناية) إذا خرج المعتمر إلخ: إنما وضع المسألة في المعتمر؛ لأن
الحاج إذا خرج، ثم عاد إلى الحرم بعد أيام النحر، فحلق أو قصر يجب عليه الدم عند أبي حنيفة محله بسبب
التأخير. (النهاية) أتى به: أي بالتقصير أو الحلق. (البناية) على ما قلنا: إن التأخير عنده يوجب الدم خلافاً لهما.
هذا تقرير المسئلة على ما عليه أصل رواية "الجامع الصغير" فإن محمدًا قال فيه: قارن حلَق قبل أن يذبح قال: عليه
دمان: دم للقران، ودم آخر؛ لأنه حلق قبل أن يذبح يعني على قول أبي حنيفة وعلى هذا فما ذكره المصنف
غير مطابق له؛ لأنه قال: عليه دم بالحلق في غير أوانه؛ لأن أوانه بعد الذبح، ودم بتأخير الذبح عن الحلق . =
٢٩٠
باب الجنایات
فصل
﴿أَحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ
اعلم أن صيد البر محرم على المحرم، وصيد البحر حلال؛ لقوله تعالى:
الْبَحْرِ﴾ إلى آخر الآية، وصيد البر ما يكون توالده ومثواه في البر، وصيد البحر ما يكون
توالده ومثواه في الماء، والصيد هو الممتنع المتوحش في أصل الخلقة، واستثنى رسول الله (عز وز
= وهذا كما ترى يشير إلى أنهما دما جناية ولم يذكر دم القران وقال: وعندهما يجب عليه دم واحد وهو
الأول يعني: الذي يجب بالحلق في غير أوانه؛ لأنه لم يذكر أولاً سواه، ولم يذكر أيضاً دم القران ومع عدم
مطابقته فهو مناقض؛ لقوله قبل هذا، وقالا: لا شيء عليه في الوجهين جميعاً - إلى أن قال -: والحلق قبل
الذبح، وعلى هذا كان الحق أن يقول: فعليه دمان عند أبي حنيفة: دم للقران، ودم بتأخير الذبح فكأنه
سهو وقع منه أو من الكاتب. ولا عيب في السهو على الإنسان. [العناية ٤٧٢/٢]
فصل: لما كانت الجناية على الإحرام بالصيد نوعاً آخر فصل عما قبله في فصل على حدة. (العناية)
صيد البر: أى قتلُه وإن لم يأكله، وأكلُه وإن ذكّاه المحرم. [فتح القدير ٢/٣] على المحرم إلخ: صيد البر كله
حرام على المحرم، سواء كان مملوكاً، أو مباحاً، وسواء كان مأكول اللحم، أو غيره؛ لعموم اسم الصيد إلا
ما أباح الشرع قتله من الفواسق الخمس، وما في معناها فلا شيء بقتلها، وكذا إذا قتل الصيد ذاباً عن نفسه
إذا صال عليه لايجب عليه شيء بخلاف الجمل إذا صال فقتله؛ حيث تجب عليه بقتله قيمته. [البناية ٢٧٧/٥]
توالده ومثواه: أي مقامه وهو اسم مكان من ثوى يثوي. والمعتبر التوالد؛ لأنه الأصل، والكينونة بعده
عارض وفي "البدائع" الطيور كلها من صيد البر. وما يتوالد في البر، ويأوى في البحر من صيد البر، وما
يتوالد في البحر ويأوى في البر كالضفدع، من صيد البحر. (البناية) هو الممتنع إلخ. وقوله: الممتنع - وهو
الذي يمنع نفسه عمن قصده إما بقوائمه أو بجناحيه يُخرِج الحيوانات الأهلية كالبقر والغنم ونحوهما
والدجاج والبط، وقوله: المتوحش في أصل الخلقة يدخل فيها الحمام المسرول والظي المستأنس وتخرج
الإبل المتوحشة؛ لأن الاستئناس في الاول، والتوحش في الثاني عارضي لا معتبر به. [العناية ٢/٣]
واستثنى رسول الله وُ ◌ّ: ليس فيه حقيقة الاستثناء؛ لأنه لا يتصور، وإنما معناه: بَيَّنَ رسول الله عليلعدمَ
دخول الخمس الفواسق في الآية الكريمة المذكورة. [البناية ٢٧٨/٥]
* اعلم أن ههنا حديثين، حديثاً في جواز قتل هذه الأشياء للمحرم، وحديثاً في جواز قتلها في الحرم، فهما حديثان
متغايران، لا يقوم أحدهما مقام الآخر؛ إذ لا يلزم من جواز قتلها للمحرم جواز قتل الحلال لها في الحرم، =
٢٩١
باب الجنايات
الخمس الفواسق وهي الكلب العقور، والذئب، والحدأة، والغراب، والحية، والعقرب،
الفواسق: وهو جمع فاسقة، وسميت فواسق بطريق الاستعارة لخبثهن، وقيل: لخروجهن عن الحرمة،
