Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨٠
باب الإحرام
والاضطباع: أن يَجْعَل رداءه تحت إِبْطِه الأيمن، ويُلْقِيه على كتفه الأيسر، وهو سُنَّة، وقد
نقل ذلك عن رسول الله عليها .* قال: ويَجْعل طوافه من وراء الحطيم، وهو اسم لموضع
فيه الميزاب، سُمِّي به؛ لأنه حُطِمٍ من البيت أي كُسِرِ، وسمي حجراً؛ لأنه حُجرَ منه: أي
- البيت
ميزاب الرحمة
مُنع، وهو من البيت؛ لقوله عليه في حديث عائشة لها: "فإن الحطيم من البيت"، ***
فلهذا يَجْعَل الطواف من ورائه حتى لو دخل الفرجة التي بينه وبين البيت: لا يجوز،
الحطيم: وهو على وزن فعيل بمعنى مفعول أي محطوم. (البناية) وهو من البيت: والحجر محوط مدور على
صورة نصف دائرة خارج عن جدار البيت من جهة الشام وليس كله من البيت بل مقدار ستة أذرع منه من
البيت، بحديث عائشة جها في صحيح مسلم عن رسول الله 35 ستة أذرع من الحجر من البيت وما زاد
ليس من البيت. [البناية ٧٤/٤] فلهذا: أي فلكون الحطيم من البيت. (البناية) لا يجوز: أي لا يحل له ذلك،
فتجب إعادة كله ليؤديه على وجهه المشروع، فإن لم يفعل، بل أعاد على الحجر فقط، ودخل الفرجتين
جاز، وإن لم يفعل حتى رجع إلى أهله، فسيأتي في باب الجنايات إن شاء الله تعالى. [فتح القدير ٣٥٧/٢]
* أخرجه أبوداود في سننه عن ابن عباس أن رسول الله ﴾ وأصحابه اعتمروا من الجعِّرانة فرملوا بالبيت،
وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم اليسرى. [رقم: ١٨٨٤، باب الاضطباع في
الطواف] وسكت عنه هو والمنذري، والحافظ في "التلخيص" ورجاله رجال الصحيح، وقد صحح حديث
الاضطباع النووي في "شرح مسلم". [إعلاء السنن ٧١/١٠]
** أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة أنها قالت: سألت النبي ◌ُّ عن الجدر، أ من البيت هو؟ قال:
نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: ألم ترى قومك قصرت بهم النفقة قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟
قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤًا ويمتنعوا من شاؤا ولولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية فأخاف أن
تنكر قلوبهم، أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض. [رقم: ١٥٨٤، باب فضل مكة وبنيتها]
وأخرج أبوداود في سننه عن عائشة ها أنها قالت: كنت أحب أن أدخل البيت وأصلي فيه فأخذ رسول الله (ص من
بيدي فأدخلني في الحجر فقال 3.5 في الحجر: إذا أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت، فإن قومك
اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت. [رقم: ٢٠٢٨، باب الصلاة في الحجر]

١٨١
باب الإحرام
إلا أنه إذا استقبل الحطيم وحده: لا تجزئه الصلاة؛ لأن فرضية التوجُّه ثبتت بنص
الكتاب، فلا تتأدى بما ثبت بخبر الواحد؛ احتياطاً، والاحتياط في الطواف أن يكون
وراءه. قال: ويرمل في الثلاثة الأول من الأشواط، والرَّمل: أن يَهُزَّ في مشيته الكتفين
كالمبارز يَتْبَخْتَر بين الصفّين، وذلك مع الاضطباع، وكان سببه إظهار الجلد
للمشر کین حین قالوا: اضناهم حمی یقْرِب،
إلا أنه إذا استقبل إلخ: هذا استثناء من قوله: وهو من البيت جواب سؤال مقدر بأن يقال: لو كان
الحطيم من البيت لجازت الصلاة إذا توجه المصلي إليه أجاب بأن الصلاة لا تجزئه إذا توجه إليه دون
البيت. لأن فريضة التوجه إلى البيت ثبتت بنص الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿فَوَلِّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فما
ثبت بالنص القطعي فلا يتأدى بما ثبت بخبر الواحد احتياطاً؛ لأن فيه شبهة. [البناية ٧٥/٤]
فلا تتأدى: تقدم مثله في عدم جواز التيمم على أرض تنجست ثم جفت، وتقدم البحث فيه بأن قطعية
التكليف بفعل يتعلق بشيء لا يتوقف الخروج عن عهدية على القطع بذلك الشيء بل ظنه كاف للقطع
بالتكليف باستعمال الطاهر من الماء ثم يخرج عن عهدته القطع باستعمال ما يظن طهارته منه، ويجاب بأن
الأصل عدم الانتقال عن الشغل المقطوع به إلا بالقطع به غير أن ما لم يوجد فيه طريق للقطع يكتفي فيه
بالظن ضرورة كحال الماء، فإنه لا يتيقن بطهارته إلا حال نزوله من السماء، وكونه في البحر وماله حكمه
وليس بتمكن كل أحد من تحصيل ذلك في كل تطهير بخلاف التوجه والتيمم. [فتح القدير ٣٥٧/٢]
وراءه: أي وراء الحطيم ليستغرق أطراف البيت. (البناية) الاضطباع: في هذه الحالة. (البناية)
أضناهم: أي أثقلهم وأوهنهم. (البناية) حمى يثرب: هو بفتح الياء وسكون الثاء المثلثة وبالباء الموحدة اسم
قديم للمدينة المنورة، و کانت ذا حمی كثيرة في الأوائل، ثم رفعت بدعاء النبي څچ®، كذا ذكره السمهودي في
"وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى"، فلما جاء رسول الله 3ّ مع المسلمين بمكة للعمرة، وذلك في عمرة القضاء
بعد صلح الحديبية بسنة، قال المشركون: إنهم قوم لا يقدرون على شيء؛ لأن حمى يثرب أضعفتهم، فأمر
رسول الله المسلمين بالرمل في الأشواط الثلاثة. وورد في "الصحیحین" أنه کان من الحجر إلى الركن اليماني،
ومنه إلى الحجر الأسود مشى، وبه أخذ البعض، والمنقول عن أصحابنا أن الرمل من الحجر إلى الحجر، =

