Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦٠ باب الأذان حين وجد النبيَّ عليّها راقداً، فقال علي: "ما أحسن هذا يا بلال! اجعله في أذانك"،* وخصَّ الفجر به؛ لأنه وقتُ نومٍ وغفلة، والإقامة مثل الأذان، إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح: "قد قامت الصلاة" مرتين، هكذا فعل الملَكُ النازل من السماء* وهو المشهور، ثم هو حجة على الشافعي له في قوله: إنها فرادی فرادی إلا قوله: "قد قامت الصلاة"، مرتین. وپترسّل اجعله: وهو للندب بقرينة قوله: "ما أحسن هذا". (البحر الرائق) على الشافعي: فإنه يقول: يشفع الأذان، ويوتر الإقامة؛ لحديث أنس، أن النبي ◌ُ ◌ّ: أمر بلالاً بذلك. (العناية) ويترسل إلخ: بيان السنن التي فيه، وهي نوعان: ما يرجع إلى نفس الأذان، ومايرجع إلى صفات المؤذن، فالأول: هو أن يأتي به رافعاً صوته ويفصل بين كلمتي الأذان بسكتة مطولاً غير مطرب وهو الترسل من "ترسل في قراءته" إذا تمهل فيها وتوقف، ولا يفصل بين كلمتي الإقامة بل يجعلهما كلاماً واحداً وهو الحدر، ويكون صوته أخفض من صوت الأذان، ويرتب بين كلمات الأذان والإقامة كما شرع فإن قدم بعضاً وأخر بعضاً فالأفضل الإعادة؛ مراعاةً للترتيب، وأن يوالي بين كلمات الأذان والإقامة حتى لو ترك الموالاة فالسنة أن يعيد الأذان ويستقبل بهما القبلة إلا في الصلاة والفلاح. والثاني: وهو أن يكون ذكراً عاقلاً صالحاً عالماً بالسنة وبأوقات الصلاة، فأذان الصبي العاقل صحيح من غير كراهة في ظاهر الرواية، وأذان البالغ أفضل، وأذان غير العاقل والسكران يعاد، وكذلك أذان المرأة. [العناية ٢١٣/١] * الحديث أخرجه الطبراني في "معجمه الكبير" عن حفص بن عمر، عن بلال أنه أتى النبي مُ﴾ّ يؤذنه بالصبح فوجده راقداً، فقال: "الصلاة خير من النوم مرتين"، قال النبي ◌ُ﴾®: "ما أحسن هذا يا بلال! اجعله في أذانك". [٣٥٥/١، رقم: ١٠٨١] وأخرج ابن ماجه في سننه عن سعيد بن المسيب عن بلال أنه أتى النبي ◌ُّ يؤذنه لصلاة الفجر فقيل: هو نائم فقال: "الصلوة خير من النوم، الصلاة خير من النوم"، فأُقرّت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك. [رقم: ٧١٦، باب السنة في الأذان] ** أخرجه أبو داود عن ابن أبي ليلى عن معاذ بن جبل - وفيه -: فجاء عبد الله بن زيد رجل من الأنصار - وقال فيه - : فاستقبل القبلة، قال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة - مرتين - حي على الفلاح - مرتين _ الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم أمهل هُنية، ثم قام، فقال: مثلها إلا أنه قال: زاد بعد ما قال : = ١٦١ باب الأذان في الأذان، ويحدُر في الإقامة؛ لقوله عاليًا لبلال: "إذا أذَّنتَ فترسَّل، وإذا أقمتَ فاحدُر"،* وهذا بيان الاستحباب. ويستقبل بهما القبلةَ؛ لأن الملك النازل من السماء أَذّن مستقبل القبلة، ** ولو ترك الاستقبال جاز؛ لحصول المقصود، ويُكره؛ لمخالفته السنة. ويُحوّل وجهَه للصلاة والفلاح يَمْنَةً ويَسْرَةً؛ لأنه خطاب للقوم فیواجههم به، في الإقامة: لو ترسل فيها قيل: يكره لمخالفة السنة، وقيل ما ذكره في المتن: يشير إلى عدم الكراهة حيث قال: "وهذا بيان الاستحباب"، والحق هو الأول؛ لأن المتوارث