Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦٠
باب صلاة المسافر
باب صلاة المسافر
السفر الذي يتغيَّر به الأحكام: أن يقصِدَ مسيرةً ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل،
ومَشي الأقدام؛ لقوله عليٌّ: يمسح المقيمُ كمالَ يوم وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها"،*
عمَّت الرخصة الجنسَ، ومن ضرورته عموم التقدير، وقدر أبويوسف محظله بيومين
w
وأکثر اليوم الثالث، والشافعي سله بيوم ولية في قول،
باب صلاة المسافر: السفر عارض مكتسب كالتلاوة، إلا أن التلاوة عارض هو عبادة في نفسه، بخلاف
السفر، فلذا أخر هذا الباب عن ذاك. [فتح القدير ٢/٢] الأحكام: من نحو قصر الصلاة، وإباحة الفطر،
وامتداد مدة المسح ثلاثة أيام، وسقوط الجمعة والعيدين، وسقوط الأضحية، وحرمة الخروج على الحرة
بغير محرم، وإنما قيد بقوله الذي يتغير به الأحكام؛ لأن سير أدنى المسافة سفر في اللغة؛ لأنه عبارة عن
الظهور، ولذا حمل أصحابنا تحمًّا قوله عليه: "ليس على الفقير والمسافر أضحية" على الخروج من بلدة أو
قرية، حتى سقطت الأضحية بذلك القدر. [الكفاية ٢/٢] أن يقصد: ثم ذكر القصد وهو الإرادة الحادثة؛
لأنه لو طاف جميع الدنيا بلا قصد السفر لا يصير مسافراً، والقصد وحده غير معتبر، والفعل وحده
كذلك. [الكفاية ٢/٢] مسيرة ثلاثة أيام: قدر أبويوسف بيومين، وأكثر الثالث. (البناية)
ولياليها: أخذ الليالي إشارة إلى اعتبار الاستراحات التي في خلال السفر معه؛ لأنه على الدوام ممتنع عادة.
بسير الإبل: لا يُراد بالسير السير ليلاً ونهاراً، وإنما المراد السير نهاراً؛ لأن الليل للاستراحة، وليس الشرط ذهابه
من الفجر إلى الفجر؛ لأن الآدمي لا يطيق ذلك، وكذا الدابة لا تطيق المشيء في بعض النهار. [البناية ٣/ ٤]
لقوله عليّا: قد مر الكلام مستوفى في باب المسح على الخفين. (البناية)
عمت الرخصة الجنس: ذكر المسافر محلى باللام فاستغرق الجنس لعدم المعهود، واقتضى تمكن كل مسافر
من مسح ثلاثة أيام ولياليها، ولا يتصور أن يمسح كل مسافر من مسح ثلاثة أيام ولياليها إلا وأن يكون أقل
مدة السفر ثلاثة أيام ولياليها؛ إذ لو كان أقل من ذلك لخرج بعض المسافرين عن استيفاء هذه الرخصة،
والزيادة عليها منفية إجماعاً. [الكفاية ٣/٢] وأكثر اليوم الثالث: وهو رواية المعلى عن أبي يوسف. (البناية)
في قول: وفي قول: يومان وليلتان، وفي قول: اثنا عشر بَريداً، كل بريد أربعة أميال، وكل ثلاثة أميال
فرسخ، فيكون ثمانية وأربعين ميلاً. [الكفاية ٤/٢]

٣٦١
باب صلاة المسافر
وكفى بالسُّنة حجةً عليهما. والسير المذكور هو الوَسَط، وعن أبي حنيفة وموظه:
التقدير بالمراحل، وهو قريب من الأول، ولا معتبر بالفراسخ هو الصحيح. ولا يُعتبر
السيرُ في الماء، معناه: لأُيُعتبرُ به السير في البر، فأما المعتبر في البحر فما يليق بحاله، كما
في الجبل. قال: وفرض المسافر في الرباعية ركعتان، لا يزيد عليهما.
وكفى بالسنة: وأراد بالسنة الحديث المذكور. (البناية) والسير المذكور: وفسره في "الجامع الصغير" بمشي
الأقدام وسير الإبل. (البناية) بالمراحل: يعني روي عن أبي حنيفة أن مدة السفر تعتبر بثلاث مراحل وهو جمع
مرحلة. (البناية) وهو قريب من الأول: أي التقدير بثلاث مراحل قريب إلى التقدير بثلاثة أيام؛ لأن
المعتاد من السير في كل يوم مرحلة واحدة خصوصاً في أقصر أيام السنة، كذا في "المبسوط". [الكفاية ٥/٢]
ولا معتبر بالفراسخ: أراد أنه لا عبرة في تقدير المدة بالفراسخ وهو جمع فرسخ. (البناية)
هو الصحيح: احتراز عن قول عامة المشايخ، فإن عامة المشايخ قدَّروها بالفراسخ أيضاً، ثم اختلفوا فيما
بعضهم قالوا: أحد وعشرون فرسخاً، بعضهم قالوا: ثمانية عشر، وقيل: خمسة عشر، والفتوى على ثمانية
عشر؛ لأنها أوسط الأعداد، كذا في "المحيط". [الكفاية ٥/٢] ملحوظة: يعتبر حد السفر اليوم بالميل ٤٨
ميلاً (٢٤٨٥،٧٧ كيلومتر) ولا يعتبر: هذا كلام القدوري. (البناية)
معناه إلخ: يعني لا يعتبر سير البرّ بسير الماء، بيانه: فيما إذا قصد إلى موضع له طريقان: أحدهما: من البر،
والآخر: من البحر، ومن طريق البر مسيرة ثلاثة أيام، ومن طريق البحر أقل من ذلك، فلو سلك من طريق البرّ
يترخص ترخص المسافرين، ولو سلك طريق البحر لا يترخص ولا يعتبر أحدهما بالآخر. [البناية ٩/٣ -١٠]
فما يليق بحاله: يعني يعتبر السير فيه ثلاثة أيام ولياليها، بعد أن كانت الريح مستوية لا ساكنة، ولا
عالية. [البناية ١٠/٣] كما في الجبل: فإنه يعتبر ثلاثة أيام ولياليها في السير في الجبل، وإن كانت تلك
المسافة في السهل تقطع بما دونها، كذا في "الخلاصة". [الكفاية ٥/٢] وفرض المسافر: احترازاً عن السنن
إذ لا يتصف فيها. (البناية) ركعتان: احترازاً من الفجر والمغرب والوتر، فإنها لاتصف. (البناية) القصر في
حق المسافر رخصة إسقاط عندنا، وربَّما عبر بعض المشايخ عنه بالعزيمة ورخصة حقيقية عند الشافعي بحثله
أي رخصة ترفية وفرضه منه عندنا ركعتان لا يزيد عليهما. [العناية ٥/٢-٦]
* تقدم في باب المسح على الخفين.