والفسق الخروج من الاستقامة، ومنه قيل للعاصي: فاسق؛ لخروجه عما أمر به، وقيل: سميت فواسق؛
لإرادة تحريم أكلها؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ بعدما ذكر ما حرم من الميتة والدم، وقيل: لخروجهن عن
السلامة منهن إلى الأذى، وقيل: لخروجهن عن الانتفاع بهن، ثم تنصيص الخمس بالذكر لا ينافي ما عداها
مما هو في معناهن، ألا ترى إلى ما روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ◌ُه قال: أمر النبي عليًّا بقتل
الأوزاغ، وسماه فويسقاً. وعن أم شريك تهما أنه عليَلا أمر بقتل الأوزاغ، رواه البخاري ومسلم، وروى
أبو سعيد الخدري رضيله عن النبي عليلا قال: يقتل المحرم السبع العاري، والكلب العقور، والفأرة، والعقرب،
والحدأة، والغراب، رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن رواه أبو داود أيضاً فهذا فيه ستة، والمذكور
في الصحاح خمسة، والذي ذكره المصنف ستة. [البناية ٢٧٩/٥]
= ولا من جواز قتل الحلال لها خارج الحرم جواز قتل المحرم لها، فثبت أنهما حكمان: ويدل على ذلك أنه جمع
بينهما في بعض الأحاديث ... وإنما ذكرت ذلك؛ لأن بعض الفقهاء وهم في ذلك واستدل بأحد الحديثين على
الحكم الآخر، بل في أصحاب الحديث من بوب على أحد الحكمين فساق أحاديث الحكم الآخر، ومنهم من
ساق أحاديث الحكمين والباب على حكم واحد، وكل ذلك غير مرضي لما بيناه. [نصب الراية ٣ / ١٣٠]
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ضه أن رسول الله ردّ قال: خمس من الدواب
من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب والحدأة. [رقم: ٣٣١٥،
باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم] وأخرج مسلم في صحيحه عن عائشة تها قالت: قال رسول الله وطن.
خمس من الدواب كلها فواسق تُقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والكلب العقور، والعقرب، والفأرة.
[رقم: ٢٨٦٧، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم] وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه
عن سعيد بن المسيب عن النبي ◌ُّ قال: يقتل المحرم الذئب. [٥٥/٤/٢، باب في قتل الذئب للمحرم] ورجاله
ثقات. [إعلاء السنن ٣٥٤/١٠] وأخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن جبير قال: سأل رجل ابن عمر هما
ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم؟ قال: حدثتني إحدى نسوة النبي ◌ُّ أنه كان يأمر بقتل الكلب
العقور، والفأرة، والعقرب، والحُديّا، والغراب، والحية. [رقم: ٢٨٧١، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله
من الدواب في الحل والحرم]
٢٩٢
باب الجنایات
فإنها مبتدئات بالأذى، والمراد به الغراب الذي يأكل الجيف هو المروي عن أبي يوسف حدثته.
قال: وإذا قتل المحرم صيدًا، أو دل عليه من قتله، فعليه الجزاء، أما القتل؛ فلقوله تعالى:
﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءِ﴾ الآية، نص على إيجاب الجزاء،
وأما الدلالة ففيها خلاف الشافعي بحثه هو يقول: الجزاء تعلق بالقتل، والدلالة ليست
بقتل، فأشبه دلالة الحلال حلالا. ولنا: ما روينا من حديث أبي قتادة رضينه، * وقال
عطاء: أجمع الناس على أن على الدال الجزاء، ولأن الدلالة من محظورات الإحرام،
ولأنه تفویت الأمن على الصيد؛ إذ هو آمن بتوحشه وتواریه، فصار کالإتلاف،
فإنها مبتدئات: أي فإن الستة التي استثناها رسول الله علي مبتدئات بالأذى، يعني أن يؤذين ابتداء من غير
تعرض أحد إليهن والمؤذي يقتل. يأكل الجيف: يعني دون غراب الزرع والعَقْعَق.