الترسل فيكره تركه، وفي "فتاوى قاضيخان": أذن ومكث ساعة ثم أخذ في الإقامة فظنها أذاناً فصنع كالأذان [فقيل له: هذه إقامة]. فعرف يستقبل الإقامة؛ لأن السنة في الإقامة الحدر، فإذا ترسل ترك سنة الإقامة وصار كأنه أذن مرتين. [فتح القدير ٢١٣/١] ويستقبل: إلا في الحيعلتين. ويُحوّل: وقال الحلواني: إذا أذن لنفسه لا يُحوِّل، والصحيح: أنه يحول. [مجمع الأنهر ١١٦/١] يَمْنةً ويَسرةً: ثم قيل: يلتفت يمنة للصلاة ويسرة للفلاح، وقيل: يمنة ويسرة لكل منهما، واختار بعضهم الأول، والثاني أوجه. [فتح القدير ٢١٣/١] فيواجههم: ويقع لمن خلفه إعلام بذلك الالتفات مع ثبات القدمين، فلا حاجة إلى ارتكاب المكروه باستدبار القبلة اللازم من مواجهتهم. [فتح القدير ٢١٣/١] = "حي على الفلاح": قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قال: فقال رسول الله وُّ: "لقنها بلالاً" فأذن بها بلال. [٣٩٤/١-٣٩٥، رقم: ٥٠٨، باب كيف الأذان] * أخرجه الترمذي في جامعه عن جابر بن عبد الله، - وفيه -: أن رسول الله ◌ُ﴾ قال لبلال: يا بلال! إذا أُذَّنْتَ فترسَّل في أذانك، واذا أقمت فاحدُر، قال أبو عيسى: حديث جابر هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه: من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول. [١٥١/١، رقم: ١٩٥، باب ما جاء في الترسل في الأذان] وأخرج الدار قطني في سننه عن أبي الزبير - مؤذن بيت المقدس - قال: جاء نا عمر بن الخطاب فقال: إذا أذنت فترسل، واذا أقمت فاحذم. وليس في إسناده إلا أبو الزبير مؤذن بيت المقدس، وهو تابعي قديم مشهور يعني أن سنده محتج به. [إعلاء السنن ١١٦/٢] ** أخرجه أبو داود في سننه عن ابن أبي ليلى عن معاذ بن جبل - وفيه -: فجاء عبد الله بن زيد - رجل من الأنصار، وقال فيه: فاستقبل القبلة. الحديث. [٣٩٥/١، رقم: ٥٠٨، باب كيف الأذان] ١٦٢ باب الأذان وإن استدار في صَوْمَعته فحَسَن. مراده: إذا لم يستطع تحويْلَ الوجه يميناً وشمالاً مع ثبات قدميه مكانهما كما هو السنة،* بأن كانت الصومعةُ متسعةً، فأما من غير حاجة فلا. والأفضل للمؤذّن أن يجعل إصبعيه في أذنيه، بذلك أَمَرَ النبي عليها بلالاً ضَه) ** ولأنه أبلغ في الإعلام، وإن لم يفعل فحسن؛ لأنها ليست بسنة أصلية. في صومعته: وهي الموضع العالي على رأس المئذنة، يقف فيها يؤذن. مراده إلخ: يعني إذا كانت مأذنة بحيث لو حَوَّلَ وجهَه مع ثبات قدميه لا يحصل الإعلام، استدار فيها، فيخرج رأسه من الكوة اليمنى، ويقول: ما قاله، ثم يذهب إلى الكوة اليسرى، فيفعل فيه ما فعل. [مجمع الأنهر ١١٦/١] متسعة: لا يمكنه الإعلام إلا بالاستدارة، فعلى هذا قوله: "بأن كانت" متعلق بنفي الفعل أي عدم الاستطاعة بسبب أن كانت الصومعة متسعة، أو معناه: إذا لم يقدر على التحويل مع ثبات قدميه؛ لخوف السقوط بأن كانت الصومعة مئذنةً ضيقة، ففي المكان المرتفع الضيقّ لا يمكن التحول مع إثبات قدميه، فكان قوله: بأن كانت متعلقاً بالفعل المنفي. إصبعيه: لأنه أبلغ في الإعلام. وجاز وضع يديه أيضًا كما في "الدرر". (مجمع الأنهر) فحسن: أي فالأذان حسن لا ترك الفعل؛ لأنه وإن لم يكن من السنن الأصلية، حيث لم يذكر في حديث عبد الله بن زيد وهو