٣٦٢
باب صلاة المسافر
وقال الشافعي له: فرضه الأربع، والقصر رخصة؛ اعتباراً بالصوم. ولنا: أن الشفع
الثاني لا يُقضى، ولايأَثَّم على تركه، وهذا آية النافلة، بخلاف الصوم؛ لأنه يُقضى.
وإن صلى أربعاً، وقعد في الثانية قدرَ التشهد: أجزأته الأُولَيان عن الفرض، والأُخريان
المسافر
له نافلة؛ اعتباراً بالفجر، ويصير مسيئا؛ لتأخير السلام، وإن لم يقعُد في الثانية قَدْرَها:
بطلت؛ لاختلاط النافلة بها قبل إكمال أركانها. وإذا فارق المسافرُ بيوتَ المصر: صلى
ركعتين؛ لأن الإقامةَ تتعلَّق بدخولها، فيتعلق السفر بالخروج عنها،
وقال الشافعي: وبه قال مالك، وأحمد في رواية. (البناية) والقصر رخصة: واستدل بقوله تعالى: ﴿فَلَسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾، فهو تنصيص على أن أصل الفريضة أربع، والقصر رخصة، وعن عمر ته
أشكلت عَلَىّ هذه الآيةُ، فسألتُ رسول الله وَّ، فقلت: ما لنا نقصر، وقد أَمنّا، ولا نخاف شيئًا، وقد
قال الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، فقال النبي عليها: "إنها صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، فقد علق
القصر بالقبول وقد سماه صدقة، والمتصدق عليه يتخير في قبول الصدقة فلا يلزمه القبول حتماً فيما هو من
الأركان الخمس، فكذا هذا. [الكفاية ٥/٢] اعتباراً بالصوم: فإن الصيام يتخير فيه في السفر. (البناية)
وهذا آية النافلة: يعني ليس معنى كون الفعل فرضاً إلا كونه مطلوباً البتة قطعاً، أو ظناً على الخلاف الاصطلاحي،
فإِثبات التخيير بين أدائه وتركه رخصة في بعض الأوقات ليس حقيقته إلا نفي افتراضه في ذلك الوقت للمنافاة بينه
وبين مفهوم الفرض، فيلزم بالضرورة أن ثبوت الترخص مع قيام الافتراض لا يتصور. [فتح القدير ٦/٣]
بخلاف الصوم: هذا جوب عن قياس الشافعي بالصوم. (البناية) اعتباراً بالفجر: يعنى إذا صلى الفجر أربعاً، بعد
القعدة الأولى تجزئه صلاته إلا فلا. (البناية) بطلت: أي صلاته، وعند الشافعي ومالك وأحمد: لا تبطل. (البناية)
وإذا فارق إلخ: بيان لمبدأ القصر. (فتح القدير) بيوت المصر: يعني العمران التي کان فيه.
بالخروج عنها: ويعتبر في مفارقة المصر الجانب الذي يخرج منه المسافر من البلدة، لا الجوانب التي بحذاء
البلدة حتي إنه إذا خلف البنيان الذي خرج منه قصر الصلاة، ولو كان القرى متصلة بربض المصر، قصر
بالخروج. وقيل: لا، حتى يجاوزها ولو بفراسخ، إلا أن يكون بينهما انفصال، وحد الانفصال مائة ذراع،
وقيل: قدر ما لم يسمع الصوت، وقيل: قدر غلوة، وقيل: قدر سكتة، فإن جاوز القرى المتصلةَ قَصَر، =

٣٦٣
باب صلاة المسافر
وفيه الأَثَرُ عن علي: "لوجاوزنا هذا الخُصَّ لقصرنا" . * ولا يزال على حكم السفر
حتى ينوي الإقامةَ في بلدة أو قرية خسمةً عشر يوماً، أو أكثر، وإن نوى أقلّ من
ذلك: قصَر؛ لأنه لابد من اعتبار مدة؛ لأن السفرَ يجامعه اللبث، فقدرناها بمدة الطهر؛
لأنهما مدتان موجبتان، وهو مأثور عن ابن عباس وابن عمر هن ◌ّمنه *
= وقيل: لا، حتى يَنَأَى عنها. وحد النائي كحد الانفصال، وقيل: كحد فناء المصر، قدر ميل، وقيل: حد الانفصال
وحد الفناء، وحد النائي واحد، وهو قدر غَلْوَةِ ثلاث مائة ذراع إلى أربع مائة ذراع ، وهو الأصح. [الكفاية ٢/ ٨]
وفيه الأثر: وهو أن علياً خرج من البصرة يريد الكوفة، وصلى الظهر أربعاً، ثم نظر إلى خُصِّ أمامَه،
وقال: لو جاوزنا هذا الخُصَّ لقصرنا. [الكفاية ٨/٢] الخص: والخص بيت من القصب. (العناية)
خسمةَ عشر يوماً: وعن الشافعي في قول سبعة عشر يوماً وعنه: ثمانية عشر يوماً وصححوه. (البناية)
أقل من ذلك قصر: وعن الشافعي مالك وأحمد في رواية: أربعة أيام، وعن أحمد خمسة أيام. (البناية)
يجامعه اللبث: يعني أن المسافر ربما يلبث في بعض الموضع لمصلحة له كانتظار الرفقة، أو شراء السلعة،
فلا يعتبر ذلك، فلا بد من أن يقدر اللبث مدة. [البناية ٢٠/٣]
موجبتان: فإن مدة الطهر توجب إعادة ما سقط من الصوم والصلاة بحكم الحيض، ومدة الإقامة يُوجب ما
سقط بحكم السفر فكما قدِّر أدنى مدة الطهر بخمسة عشر يوماً، فكذلك يقدِّر أدنى مدة الإقامة. [البناية ٢٠/٣]
* رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلى، أن عليا خرج من البصرة، فصلى
الظهر أربعاً ثم قال: إذا لوجاوزنا هذا الخص لصلينا ركعتين. [رقم: ٨١٤٩، باب المسافر من كان يقصر
الصلاة] رواته ثقات "آثار السنن". [إعلاء السنن ٣١١/٧-٢٠٤/٢]
"ورواه عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا سفيان الثورى عن داود بن أبي هند أن علياً لما خرج إلى البصرة
رأى خصا فقال: لولا هذا الخص لصلينا ركعتين، فقلت: وما الخص؟ قال: بيت من قصب. [رقم:
٤٢١٩، باب المسافر متى يقصر اذا خرج مسافر ٥٢٩/٢] أخرج الطحاوي عنهما قالا: إذا قدمت بلدة،
وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر ليلة، فأكمل الصلاة بها وإن كنت لا تدري متى تظعن
فأقصرها. [نصب الراية ١٨٣/٢] وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن مجاهد أن ابن عمر كان إذا أجمع على
إقامة خمسة عشر يوما، أقم الصلاة. [٢٠٨/٢، رقم: ٨٢١٧، باب في المسافر يطبل المقام في المعرج]

٣٦٤
باب صلاة المسافر
والأَثَرُ في مثله كالخبر. والتقييد بالبلدة والقرية يشير إلى أنه لا تصح نيةُ الإقامة في
المفازة، وهو الظاهر. ولو دخل مصرًا على عزم أن يخرج غدًا أو بعد غد ولم ينو مدة
الإقامة، حتى بَقِي على ذلك سنين قصَر؛ لأن ابن عمر أقام بآذرَبِيجانَ ستة أشهر،
وكان يقصُرٌ، وعن جماعة من الصحابة مثل ذلك، ** وإذا دخل العسكرُ أرضَ
الحرب، فنوَوا الإقامة بها قصروا، وكذا إذا حاصروا فيها مدينة، أو حصنا؛ لأن الداخل
بين أن يهزِمَ فَقِرُّ، وبين أن يَنْهزمَ فيفرّ، فلم تكن دارَ إقامة،
كالخبر: لأنه لا دخل للرأي فيه، فالظاهر أن الصحابي رواه عن النبي ◌ُّ. في المفازة: وفي "المجتبى": لا يبطل
السفر إلا بنية الإقامة، أو دخول الوطن، أو الرجوع إليه قبل الثلاثة. وهو الظاهر: أي الظاهر من
الرواية، احتراز عمّا روي عن أبي يوسف أن الرعاة إذا نزلوا موضعاً كثير الكلا والماء، ونووا الإقامة
خمسة عشر يوماً والكلأ والماء يكفيهم لتلك المدة، صاروا مقيمين وكذلك أهل الأخبية. [العناية ١٠/٢]
بآذر بيجان: بفتح الهمزة والراء وسكون الذال المعجمة موضع. (الكفاية) قصروا: وبه قال مالك وأحمد،
وقال زفر: يتمون وهو رواية عن أبي يوسف مطالبه. (البناية)
* رواه عبد الرزاق في مصنفه عن نافع أن ابن عمر أقام بآذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة. قال: وكان
يقول: إذا أزمعتَ إقامة فأتمّ. [رقم: ٤٣٣٩، ٥٣٢/٢، باب الرجل يخرج في وقت الصلاة]
قوله: "وعن جماعة من الصحابة مثل ذلك" أي مثل ما روي عن أنس أخرجه البيهقي في "السنن
الكبرى" عن يحيى بن أبي كثير عن أنس "أن أصحاب رسول الله (﴿﴿ أقاموا برَامَهُرْمُزْ تسعة أشهر يقصرون
الصلاة".[١٥٢/٣، باب من قال يقصر أبدا ما لم يجمع مكثا] وإسناده حسن، وقال النووي: إسناده
صحيح، وكذا صحح إسناده الحافظ في "الدراية"، وفيه عكرمة بن عمار مختلف فيه، واحتج به مسلم،
كذا في "آثار السنن". [إعلاء السنن ٣٢٢/٧] وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عبد الرحمن بن سمرة قال:
"كنا معه في بعض بلاد فارس سنتين، وكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين". [رقم: ٤٣٥٢، باب الرجل
يخرج في وقت الصلاة] وإسناده صحيح. [إعلاء السنن ٣٢٢/٧]