أو دل عليه: بأن قال: إنّ في مكان كذا صيداً، فقتله المدلول عليه. [البناية ٢٨١/٥]، وأما الدلالة فعلى القسمة
العقلية أربعة أقسام: إما أن يكون الدال والمدلول حلالين، أو محرمين، أو الدال حلالاً والمدلول محرماً، أو
بالعكس من ذلك، والأول ليس مما نحن فيه، والثاني على كل واحد منهما فيه جزاء كامل عندنا، وفي الثالث
على المدلول الجزاء دون الدال كذلك، وفي الرابع عكسه، وقال الشافعي بحثه: لا شيء على الدال أصلاً؛ لأن
الجزاء يتعلق بالقتل بالنص. [العناية ٣/٣] دلالة الحلال حلالاً: قوله: حلالاً ليس بقيد، فإن الدال إذا كان
حلالاً لا يضمن في صيد الحرم وإن كان المدلول محرماً، وفي "المحيط" حلال دل محرماً على صيد، والحلال في
الحرم فقتل المحرم الصيد فليس على الدال الجزاء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف محمدًا. [الكفاية ٤/٣]
عطاء: هو ابن أبي رباح تلميذ ابن عباس هما (العناية)، وقال مخرج الأحاديث: هذا غريب. وكأنه ابن
أبي رباح صرح به في "المبسوط" وغيره، وذكر ابن قدامة في "المغني" عن علي وابن عباس، وقال
الطحاوي: وهو مروي عن عدة من الصحابة، ولم يرو عنهم خلافه، فكان إجماعاً. [البناية ٢٨٣/٥]
آمن: من التعرض إليه. (البناية) فصار: أي صار إزالة أمنه كإتلافه. (البناية)
*أخرجه مسلم في صحيحه، وفيه: قال: أشرتم، أو أعنتم أو أصدتم (رقم: ٢٨٥٦ ، باب تحرم الصيد المأكول البري]
٢٩٣
باب الجنایات
ولأن المحرم بإحرامه التزم الامتناع عن التعرض، فيضمن بترك ما التزمه كالمودّع، بخلاف
الحلال؛ لأنه لا التزام من جهته، على أن فيه الجزاء على ما روي عن أبي يوسف وزفر بهما.
والدلالة الموجبة للجزاء أن لا يكون المدلول عالماً بمكان الصيد، وأن يصدقه في الدلالة،
حتى لو كذبه، وصدق غيره، لا ضمان على المكذب، ولو كان الدال حلالا في الحرم
غير الدال
لم يكن عليه شيء؛ لما قلنا، وسواء في ذلك العامد والناسي؛ لأنه ضمان يعتمد وجوبُه
الإِتلافَ، فأشبه غرامات الأموال، والمبتدئ والعائد سواء؛ لأن الموجب لا يختلف.
ولأن المحرم إلخ: دليل آخر يتضمن الجواب عن قول الخصم فأشبه دلالة الحلال، وتقريره أن المحرم
بإحرامه التزام الامتناع عن التعرض؛ لأنه عقد خاص يتضمن ذلك شرعاً، والدلالة مباشرة لخلاف ما
التزم، وذلك يوجب الضمان كدلالة المودع السارق على الوديعة. [العناية ٥/٣] كالمودع: إذا دل سارقاً
على الوديعة. (البناية) الحلال: هذا هو القياس الآخر. (فتح القدير) فيه الجزاء: أى فيما إذا دل الحلال
على صيد الحرم الجزاء. (البناية) روي: ذكره في "مختصر الكرخي". (البناية)
الصيد: فإن كان عالماً، فلا شيء على الدال؛ لأن المدلول ما تمكن بسببه. (النهاية) يصدقه: أي وأن يصدق
المدلول الدال ليكون في معنى الإتلاف. (البناية) على المكذب: بصيغة اسم المفعول، وهو الدال، وفيه إشارة
إلى أن الضمان على ذلك الغير إن كان محرماً. [العناية ٥/٣] لما قلنا: أنه لا التزام من جهته. (العناية)
ذلك: أي في وجوب الضمان. (البناية) والناسي: في الناسي خلاف ابن عباس هما أخذا من ظاهر قوله
تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً﴾ الآية، وبه أخذ داود الأصبهاني، ونحن نقول: هذه كفارة تجب بالفعل،
وهو الإتلاف، فيكون واجباً على المخطئ، وتقييده بالعمد في الأية ليس لأجل الوعيد المذكور في آخر
الآية بقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾. (النهاية) لأنه: أي لأن الجزاء. (البناية)