الأصل في باب الأذان، لكنه فعل أمر به النبي تُّ بلالاً، فلا يليق أن يوصف تركه بالحسن، ولم يؤثر في زوال الحسن المتمكن في نفس الأذان الذي هو من سنن الهدى، فكان معناه أن الأذان بذلك الفعل أحسن، وبتركه حسن. (العناية) أصلية: أي لم يكن في أذان الملك النازل من السماء؛ ولهذا لم يذكر في حديث عبد الله بن زيد خلقه، وهو الأصل، وإنما كان ذلك لإقامة سنة الصوت، ألا ترى إلى قوله عليها: "فإنه: أندى لصوتك"، علَّل بذلك. [الكفاية ٢١٤/١] * أخرجه مسلم في صحيحه عن عون ابن أبي ◌ُحَيفة عن أبيه - وفيه -: قال: فخرج النبي ◌ُّ عليه حلة حمراء. كأني أنظر إلى بياض ساقيه. قال: فتوضأ وأذن بلال، قال: فجعلت أَتَتَبَّع فاه ههنا وههنا - يقول: يميناً وشمالاً - يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح ... إلخ. [١٧٢٩/٣, رقم: ١٠٩٩، باب سترة المصلي] ** أخرجه ابن ماجه في سننه عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد - مؤذن رسول الله ہے - حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله ﴿وَّ أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: إنه أرفع لصوتك. [رقم: ٧١٠، باب السنة في الأذان] ١٦٣ باب الأذان والتثويب في الفجر: "حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح" مرتين بين الأذان والإقامة، حسن؛ لأنه وقت نوم وغفلة، وكُرٍ في سائر الصلوات، ومعناه: العود إلى الإعلام بعد الإعلام، وهو على حسب ما تعارفوه، وهذا التثويب أحدثه علماءُ الكوفة بعد عهد الصحابة هچ؛ لتغير أحوال الناس، وخصُّوا الفجر به؛ لما ذكرنا، والمتأخرون استحسنوه في التشویب الصلوات كلها؛ لظهور التّواني في الأمور الدينية. وقال أبو يوسف رحلته: والتثويب: والتثويب في الفجر: "الصلاة خير من النوم" كما في الترمذي، قال في "المبسوط": أما معنى التثويب لغةً: الرجوع، ومنه سمي الثواب به؛ لأن منفعة عمله تعود إليه، ويقال: "ثاب إلى المريض نفسه" إذا برئ، فهو عود إلى الإعلام بعد الإعلام. سائر الصلوات: لما روي أن عليًا ظنّه رأى مؤذَّنا يثوب في العشاء، فقال: أخرجوا هذا المبتدع من المسجد، وروى مجاهد قال: دخلت مع ابن عمر تنّما مسجداً، يصلي فيه الظهر، فسمع مؤذِّنا يثوب فغضب وقال: قم، حتى نخرج من عند هذا المبتدع. [العناية ٢١٤/١] معناه إلخ: أي معنى الثويب العود إلى الإعلام بعد الإعلام وهذا معناه الشرعي، وفي اللغة: التثويب الرجوع مطلقاً كما ذكرناه "وهو" أي التثويب "على حسب ما تعارفوه" أي ما تعارفه أهل كل بلدة من التنحنح، أو قوله: "الصلاة الصلاة" أو قوله: "قامت قامت"؛ لأنه للمبالغة في الإعلام وإنما يحصل ذلك بما تعارفوه "وهذا" إشارة إلى قوله: "والتثويب في الفجر حي على الصلاة حي على الفلاح" مرتين بين الأذان والإقامة تثويب أحدثه علماء الكوفة بعد عهد الصحابة ، أي بعد زمانهم؛ لتغير أحوال الناس وهو توانيهم وكسلهم في باب العبادة "وخصوا الفجر به" أي خص علماء الكوفة الفجر بالتثويب يعني لم يثوبوا إلا في الفجر خاصة "لما ذكرنا" وهو قوله: "لأنه وقت نوم وغفلة، والمتأخرون استحسنوه" أي العلماء المتأخرون استحسنوا التشويب "في الصلوات كلها، لظهور التواني في الأمور الدينية" فعلى