١٨٢
باب الإحرام
ثم بقي الحكم بعد زوال السبب في زمن النبي عليه وبعده .* قال: ويمشي في الباقي
على هِينته على ذلك اتفق رواة نُسك رسول الله عليها) ** والرمل من الحجر إلى الحجر
*
وهو المنقول من رمل النبي عليها،
= وقد ورد ذلك صريحاً في رواية أبي داود و النسائي وابن ماجه ومسلم، وهذه الرواية مقدمة على الرواية
السابقة؛ لكونها مثبتة، والأولى نافية، والإثبات مقدم على النفي. واختلفوا في بقاء الرمل بعد زوال السبب،
وظهور شوكة الإسلام، فالمروي عن ابن عباس أنه ليس بسنة، وزعم أنه كان بسبب طعن الكفار، فزال
بزوال السبب، لكن الصحيح أنه بقي بعد زوال السبب في زمان رسول الله (73® وبعده، وهو مذهبنا فقد
روى أبوداود في حديث جابر الطويل: "أنه #* رمل في حجة الوداع". وأخرج أبوداود وابن ماجه عن
زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: فيم الرمل، وكشف المناكب؟ وقد أعز الله الإِسلام، ونفى
الكفر، ومع ذلك فلا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله، وهكذا أخرج البخارى عنه هذا.
هينته: أى على السكينة والوقار تعظيماً وتواضعاً لله تعالى. (البناية) رواة: منهم عمر وجابر ◌ّما. (البناية)
* قوله: وكان سببه إظهار إلخ أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس ما قال: قدم رسول الله صلّ
وأصحابه مكة، وقد وهنهم حمى يثرب، قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قوم قد وهنتهم الحمى،
ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي 375ّ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين
الركنين، ليُرِيَ المشركين جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء
أجلد من كذا وكذا، قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
[رقم: ٣٠٥٩، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف دون الركنين الآخرين]
** أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عمر هما قال: كان رسول الله ◌ّ إذا طاف الطواف الأول
خبّ ثلاثاً ومشى أربعاً، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة ... الحديث. [رقم: ١٦٤٤،
باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة] وكذلك أخرجه مسلم عن ابن عمر، وفي آخره: وكان ابن عمر
يفعل ذلك. [رقم: ٣٠٤٨، باب استحباب الرمل في الطواف في العمرة]
***
روي من حديث ابن عمر، ومن حديث جابر، ومن حديث أبي الطفيل. [نصب الراية ٤٦/٣] أخرج
مسلم في صحيحه حديث ابن عمر ◌ُما عن نافع عن ابن عمر طّها قال: رمل رسول الله ◌ُ ◌ّ من
الحجر إلى الحجر ثلاثاً ومشى أربعاً. [رقم: ٣٠٥١، باب استحباب الرمل في الطواف في العمرة]

١٨٣
باب الإحرام
فإن زحمه الناس في الرمل: قام، فإذا وجد مَسْلَكاً: رَمَلَ؛ لأنه لا بدل له، فيقف حتى
يقيمه على وجه السُّنة، بخلاف الاستلام؛ لأن الاستقبال بدل له. قال: ويَسْتَلم الحجر
كلما مرَّ به إن استطاع؛ لأن أشواط الطواف كركعات الصلاة، فكما يَفْتح كلّ ركعة
بالتكبير يفتح كل شوط باستلام الحجر، وإن لم يستطع الاستلام استقبل وكَبَّر وهلَّل
على ما ذكرنا، ويستلم الركن اليماني وهو حسن في ظاهر الرواية، وعن محمد بحثه
أنه سنة. ولا يستلم غیرهما، فإن النبي #X کان یستلم هذین الر کنین،
قام: يعني وقف إلى أن يجد فرصة للرمل، وإنما قال: قام، ولم يقل: وقف، يشير إلى أنه لا يقعد، بل يقف
قائماً. [البناية ٧٦/٤] بدل له: أي للاستلام، وإذا تعذر الاستلام يكتفي بالاستقبال. (البناية)
لأن أشواط الطواف إلخ: ذكر في وجهه المعنى دون المنقول وهو إلحاق الاشواط بالركعات فما يفتتح به
العبادة وهو الاستسلام يفتتح به كل شوط كالتكبير في الصلاة، وهو قياس شبه لاثبات استحباب شيء، وفتح
بابه قوله عليّلا الطواف بالبيت صلاة لكن فيه المنقول وهو ما في مسند أحمد والبخاري وغيره أن النبي ◌ُّ طاف
على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر، وإن لم يستطع الاستلام أي كلما مر استقبل
وكَبَّر وهلَّل ولم يذكر المصنف ولا کثیر رفع اليدين في كل تكبير يستقبل به في كل مبدأ شوط فإن لاحظنا
ما رواه من قوله عليها: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن" ينبغي أن ترفع للعموم في استلام الحجر، وإن
لا حظنا عدم صحة هذا اللفظ فيه وعدم تحسينه بل القياس المتقدم لم يفد ذلك؛ إذ لا رفع مع ما به الافتتاح
فيها إلا في الأول، واعتقادي أن هذا هو الصواب ولم أر عنه عليها خلافه. [فتح القدير ٣٥٨/٢-٣٥٩]
ما ذكرنا: عند قوله: واستلمه إن استطاع من غير أن يؤذي مسلماً. (البناية)
الركن اليماني: واليمن خلاف الشام؛ لأنها بلاد على يمين الكعبة، والنسبة إليها يمني بتشديد الياء أو يمان
بالتخفيف على تعويض الألف من إحدى ياءي النسبة. [العناية ٣٥٨/٢] وهو حسن: قال أبو بكر الرازي
في "شرحه لمختصر الطحاوي": أما الركن اليماني فإن استلمه فحسن، وإن تر که يضره في قول أبي حنيفة
وأبي يوسف محمدًا. [البناية ٧٨/٤] غيرهما: أي غير الركن الذي فيه الحجر الأسود والركن اليماني. (البناية)

١٨٤
باب الإحرام
ولا يستلم غيرهما،* ويختم الطواف بالاستلام يعني: استلام الحجر. ثم يأتي المقام، فيصلِّي
عنده ركعتين، أو حيث تَيَسُّر من المسجد، وهي واجية عندنا، وقال الشافعي بدله:
سنة؛ لانعدام دليل الوجوب، ولنا: قوله عليها: "ولُيُصَلّ الطائف لكل أسبوع ركعتين"، **
والأمر للوجوب. ثم يعود إلى الحجر فيستلمه ؛ لما روي: أن النبي عليهلا لما صلى ركعتين
عاد إلى الحجر، *** والأصل أن كل طواف بعده سعي يعود إلى الحجر؛ لأن الطواف لما
كان يُفتتح بالاستلام، فكذا السعي يفتتح به، بخلاف ما إذا لم يكن بعده سعي.
ثم يأتي المقام: بالفتح موضع القيام، ومنه مقام إبراهيم، وهو الحجر الذي فيه أثر قدميه.(الكفاية)
والأمر للوجوب: لأن الأمر المطلق المجرد عن القرائن يدل على الوجوب. (البناية)
* أخرجه الجماعة إلا الترمذي. [نصب الراية ٤٦/٣] أخرج البخاري في صحيحه عن سالم بن عبد الله عن أبيه هما
قال: لم أر النبي ◌ُّ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. [رقم: ١٦٠٩، باب من لم يستلم إلا الركتين اليمانيين]
** هذا الحديث غريب، واستدل بعضهم لهذا ما رواه البخاري ومسلم. [البناية: ٧٩/٤] أخرجه مسلم في
صحيحه عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله #® كان إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم، فإنه يسعى
ثلاثة أطواف بالبيت، ثم يمشي أربعة، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة. [رقم: ٣٠٤٩، باب
استحباب الرمل في الطواف] وأخرج البخاري تعليقاً، وقال نافع: كان ابن عمر ثّما يصلي لكل سبوع
ركعتين. وقال إسماعيل بن أمية: قلت للزهري: إن عطاء يقول: تجزئه المكتوبة من ركعتي الطواف، فقال:
السنة أفضل، لم يَطُفِ النبيِ بُّ سبوعاً قط إلا صلى ركعتين. [باب صلى النبي (ُ ◌ّ لسبوعه ركعتين]
*** أخرجه مالك في "الموطأ" عن مالك أنه بلغه أن رسول الله څڑ کان إذا قضى طوافه بالبيت ور کع ركعتين
وأراد أن يخرج إلى الصفا والمروة استلم الركن الأسود قبل أن يخرج. [ص ٣٨٤، باب الاستلام فى الطواف]
وأخرج مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : دخلنا على جابر بن عبد الله ... فقلت:
أخبرني عن حجة رسول الله وَ ◌ّ فقال بيده، فعقد تسعاً فقال: إن رسول الله مكث تسع سنين ولم يحج،
- إلى أن قال -: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ثم تقدم إلى مقام إبراهيم ...
ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، الحديث. [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة النبي { 3]