٣٦٥
باب صلاة المسافر
وكذا إذا حاصروا أهلَ البغي في دار الإسلام في غير مصر، أو حاصروهم في البحر؛
لأن حالهم مبطل عزيمتهم، وعند زفر يصحُّ في الوجهين إذا كانت الشوكة لهم؛
للتمُّن من القرار ظاهراً، وعند أبي يوسف بالله يصح إذا كانوا في بيوت المَدَر؛ لأنه
موضع إقامة. ونية الإقامة من أهل الكَلأ - وهم أهل الأخبية - قيل: لا تصح،
والأصح: أنهم مقيمون، يُروى ذلك عن أبي يوسف بح اله؛ لأن الإقامة أصل، فلا
تبطل بالانتقال من مَرْعَّى إلى مَرْعَّى.
أهل البغي: أهل البغي هم الذين خرجوا على السلطان. (البناية) في دار الإسلام إلخ: إنما ذكره وإن
كان يعلم حكمه من حكم أهل الحرب لدفع ما عسى يتوهم أن نية الإقامة في دار الحرب إنما لم تصح؛
لأنها منقطعة عن دار الإسلام، فكانت كالمفازة بخلاف مدينة أهل البغي، فإنها في يد أهل الإسلام، فكان
ينبغي أن تصح النية. [العناية ١١/٢] لأن: وهذا التعليل يدل على أن قوله: في غير مصر، وقوله: "في
البحر" ليس بقيد. (العناية) مبطل عزيمتهم: لأنهم إنما أقاموا الغرض، فإذا حصل ذلك انزعجوا، فلا تكون
عزيمتهم مستقرة، كنية العسكر في دار الحرب. (البناية)
في الوجهين: أي في محاصرة أهل البغي وأهل الحرب. (العناية) الشوكة لهم: أي العسكر المسلمين. (البناية)
لأنه: أي لأن المذكور وهو بيوت المدر. (البناية) وهم أهل الأخبية: أي أهل الكلأ: هم أهل الأخبية،
الأخبية جمع خبايا بالكسر والمد، وهو من وبر أو صوف، ولا يكون من شَعر، وهو على عمودين، أو ثلاثة
وما فوق ذلك. [البناية ٣/ ٢٦-٢٧] لا تصح: أبداً؛ لأنهم ليسوا في موضع الإقامة. (العناية)
مقيمون: ذكر في "المبسوط" اختلف المتأخرون في الذين يسكنون الأخبية في دار الإسلام كالأعراب
والأتراك، فمنهم من يقول: لايكونون مقيمين أبداً؛ لأنهم ليسوا في موضع الإقامة، والأصح أنهم مقيمون،
وعلل فيه بوجهين: أحدهما: أن الإقامة للمرء أصل، والسفر عارض، فحمل حالهم على الأصل أولى.
والثاني: أن السفر إنما يكون عند النية إلى مكان إليه مدة السفر، وهم لا ينوون السفر قط، وإنما ينتقلون
من ماء إلى ماء، ومن مرعى إلى مرعى فكانوا مقيمين باعتبار الأصل. [الكفاية ٢/ ١١- ١٢]
بالانتقال من مرعى إلى مرعى: هذا، لأن عادتهم المقام في المفاوز، فكانت في حقهم كالقرى في حق
أهل القرى. (فتح القدير)

٣٦٦
باب صلاة المسافر
وإن اقتدى المسافر بالمقيم في الوقت أتم أربعا؛ لأنه يتغيّر فرضه إلى أربع؛ للتبعية،
كما يتغير بنية الإقامة؛ لاتصال المغيِّر بالسبب وهو الوقت، وإن دخل معه في فائتة:
لم تجزه؛ لأنه لا يتغير بعد الوقت؛ لانقضاء السبب، كما لا يتغير بنية الإقامة، فيكون
اقتداءُ المفترضِ بالمتفّل في حق القعدة، أو القراءة. وإن صلَّى المسافرُ بالمقيمين
ركعتين: سلم، وأتم المقيمون صلاتهم؛ لأن المقتدي التزم الموافقة في الركعتين، فينفرد
في الباقي كالمسبوق، إلا أنه لا يقرأ في الأصح؛
وان اقتدى المسافر بالمقيم: سواء في ذلك اقتدى به في جزء من صلاته، أو كلها. [البناية ٢٨/٣]
أتم أربعاً: كالعبد والجُندي يَصيران مقيمين بنية المولى والأمير؛ لثبوت التبعية في حقهما، والحكم في
التبع يثبت بشرط الأصل، حتى لو نوى المولى الإقامة، ولم يعلم العبد حتى قصر أياماً، ثم علم قضى
تلك الصلاة. [الكفاية ١٢/٢] للتبعية: لكنه لو أفسد صلاته بعد الاقتداء صلى ركعتين؛ لأنه مسافر
على حاله. (البناية) المغير: وهو الاقتداء. (فتح القدير)
وإن دخل معه إلخ: ولم يقل: وان اقتدى به في غير الوقت، لئلا يرد عليه ما إذا دخل مسافر في صلاة
المقيم في الوقت، ثم ذهب الوقت، فإنها لم تفسد، وقد وجد الاقتداء بعده؛ لأن الإتمام لزمه بالشروع مع
الإمام في الوقت، فالتحق بغيره من المقيمين. [العناية ١٣/٢]
فيكون اقتداء المفترض بالمتنفل إلخ: وتقريره: لأنه لا يتغير بعد الوقت، وإذا لم يتغير كان اقتداؤه عقداً
لا يفيد موجبه، لاستلزامه أحدَ المحذورين؛ لأنه إن سلم على الركعتين، كان مخالفاً لإمامه وهو مفسد.
وإن أتم أربعاً خلط النفل بالمكتوبة قصداً، والقعدة الأولى فرض في حقه، نفل في حق الإمام، وكذلك
القراءة في الأخريين، "فيكون اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة" إن اقتدى به في أول الصلاة، "أو
القراءة" إن اقتدى به في الشفع الثاني وكلمة "أو" لمنع لخلو دون مانعة الجمع؛ لجواز اجتماعهما. (العناية)
الأصح: وإليه مال الكرخي. (الكفاية) احتراز عمَّا قال بعض المشايخ من وجوب القراءة فيما يتمون؛
لأنهم منفردون فيه، ولهذا يلزمهم سجود السهو، إذا سهوا فيه، فأشبهوا المسبوقين. [العناية ١٣/٢]