هذا استحسان المتأخرين إحداثاً بعد إحداث، وفي "الجامع البرهاني": نزل سائر الأوقات في زماننا منزلة وقت الفجر في زمان النبي ◌ُّ. قلت: استحسان المتأخرين التثويب في كل الصلوات ليس بلفظ معين ولا شرطوا عين ذلك اللفظ بل ذكروا ما تعارفوا. [البناية ١٠٦/٢] قال أبو يوسف: في شرح "الجامع الصغير" لقاضي خان: وإنما قال أبو يوسف ذلك: في أمراء زمانه؛ لأنهم كانوا مشغولين بالنظر في أمور الرعية، فاستحسن زيادة الإعلام في حقهم، ولا كذلك أمراء زماننا. (النهاية) ١٦٤ باب الأذان لا أرى بأسًا أن يقول المؤذن للأمير في الصلوات كلها: "السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله." واستبعده محمد محافظته؛ لأن الناس سواسيةٌ في أمر الجماعة. وأبويوسف رحله خصّهم بذلك؛ لزيادة اشتغالهم بأمور المسلمين؛ كيلا تفوتهم الجماعة، وعلى هذا القاضي والمفتي. ويجلس بين الأذان والإقامة إلا في المغرب، وهذا عند أبي حنيفة وحده. وقالا: يجلس في المغرب أيضًا جلسةً خفيفة؛ لأنه لا بد من الفصل؛ إذ الوصل مكروه، ولا يقع الفصل بالسكتة؛ لوجودها بين كلمات الأذان، فيفصل بالجليسة كما بين الخطبتين. واستبعده: أقول: لا وجه لاستبعاده، أولم يسمع ما ورد في الأحاديث من أن بلالاً كان يحضر بباب الحجرة النبوية، ويخبره بالصلاة بعد ما أذن في الفجر، وهذا هو أصل أبي يوسف في التخصيص. سواسية: جمع سواء على خلاف القياس. (النهاية) والمفتي: وكل من يعمل للعامة. (النهاية) ويجلس: لا خلاف أن وصل الأذان بالإقامة مكروه؛ لأن المقصود بالأذان إعلام الناس بدخول الوقت؛ ليتأهبوا للصلاة بالطهارة، فيحضروا المسجد لإقامة الصلاة، وبالوصل ينتفي هذا المقصود، فإن كانت الصلاة مما يتطوع قبلها، مسنونًا كان أو مستحبًا، يفصل بينهما بالصلاة؛ لقول النبي ◌ُلّ: "بين كل أذانين صلاة" قاله ثلاثاً وقال في الثالثة: "لمن شاء"، فإن لم يصل يفصل بينهما بجلسة خفيفة؛ لحصول المقصود به. [العناية ٢١٥/١] عند أبي حنيفة: حاصل المذهب: أن العلماء اتفقوا على أنه لا يصل الإقامة بالأذان في المغرب، بل يفصل بينهما، لكنهم اختلفوا في مقدار الفصل، فعند أبي حنيفة: المستحب أن يفصل بينهما بسكتة يسكت قائماً ساعة، ثم یقیم. ومقدار السكتة عنده: قدر ما یتمکن فيه من قراءة ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، وروي عنه مقدار ما يخطو ثلاث خطوات، وعندهما: يفصل بينهما بجلسة خفيفة مقدار الجلسة بين الخطبتين، وذكر الإمام الحلواني الخلاف في الأفضلية، حتى إن عند أبي حنيفة بل إن جلس جاز، والأفضل: أن لا يجلس، وعندهما على العكس ذكره التمرتاشي. (النهاية) ولا يقع: على ما قال الإمام. ١٦٥ باب الأذان ولأبي حنيفة سل: أن التأخير مكروه، فيكنفي بأدنى الفصل؛ احترازً عنه، وللمكان في مسألتنا مختلف وكذا النغمة، فيقع الفصل بالسكتة، ولا كذلك الخطبة. وقال الشافعي بحظه: يفصل بركعتين؛ اعتباراً بسائر الصلوات، والفرق قد ذكرناه. قال يعقوب: رأيت أبا حنيفة يؤذن في المغرب ويقيم، ولا يجلس بين الأذان والإقامة، وهذا يفيد ما قلنا، لأبي حنيفة: تهذيب المرام: أنه لا بد من الفصل البتة، ثم التأخير مكروه، فيكتفي بأدنى الفصل؛ ليوجد ما لابد منه، ويجتنب من