١٨٥
باب الإجرام
قال: وهذا الطواف طواف القدوم، ويسمى طواف التَّحيَّة، وهو سنة، وليس بواجب.
وقال مالك: إنه واجب؛ لقوله عليها: "من أتى البيت فليُحيِّه بالطواف" . * ولنا: أن
الله تعالى أَمَرَ بالطواف، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وقد تَعيَّن طواف الزيارة
بالإجماع، وفيما رواه سمّاه تحية، وهو دليل الاستحباب، وليس على أهل مكة طواف
القدوم؛ لانعدام القدوم في حقهم. قال: ثم يخرج إلى الصفا، فيصعد عليه، ويستقبل
البيت، ويُكبر ويُهلِّل، ويصلي على النبي ◌ُّ ويرفع يديه، ويدعو الله لحاجته؛ لما روي
أن النبي عليه صعد الصَّفا حتى إذا نظر إلى البيت، قام مستقبل القبلة يدعو الله، **
سنة: أي للآفاقي لا غير. (فتح القدير) بالطواف: في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطْوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. (البناية)
رواه: أي الحديث الذي رواه مالك. (البناية) سماه تحية: لأن التحية في اللغة اسم لإكرام مبتدأ به على سبيل
التبرع، فلا يدل على الوجوب، وإن كان على صيغة الأمر، كما في قوله عليها: "أكرموا الشهود". [البناية ٨٢/٤]
القدوم: لأنهم حاضرون. (البناية) ثم يخرج: وذكر في "التحفة": والمفرد بالحج إذا طاف طواف اللقاء تحية
للبيت فالأفضل له أن لا يسعى بين الصفا والمروة؛ لأن طواف اللقاء سنة والسعي واجب، فما ينبغي أن يجعل
الواجب تبعاً للسنة، ولكن يؤخر إلى طواف الزيارة؛ لأنه ركن والواجب يجوز أن يجعل تبعاً للفرض ومتى أخر
السعي عن طواف اللقاء، فإنه لا يرمل فيه، وإنما الرمل سنة في طواف يعقبه السعي عرفناه بالنص بخلاف
القياس فيقتصر على مورد النص، ولكن العلماء رخصوا في السعي عقيب طواف اللقاء؛ لأن يوم النحر وهو
وقت طواف الزيارة يوم شغل من الذبح ورمي الجمار ونحو ذلك فكان فيه تخفيف بالناس. [الكفاية ٣٦١/٢]
عليه: بقدر ما يرى البيت، والصعود على الصفا مستحب، وقيل: سنة، وهو المشهور عن الشافعي، وعنه أنه
ركن، وذكره الطبري في "مناسكه"، وعن أحمد إن لم يصعد عليه فلا شيء عليه، وعن مالك. [البناية ٨٢/٤]
* هذا الحديث غريب. [البناية ٨١/٤] قال الحافظ: لم أجده. [الدراية ١٧/٢]
** أخرجه مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت:
أخبرني عن حجة رسول الله ﴿ فقال بيده، فعقد تسعاً، فقال: إن رسول الله ( مكث تسع سنين
لم يحج - إلى أن قال -: فبدأ بالصفا، فرقى عليه، حتى إذا رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحّد الله وكبّره، =

١٨٦
باب الإحرام
ولأن الثناء والصلاة يُقدِّمان على الدعاء تقريباً إلى الإجابة، كما في غيره من
على النبي #
الدعوات، والرفع سنة الدعاء،* وإنما يَصعد بقدر ما يصير البيت بِمَرْأى منه؛ لأن
الاستقبال هو المقصود بالصعود، ويخرج إلى الصفا من أي جَنْب شاء، وإنما خرج
صل اته
من باب بني مخزوم، ** وهو الذي يُسمَّى باب الصفا؛ لأنه كان أقرب
النبي ◌ِ﴾
الأبواب إلى الصفا، لا أنه سنة. قال: ثم ينحط نحو المرْوَة،
كما في غيره: أي كما يقدم الدعاء والصلاة في غير هذين الوقتين، ألا ترى أن الدعاء في الصلاة يكون بعد
قراءة التشهد والصلاة على النبي 3﴿. [البناية ٨٣/٤] والرفع سنة الدعاء: قال النووي: وقد ثبت "أنه عليها
رفع يديه في الدعاء". (البناية) منه: أي بمنظر من الحاج الصاعد. (البناية) سنة: كما زعم الشافعي س﴾.
= وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده،
أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، الحديث. [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة النبي (ٌ ]
* فيه أحاديث. [نصب الراية ٥١/٣] منها: ما أخرجه أبو داود في سننه عن ابن عباس قال: المسألة: أن ترفع يديك
حذو منكبيك أو نحوها. والإِبتهال: أن تمد يديك جميعاً. [رقم: ١٤٨٩، باب الدعاء] وفي رواية: والإِبتهال هكذا
ورفع يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه. [رقم: ١٤٩٠، باب الدعاء] ومنها: ما أخرجه أبوداود في سننه عن
السائب بن يزيد عن أبيه أن النبي ◌ُّ كان إذا دعا فرفع يديه، ومسح وجهه بيديه. [رقم: ١٤٩٢، باب الدعاء]
وهو معلول بابن لهيعة. [نصب الراية ٥١/٣] قلت: هو حسن الحديث. [إعلاء السنن:٢١٠/٣]
** روي من حديث ابن عمر، ومن حديث جابر . [نصب الراية ٥٢/٣] أخرج الطبراني حديث
ابن عمر في "المعجم الكبير" عن نافع عن ابن عمر هما أن رسول الله ◌ّ خرج من المسجد إلى الصفا من
باب بني مخزوم. [رقم: ١٣٣٨١، ٣٧٢/١٢] وإسناده ضعيف جداً، وهو صحيح عن ابن عمر ◌ُما من
وجه آخر عند النسائي وأحمد. [الدراية ١٧/٢] أخرج النسائي في "سنته" عن عمرو بن دينار قال: سمعت
ابن عمر هما يقول: لما قدم رسول الله ◌ُ ◌ّ مكة طاف بالبيت سبعاً، ثم صلى خلف المقام ركعتين، ثم
خرج إلى الصفا من الباب الذي يخرج منه فطاف بالصفا والمروة، قال شعبة: وأخبرني أيوب عن عمرو
بن دينار عن ابن عمر ◌ُما أنه قال: سنة. [رقم: ٢٩٦٩، باب ذكر خروج النبي ◌ُّ إلى الصفا]