٣٦٧
باب صلاة المسافر
لأنه مقتَد تحريمةً لا فعلاً، والفرضُ صار مؤَدَّى، فيتركها احتياطاً، بخلاف المسبوق؛
لأنه أدرك قراءةَ نافلة، فلم يتأدَّ الفرضُ، فكان الإتيانُ أولى. قال: ويُستحب للإمام
إذا سلم أن يقول: أُمّوا صلائكم فإنا قومٌ سفْر؛ لأنه عليها قاله: حين صلَّى بأهل
مكة وهو مسافر .* وإذا دخل المسافر في مصره: أتم الصلاة، وإن لم ينو المقام فيه؛
لأنه عليَّ وأصحابه رضوان الله عليهم كانوا يسافرون ويعودون إلى أوطانهم مقيمين
فعلاً: أما أنه مقتد تحريمة، فإنه التزم الأداء معه في أول التحريمة، وأما أنه ليس مقتد فعلاً، فلأن فعل الإمام
قد فرغ بالسلام على رأس الركعتين، وكل من كذلك فهو لاحق، ولا قراءة على اللاحق. [البناية ٣١/٣]
احتياطاً: فإنه بالنظر إلى الاقتداء تحريمة حين أدركوا أول صلاة الإمام، تكره القراءة تحريماً، وبالنظر إلى
عدمه فعلاً، إذا لم يفتهم مع الإمام ما يقضون وقد أدركوا فرض القراءة تستحب، وإذا دار الفعل بين
وقوعه مستحباً، أو محرماً لا يجوز فعله بخلاف المسبوق. [فتح القدير ١٤/٢]
نافلة: وهي قراءة الإمام في الشفع الثاني. (البناية) أن يقول إلخ: هذا يدل على أن العلم بحال الإمام بكونه
مقيماً، أو مسافراً ليس بشرط؛ لأنهم إن علموا أنه مسافر فقوله هذا عبث، وإن علموا أنه مقيم كان
كاذباً، فدل على أن المراد به إذا لم يعلموا حاله، وهو مخالف لما ذكر في "فتاوى قاضي خان" وغيره، أن
من اقتدى بإمام لا يدري أنه مقيم أو مسافر؟ لا يصح اقتداؤه. والتوفيق بينهما ما قيل: إن ذلك محمول
على ما إذا بنوا أمرَ الإِمام على ظاهر حال الإقامة، والحال أنه ليس بمقيم، وسلم على رأس الركعتين،
وتفرقوا على ذلك لاعتقادهم فساد صلاة الإِمام، وأما إذا علموا بعد الصلاة بحال الإمام، جازت صلاتهم،
وإن لم يعلموا بحاله وقت الاقتداء. [العناية ١٤/٢]
سَفْر: بفتح السين وسكون الفاء: جمع مسافر. (البناية) وإذا دخل المسافر في مصره إلخ: وهذا في
مسافر استكمل سير ثلاثة أيام، وفي "المحيط": وإن خرج من مصره مسافراً، ثم بدا له أن يرجع إلى مصره
حاجة قبل أن يتم ثلاثة أيام، صلى صلاة المقيم في انصرافه. [البناية ٣٣/٣]
* الحديث أخرجه أبو داود في سننه عن عمران بن حصين، قال: غزوتُ مع رسول الله ﴿ّ وشهدتُ معه
الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلد! صلوا أربعاً، فإنا قوم سَفْر.
[رقم: ١٢٢٩، باب متى يتم المسافر]

٣٦٨
باب صلاة المسافر
من غير عزم جديد .* ومن كان له وطن، فانتقل عنه، واستوطن غيرَه، ثم سافر
فدخل وطنه الأول: قصر؛ لأنه لم يبق وطناً له، ألا يرى أنه عليها بعد الهجرة عدَّ نفسه
بمكة من المسافرين، ** وهذا؛ لأن الأصل أن الوطن الأصلي يبطل مثله، دون السفر،
من غير عزم جديد: وفيه نظر؛ لأن العزم فعل القلب، وهو أمر باطن، وليس له سبب ظاهر يقوم مقامه،
بل الظاهر من حال المسافر العائد إلى وطنه أن يكون في عزمه المقام فيه، ولعل المراد عزم جديد لمدة الإقامة
خمسة عشر يوماً، فإن الظاهر عدمه. [العناية ١٥/٢] فانتقل عنه: أي بالكلية حتى لو انتقل بنفسه، وأخذ
وطناً في بلدة أخرى، يصير كل واحد منهما وطناً أصلياً. (البناية)
واستوطن غيره: اعلم أن عامة المشايخ قسّموا الأوطان على ثلاثة: وطن أصلي، وهو مولد الرجل أو البلد
الذي تأهل فيه، ووطن إقامة: وهو البلد الذي ينوي المسافر فيه الإقامة خمسة عشر يوماً، ويسمى وطن سفر
أيضاً، ووطن السكنى: وهو البلد الذي ينوي المسافر فيه الإقامة أقل من خمسة عشر يوماً، والمحققون منهم
قسموا إلى الوطن الأصلي، ووطن الإقامة، ولم يعتبروا وطن السكنى وهو الصحيح. [العناية ١٦/٢، ١٥]
عد نفسه: هو في الحديث المذكور آنفاً حيث قال: فإنا قوم سفر. (فتح القدير)
دون السفر: وهو أن يخرج قاصداً مكاناً يصل إليه في مدة السفر؛ لأن الشيء إنما يبطل بما فوقه أو ما
يساويه، وليس فوقه شيء، فيبطل بما يساويه. [العناية ١٦/٢]
* هذا ليس له شاهد، ولا ندري من أين أخذه المصنف، ولا اشتغل به أكثر الشراح ولا ذكره. [البناية ٢٤/٣]
أخرج الطحاوي عن سعيد بن شفيٍّ قال: جعل الناس يسألون ابن عباس عن الصلاة فقال: كان رسول
الله ◌َّ إذا خرج من أهله لم يصل إلا ركعتين حتى يرجع إليهم. [٢٧٨/١، باب صلاة المسافر] وأخرج
البيهقي في "السنن الكبرى" عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: أقصر من مرو قال: لا، قال: أقصر من
عرفات، قال: لا، قال أقصر من جدة، قال: نعم، قال: من الطائف، قال: نعم، قال: فإذا أتيت أهلك أو
ماشيتك فأتم الصلاة. [١٥٦/٣، باب المسافر ينتهي إلى الموضع الذي يريد المقام به]
يشهد له حديث أنس. [نصب الراية ١٨٨/٢] وقد أخرجه البخاري عن يحي بن أبي إسحاق قال: سمعت
**
أنساً يقول: خرجنا مع النبي ◌ّ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة،
قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشراً. [رقم: ١٠٨١، باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر]

٣٦٩
باب صلاة المسافر
ووطنُ الإِقامة يبطل بمثله، وبالسفر وبالأصليِّ، وإذا نوى المسافر أن يقيم بمكة ومنى
خمسة عشر يوماً: لم يُتمّ الصلاة؛ لأن اعتبار النية في موضعين يقتضي اعتبارها في
مواضع، وهو ممتنع؛ لأن السفر لا يَعْرَى عنه إلا إذا نوى المسافر أن يقيم بالليل في
أحدهما، فيصير مقيماً بدخوله فيه؛ لأن إقامةَ المرء مضافةٌ إلى مَبيته. ومن فاتته صلاة
في السفر: قضاها في الحضر ركعتين، ومن فاتته في الحضر: قضاها في السفر أربعاً؛
لأن القضاء بحسب الأداء، والمعتبرُ في ذلك آخرُ الوقت؛
ووطن الإقامة يبطل بمثله: صورته: خراساني قدم الكوفة، فأقام بها، وأتم الصلاة، ثم خرج إلى البصرة،
فوطن نفسه على الإقامة خمسة عشر يوماً فأقام بالبصرة أياماً على تلك النية، ثم يريد خراسان، ومر بالكوفة،
فإنه يقصر الصلاة؛ لأنه انتقض وطنه الحادث بالكوفة توطنه الحادث بالبصرة. [البناية ٣٥/٣-٣٦]
وبالسفر: أي يبطل وطن الإقامة بالسفر، يعني بانشائه؛ لأن السفر ضده. (البناية)
وبالأصلي: أي يبطل وطن الإقامة بالوطن الأصلي؛ لأنه أقوى منه. (البناية) لم يتم الصلاة: لأنه لم ينو
الإقامة في كل واحد منهما خمسة عشر يوماً. (البناية) وهو ممتنع: يعني لو صح نيته بموضعين، يصح
بمواضع، فيؤدي ذلك إلى القول بأن السفر لا يتحقق؛ لأنك إذا جمعتَ إقامة المسافر في المراحل ربما يزيد
ذلك على خمسة عشر يوماً.
مضافة إلى مبيته: ألا ترى أنك إذا قلت للسوقي: أين تسكن؟ يقول: في محلة كذا، وهو بالنهار يكون في
السوق. [الكفاية ١٨/١] ركعتين: هو أيضاً قول مالك والشافعي في القديم، وقال في الجديد: لا يقصر في
الحضر، واختاره المزني، وبه قال أحمد وأبو داود؛ لأن المرخص هو السفر، وقد زال. (البناية)
قضاها في السفر أربعا: لا أعرف فيه خلافاً. [البناية ٣٨/٢] بحسب الأداء: يعني أن كل من وجب عليه
أداء أربع، قضى أربعاً، ومن وجب عليه أداء ركعتين، قضى ركعتين. (العناية) آخر الوقت: أي في الأداء
آخر الوقت، وهو قدر التحريمة يعتبر حال المكلف من السفر والإقامة والحيض والطهر، والبلوغ والإسلام في
ذلك الجزء. [الكفاية ١٨/٢]