فأشبه غرامات: من حيث إن الضمان يدور مع الإتلاف غير مقيد بالعمد لا مطلقاً، فإن هذا الضمان
يتأدى بالصوم. [فتح القدير ٦/٣-٧] والمبتدئ: هو الجاني أول مرة، والعائد: هو الجاني ثانياً، إلا أن
يكون المراد به العود بالقتل، مستويان في وجوب الضمان، وقال ابن عباس ثه: لا جزاء على العائد، وبه
قال داود وشريح، ولكن يقال له: اذهب فينتقم الله منك؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ . =
٢٩٤
باب الجنایات
والجزاء عند أبي حنيفة و أبي يوسف دعمًا أن يقوَّم الصيد في المكان الذي قتل فيه، أو في أقرب
المواضع منه إذا كان في برية، فيقوّمه ذوا عدل، ثم هو مخير في الفداء، إن شاء ابتاع بها هديا،
القاتل
وذبحه إِن بلغت هدياً، وإن شاء اشترى بها طعاماً، وتصدق على كل مسكين نصف صاع من
بر أو صاعاً من تمر أو شعير وإن شاء صام على ما نذكر. وقال محمد والشافعي دعمًا:
= قلنا: إن ضمان الجنابه لا يختلف بالابتداء والعود، بل جناية العائد أشد، والمراد من الآية: ومن عاد بعد
العلم بالحرمة ... وذلك لأن الموجب للضمان - وهو الإتلاف - لا يختلف بالابتداء والعود، فيجب الجزاء
في الحالين كالصيد المملوك. [البناية ٢٨٥/٥]
والجزاء: هذا شروع في تفسير الجزاء. أن يقوم الصيد: أي يقوم من حيث نفس الصيد، لا من حيث
الصفة، حتى لو قتل البازي المعلم، فعليه قيمته غير معلم؛ لأن كونه معلّماً عارض لا مدخل له في
الصيدية. (البناية) في المكان إلخ: أي إن كانت للصيد قيمة في ذلك المكان وإلا فيقوم في أقرب الأماكن
الذي له قيمة فيه، وهو معنى قوله: أو في أقرب المواضع منه أي من الموضع الذي قتل فيه إذا كان في بر،
أي إذا كان القتل في برية. (البناية) هدياً: أي قيمته قيمة ما يهدى به. (البناية)
وقال محمد باله إلخ: والاختلاف في هذه المسئلة في فصول: أحدها: هذا، وهو أن الواجب على المحرم
القاتل قيمة الصيد في الموضع الذي قتله فيه عند أبي حنيفة وأبي يوسف بحما، وقال محمد والشافعي بعدها:
يجب النظير فيما له نظير من النعم الذي يشبهه في المنظر لا في القيمة، والثاني: أن الذي إلى الحكمين تقويم الصيد
فإذا ظهرت قيمته فالخيار للمحرم بين التكفير بالهدي والإطعام والصيام في قول أبي حنيفة وأبي يوسف محمدًا،
وعند محمد بدله الخيار إلى الحكمين وإذا عينا نوعاً عليه يلزمه التكفير به بعينه، والثالث: يجوز للمحرم أن
يختار الصوم مع القدرة على الهدي والإطعام عندنا؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ وحرف أو للتخيير
وعلى قول زفر ملك لا يجوز له الصيام مع قدرة التكفير بالمال، وقاس بكفارة اليمين وهدي المتعة والقران،
وقال: حرف أو لا ينفي الترتيب في الواجب كما في قطاع الطريق ﴿أَوْ تُقَطِعِ أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية، ولكن هذا
خلاف الحقيقة، والتمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز، وقياس المنصوص على المنصوص باطل،
والرابع: إذا اختار الطعام فالمعتبر قيمة الصيد يشترى به الطعام عندنا، وعند الشافعي محلّ المعتبر قيمة النظير،
وهو قول محمد باله بناء "على أصلهما أن الواجب هو النظير، والخامس: إذا اختار الصيام صام مكان كل
نصف صاع يوماً عندنا، وعند الشافعي به يصوم مكان كل مد يوماً، وهذا بناءً على الاختلاف في طعام
الكفارة لكل مسكين عندنا يتقدر بنصف صاع وعنده بمد كذا في "المبسوط". [الكفاية ٨/٣-٩]
٢٩٥
باب الجنایات
يجب في الصيد النظير فيما له نظير، ففي الظبي شاة، وفي الضبع شاة، وفي الأرنب