الكراهة، وقياسهما على جلسة الخطيب فيما بين الخطبتين فاسد؛ لأن مكان الخطبتين واحد، فلا يعد السكتة فصلاً البتة بخلاف ما نحن فيه؛ لأن مكان الأذان والإقامة مختلفة عادةً، فيكتفى بها. وأما قولهما: إن السكتة موجودة بين كلمات الأذان أيضًا، فلمَّا لم تعد فصلاً، لاتعد فصلاً ههنا أيضًا، فجوابه: أن هناك النغمة واحدة فلا يعد السكتة فصلاً، وههنا نغمة الأذان والإقامة مختلفة، فتفكر. التأخير: وعن هذا قلنا: لا يتنفل بعد الغروب قبل الفرض. (النهاية) مختلف: هذا جواب من جهة أبي حنيفة بحثه عن قولهما في الفصل بين الأذان والإقامة مقدار الجلسة بين الخطبتين، وتقريره: أن القياس غير صحيح؛ لأن المكان أي مكان الأذان والإقامة فيما نحن فيه وهو معنى قوله: في مسألتنا مختلف بكسر اللام؛ لأن مكان الأذان غير مكان الإقامة، والمكان بين الخطبتين متحد فلا يقاس عليه "وكذا النغمة" وهي الترسل في الأذان، والحدر في الإقامة شيئان مختلفان "فيقع الفصل" أي إذا كان الأمر كذلك فيقع الفصل بينهما بالسكتة؟ لوقوعها بين شيئين مختلفين، ولا كذلك الخطبة؛ لأن مكانها متحد فلا يقع الفصل بين الخطبتين بمجرد السكتة؛ لأنها توجد بين كلماتها أيضاً فلا بد من الجلسة. [البناية ١٠٨/٢-١٠٩] ولا كذلك: لأن المكان واحد، والهيئة متحدة فلا يقع الفصل إلا بجلسة. (الكفاية) قال الشافعي: والمذكور هنا من مذهب الشافعي مناف لما تقدم في باب المواقيت من وقت المغرب، وهو أن يصلي فيه ثلاث ركعات. (العناية) ذكرناه: إشارة إلى قوله: أن التأخير مكروه. (العناية) قال يعقوب: وإنما ذكر محمد في "الجامع الصغير" أبا يوسف باسمه دون كنيته؛ دفعاً لتوهم التسوية في التعظيم بين الشيخين، وكان محمد مأموراً من جهة أبي يوسف أن يذكره باسمه حيث ذكر أبا حنيفة. [العناية ٢١٥/١] ما قلنا: أن لا جلوس عنده في أذان المغرب وإنما أورده؛ ليؤكد قول أبي حنيفة سدافكه بفعله. (العناية) ١٦٦ باب الأذان وأن المستحب كون المؤذن عالماً بالسنة؛ لقوله عليها: "ويؤذِّن لكم خياركم" . * ويؤذّن بأحكام الشرع للفائتة ويقيم؛ لأنه عليها قضى الفجرَ غداةً ليلة التعريس بأذان وإقامة،( ** وهو حجة على الشافعي بحّه في اكتفائه بالإقامة. فإن فاتته صلوات أذّن للأولى وأقام؛ لما روينا، وكان مخيراً في الباقي إن شاء أذّن وأقام؛ ليكون القضاء على حسب الأداء، وأن المستحب: معطوف على "ما قلنا" يعني يفيد ما قلنا، ويفيد استحباب كون المؤذن .... (العناية) خياركم: فعلم أن المراد أن المستحب كونه عالماً عاملاً؛ لأن العالم الفاسق ليس من الخيار؛ لأنه أشد عذابًا من الجاهل الفاسق على أحق القولين، كما تشهد الأحاديث الصحيحة، وصرحوا بكراهة أذان الفاسق من غير تقييد بكونه عالماً أو غيره، وروي مثله في الصبي العاقل أيضاً، لكن ظاهر الرواية في الصبي العاقل عدم الكراهة بخلاف غير العاقل. [فتح القدير ٢١٦/١] يؤذّن: أي يستحب الأذان للفائتة سواء كانت قضاؤها منفرداً أو بالجماعة. ليلة التعريس: التعريس النزول في آخر الليل. (العناية) في اكتفائه: في أحد قوليه وفي الآخر: لا. (فتح القدير) لما روينا: من حديث ليلة التعريس. (العناية) أذن وأقام: وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف بإسناده