١٨٧
باب الإحرام
ويمشي على هِيْنَتِهِ، فإذا بلغ بطن الوادي: يسعى بين الميلين الأخضرين سَعْياً، ثم يمشي
على هينته، حتى يأتي المروة فيصعد عليها، ويفعل كما فعل على الصفا؛ لما روي أن
البي عليَّ نزل من الصفا وجعل يمشي نحو المروة، وسعى في بطن الوادي، حتى إذا
خرج من بطن الوادي، مشى حتى صعد المروة، وطاف بينهما سبعة أشواط . *
هينته: أي على السكينة والوقار. (العناية) بطن الوادي: قيل: لم يبق اليوم بطن الوادي؛ لأن السؤال سنة
ولم يبق له أثر إلا أنه جعل له ميلان أخضر وأصفر ليعلم أنه بطن الوادي فيسعى الحاج بين الميلين، كذا في
"المبسوط"، يسعى بين الميلين الأخضرين سعياً إنما ذكر الأخضرين بطريق التغليب؛ لأن أحدهما أخضر
والآخر أصفر كما ذكرنا. وقال المطرزي بلته: الميلان علامتان لموضع الهرولة من بطن الوادي، وقال
العلامة حافظ الدين بحث: هما علامتان قد ركزا في حائط المسجد الحرام. وفي "شرح الوجيز": ثم ينزل
من الصفا ويمشي على هينته حتى يبقى بينه وبين الميل الأخضر الملصق بنيان المسجد وركنه قدر ستة أذرع
ويمشي ويسرع ويسعى سعياً شديداً، وكان ذلك الميل موضوعاً على متن الطريق في الموضع الذي يبتدأ منه
السعي أعلاماً فكان السيل يهدمه، فرفعوه إلى أعلا ركن المسجد، ولهذا معلقاً، فرفع متأخراً عن مبدأ
السعي ستة أذرع؛ لأنه لم يكن موضع أليق منه، وهذا على يسار الساعي، والميل الثاني متصل بدار
العباس ظلُه، قال الروباني وغيره هذه الأسامي. [البناية ٨٥/٤]
* أخرجه مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله. فقلت: أخبرني
عن حجة رسول الله ﴿ فقال بيده، فعقد تسعاً، فقال: إن رسول الله ﴿ مكث تسع سنين لم يحج، - إلى
أن قال -: ثم نزل إلى المروة حتى إذا أنصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى
المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طواف على المروة فقال: لو أني استقبلت
من أمري ما استدبرت لم أسُق الهدي وجعلتها عمرة ... الحديث. [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة النبي
وأخرج البخاري في صحيحه عن عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر هما عن رجل طاف بالبيت في
عمرة ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته؟ قال: قدم النبي ◌ُّ فطافٍ بالبيت سبعاً، وصلى خلف
المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعاً ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [رقم: ١٦٤٥،
باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة]

١٨٨
باب الإحرام
قال: وهذا شوط واحد، فيطوف سبعة أشواط، يبدأ بالصفا ويَخْتم بالمروة،
ويسعى في بطن الوادي في كل شوط؛ لما روينا، وإنما يبدأ بالصفا؛ لقوله عليها فيه:
"ابْدَعَوْا بما بدأ الله تعالى به"، * ثم السعي بين الصفا والمروة واجبٌ، وليس بركن.
وقال الشافعي مثله: إنه ركزٌ؛ لقوله عليها: "إن الله تعالى كتب عليكم السَعْيَ
فاسعَوْ"، ** ولنا: قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَّهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ومثله يستعمل للإباحة،
فينفي الركنيةَ والإيجابَ، إلا أَنَّا عَدَلْنَا عنه في الإيجاب،
وهذا شوط: وظاهر ما قال في الكتاب إن ذهابه من الصفا إلى المروة شوط ورجوعه من المروة إلى الصفا
شوط أخر، وذكر الطحاوي أن يطوف بينهما سبعة أشواط من الصفا إلى الصفا ولا يعتبر الرجوع
ولا يجعل ذلك شوطاً آخر، والأصح ما ذكر في الكتاب؛ لأن رواة نسك رسول الله وُّ اتفقوا على أنه
طاف بهما سبعة أشواط. [الكفاية ٣٦٣/٢-٣٦٤] فيه: بصيغة الأمر. (فتح القدير)
الشافعي له: وبه قال مالك وأحمد في رواية. (البناية) ومثله يستعمل للإباحة: كما في قوله تعالى:
﴿وَلَا ◌ُنَاحَ عَلَّكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الآية، فاقتضى ظاهر الآية أن لا يكون واجباً لكنا
تركناه في حكم الإيجاب بدليل الإجماع، وإنما ذكر الله تعالى هذا اللفظ؛ لأن الصحابة كانوا يحترزون عن
السعي مكان الصنمين على الصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله هذه الآية. (النهاية) الإيجاب: أي في نفي
الإيجاب، قال الكاكي: و"في" بمعنى إلى؛ لأن حروف الجر تنوب بعضها عن بعض، أي عدلنا عن النفي
المطلق إلى الإيجاب الثابت بالخبر. [البناية ٨٨/٤-٨٩]
* أخرجه النسائي في "سنته" عن جابر أن رسول الله و﴿ طاف سبعاً رمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم قرأ
﴿وَأَتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىَّ﴾ فصلى سجدتين وجعل المقام بينه وبين الكعبة ثم استلم الركن، ثم
خرج فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله﴾، فابدؤا بما بدأ الله به. [رقم: ٢٩٦٥، باب القول بعد
ركعتي الطواف] وصححه ابن حزم، والنووي في "شرح مسلم". [إعلاء السنن ٩٠/١٠]
** روي من حديث ابن عباس، ومن حديث حبيبة بنت أبي تجزأة، ومن حديث تملك العبدرية، ومن حديث صفية
بنت شیبة.[نصب الراية ٥٥/٣] أخرج الطبراني حديث ابن عباس في "المعجم الكبير" عن عطاء بن أبي رباح عن
ابن عباس هما عام الحج عن الرمي فقال: إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا. [رقم: ١١٤٣٧، ١٨٤/١١]

١٨٩
باب الإحرام
ولأن الركنية لا تَثْبت إلا بدليل مقطوع به ولم يوجد، ثم معنى ما روي: كُتِب
استحباباً، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية. ثم يقيم
بمكة حَرَاماً؛ لأنه مُحْرم بالحج، فلا يَتَحلَّل قبل الإتيان بأفعاله. قال: ويطوف بالبيت
كلما بدا له؛ لأنه يُشْبه الصلاة، قال عليها: "الطواف بالبيت صلاة، والصلاة خير
موضوع"،* فكذا الطواف إلا أنه لا يسعى عقيب هذه الأَطْوِفَة في هذه المدة؛ لأن
السعي لا يجب فيه إلا مرةً، والتنفِّل بالسعي غير مشروع، ويصلي لكل أسبوع
ركعتين، وهي ركعتا الطواف على ما بيَّنَا.
كما في قوله تعالى: قيل: فيه نظر؛ لأن الوصية للوالدين والأقربين كانت فرضاً، ثم نسخت، فكان كتب
دلالةً على الفرضية، قالوا: وإن ذلك ليس بمجمع عليه، بل قال بعضهم: ليست منسوخة، بل يجمع للوارث
من الوصية والميراث والمانع يكفيه ذلك. [البناية ٨٩/٤] بدا له: أي كلما ظهر له أن يطوف. (البناية)
بالبيت: إلا أن الله تعالى قد أحل فيه المنطق، فيمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير. (البناية)
خير موضوع: وفي "شرح الطحاوي": الطواف للغرباء أفضل والصلاة لأهل مكة أفضل، وهو مذهب
عامة أهل العلم؛ لأن الغرباء يفوتهم الطواف، وأهل مكة لا يفوتهم الأمران، وعند الاجتماع الصلاة أفضل
بعينها، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البناية ٩١/٤] إلا أنه: هذا الاستثناء من
قوله: ويطوف بالبيت كلما بدا له. (البناية) أسبوع: أي لكل سبعة أشواط وهو طواف واحد. (البناية)
ما بينا: وهو قوله { *: "يصلي الطائف لكل أسبوع ركعتين". (البناية)
* أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس هما قال: قال رسول الله مُ *: الطواف بالبيت صلاةٌ إلا
أن الله أحل لكم فيه الكلام فمن يتكلم فلا يتكلم إلا بخير.[٤٥٩/١، باب أن الطواف مثل الصلاة]
وسكت الحاكم عنه. [نصب الراية ٥٧/٣] وصححه ابن خزيمة وابن حبان [فتح الباري] وفي كلام الحافظ
ما يشعر بكون الحديث مشهوراً عن ابن عباس موقوفاً ومرفوعاً. [إعلاء السنن ٨٤/١٠]