عناق، وفي اليربوع جفرة، وفي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة؛ لقوله تعالى:
﴿ فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمْ﴾، ومثله من النعم ما يُشبه المقتولَ صورةً؛ لأن القيمة
لا تكون نعماً، والصحابة فيها أوجبوا النظير*
نظير: أي يجب في قتل الصيد مثله فيما له مثل من حيث الخلقة لا من من حيث القيمة، وبه قال مالك وأحمد
وأكثر أهل العلم. (البناية) جفرة: بفتح الجيم وسكون الفاء، الأنثى من أولاد المعز، الجفر من المعز ما بلغ أربعة أشهر،
والأنثى حفرة. (النهاية) لقوله تعالى إلخ: تفصيله أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ
قَتَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمْ يَحْكُمُ بِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ
ذَلِكَ صِيَامَاً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ الآية، فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّعَمِ﴾ بيان للجزاء، فدل ذلك على أن جزاء المقتول
لا بد أن يكون من النعم مما يشبه المقتول صورة. والظاهر أن القيمة ليست نعما، فليست مثله صورة، بل معنى، فلذا
قلنا: إن الواجب هو المثل صورة تقريبا، لكن ما أمكن، وأما إذا لم يكن ذلك بأن لا يكون لذلك المقتول نظير،
فالواجب هو القيمة، هذا تقرير كلام الشافعي بعدفه. ويؤيده ما رواه مالك في " الموطأ " عن عمر ضه: " أنه
قضى في الضبع بكبش، والغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بحفرة "، وروى الشافعي بعثته أن عمر
وعثمان وعليا وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية ، قالوا في النعامة يقتلها المحرم: إنه يجب بدنة من الإبل، وفي
هذا الحديث ضعف وانقطاع، ولذا قال بعض الشافعية: إنا لا نقول بوجوب البدنة في قتل النعامة بهذا الأثر،
بل بالقياس. ونحن نقول: إن المراد بالمثل الواقع في الآية، إما أن يكون المثل صورة ومعنى، وإما المثل صورة فقط، كما
فعله الشافعي محلّه، وإما معنى فقط، لا سبيل إلى الأول لخروج ما ليس له مثل صوري من النص، وكذا الثاني
لخروج ما ليس له مثل صورة، فتعين الثالث، وهو المثل معنى، وما هو إلا القيمة، فقوله تعالى: ﴿مِنَ النّعَمِ﴾
ليس بياناً لقوله: ﴿جَزَاء﴾ بل بيان لما قتل أي فجزاء ما قتل حال كون المقتول من النعم فافهم.
* أخرج مالك فى "الموطأ" عن أبي الزبير المكي أن عمر بن الخطاب له قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال
بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بحفرة. [ص ٤٤٤، باب فدية ما أصيب من الطير والوحش]
وأخرج البيهقي في "السنن الكبرى" عن عطاء الخراساني أن عمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وزيد بن
ثابت وابن عباس ومعاوية له قالوا في النعامة: يقتلها المحرم بدنة من الإبل . =
٢٩٦
باب الجنايات
من حيث الخلقة والمنظر في التعامة والظي وحمار الوحش والأرنب على ما بينًا، وقال عاليتها:
"الضبع صيد وفيه الشاة" .* وما ليس له نظير عند محمد بدالله تجب فيه القيمة، مثل
العصفور والحمام وأشباههما، وإذا وجبت القيمة كان قوله كقولهما. والشافعي مدلته
يوجب في الحمامة شاة، ويثبت المشابهة بينهما من حيث أن كل واحد منهما يعب
ويهدر. ولأبي حنيفة وأبي يوسف دعم﴾[ أن المثل المطلق هو المثل صورةً ومعنىّ،
ما بينا: أراد به ما ذكره من قوله: ففي الظي شاة إلى آخره. (البناية) نظير: أي من حيث الخلقة.