إلى رسول الله ( حين شغلهم الكفار قضاهن بأذان وإقامة يعني الأربع صلوات. (فتح القدير) ليكون القضاء إلخ: لم يعلله بما روي؛ لأن المروي لا يدل على قضاء الفوائت المتعددة نعم حديث الخندق يدل، وهو غير مدرك. حسب الأداء: ثم الأصل عندنا أنه يؤذن لكل فرض أدّيَ أو قضي إلا الظهر يوم الجمعة في المصر، فإن أداءه بهما مكروه، روي ذلك عن علي. [فتح القدير ٢١٩/١] * وفي "الإمام": وروى إبراهيم بن أبي يحي عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس فيها أن رسول اللّه ◌ُّ قال: "لا يؤذن لكم غلام حتى يحتلم، وليؤذن لكم خياركم" انتهى، ولم يعزه ثم قال الإمام أبو عبد الحق: إبراهيم هذا وثقه الشافعي له خاصةً، وضعفه الناس، وأصلح ما سمعت فيه من غير الشافعي: أنه ممن یکتب حديثه، انتهى. [نصب الراية ٣٥٤/١] ** أخرج أبوداود في سننه عن الحسن عن عمران بن حصين أن رسول الله /ّ كان في مسير له، فناموا عن صلاة الفجر، فاستيقظوا بحرِّ الشمس، فارتفعوا قليلاً حتى استقلت الشمس، ثم أمر مؤذناً، فأذن، فصلى ركعتين قبل الفجر، ثم أقام، ثم صلى الفجر. [٣٦٣/١، رقم: ٤٤٤، باب في من نام عن صلاة أو نسيها] ١٦٧ باب الأذان وإن شاء اقتصر على الإقامة؛ لأن الأذان للاستحضار، وهم حضور. قال فيه: وعن محمد به أنه يقيم لما بعدها ولا يؤذن، قالوا: يجوز أن يكون هذا قولهم جميعًا. رواية عنه وينبغي أن يُؤذّن ويقيم على طُهر، فإن أُذّن على غير وضوء: جاز؛ لأنه ذِکرٌ وليس بصلاة، فكان الوضوء فيه استحبابًا كما في القراءة، ويُكره أن يقيم على غير وضوء؛ لما قراءة القرآن فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة. ويُروى أنه لاتكره الإقامة أيضًا؛ لأنها أحد الأذانين. ويُروى أنه يكره الأذان أيضًا؛ لأنه يصير داعياً إلى ما لا يجيب بنفسه. حضور: قال في "الصحاح": هم حضور أي حاضرون. وعن محمد: هو في غير رواية الأصول، ووجهه: أنهما صلاتان اجتمعتا في وقت واحد فيؤذن ويقام للأولى، ويقام للباقية كالظهر والعصر بعرفة، ولهما: ما روى أبو يوسف بسنده وكذا من قدمنا معه أنه لوّ حين شغلهم الكفار يوم الأحزاب عن أربع صلوات عن الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء قضاهن على الولاء، وأمر بلالاً أن يؤذن ويقيم لكل واحدة منهن، ولأنها صلاة مفروضة يقيمها المخاطَب بالإقامة بالجماعة، فيقيمها كالجماعة بخلاف النساء، وصلاة عرفة لو كان على القياس لم يعارض لنص، فكيف وهما على خلاف القياس. [فتح القدير ٢١٩/١-٢٢٠] أنه يقيم لما بعدها: أي من غير اختيار بين الجمع بينهما، وبين إفراد الإقامة. (النهاية) قالوا إلخ: قال أبوبكر الرازي: يجوز أن يكون هذا قولهم جميعاً، والمذكور في الكتاب محمول على الصلاة الواحدة، فيرتفع الخلاف بين أصحابنا. (العناية) جميعاً: يعني الإمام أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا . جاز: أي بلا كراهة في ظاهر الرواية. [العناية ٢١٩/١] وليس: حتى يجب فيه الوضوء. في القراءة: فيه أن استحباب الوضوء فيه؛ لكونه كلام الله تعالى، لا لكونه ذكراً فلا يقاس عليه. الفصل: بين الإقامة والصلاة بالاشتغال بأعمال الوضوء. (العناية) أحد الأذانين: والآخر - وهو الأذان - لا يكره بلا