٣٧٠
باب صلاة المسافر
لأنه المعتبر في السببية عدم الأداء في الوقت. العاصي والمطيع في سفرهما في الرخصة
سواء، وقال الشافعي: سفرُ المعصية لا يُفيدُ الرخصةَ؛ لأنها تثبت تخفيفاً، فلا تتعلَّق بما
يُوجب التغليظَ. ولنا: إطلاقُ النصوص، ولأن نفسَ السفر ليس بمعصية، وإنما المعصية
ما يكون بعده، أو يجاوره، فصلُح تعلّق الرخصة. والله أعلم.
لأنه المعتبر إلخ: لا يقال: عند عدم الأداء في كل الوقت يضاف الوجوب إلى كل الوقت، لا إلى الجزء الأخير،
ولهذا لم يجز عصر أمسه عند غروب الشمس؛ لأنا نقول: المعتبر في السبية هو الجزء الأخير عند عدم الأداء في
كل الوقت بالنظر إلى حال المكلف، وإن لم تعتبر صفة الجزء الأخير بعد الفوات. [الكفاية ١٨/٢-١٩]
العاصي: هو الذي يخرج لقطع الطريق أو الإباق. (البناية) الرخصة: وبه قال مالك وأحمد. (البناية)
تخفيفاً: أي لأجل التخفيف على المكلف. (البناية) التغليظ: أي الذي يوجب التغليظ هو المعصية. (البناية)
إطلاق النصوص: قوله (38: "صلاة المسافرركعتان". (الكفاية) أي نصوص الرخصة، قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وقال عليًا: "يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها"
الحديث، وما قدمنا من الأحاديث المفيدة تعليق القصر على مسمى السفر. [فتح القدير ١٩/٢].
ما يكون بعده: وهو قطع الطريق. (الكفاية) أو يجاوره: كما في الإباق وعقوق الوالدين. (البناية)

٣٧١
باب صلاة الجمعة
باب صلاة الجمعة
لا تصح الجمعةُ إلا في مصرٍ جامع، أو في مصلّى المصر، ولا تجوز في القرى؛
لقوله عليه: "لا جمعة، ولا تشریقَ، ولا فطرَ، ولا أضحی إلا في مصر جامع"،
*
صلاة الجمعة: مناسبته مع ما قبله تنصيف الصلاة لعارض إلا أن التنصيف هنا في خاص من الصلاة، وهو
الظهر، وفيما قبله في كل رباعية، وتقديم العام هو الوجه. [فتح القدير ٢١/٢] مصر جامع: شرائط لزوم
الجمعة اثني عشر، ستة في نفس المصلي، وهي: الحرية، والذكورة، والإقامة، والصحة، وسلامة الرِّجلين،
والبصر، وقال: يجب على الأعمى إذا وجد قائداً، وستة في غير نفس المصلي، وهي: المصر الجامع،
والسلطان، والجماعة، والخطبة، والوقت والإظهار، حتى إن الوالي لو أتى على باب المصر، وجمع فيه
بحثمة، ولم يأذن الناس بالدخول لم يجز، كذا ذكره التمرتاشي بحالته. [البناية ٤٧/٣-٤٨]
أو في مصلي: نحو مصلى العيد. (البناية) المصر: أعني فناءه. (فتح القدير) ولا تجوز في القرى: إنما قال:
لا يجوز في القرى مع أنه مستعار من قوله: لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع؛ نفياً لمذهب الشافعي محافظته،
فإنه لا يشترط المصر، بل يجوزها في كل موضع إقامة أسكنه أربعون رجلاً أحراراً لا يظعنون منه شتاء ولا صيفاً،
وبه قال أحمد، وقال مالك: تقام بأقل من أربعين. [البناية ٤٩/٣]
* قال الزيلعي: هذا مرفوعاً غريب، وإنما وجدناه موقوفاً عن علي ظله، وأخرجه البيهقي في "المعرفة" عن
شعبة عن زبيد الأيامي به، قال: وكذلك رواه الثوري عن زبيد به، وهذا إنما يروى عن على موقوفاً، فأما
النبي ◌ُّ فإنه لا يروى عنه في ذلك شيء. قلت: قال الزيلعي: وجدناه موقوفاً وقوف البيهقي لم يرو عن
النبي ◌ّ لا يستلزم عدم وقوف غيره على كونه مرفوعا، والإثبات مقدم على النفي، وقد ذكر الإمام
خواهر زاده في "مبسوطه" أن أبا يوسف ذكره في الإملاء مسنداً مرفوعاً إلى النبي عليا، وأبو يوسف إمام
الحديث حجة إلخ. [البناية ٣/ ٥١] أي فيكون رفعه حجة؛ لأنه زيادة من ثقة، فتقبل. [إعلاء السنن ٦/٨]
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي عبد الرحمن قال: قال علي: "لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر
ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة".[١٠١/٣، باب من قال لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع]
وإسناده صحيح، كذا في "عمدة القاري". [إعلاء السنن ٥/٨]

٣٧٢
باب صلاة الجمعة
والمصر الجامع: كل موضع له أمير وقاضٍ يُنَفّذُ الأحكامَ، ويُقيم الحدودَ، وهذا
عن أبي يوسف مثله، وعنه: أنهم إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يَسَعْهم، والأول
اختيار الكرخي، وهو الظاهر، والثاني اختيار الثلجي، والحكم غير مقصور على
المصلِّى، بل يجوز في جميع أفنية المصر؛ لأنها بمنزلته في حوائج أهله، وتجوز بمنىّ
والمصر الجامع إلخ: وقد اختلفوا فيه: فعن أبي حنيفة هو ما يجتمع فيه مرافق أهله دنيا وديناً، وعن أبي يوسف:
كل موضع فيه أمير وقاض ينفذ الأحكام، ويقيم الحدود فهو مصر تجب على أهله الجمعة، وهكذا
روى الحسن عن أبي حنيفة في كتاب صلاته، وفيه أيضاً: قال سفيان الثوري: المصر الجامع ما يعده الناس
مصراً، عند ذكر الأمصار المطلقة، كبخارى، وسمرقند. وقال الكرخي: المصر الجامع ما أقيمت فيه الحدود،
ونفذت فيه الأحكام، وهو اختيار الزمخشري، وعن أبي عبد الله البلخي أنه قال: أحسن ما سمعت إذا
اجتمعوا في أكبر مساجدهم فلم يسعوا فيه، فهو مصر جامع، وعن أبي حنيفة بدلته: هو بلدة كبيرة فيها
سكك وأسواق، ولها رساتيق، ويرجع الناس إليه فيما وقعت لهم من الحوادث. [البناية ٥١/٣-٥٢]
له أمير: والمراد بالأمير: وال يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم. (العناية) ينفذ الأحكام: أي يقدر على ذلك.
ويقيم الحدود: وذكر إقامة الحدود مع أنها تستفاد من قوله: ينفذ الأحكام لزيادة خطرها، وعلو شأنها؛ إذ لا تقام هي بدليل فيه
شبهة، ولأنه لا يلزم من جواز تنفيذ الأحكام جواز إقامة الحدود، فإن المرأة إذا كانت قاضية يجوز قضاؤها في كل شيء من
الأحكام، ولا يجوز في الحدود والقصاص. [الكفاية ٢٣/٢] الظاهر: أي من المذهب. (فتح القدير)
الثلجي: وهو الإمام محمد بن الشجاع أحد أصحاب أبي حنيفة مح له، ونسبته إلى ثلج بالثاء المثلثة. [البناية ٣/ ٥٣]
في جميع أفنية المصر: وفي "المحيط": اختلف الناس في تقدير فناء المصر، فقدره محمد في "النوادر"، بالغلوة، وفي
"المغرب": الغلوة ثلثمائة ذراع إلى أربعمائة، وقدر أبويوسف مالكه الفناء بميل، أوميلين. [الكفاية ٢٤/٢]
وتجوز بمنى إلخ: لهما في ذلك طريقان: أحدهما: أن منى من فناء مكة، فإنه من الحرم قال الله تعالى: ﴿هَدْياً
بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ سماه باسم الكعبة؛ لكونه تبعاً لها، لما أن الهدايا والضحايا لا تنحر بمكة، بل بمنى، فدل ذلك
على أنه في حكمها، أو في فنائها، وإقامة الجمعة كما يجوز في المصر يجوز في فنائه، أما عرفات فليس من فناء
مكة، بل هي من الحل، وبينها وبين مكة أربعة فراسخ. والثاني: أن منى تتمصر في أيام الموسم؛ لاجتماع
شرائط المصر من السلطان والقاضي، والأبنية والأسواق، قيل: إن فيها ثلاث سكك إلا أنها لا تبقى مصراً
بعد انقضاء الموسم، وبقاؤه مصراً بعد ذلك ليس بشرط؛ لأن الناس بأسرهم على شرف الرحيل من دار
الفناء إلى دار البقاء، أما عرفات فمفازة ليس فيها بناء، فلا يأخذ حكم المصر. [الكفاية ٢٤/٢-٢٦]