وأشباههما: مثل الحمام والقمري والفاختة. كقولهما: في تقويم الصيد والعشراء بقيمته الهدي.
يعب: من العب، وهو شرب الماء بلا مص، وهو جرعه جرعاً شديداً، كما تجرع الدواب ... وقال أبو عمربه.
والحمام يشرب هكذا، بخلاف سائر الطيور، فإنها تشرب شيئا فشيئًا. (البناية) ويهدر: يقال: هدر البعير والحمام
إذا صوت من باب ضرب. (العناية) المطلق: أراد أن الله عزوجل أطلق المثل في قوله ﴿فَحَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ
النَّعَمْ﴾، والمطلق ينصرف إلى الكامل، وهو المثل من حيث الصورة ومن حيث المعنى. [البناية ٢٨٩/٥]
هو المثل صورة ومعنى: وهو المشارك في النوع وهو غير مراد هنا بالإجماع فبقي أن يراد المثل معنىٍّ، وهذا؛ لأن
المعهود في الشرع في إطلاق لفظ المثل أن يراد المشارك في النوع أو القيمة قال تعالى في ضمان العدوان: ﴿فَمَنِ
اعْتَدِى عَلَيَّكُمْ فَاعْتَدَوْا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، والمراد الأعم منهما أعني المماثل في النوع إذا كان المتلف مثليا،
والقيمة إذا كان قيمياً، بناء على أنه مشترك معنوي، والحيوانات من القيميات شرعاً إهداراً للمماثلة الكائنة في تمام
الصورة فيها تغليباً للاختلاف الباطني بين أبناء نوع واحد فما ظنك إذا انتفى المشاركة في النوع أيضاً فلم يبق إلا
مشاكلة في بعض الصورة كطول العنق والرجلين في النعامة مع البدنة ونحو ذلك في غيره فإذا حكم الشرع بانتفاء
اعبتار المماثلة مع المشاكلة في تمام الصورة ولم يضمن المتلف بما شاركه في تمام نوعه بل بالمثل المعنوي فعند عدمها،
وكون المشاكلة في بعض الهيئة انتفاء الاعتبار أظهر إلا أن لا يمكن، وذلك بأن لا يكون للفظ محمل يمكن سواه، =
= وقال الشافعي له: هذا غير ثابت عند أهل العلم بالحديث، وهو قول الأكثر ممن لقيت فبقولهم أن فى
النعامة بدنة، وبالقياس قلنا في النعامة: بدنة لا بهذه. [٥ / ١٨٢، باب فدية النعام وبقر الوحش وحمار الوحش]
* أخرجه الترمذى فى جامعه عن ابن أبي عمار قال: قلت لجابر بن عبد الله: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم،
قال: قلت: آكلها؟ قال: نعم، قال: قلت: أقاله رسول الله ﴿ّ قال: نعم. وقال: هذا حديث حسن
صحيح. [رقم: ٨٥١، باب ما جاء فى الضبع يصيبها المحرم]
٢٩٧
باب الجنایات
ولا يمكن الحمل عليه، فحمل على المثل معنىًّ؛ لكونه معهودًا في الشرع كما في
حقوق العباد، أو لكونه مراداً بالإجماع، أو لما فيه من التعميم، وفي ضده التخصيص.