وضوء، فكذا الإقامة. (العناية) لأنه يصير إلخ: لأن المؤذن صار داعياً إلى عمل وهو التهيؤ للصلاة؛ لأنه وإن كان داعياً للصلاة لكن المقصود من ذلك تهيؤ الصلاة، وهو لم يتهيأ، فيدخل تحت قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ لا يجيب بنفسه: أي لا يقبل بنفسه لعدم تهيئه بالوضوء. ١٦٨ باب الأذان ويُكره أن يؤذن وهو جنب روايةً واحدةً. ووجه الفرق على إحدى الروايتين: أن للأذان في المحدث شبهًا بالصلاة فتُشترَطَ الطهارة عن أغلظ الحدَثَين دون أُخفِّهما؛ عملاً بالشبهين. وفي اعتباراً للشبه "الجامع الصغير:" إذا أُذّن وأقام على غير وضوء لا يُعيد، والجنبُ أحب إليَّ أن يعيد، وإن لم يُعِد أجزأه، أما الأول: فلخفة الحدث. وأما الثاني: ففي الإعادة بسبب الجنابة روايتان، والأشبه أن يعاد الأذان دون الإقامة؛ لأن تكرارَ الأذان مشروع دون الإقامة، كما في الجمعة وقوله: إن لم يُعِد أجزأه، يعني الصلاة؛ لأنها جائزة بدون الأذان والإقامة. قال: وكذلك المرأة تؤذن، رواية واحدة: في كراهية أذان الجنب رواية فقط بخلاف أذان المحدث؛ فإن فيه روايتين: مكروه في رواية، وغير مكروه في رواية. الفرق: أي بين عدم كراهة الأذان بغير الوضوء، وكراهته بالجنابة. (النهاية) شبهاً إلخ: في أنهما يفتتحان بالتكبير، ويؤديان مع الاستقبال، ويترتب كلمات الأذان كأركان الصلاة ويختصان بالوقت ولا يتكلم فيهما إلا أنه ليس بصلاة على الحقيقة، ولو كان صلاة على الحقيقة لم يجز مع الحدث والجنابة فإذا كان مشبهاً بها كره مع الجنابة؛ اعتباراً للشبه، ولم يكره مع الحدث؛ اعتباراً للحقيقة، ولم يعكس؛ لأنا لو اعتبرنا في الحدث جانب الشبه لزمنا اعتباره في الجنابة بطريق الأولى؛ لأن الجنابة أغلظ الحدثين فكان يتعطل جانب الحقيقة. [العناية ٢٢٠/١] الجامع الصغير: ذكره لاشتماله على ما ليس "في القدوري" من الإعادة؛ لأن الكراهة - وهي المذكورة فيه - لا تستلزم الإعادة، كأذان القاعد والراكب في المصر يكره، ولا إعادة. [فتح القدير ٢٢٠/١] أما الأول: يعني عدم إعادة أذان المحدث وإقامته. (العناية) أما الثاني: يعني استحباب الإعادة بسبب الجنابة. (العناية) روايتان: في ظاهر الرواية: يُستحب، وفي رواية الكرخي: يجب. والأشبه: إعادة الأذان فقط؛ لأن تكرار الأذان مشروع في الجملة كما في الجمعة بخلاف الإقامة. [العناية ٢٢٠/١] وكذلك: أي يعاد الأذان إذا تأذنت المرأة. المرأة تؤذن: يشعر أن المقصود هو الأذان؛ لأن الظاهر أنه من تتمة "الجامع الصغير". ١٦٩ باب الأذان معناه: يُستحب أن يعاد؛ ليقع على وجه السنة. ولا يُؤَذِّنُ لصلاةٍ قبل دخول وقتها، ويعاد في الوقت؛ لأن الأذان للإعلام، وقبل الوقت تجهيل. وقال أبو يوسف بدالله - وهو قول الشافعي بدالله -: يجوز للفجر في النصف الأخير من الليل؛ لتوارث أهل الحرمين. والحجة على الكل قوله عليه لبلال بقوله: "لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا"، ومَدَّ يَدَيْه عرضًا . * والمسافر يؤذن ويقيم؛ لقوله عليّها لابني أبي مليكة عن هما: "إذا سافرتما فأذِّنا وأقيما"، ** معناه إلخ: قال الإمام المحبوبي: قال: المرأة تؤذن أحب إليَّ أن يعاد، وإن صلوا أجزأهم؛ لأن أذان النساء لم يكن في