١٩٠
باب الإحرام
قال: فإذا كان قبل يوم التروية بيوم: خطب الإمام خطبة يُعلمُ فيها الناسَ الخروج إلى
منىَّ، والصلاة بعرفات، والوقوف، والإِفاضة، والحاصل: أن في الحج ثلاث خطب،
أولها: ما ذكرنا، والثانية: بعرفات يوم عرفة، والثالثة: بمنى في اليوم الحادي عشر.
فيفصل بين كل خطبتين بيوم. وقال زفر بالله: يخطب في ثلاثة أيام متوالية، أولها يوم
التروية؛ لأنها أيام الموسم، ومجتمع الحاج، ولنا: أن المقصود منها التعليم،
قبل يوم التروية بيوم: وهو اليوم السابع من ذي الحجة؛ لأن يوم التروية الثامن منه، كذا في "المغرب"،
وإنما سمي يوم التروية بذلك؛ لأن إبراهيم عليلا رأى ليلة الثامن كان قائلاً يقول له: إن الله تعالى يأمرك
بذبح ابنك، فلما أصبح روي، أي افتكر في ذلك من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا، أم من الشيطان،
ممن ذلك سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله تعالى، فمن سمي يوم عرفة، ثم
رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحوه، فسمي اليوم العاشر يوم النحر. [البناية ٩٢/٤]
خطب الإمام خطبةً: وهذه الخطبة واحدةً بلا جلوس، وكذا خطبة الحادي عشر، وأما خطبة عرفة، فيجلس
بينهما، وهي قبل صلاة الظهر، والخطبتان الأوليان بعده. [فتح القدير ٣٦٨/٢] ثلاث خُطْبٍ: جمع الخطبة، وما
رُوي أن النبي ◌ُّ خطب يوم النحر، فإنها لم تكن خطبة من خُطَب الحج، وإنما كانت من خُطَب الوداع
علمهم الأحكام، لما علم أنه لا يتحقق مثله بعدها من الاجتماع والكثرة. [البناية ٩٣/٤]
بعرفات: وإنما سمي يوم عرفة؛ لأن جبريل عليلا علم إبراهيم عليلا المناسك كلها يوم عرفة، فقال: أعرفت في أي
موضع تطوف، وفي أي موضع تسعى، وفي أي موضع تقف، وفي أي موضع تنحر - ويروى- فقال: عرفت
فسمي يوم عرفة. (البناية) بمنى: وهي قرية فيها ثلاث سكك، بينها وبين مكة فرسخ، وهي في الحرم؛ لأنها منحر،
والمنحر يكون في الحرم، والغالب على منى التذكير والصرف، وقد تكتب بالألف، وسميت بمنى؛ لأن الحيوانات
تساق إلى مناياها، وهو جمع منية، وهي الموت، وقيل: لما تمنى من الدماء، أي تراق، وقيل: إن جبريل عليلا لما أراد
أن يفارق آدم، قال له: ماذا تتمنى، فقال آدم: الجنة، فسمي ذلك الموضع منى. [البناية ٩٢/٤]
التروية: قلنا: خلاف المروي عنه 315 فإنه روى عنه أنه خطب في السابع وكذا أبوبكر. [فتح القدير ٣٦٨/٢]
أيام الموسم: وفي "المغرب": موسم الحاج سوقهم ومجتمعهم مشتق من الوسم، وهو العلامة. (البناية)

١٩١
باب الإحرام
ويوم التروية ويوم النحر يوما اشتغالٍ، فكان ما ذكرناه أنفع، وفي القلوب أنجعَ. فإِذا
صلى الفجر يوم التروية بمكة: خرج إلى منىَّ، فيقيم بها حتى يصلّي الفجر، من يوم
عرفة؛ لما روي: "أن النبي عليّ صلى الفجر يوم التروية بمكة فلما طلعت الشمس راح
إلى منى فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم راح إلى عرفات" .*
ولو بات بمكة ليلة عرفة، وصلى بها الفجر، ثم غدا إلى عرفات ومرَّ بمنى: أجزأه؛ لأنه
لا يتعلق بمنى في هذا اليوم إقامة نُسُك، ولكنه أساء بتركه الاقتداء برسول الله عليه.
قال: ثم يتوجه إلى عرفات، فيقيم بها؛ لما روينا، وهذا بيان الأولوية، أما لو دفع قبله:
جاز؛ لأنه لا يتعلق بهذا المقام حكم. قال في "الأصل": وينزل بها مع الناس؛
المبسوط
ما ذكرناه: أي من التفريق بين كل الخطبتين. (البناية) أنجع: من نجع الوعظ إذا أثر. (البناية)
فإذا صلى الفجر: ظاهر هذا التركيب إعقاب صلاة الفجر بالخروج إلى منى، وهو خلاف السنة. [فتح القدير ٣٦٨/٢]
ثم غدا إلى عرفات: بالغين المعجمة والدال المهملة من الغد، وهو الذهاب أول النهار، ومعنى قوله: مر
بمنى يعني جاوزها، ولم ينزل بها أجزأه، ولا شيء عليه، خلافاً للظاهرية. [البناية ٩٥/٤]
لما روينا: إشارة إلى قوله: لما روي "أن النبي ◌ُّ صلى الفجر ... "إلخ. (البناية) وهذا: أي الذهاب والتوجه
إلى عرفات بعد طلوع الشمس. (البناية) أما لو دفع قبله: الضمير راجع إلى طلوع المذكور في الحديث
سابقاً، أي قبل طلوع الشمس، وهذا إضمار قبل الذكر، وكان من حق الكلام أن يقول ثم يتوجه إلى
عرفات بعد طلوع الشمس حتى يصح بناء قوله وهذا أي التوجه بعد طلوع الشمس، وقوله: أما لو دفع
قبله عليه قال بعض الشارحين: ترك هذا القيد سهو من الكاتب. [العناية ٣٦٩/٢]
* أخرجه مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله ... فقلت: أخبرني عن
حجة رسول الله و﴿ فقال بيده، فعقد تسعاً، فقال: إن رسول الله ◌ُ ◌ّ مكث - إلى أن قال -: فلما كان يوم التروية
توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج وركب رسول الله (ّ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم مكث قليلاً
حتى تطلعت الشمس .... فأجاز رسول الله ( ◌ّ حتى أتى عرفة. الحديث. [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة النبي ◌ُّ]