٣٧٣
باب صلاة الجمعة
إن كان الأمير أميرَ الحجاز، أو كان الخليفة مسافراً، عند أبي حنيفة وأبي يوسف بعمثًّا،
وقال محمد بحاله: لا جمعة بمنىَّ؛ لأنها من القرى حتى لا يُعَيَّد بها. ولهما: أنها تتمصَّر في
أيام الموسم، وعدمُ التعبيد؛ للتخفيف. ولا جمعة بعرفات في قولهم جميعاً؛ لأنها فضاء،
وبمنى أبنية. والتقييدُ بالخليفة وأمير الحجاز؛ لأن الولاية لهما، أما أمير الموسم فيَلي أمورَ
الحج لا غير. ولا يجوز إقامتها إلا للسلطان، أو لمن أمره السلطانُ، لأنها تقام بجمع
عظیم، وقد تقع المنازعة في التقدم والتقدم، وقد تقع في غيره، فلا بد منه؛ تتميماً لأمره.
أمير الحجاز: هو ما بين تهامة ونجد سمي حجازاً؛ لأنه يحجز بينهما، والتهامة الناحية الجنوبية من الحجاز،
وما وراء ذلك إلى مكة وحده تهامة، وفي "شرح الطحاوي": إن كان الأمير أمير الحجاز، أو أمير العراق،
أو أمير المكة، أو الخليفة معهم مقيمين كانوا أو مسافرين جاز إقامة الجمعة عندهما، وإن كان أمير الموسم،
إن كان مقيماً جاز، وإن كان مسافراً لم يجز. [البناية ٥٤/٣] أو كان الخليفة مسافراً: وإنما قيد بكونه
مسافراً؛ لأحد الأمرين، إما للتنبيه على أنه إذا كان مقيماً كان بالجواز أولى، وإما لنفي توهم أن الخليفة إذا
كان مسافراً لا يقيم الجمعة، كما إذا كان أمير الموسم مسافراً، وفيه إشارة إلى أن الخليفة أو السلطان، إذا
طاف في ولايته، كان عليه الجمعة في كل مصر. [العناية ٢٤/٢]
لأنها: يعني: منى على تأويل القرية. (العناية) ظاهر التعليل وجوب العيد بمكة، وقد ذكر البيري في كتاب
الأضحية، أنه هو من أدركه من المشايخ لم يصلوها فيها، قال: والله أعلم ما السبب في ذلك انتهى، قلت: لعل
السبب أن من له ولاية إقامتها العید یکون حاجاً في من. [رد المحتار٢٨/٥] حتی لا یعید بها: حتى لا يصلي
فيها صلاة العيد فلا يصلي فيها الجمعة. (البناية) للتخفيف: لا لانتفاء المصرية، بل للتخفيف، فإن الناس مشتغلون
بالمناسك، والعيد لازم فيها، فيحصل من الزامه مع اشتغالهم بما هم فيه الحرج، أما الجمعة: فليست بلازمة،
بل إنما تتفق في أحيان من الزمان، فلا حرج مع أنها فريضة والعيد سنة أو واجب. [فتح القدير ٢٥/٢-٢٦]
الولاية لهما: في إقامة الجمعة. (البناية) غير: يعني ليس له ولاية غير الحاج. (البناية)
للسلطان: أراد بالسلطان الخليفة. (البناية) السلطان: يعني إن لم يكن السلطان يكون إقامتها لمن
أمرالسلطان وهو الأمير أو القاضي أو الخطباء. [البناية ٥٦/٣] تقع فى غيره: من نحو أداء من سبق إلى
الجامع، ومن الأداء في أول الوقت وآخره، ومن نصب الخطيب. [الكفاية ٢٧/٢]

٣٧٤
باب صلاة الجمعة
ومن شرائطها: الوقتُ: فتصح في وقت الظهر، ولا تصح بعده؛ لقوله عاليًا: "إذا
بغيره
بنفسه
مالت الشمسُ فصل بالناس الجمعة"،* ولو خرج الوقت وهو فيها استقبل الظهرَ، ولا بينيه
وسرّ ما صلاها بدون الخطبة في عمره،
صلى الله
عليها؛ لاختلافهما. ومنها: الخطبة؛ لأن النبي
**
وهي قبل الصلاة بعد الزوال، به وردت السنة.
***
لقوله عليه: لمصعب بن عمير.(فتح القدير) لاختلافهما: أي لاختلاف الظهر والجمعة. (العناية) من حيث
الكمية والشرائط، وهذا؛ لأن الظهر أربعة، والجمعة ركعتان، ويخص الجمعة بشروط لا تشترط للظهر، والظهر
يخفي فيه، والجمعة يجهر فيها. [البناية ٦٢/٣] الخطبة: بقيد كونها بعد الزوال على ماذكرناه.(فتح القدير)
به وردت السنة: أي بكون الخطبة قبل الصلاة وردت السنة عن النبي ◌ُّ. (البناية)
* غريب. [نصب الراية ١٩٦/٢] وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ضاه "أن النبي ◌ُّ كان
يصلي الجمعة حين تميل الشمس". [رقم: ٩٠٤، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس]
** ذكره البيهقي [نصب الراية ١٩٦/٢] أي قال البيهقي: وأنه إذا لم يخطب صلى الظهر أربعاً؛ لأن بيان
الجمعة أخذ من فعل النبي ◌ّ ولم يصل الجمعة إلا بالخطبة. [السنن الكبرى ١٩٦/٣ باب وجوب الخطبة]
وأيضاً ذكر البيهقي في "السنن الكبرى" عن الزهري قال: بلغنا أن أول ما جمعت بالمدينة قبل أن يَقْدَمَها
رسول الله ® فجمع بالمسلمين مصعب بن عمير قال: وبلغنا أنه لا جمعة إلا بخطبة فمن لم يخطب صلى
أربعاً. [١٩٦/٣، باب وجوب الخطبة]
*** يمكن أخذ هذا في اثنين: أحدهما: حديث السائب بن يزيد، والآخر: حديث أبي موسى الأشعري.
[البناية ٦٣/٣] أخرج البخاري حديث السائب بن يزيد عن الزهري قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: وإن
الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله تَّ وأبي بكر وعمر مُما،
فلما كان في خلافة عثمان بن عفان ضّ وكَثُروا أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على
الزوراء، فثبت الأمر على ذلك. [رقم: ٩١٦، باب التأذين عند الخطبة] ووجهه: أن الأذان لا يكون إلا قبل
الصلاة، فإذا كان حين يجلس الإمام على المنبر للخطبة دل على أن الصلاة بعد الخطبة. [البناية ٣/ ٦٣] وأخرج
مسلم حديث أبي موسى الأشعري عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر: أسمعت
أباك يحدث عن رسول الله (5% في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ◌ُ ◌ّ
يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضي الصلاة. [رقم: ١٩٧٥، باب في الساعة التي يوم الجمعة]