والمراد بالنص - والله أعلم - فجزاء قيمة ما قتل من النعم الوحش، واسم النعم يطلق
على الوحشي والأهلي، كذا قاله أبو عبيدة والأصمعي بحثًا، والمراد بما رُوي التقدير
به دون إيجاب المعين، ثم الخيار إلى القاتل في أن يجعله هدياً، أو طعاماً،
= فالواجب إذا عهد المراد بلفظ في الشرع وتردد فيه في موضع يصح حمله على ذلك المعهود، وغيره أن يحمل
على المعهود وما نحن فيه كذلك فوجب المصير إليه، وأن يحمل حكم الصحابة بالنظير على أنه كان باعتبار
تقدير المالية أي بيان أن مالية المقتول كمالية الشاة الوسط لا على معنى أنه لا يجزي غيره.(فتح القدير)
معهوداً: كما إذا أتلف إنسان ثوب غيره مثلاً تجب عليه قيمته.(البناية) مرادًا بالإجماع: أى لأن القيمة أريدت
بهذا النص في الذى لا مثل له بالإجماع، فلا يبقى غيره مرادا؛ لأن المثل مشتركة والاسم المشترك، لا عموم
له. (النهاية) من التعميم إلخ: بيانه أن قوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ عام، ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾ ينصرف إلى المذكور،
وكان بياناً لحكمه على سبيل العموم هو المثل من حيث القيمة، فإن من الحيوانات ما لا مثل له كالعصفور، وما
أشبه ذلك، وضمانه يجب بنص الكتاب، فيجب حمل المثل على ما يمكن إثبات التعميم فيه. (النهاية)
من التعميم إلخ: بيانه أن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ عام، ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾ ينصرف إلى المذكور، وكان
بياناً لحكمه على سبيل العموم هو المثل من حيث القيمة، فإن من الحيوانات ما لا مثل له كالعصفور، وما
أشبه ذلك، وضمانه يجب بنص الكتاب، فيجب حمل المثل على ما يمكن إثبات التعميم فيه. (النهاية)
والمراد بالنص إلخ: هذا جواب عن قوله؛ لأن القيمة لا تكون نعما. (البناية)، أي فعليه الجزاء، وذلك قيمة
المقتول إذا كان ذلك المقتول من النعم الوحش، وإن كان اسم النعم يطلق على الوحشي والأهلي، لكن المراد
منه هنا الوحشي دون الأهلي؛ لأن الجزاء بالقتل إنما يجب على المحرم بقتل الصيد. [الكفاية ١٠/٣]
واسم النعم إلخ: ولما اعترض المعترض بقوله: كيف يقول من النعم الوحشي، والنعم يراد به الأهلي،
ولا يجب بقتل الأهلي شيء، فأجاب دفعاً لسؤاله بقوله: واسم النعم إلخ. [البناية٢٩٠/٥]
والمراد بما روي إلخ: جواب عن قوله قال عليها:"الضبع صيد وفيه شاة"، وعن أثر الصحابة يعني أن إيجاب
النبي عليّ والصحابة ◌ّه هذه النظائر لم يكن باعتبار أعيانها؛ إذ لا مماثلة بين الضبع والشاة خلقة، وإنما كان
باعتبار التقدير بالقيمة. [العناية ١٠/٣] القاتل: كما في كفارة اليمين حيث يكون الخيار إلى الحالف. (البناية)
٢٩٨
باب الجنایات
أو صوماً عند أبي حنيفة وأبي يوسف بحمًا. وقال محمد والشافعي بهما: الخيار إلى
الحكمين فى ذلك، فإن حكما بالهدى يجب النظير على ما ذكرنا، وإن حكما بالطعام،
من النظائر
أو بالصيام، فعلى ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف بهما، لهما: أن التخيير شرع رفقاً بمن
عليه، فيكون الخيار إليه، كما في كفارة اليمين. وتمحمد والشافعي حمًا قوله تعالى:
ءُ
، الآية، ذكر الهدي منصوبا؛ لأنه تفسير لقوله:
ا عَدِّلٍ مِنْكُمْ هَدياً
دو
حکمُ بِهِ
﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾، أو مفعول لحكم الحكم، ثم ذكر الطعام والصيام بكلمة أو، فيكون
الخيار إليهما. قلنا: الكفارة عطفت على الجزاء لا على الهدي بدليل أنه مرفوع،
الحكمين: هما العدلان المقومان. فعلى ما قال إلخ: يعني من اعتبار القيمة من حيث المعنى. (البناية)
ولمحمد والشافعي بما إلخ: ذكر المصنف بالله الشافعي مع محمد في كون الخيار إلى الحكمين، والمذكور
في كتب أصحابه أن الخيار إلى القاتل كما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف بحما، ولم يذكر في "المبسوط"