١٩٢
باب الإحرام
لأن الانتباذ تجبُّر، والحال حال تضرع والإجابة في الجمع أرجى، وقيل: مراده: أن
لا ينزل على الطريق؛ كيلا يضيق على المارَّة. قال: وإذا زالت الشمس يصلي الإمام
بالناس الظهر والعصر، فيبتدي بالخطبة، فيخطب خطبة يُعْلم فيها الناس الوقوف بعرفة،
٥
والمزدلفة، ورمي الجمار، والنحر، والحلق، وطواف الزيارة، ويخطب خطبتين يَفصل
بينهما بجلسةٍ كما في الجمعة، هكذا فعله رسول الله عليها .* وقال مالك: رسله: يخطب
بعد الصلاة؛ لأنهاخطبة وعظ وتذكير، فأشبه خطبة العيد، ولنا ما روينا،
لأن الانتباذ: أي الانفراد والعزلة تجُّر؛ لأنه لا يروي أحد محاورة من تجبره وتكبره، والحال أي حال
الحاج في هذا الوقت حال تضرع وسكينة، والإجابة في الجمع أرجى؛ لأنه قد یکون فيه من لا ترد دعوته.
وقيل: مراده أي مراد محمد مله من قوله: وينزل مع الناس أن لا ينزل على الطريق؛ كيلا يضيق على
المارة بتشديد الراء، أي الناس الذين يمرون في الطريق، وفي "فتاوى الظهيرية": وينزل بعرفات في أي
موضع شاء، إلا أنه لا ينزل على الطريق. الشمس: أي شمس يوم عرفة. (البناية)
الإمام: أي الإمام الأعظم وهو الخليفة أو نائبه. (الكفاية) والمزدلفة: وقال في "المطالع": من الإزدلاف،
ولأنها منزلة من الله وقربة، قال الهروي طه: سميت بها؛ لاجتماع الناس في زلفى الليل. [البناية ٩٧/٤]
هكذا فعل رسول الله (15 *: لا يحضرني حديث فيه تنصيص على خطبتين كالجمعة، بل ما أفاد أنه خطب
قبل صلاة الظهر من حديث جابر الطويل. [فتح القدير ٢٧٠/٢] ما روينا: أشار به إلى قوله: هكذا فعل
رسول الله ﴾.
* أخرجه مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت: أخبرني
عن حجة رسول الله * فقال: إن رسول الله ◌ّ مكث تسع سنين ولم يحج - إلى أن قال -: حتى أتى
عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى
بطن الوادي، فخطب الناس، وقال: إن دماء كم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهر كم
هذا، في بلدكم هذا، ثم أذّن، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب
رسول الله ◌ّ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه،
واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس. الحديث. [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة النبي 5]

١٩٣
باب الإحرام
ولأن المقصود منها تعليم المناسك والجمع منها، وفي ظاهر المذهب: إذا صعد الإِمام المنبر
فجلس أذن المؤذنون كما في الجمعة، وعن أبي يوسف بطله: أنه يُؤَذِّن قبل خروج الإمام،
وعنه: أنه يؤذن بعد الخطبة. والصحيح ما ذكرنا؛ لأن النبي عليل لما خرج واستوى على
ناقته أذّن الموذّنون بين يديه،* ويقيم المؤذن بعد الفراغ من الخطبة؛ لأنه أوان الشروع في
الصلاة فأشبه الجمعة. قال: ويصلي بهم الظهر والعصر في وقت الظهر بأذان وإقامتين،
منها: أي الجمع بين الصلاتين من المناسك. (البناية) كما في الجمعة: إنما قال كما في الجمعة؛ لأن رواية
جابر له تقتضي الأذان بعد الخطبة، و رواية أخرى تقتضي قبلها، فتعارضت، يصير إلى القياس على
الجمعة. (البناية) قبل خروج الإمام: لأن هذا الأذان لأداء الظهر كما في سائر الأيام، وفي "البدائع": عن
أبي يوسف محله ثلاث روايات، وظاهر الرواية كقولهما. وقال الشافعي بمعدل: إذا فرغ من الخطبة الأولى
يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم، ويفتتح الخطبة الثانية، والمؤذنون يأخذون في الأذان معه، ويخفّف بحيث يكون
فراغه مع فراغ المؤذنين من الأذان. [البناية ٩٨/٤]
بعد الخطبة: وبه قال مالك. (البناية) قال بعض الشارحين: وهذا أصح عندي، وإن كان خلاف ظاهر
الرواية لما صح من حديث جابر. (العناية) ما ذكرنا: أي الصحيح من المذهب ما ذكرنا وهو ظاهر
المذهب. (البناية) ويصلي: ويخفي الإمام القراءة فيهما؛ لأنهما ظهر وعصر كما في سائر الأيام، عن أحمد سطله
إن شاء صلى بإقامة من غير أذان، وبقولنا قال الشافعي وأبوثور والثوري. [البناية ٩٩/٤]
في وقت الظهر: واعلم أن من شرط الجمع الوقت والمكان والإحرام والإمامة والجماعة عند أبي حنيفة محظبه،
وعندهما الإِمام والجماعة ليس بشرط، ولا خلاف أن الوقت شرط، وهو أن يكون يوم عرفة، والمكان شرط
وهو عرفات، والإِحرام شرط، وهو أن يكون محرماً بإحرام الحج. (الكفاية) بأذان وإقامتين: وفي هذه المسألة
ستة أقوال: الأول: مذهبنا الذي ذكرنا الذي بأذان وإقامتين، والثاني: بأذان وإقامة، وبه قال عطاء
والظاهرية والشافعي بطلته في قول وأحمد بحثه، واختاره الطحاوي بعثه، وبه قال زفر وأبو ثور بعمها . =
* لم أجده صريحاً ومعناه يؤخذ من حديث جابر ه أنه لما فرغ من خطبته أذّن. [الدراية ١٩/٢] وقد
تقدم حديث جابر أخرجه مسلم في صحيحه وفيه: فخطب الناس، وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام
عليكم ... ثم أذن. الحديث [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة النبي

١٩٤
باب الإحرام
مصرعنه
وقد ورد النقل المستفیض باتفاق الرواة بالجمع بين الصلاتین،* وفیما روی جابر
رواة الحديث
الشائع
أن النبي ◌ُّ صلاهما بأذان وإقامتين، ** ثم بيانه: أنه يؤذّن للظهر ويقيم للظهر، ثم يقيم
للعصر؛ لأن العصر يؤدَّى قبل وقته المعهود قَّفْرد بالإقامة؛ إعلاماً للناس. ولا يتطوع
بين الصلاتين؛ تحصيلاً لمقصود الوقوف؛ ولهذا قُدِّم العصر على وقته، فلو أنه فَعَل فَعَل
الظهر والعصر
مكروها، وأعاد الأذان للعصر في ظاهر الرواية، خلافاً لما روي عن محمد بسطله؛ لأن
الاشتغال بالتطوع أو بعمل آخر يقطع فَوْرَ الأذان الأوّل، فيعيده للعصر، فإن صلّى
بغير خطبة: أجزأه؛ لأن هذه الخطبة ليست بفريضة. قال: ومن صلَّى الظهر في رَحْله
وحده: صلى العصر في وقته عند أبي حنيفة بدله، وقالا: يجمع بينهما المنفرد؛ لأن جواز
الجمع للحاجة إلى امتداد الوقوف والمنفرد محتاج إليه.
= والثالث: بأذانین وإقامتين.روي ذلك عن علي بن أبي طالب هڅه ومحمد الباقرین علي بن زين العابدين بن
الحسين، وهو رواية ابن مسعود اليه. والرابع: ياقامتين فقط، وروي ذلك عن عمر وعلي ◌ّها وسالم بن عبد الله
وهو أحد قولي الثوري وأحمد والشافعي . والخامس: إقامة واحدة من غير أذان، وبه قال الثوري وأبوبكر
بن داود، ورواية مقطع عن أحمد. والسادس: بغير أذان ولا إقامة، روي ذلك عن ابن عمر تها. [البناية ٩٩/٤]
مكروهاً: أي فلو أن الإمام تطوع ذلك اليوم. (البناية) لما روي: رواه ابن سماعة عنه أنه لا يعيد الأذان
وتجزئه الإقامة. (البناية) الاشتغال: هذا التعليل وجه ظاهر الرواية. الأول: أي اتصال الأذان، يقال: فلان
فعل ذلك من فوره إذا وصل الفعل بالآخر لا لبث بينهما. (البناية) ليست بفريضة: إذ هي ليست تخلف
عن ركن، بخلاف خطبة الجمعة، فإنها خلف عن ركعتين. (البناية)
* هو كما قال، قد ورد ذلك من حديث جابر، وابن عمر، وابن الزبير، وغيرهم له. [الدراية ١٩/٢]
** حديث جابر أخرجه مسلم في صحيحه، وفيه: فأجاز رسول الله و ◌ّ حتى أتى العرفة - إلى أن قال -: ثم أذن،
ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً. الحديث. [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة التي ]