٣٧٥
باب صلاة الجمعة
ويخطب خطبتين يفصل بينهما بقعدة، به جرى التوارُثُ * ويخطب قائماً على
الطهارة؛ لأن القيام فيهما متوارث، ثم هي شرط الصلاة، فيستحب فيها الطهارة
كالأذان، ولو خطب قاعداً، أو على غير طهارة جاز؛ لحصول المقصود، إلا أنه
يكره؛ لمخالفته التوارث، وللفصل بينهما، وبين الصلاة، فإن اقتصر على ذكر الله:
جاز عند أبي حنيفة بالأه، وقالا: لابد من ذكر طويل يُسَمَّى خطبة؛ لأن الخطبة هي
الواجبة، والتسبيحة والتحميدة لا تسمى خطبة.
بقعدة: مقدار ثلاث آيات في ظاهر الرواية، وقال الطحاوي: مقدار ماسمي جلوسه على المنبر. (البناية)
قائماً على الطهارة: أما القيام: فإنه سنة عندنا، وعند الشافعي لا تصح الخطبة قاعداً، وبه قال مالك في
رواية، وعنه كقولهما، وبه قال أحمد. وأما الطهارة: سنة عندنا، لا شرط خلافاً لأبي يوسف والشافعي،
حتى إذا خطب على غير طهارة يكره، وعندهما لا يجوز، وقال الشافعي في القديم كقولهما، وبه قال مالك
وأحمد. [البناية ٦٥/٣] كالأذان: وجه التشبيه بالأذان أن الخطبة ذكرها شبه بالصلاة، من حيث أقيمت
مقام شطرها، وتقام بعد دخول الوقت، والأذان أيضاً يقام بعد دخول الوقت. [البناية ٦٥/٣]
لحصول المقصود: وهو الوعظ والتذكير. [الكفاية ٢٩/٢] لمخالفته التوارث: متعلق بقوله: خطب
قاعداً. (العناية) أراد بالتوارث ما نقل عن النبي ◌ُ ◌ّ ومن الأئمة بعده من القيام في الخطبة. [البناية ٦٦/٣]
وللفصل بينهما: يتعلق بقوله: أو على غير طهارة. (العناية) على ذكر الله: يعني إذا ذكر الله تعالى على
قصد الخطبة، فقال: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، جاز عند أبي حنيفة، وأما إذا قال ذلك
العطاس أو تعجب: فلا يجوز بالاتفاق. [العناية ٣٠/٢] وقالا: وبه قال عامة العلماء. (البناية)
لابد من ذكر طويل إلخ: وقال الإمام أبو بكر: أقل ما سمي خطبة عندنا مقدار التشهد من قوله:
"التحيات لله" إلى قوله: "عبده ورسوله"، وفي "التجنيس": مقدار الجلوس بين الخطبتين، وعند الطحاوي
مقدار ما سمي موضع جلوسه المنبر، وفى ظاهر الرواية مقدار ثلاث آيات. [البناية ٦٨/٣-٦٩]
* قلت: فيه أحاديث. [نصب الراية ١٩٦/٢] أخرج البخاري عن ابن عمر هما قال: "كان النبي ◌َُّ
يخطب قائما ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون الآن". [رقم: ٩٢٠، باب الخطبة قائماً]

٣٧٦
باب صلاة الجمعة
وقال الشافعي بدله: لا يجوز حتى يخطب خطبتين؛ اعتباراً للمتعارف، وله قوله
تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ من غير فصل، وعن عثمان أنه قال: الحمدلله فُرْتِجَ
عليه، فنزل وصلى، ومن شرائطها: الجماعة؛ لأن الجمعة مشتقة منها، وأقلهم عند
أبي حنيفة بحلته ثلاثة سوى الإمام. قالا: اثنان سواه، قال: والأصح أن هذا قول
أبي يوسف بدله وحده، له: أن في "المثنى" معنى الاجتماع، وهي منبئة عنه. ولهما:
أن الجمع الصحيح إنما هو الثلاث؛ لأنه جمع تسميةً ومعنىًّ، والجماعة شرط على حدة،
وكذا الإِمام فلا يُعتبر منهم. وإِن نَفَرِ الناسُ قبل أن يركع الإمام ويسجدَ، ولم يبق
إلا النساء والصبيان، استقبل الظهرَ عند أبي حنيفة ظله.
خطبتين: تشتمل الأولى على التحميدة والصلاة على النبي ◌ُّ، والوصية بتقوى الله، وقراءة آية، وكذلك
الثانية إلا أن فيها بدل الآية الدعاء للمؤمنين والمؤمنات. [العناية ٣٠/٢] اعتباراً للمتعارف: أي للعادة؛
لأن الذي يخطب بأقل من ذلك لا يسمي خطبة في عادة الناس، ولا تخطب بها خطيباً. [البناية ٦٩/٣]
قوله تعالى إلخ: والمراد به الخطبة باتفاق المفسرين. (العناية) فكان الشرط الذكر الأعم بالقاطع، غير أن
المأثور عنه رَّ اختيار أحد الفردين، أعني الذكر المسمى بالخطبة. [فتح القدير ٣٠/٢]
أنه قال: الحمد لله: لم تعرف في كتب الحديث، بل في كتب الفقه. (فتح القدير) فأرتج: بضم الهمزة
وسكون الراء، وكسر التاء المثناة من فوق، وتخفيف الجيم، ومعناه: وقع في وجه أي اختلاط. [البناية ٧٢/٣]
مشتقة منها: فلا يتحقق بدونها، كالضارب لما كان مشتقاً من الضرب لم يتحقق بدونه، وكذا في سائر
المشتقات. [البناية ٧٣/٣] ثلاثة: وبه قال زفر والليث بن سعد. (البناية) اثنان سواه: وبه قال أبو ثور وأحمد
في رواية.(البناية) قول أبي يوسف به وحده: احتراز عما وقع في عامة نسخ المختصر. (الكفاية)
معنى الاجتماع: لأن فيه اجتماع واحد مع آخر. (البناية) منبئة عنه: لما ذكر أن الجمعة مشتقة من
الجماعة. (البناية) لأنه جمع تسمية ومعنى: والمثنى وإن كان جمعاً معنى، فليس بجمع اسماً؛ إذ أهل اللغة
فصَلوا بين التثنية والجمع. [الكفاية ٣٢/٢] والجماعة شرط على حدة: أي وحدها دون الإمام. (البناية)
إلا النساء والصبيان: فلا يعتبر لبقائهم. (البناية)