و"الأسرار" و"شرح التأويلات" قول الشافعي بحظه، بل اقتصر فيها على قول محمد بحالته. (البناية)
تفسير: سماه تفسيراً؛ لأنه أزال الإبهام، لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾، لأن الهاء في ﴿بِهِ﴾ مجمل لا يدرى ماهو؟
ففسره بقوله: ﴿هَدْياً﴾، فكان نصباً على التفسير فيصير كأنه قال: يحكم به ذوا عدل منكم بالهدي فثبت
أن المثل إنما يصير هدياً باختياره وحكمه كذا في "الجامع الصغير البرهاني". الحكم: أي يحكم به حكم
هدي. (الكفاية) بكلمة أو: التي للتنويع والتخيير عطفاً على ﴿هَدْياً﴾. (البناية)
قلنا: جواب عن استدلال محمد والشافعي بحمثًا. (البناية) الكفارة إلخ: أراد أن ما قالا إنما يصح إذا
كانت ﴿كَفّارَةٌ﴾ معطوفة على ﴿هَدْياً﴾، وليست معطوفة على الجزاء لاختلاف إعرابهما؛ لأن قوله:
كفارة معطوفة على الجزاء بدليل أنه أي أن الجزاء مرفوع به، قال الأتراري بدله: قوله: بدليل أنه مرفوع،
أي بدليل أن الكفارة مرفوع، وإنما ذكر ضمير الكفارة على تأويل المعطوف، انتهى. وفيه تأمل لا يخفى.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَعَدْلُ ذَلِكَ صِيَامً﴾ مرفوع، والعدل ما يعادل الشيء من غير جنسه كالصوم
والطعام، وذلك إشارة إلى الطعام، وصياما تمييز للعدل، كقولك: لي مثله رجلاً، فإذا كان الإعراب كذلك
فلم يكن فيها أي في الآية دلالة اختيار الحكمين في الطعام والصيام، وإذا لم يثبت الخيار فيها للحَكمين لم يثبت
في الهدي؛ لعدم القائل بالفضل. [البناية ٢٩٢/٥]
٢٩٩
باب الجنایات
وكذا قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامً﴾ مرفوع، فلم يكن فيهما دلالةٌ اختيار
الحكمين، وإنما يرجع إليهما في تقويم المتلف، ثم الاختيار بعد ذلك إلى من عليه.
ويقومّان في المكان الذي أصابه؛ لاختلاف القيّم باختلاف الأماكن، فإن كان الموضع
قيم الأشياء
برا لا يباع فيه الصيد، يعتبر أقرب المواضع إليه، مما يباع فيه ويشتري. قالوا: والواحد
يكفي، والمثنى أولى؛ لأنه أحوط وأبعد عن الغلط، كما في حقوق العباد، وقيل: يعتبر
المثنى ههنا بالنص، والهدي لا يذبح إلا بمكة؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾
ويجوز الإطعام في غيرها، خلافاً للشافعي، هو يعتبره بالهدي، والجامع التوسعة على
سكانٍ الحرم. ونحن نقول: الهدي قربة غير معقولة، فيختص مكان أو زمان، أما الصدقة
جمع ساکن
صحراء
قربة معقولة في كل زمان ومكان. والصوم يجوز في غير مکة؛ لأنه قربة في كل مكان،
في المكان الذي أصابه: وقال الشعبي : يقوّم بمكة أو بمنى، ومذهب الثلاثة أنه يقوم في موضع الإتلاف؛
لأن الضمان يجب به كما في سائر الأموال، وفي "المبسوط" لشيخ الإسلام وكذلك يعتبر الزمان الذي أصابه
فيه؛ لأن القيمة تختلف باختلاف الزمان أيضاً. (البناية) إليه: أي إلى الموضع الذي قتل الصيد فيه. (البناية)
قالوا: أي المشايخ. (البناية) والواحد يكفي: أي الحكم الواحد يكفي للتقويم؛ لأن قوله ملزم، ولأنه من
باب الخبر لا الشهادة، فيقبل قول الواحد العدل. (البناية) يعتبر المثنى: أي في حكم المقوّم، والذين
لم يوجبوه حملوا العدد في الآية على الأولوية؛ لأن المقصود به زيادة الإحكام والإتقان، والظاهر الوجوب،
وقصد الإِحكام والإتقان لا ينافيه بل قد يكون داعيته. [فتح القدير ١٢/٣-١٣] بالنص: وهو قوله تعالى:
﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾. (العناية) بمكة: أراد بمكة الحرم؛ لأنه تابع مكة. (البناية)
الكعبة: والمراد من الكعبة الحرم؛ لأن عين الكعبة غير مراد بالإجماع. (البناية) خلافاً للشافعي شه: فإن
عنده لا يجوز الإطعام على غير فقراء مكة، وبه قال أبو ثور، وهو قول عطاء، وهو يعتبره بالهدي؛ أي
الشافعي يعتبر الإطعام بالهدي قياساً عليه، والجامع أي بين الإطعام والهدي التوسعة على فقراء مكة. (البناية)
زمان ومكان: فلا يختص بواحدة منهما. (البناية) مكان: فيجوز في مكة وغيرها. (البناية)