١٩٥
باب الإحرام
ولأبي حنيفة الله: أن المحافظة على الوقت فرض بالنصوص، فلا يجوز تركه إلا فيما
ورد الشرع به وهو الجمع بالجماعة مع الإمام، والتقديم لصيانة الجماعة؛ لأنه يَعْسُرُ
عليهم الاجتماع للعصر بعد ما تفرَّقوا في الموقف، لا لما ذكراه؛ إذ لا منافاة. ثم عند
أبي حنيفة بدله: الإمام شرط في الصلاتين جميعاً، وقال زفر له: في العصر خاصةً؛
لأنه هو المُغَّرُ عن وقته، وعلى هذا الخلاف الإحرام بالحج. ولأبي حنيفة بحفظه: أن
التقديم على خلاف القياس، عُرفت شرعيته فيما إذا كانت العصر مرتبةً على ظهر
مُؤَدَّى بالجماعة مع الإمام في حالة الإحرام بالحج، فيقتصر عليه.
ولأبي حنيفة سلكه: ومبنى الاختلاف على أن تقديم العصر على وقته؛ لأجل محافظة الجماعة أو لامتداد الوقوف
فعنده للأول وعندهما للثاني، هما: أن جواز الجمع للحاجة إلى امتداد الوقوف بدلیل أنه لا جمع علی من ليس
عليه الوقوف، وأن الحاج يحتاج إلى الدعاء في وقت الوقوف فشرع الجمع لئلا يشتغل عن الدعاء، والمنفرد
وغيره في هذه الحاجة سواء، فيستويان في جواز الجمع. [العناية ٣٧١/٢] بالنصوص: قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا
عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ وقال: ﴿إِنَّالصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتًا﴾. [البناية ١٠١/٤]
لصيانة الجماعة: هذا جواب عن قولهما، تقريره: لا نسلم أن جواز الجمع بالتقديم لامتداد الوقوف، بل
لصيانة الجماعة. [البناية ١٠٢/٤] ذكراه: من أن الجمع لامتداد الوقوف؛ إذ لا منافاة بين الوقوف
والصلاة فإن المصلّي واقف ولا ينقطع وقوفه بالاشتغال بالصلاة كما لا ينقطع بالأكل والحدث والحديث
بل أولى. [الكفاية ٣٧١/٢] لا منافاة: أي لأنه لا منافاة بين الصلاة والوقوف؛ لأن الوقوف لا ينقطع
بالاشتغال بالصلاة، كما لا ينقطع بالأكل والشرب والتوضئ وغير ذلك. [البناية ١٠٢/٤]
جميعاً: وعندهما الإمام ليس بشرط أصلاً. (البناية) الإحرام بالحج: أي الإحرام بالحج شرط في الصلاتين
حتى أن الحلال إذا صلى الظهر مع الإمام ثم أحرم بالحج فصلى العصر معه لم يجزه العصر إلا في وقتها،
وعند زفر له: يجزيه، وحاصله: أن جواز الجمع عند أبي يوسف ومحمد دعمًا معلق إحرام الحج في الصلاتين
لا غير، وعند أبي حنيفة مل معلق بإحرام الحج وبالجماعة وبالإمام الأكبر، وهو قول زفر له أيضاً غير أنه
يشترط هذه الشرائط في العصر لا غير. [الكفاية ٣٧٢/٢ -٣٧٣] التقديم: أي تقديم العصر قبل وقته. (البناية)

١٩٦
باب الإحرام
ثم لابد من الإحرام بالحج قبل الزوال في رواية؛ تقديما للإحرام على وقت الجمع، وفي
أخرى: يُكتفى بالتقديم على الصلاة؛ لأن المقصود هو الصلاة. قال: ثم يتوجَّه إلى
الموقف، فيقف بقُرْب الجبل والقوم وجه عقيب انصرافهم من الصلاة؛ لأن النبي عليها
راح إلى الموقف عقيب الصلاة،* والجبل يُسمَّى جبل الرحمة، والموقف الموقف
الأعظم. قال: وعرفاتٌ كلُّها موقف إلا بطن عُوَنَةَ؛ لقوله عليها: "عرفات كلها
موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف،
الموقف: بكسر القاف. (البناية) عند الصخرات الكبار. (الدر المختار) بقرب الجبل: أي الذي يسمي جبل
الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط عرفات، ويقال له: جبل الدعاء، قيل: هو موقف الأنبياء، وقال النووي له:
ولا أصل له؛ إذ لم يرد به حديث صحيح ولا ضعيف، والصواب الاعتناء بموقف رسول الله ﴿ [البناية ١٠٤/٤]
راح: من الرواح أي ذهب. إلى الموقف: وفي " شرح الشيخ إسماعيل" عن "منسك الفارسي": قال قاضي
القضاة بدر الدين: وقد اجتهدتُ على تعيين موقفه ◌ُّه ووافقني عليه بعض من يُعتمد عليه من محدثي مكة
وعلمائها حتى حصل الظن بتعيينه، وأنه الفجوة المستعلية المشرفة على الموقف التي عن يمينها، وورائها صخرة
متصلة بصخرات الجبل، وهذه الفجوة بين الجبل والبناء المربَّع عن يساره، وهي إلى الجبل أقرب بقليل بحيث
يكون الجبل قُبالتك بيمين إذا استقبلت القبلة، والبناء المربع عن يسارك بقليل وراءه، انتهى. [رد المحتار ٩٤/٧]
إلا بطن عرنة: بضم العين المهملة وفتح الراء والنون قال في " ديوان الأدب": عرنه وادٍ في عرفات،
وعامة أهل العلم على هذا الاستثناء، وشذ مالك. وقيل: رأى النبي ◌ُّالشيطان في بطن عُرَنَة، فنهى عن
الوقوف فيه، فكان هذا نظير النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة الثلاث، ومحسر بكسر السين المهملة
المشددة هو بين مكة وعرفات عن يسار الموقف. [البناية ١٠٤/٤-١٠٥]
* هو في حديث جابر أخرجه مسلم في صحيحه وفيه: ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر،
ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله . حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات
وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً
حتى غاب القرص. الحديث. [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة النبي 3 4]