٣٧٧
باب صلاة الجمعة
وقالا: إذا نفروا عنه بعد ما افتتح الصلاة: صلى الجمعة. فإن نفروا عنه بعد ما ركع
ركعةً وسجد سجدةً بنى على الجمعة، خلافاً لزفر بحثه هو يقول: إنها شرط، فلا بد
من دوامها كالوقت، ولهما: أن الجماعة شرطُ الانعقاد فلا يُشترط دوامها كالخطبة.
ولأبي حنيفة بدله: أن الانعقاد بالشروع في الصلاة، ولا يَتُمُّ ذلك إلا بتمام الركعة؟
لأن ما دونها ليس بصلاة، فلا بد من دوامها إليها، بخلاف الخطبة؛ فإنها تنافي الصلاةَ،
فلا يُشترط دوامها، ولا معتبرَ ببقاء النِّسوان وكذا الصبيان؛ لأنه لا تنعقد بهم الجمعة،
فلا تتم بهم الجماعة. ولا تجب الجمعة على مسافر، ولا امرأة، ولا مريض، ولا عبد،
ولا أعمى؛ لأن المسافرَ يُحَرَجُ في الحضور، وكذا المريض والأعمى، والعبد مشغول
بخدمة المولى، والمرأة بخدمة الزوج، فعُذرُوا؛ دفعا للحرَج والضرر. فإن حضروا فصلوا
مع الناس: أجزأهم عن فرض الوقت؛ لأنهم تحمَّلوه فصاروا كالمسافر إذا صام.
خلافاً لزفر: فعنده يصلي الظهر. (البناية) فلا بد من دوامها: كما في سائر الشروط. (البناية)
كالوقت: ودوامه شرط لصحة الجمعة فكذا دوامها. (العناية) شرط الانعقاد: لأن الأداء قد ينفك عنها كما في
المسبوق واللاحق وما هو كذلك لا يشترط دوامها كالخطبة. [العناية ٣١/٢] ليس بصلاة: لكونه في محل
الرفض؛ لأن ما دون الركعة معتبر من وجه دون وجه. [البناية ٧٩/٣] بخلاف الخطبة: جواب عن قياسهما
الجماعة بها. (العناية) فإنها تنافي الصلاة: حتى لو خطب فيها تفسد صلاته فلم يشترط دوامها. [الكفاية ٣١/٢]
ولا مريض: والشيخ الكبير الذي ضعف ملحق بالمريض، فلا تجب عليه. (فتح القدير)
ولا عبد: وقد اختلفوا في المكاتب والمأذون، والعبد الذي حضر مع مولاه باب المسجد لحفظ الدابة إذا
لم يخل بالحفظ، وينبغي أن يجري الخلاف في معتق البعض إذا كان يسعى. [فتح القدير ٣٢/٢]
مشغول: فصار كالحج والجهاد. (البناية) إذا صام: في رمضان يسقط عنه الفرض فكذا هؤلاء يسقط
عنهم الفرض بحضورهم صلاتهم الجمعة. [البناية ٨٤/٣]

٣٧٨
باب صلاة الجمعة
ويجوز للمسافر والعبد والمريض أن يؤم في الجمعة، وقال زفر محاليه: لا يجزئه؛ لأنه
لا فرض عليه، فأشبه الصبي والمرأة. ولنا: أن هذه رخصةٌ، فإذا حضروا يقع فرضاً على
ما بيناه. أما الصبي: فمسلوب الأهلية، والمرأةُ لا تصلح لإمامة الرجال. وتنعقد بهم
الجمعة؛ لأنهم صَلُحوا للإمامة، فيصلحون للاقتداء بطريق الأولى. ومن صلى الظهرَ في
و
منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام، ولا عذر له كره له ذلك، وجازت صلاته. وقال
زفر مجله: لا يجزئه؛ لأن عنده الجمعة هى الفريضة أصالة، والظهرَ كالبدل عنها، ولا
مصيرَ إلى البدل مع القدرة على الأصل. ولنا: أن أصل الفرض هو الظهر في حق الكافة،
أن يؤم في الجمعة: وبه قال الشافعي في أصح قوليه. (البناية) فأشبه الصبي والمرأة: في عدم جواز
إمامتهما. (البناية) رخصة: وإنما كان السقوط رخصة لهم؛ دفعاً للحرج. (البناية) مابيناه: إشارة إلى قوله:
لأنهم تحملوه إلخ. [فتح القدير ٣٣/٢] فمسلوب: فلم يتناوله الخطاب. (العناية)
وتنعقد بهم الجمعة: أي بالمسافر والعبد والمريض، إشارة إلى رد قول الشافعي: إن هؤلاء تصح إمامتهم،
لكن لا يعتد بهم في العدد الذي تنعقد به الجمعة. [العناية ٣٣/٢] صلاة الإمام: قيد به؛ لأنه إذا صلى
الظهر في منزله بعد ما يصلي الإمام الجمعة جاز بالاتفاق. (البناية) ولا عذر له: قيد به؛ لأن المعذور إذا
صلى الظهر قبل صلاة إمام الجمعة يجوز بالاتفاق. [البناية ٨٥/٣]
كره له ذلك: لا بد من كون المراد حرم عليه ذلك، وصحت الظهر؛ لأنه ترك الفرض القطعي باتفاقهم الذي
هو أكد من الظهر، فكيف لا يكون مرتكباً محرماً؟. [فتح القدير ٣٣/٢] هي الفريضة أصالة: لأنه مأمور
بالسعي إليها منهي عن الاشتغال عنها بالظهر ما لم يتحقق فوت الجمعة، وهذا صورة الأصل والبدل. (العناية)
هو الظهر: بالنص وهو قول النبي (ّ: "وأول وقت الظهر حين تزول الشمس" مطلقاً في الأيام.
في حق الكافة: لأن التكليف بحسب القدرة، والمكلف بالصلاة في هذا الوقت متمكن بنفسه من أداء الظهر
دون الجمعة؛ لتوقفها على شرائط لا تتم به وحده، فكان التكليف بالجمعة تكليفاً بما ليس في الوسع، إلا أنه أمر
بإسقاط الظهر بأداء الجمعة عند استجماع شرائطها فكان العدول عنها مع القدرة مكروهاً. [العناية ٣٤/٢]

٣٧٩
باب صلاة الجمعة
هذا هو الظاهر إلا أنه مأمور بإسقاطه بأداء الجمعة، وهذا؛ لأنه متمكّن من أداء الظهر
بنفسه دون الجمعة؛ لتوقفها على شرائط لا تتم به وحده، وعلى التمكن يدور التكليف.
فإِن بدا له أن يحضُرها، فتوجه إليها والإِمامُ فيها: بطل ظُهرُه عند أبي حنيفة بحاله
بالسعي. وقالا: لا يبطل حتى يدخل مع الإمام؛ لأن السعي دون الظهر، فلا ينقُضه
بعد تمامه، والجمعةَ فوقها فينقضها، وصار كما إذا توجَّه بعد فراغ الإِمام. وله: أن
السعي إلى الجمعة من خصائص الجمعة، فيُنَزَّلُ منزلتها في حق ارتفاض الظهر؛
احتياطاً، بخلاف ما بعد الفراغ منها؛ لأنه ليس بسعي إليها.
هذا هو الظاهر: ظاهر المذهب عند أصحابنا الثلاثة، وأشار به إلى أن في هذا اختلاف الرواية، ففي "الذخيرة":
فرض الوقت الظهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف بحثًا، وهو قول محمد بحالته الأول، وفي قوله الآخر: الفرض
أحدهما غير عين، وإنما يتعين بالفعل إلا أن الجمعة آكد من الظهر. [البناية ٨٦/٣] وهذا: أي ما ذكرنا من
كون الظهر هو الأصل، وكونه مأمور بإسقاطه بأداء الجمعة. (البناية) فإن بدا له: أي بدا لمن صلى الظهر في
منزله قبل صلاة الإِمام معذوراً كان أو غيره. (العناية) بطل ظهره: الذي صلاها في منزله. (البناية)
وقالا: إلخ: ذكر الإمام التمرتاشي به، وكذا الخلاف في المعذور لو صلى، ثم توجه إليها، وكذا أيضاً في
"المحيط". (الكفاية) يدخل مع الإمام: وفي هذا اللفظ إشارة إلى أن الإتمام مع الإمام ليس بشرط؛
لارتفاض الظهر عندهما. (الكفاية) لأن السعي: إذ هو ليس مقصود بنفسه بل هو وسيلة إلى أدا الجمعة،
والظهر فرض مقصود وما هو دون الشيء. [العناية ٣٤/٢]
فلا ينقضه: أي فلا ينقض السعي الظهرَ بعد تمام الظهر؛ لأن الأعلى لا ينتقض بالأدنى. [البناية ٨٨/٣]
وصار: أي هذا الذي بدا له أن يتوجه والإمام فيها، ولم يدخل معه. (البناية)
من خصائص الجمعة: لكونها صلاة مخصوصة بمكان لا تمكن الإقامة إلا بالسعي إليها فكان السعي مخصوصاً
بها، بخلاف سائر الصلوات. [العناية ٣٤/٢] احتياطاً: إذ الأقوى يحتاط في إثباته ما لا يحتاط في إثبات
الأضعف. (البناية) بخلاف: جواب عن قياسهما وهو واضح. (العناية) بسعي إليها: أي إلى الجمعة،
فلا يبطل الظهر. (البناية)