١٩٧
باب الإحرام
وارتفعوا عن وادي مُحَسِّر" .* قال: وينبغي للإمام أن يَقِفَ بعرفة على راحلته؛ لأن
النبي عليَّ وقف على ناقته، ** وإن وقف على قدميه: جاز، والأول أفضل؛ لما بينا،
وينبغي أن يقف مستقبل القبلة؛ لأن النبي عليه وقف كذلك، *** وقال النبي عليه:
"خير المواقف ما استُقْبِلَت به القبلة "، **** ويدعو ويُعلِّم الناس المناسك؛
على راحلته: وظاهره: أن الركوب للإمام فقط، وهو مفهوم كلام "المصنف" كـ"الهداية" و"البدائع"
وغيرها، ويؤيّدها قول "السراج"؛ لأنه يدعو ويدعوا الناس بدعائه، فإن كان على راحلته فهو أبلغ في مشاهدهم
له، لكن في "القهستاني": الأفضل أن يكون راكباً قريباً من الإمام، ومثله في متن الملتقى. [رد المحتار ٩٣/٧]
لما بينا: أشار به إلى قوله: لأن النبي ◌ُّ وقف على ناقته. (البناية)
* روي من حديث جابر، ومن حديث جبير بن مطعم، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث ابن عمر،
ومن حديث أبي هريرة ﴿. [نصب الراية ٦٠/٣] أخرج الطبراني حديث ابن عباس ها في "المعجم
الكبير" عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس ◌ُما أن النبي ◌ُّ قال: عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن
عرنة، والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن وادي محسر. [رقم: ١١، ١١٩/١١٢٣١]
** تقدم ذلك في حديث جابر أخرجه مسلم في صحيحه وفيه: ثم ركب رسول الله ﴿ حتى أتى الموقف
فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى
غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله تُ﴾. وقد
شفق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليُصيب مورّك رحله ... كلما أتى حبلاً من الحبال أرْخى لها قليلاً حتى
تصعد، حتى أتى المزدلفة .... الحديث. [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة النبي
*** هو أيضاً في حديث جابر كما تقدم.
**** هذا حديث غريب بهذا اللفظ. [البناية ١٠٦/٤] وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس هما،
وفيه: قال رسول الله (3/3: إن لكل شيء شرفاً، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة.[٢٦٩/٤-٢٧٠،
باب أشرف المجالس ما استقبل به القبلة] وسكت الحاكم عنه، وتعقّبه الذهبي في " مختصره " فقال: وهشام
بن زياد متروك. [نصب الراية ٣/ ٦٣] وأخرج أبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" عن ابن عمر هما
مرفوعاً: خير المجالس ما استقبل به القبلة.[نصب الراية ٦٣/٣-٦٤]

١٩٨
باب الإحرام
لما روي أن النبي عليلا كان يدعو يوم عرفة مادًّا يديه كالمُسْتَطْعِم المسكين،* ويدعو
بما شاء، وإن ورد الآثار ببعض الدعوات، ** وقد أوردنا تفصيلها في كتابنا المترجم
بـ "عُدَّة الناسك في عِدَّةٍ من المناسك" بتوفيق الله تعالى. قال: وينبغي للناس أن يقفوا
بقُرْب الإِمام؛ لأنه يدعو ويُعلِّم، فَيَعُوا ويسمعوا، وينبغي أن يقف وراء الإِمام؛ ليكون
مستقبل القبلة، وهذا بيان الأفضلية؛ لأن عرفات كلها موقف على ما ذكرنا. قال:
ويُستحب أن يَغتسل قبل الوقوف بعرفة، ويجتهد في الدعاء،
عُدَّة: بضم العين، الناسك: السلاح، وبين العُدة، والعِدة، وبين الناسك والمناسك جناس. (البناية)
عِدّة: بكسر العين من العدد. (البناية) فيعُوا: أي فيحفظوا، من الوعي، أصله يوعيوا، حذفت الواو. (البناية)
وهذا: أي وقوف الحاج وراء الإمام. (البناية) ما ذكرنا: أشار به إلى قوله عليها: "عرفة كلها موقف" إلى آخره. (البناية)
* أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" عن ابن عباس ثثها قال: رأيت رسول الله ظّ يدعو بعرفة يداه إلى.
صدره كاستطعام المسكين. [١١٧/٥، باب فضل الدعاء دعاء يوم عرفة] وأخرج البزار في "مسنده" عن ابن عباس
عن الفضل قال: رأيت رسول الله وُ ◌ّ واقفاً بعرفة، مادً يديه كالمستطعم أو كلمة نحوها. [نصب الراية ٦٤/٣]
وفيه حسن بن عبد الله ضعيف "دراية". وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، فإني لم أجد له حديثاً
منكراً جاوز المقدار. [إعلاء السنن ١١٥/١٠] وقال في حاشية "إعلاء السنن": وحاصل ما ذكرناه من
الكلام في سند الحديث أنه حسن الحديث على قواعدنا، لاسيماً وله طرق عديدة. ودلالته على الاجتهاد
في الدعاء في الموقف ظاهرة. [إعلاء السنن ١١٥/١٠]
** قوله: وإن ورد الآثار ببعض الدعوات. كما أخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
النبي ◌ُ ◌ّ قال: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده، لا شريك
له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وقال: هذا حديث حسن غريب. [رقم: ٣٥٨٥،
باب في دعاء يوم عرفة] وأخرجه أيضاً من حديثه أحمد بإسناد رجاله ثقات، ولفظه: کان أكثر دعاء
رسول الله يوم عرفة: لا إله إلا الله إلخ. [إعلاء السنن ١١٣/١٠]

١٩٩
باب الإحرام
أما الاغتسال: فهو سنة وليس بواجب، ولو اكتفى بالوضوء: جاز، كما في الجمعة
والعيدين وعند الإحرام. وأما الاجتهاد؛ فلأنه عليها اجتهد في الدعاء في هذا الموقف
لأَمَّته فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم . * ويلبي في موقفه ساعة بعد ساعة، وقال
مالك معك: يَقْطع التلبية كما يقف بعرفة؛ لأن الإجابة باللسان قبل الاشتغال
بالأركان. ولنا: ما روي أن النبي عليًَّا مازال يُلَتَّي حتىّ أتَى حَمْرَةَ العقبة،*
أما الاغتسال: إنما قال أولاً: ويستحب أن يغتسل، ثم قال أما الاغتسال فهو سنة؛ لأنه في صدد الشرح
لكلام القدوري، فإنه قال: يستحب أن يغتسل فنقله ثم قال: إنه سنة وكل سنة مستحبة من غير
عكس. [البناية ١٠٨/٤] ساعة: يعني يستلم ذلك إلى أن يرمي أول حصاة من جمرة العقبة، وقال مالك:
يقطعها كم يقف بعرفة. (العناية) بالأركان: مبنى هذا الكلام أن التلبية إجابة اللسان، والإجابة باللسان
قبل الاشتغال بالأركان كتكبيرة الافتتاح في الصلاة. (البناية)
* أخرجه ابن ماجه في "سنته" عن عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس السَّلمي أن أباه أخبره عن أبيه أن
رسول الله ® دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب إني قد غفرت لهم، ما خلا الظالم فإني آخذ للمظلوم
منه، قال: أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة، وغفرت للظالم، فلم يجب عشيته، فلما أصبح
بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل. قال: فضحك رسول الله ◌ُّ أو قال: تبسّم فقال له أبو بكر
وعمر: بأبي أنت وأمي إن هذه الساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك - أضحك الله سنَّك- ؟
قال: إن عدو الله إبليس لما علم أن الله عز وجل قد استجاب دعائي، وغفر لأمتي، أخذ التراب فجعل
يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكني ما رأيت من جزعه. [رقم: ٣٠٣١، باب الدعاء بعرفة]
وفيه: كنانة بن عباس بن مرداس، ضعفه ابن حبان وغيره "دراية"، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" له:
رواه البيهقي، ثم قال: وهذا الحديث له شواهد كثيرة قد ذكرناها في كتاب البعث، فإن صح بشواهده ففيه
الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ انتهى. [إعلاء السنن ١١٥/١٠].
** أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. [نصب الراية ٦٥/٣] أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ثما
أن رسول الله * أردف الفضل فأخبر الفضل أنه لم يزل يلبى حتى رمى الجمرة. [رقم: ١٦٨٥،
باب التلبية والتكبير غداة النحر حتى يرمي الجمرة، والارتداف في السير] =