المتقدمين، فكان من جملة المحدثات، ولما لم يُفَوَّض إلى واحدة منهن حين يحضرن الجماعة، فبعد انتساخ ذلك أولى؛ ولأن المؤذن مندوب أن يرفع صوته حتى يستحب له أن يعلوا المنارة، أو أعلى المواضع عند الأذان، والمرأة منهية عن رفع الصوت؛ لأن في صوتها فتنة، ولذا جعل النبي ◌ّ التسبيح للرجال؛ والتصفيق للنساء، وكذلك منهية عن تشهير النفس بأن يكون في بيتها وراء الحجاب، فلذا يستحب إعادة أذانها. (النهاية) وجه السنة: هو كون المؤذن رجلاً. على الكل: أي على أبي يوسف والشافعي وأهل الحرمين. ومد: هذا من كلام الراوي. لابني أبي مليكة: الصواب مالك بن الحويرث وابن عم له، وقد ذكره المصنف في الصرف على الصواب كما ذكره صاحب المبسوط وفخر الإسلام في "الجامع". [فتح القدير ٢٢٢/١] * أخرج أبو داود في سننه عن شداد مولی عیاض بن عامر عن بلال أن رسول الله څ﴾ قال له: لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا. ومد يديه عرضًا. [٤٠٦/١-٤٠٧، رقم: ٥٣٥، باب في الأذان قبل دخول الوقت] وأخرج البيهقي في "السنن الكبرى" عن سفيان عن جعفر بن برقان، - وفيه -: فقال: لا تؤذن حتى ترى الفجر، ثم جاءه من الغد فقال: لا تؤذن حتى يطلع الفجر. ثم جاءه من الغد فقال: لا تؤذن حتى ترى الفجر هكذا وجمع بين يديه ثم فرّق بينهما. [٥٦٥/١، رقم: ١٨٠٢، باب رواية من روى النهي عن الأذان قبل الوقت] قال [ابن دقيق العيد] في "الإمام": رجال إسناده ثقات. [فتح القدير ٢٢١/١] ** أخرجه الأئمة الستة في کتبهم مختصراً ومطولاً . [نصب الراية ٢٩٠/١] أخرج البخاري في صحيحه عن مالك بن الحويرث عن النبي ◌ُّ قال: إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وأَقيما، ثم ليؤمكما أكبركما. [١٨٥/٢، رقم: ٦٥٨، باب إثنان فما فوقهما جماعة] ١٧٠ باب الأذان فإن تركَهما جميعًا يُكره، ولو اكتفى بالإقامة جاز؛ لأن الأذان لاستحضار الغائبين، والرّقْقَةُ حاضرون، والإقامة لإعلام الافتتاح، وهم إليه محتاجون، فإن صلّى في بيته في المصر يُصلي بأذان وإقامة؛ ليكون الأداء على هيئة الجماعة، وإن تركهما جاز؛ لقول ابن مسعود ضُه: "أذان الحَيِّ يَكفينا" * القبيلة يكره: لأنه مخالف للأمر المذكور في حديث مالك بن الحويرث. (فتح القدير) الغائبين: فيه أن الأذان أيضًا للتأهب، ولم يحصل. هيئة الجماعة: المراد بهيئة الجماعة الاشتمال على الأذان والإقامة، فيجري هذا الدليل في المنفرد والجماعة. تركهما جاز: إذا صلى في داره. يكفينا: وبهذا يظهر الفرق بين المقيم والمسافر، فإن المسافر ليس له أذان، ولا إقامة إذا لم يؤذن ولم يقم لا حقيقةً ولا حكمًا، بخلاف المقيم، فإنه وإن لم يكن له أذان وإقامة حقيقةً لكن له كلاهما حكمًا. * هذا غريب، والمصنف أخذه من "المبسوط"، وفيه: روي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود في بيته فقيل له: تؤذن وتقيم قال: أذان الحَيِّ يَكفينا. [البناية ١٢٣/٢] وروى الطبراني في "المعجم الكبير" عن إبراهيم عن ابن مسعود أنه صلى بأصحابه في داره بغير إقامة وقال: إقامة المصر تكفي. [٢٥٧/٩، رقم: ٩٢٧٢] وفي رواية عن ابراهيم أن ابن مسعود وعلقمة والأسود صلوا بغير أذان وإقامة قال سفيان: كَفَتْهم إقامة المصر. [٢٥٧/٩، رقم: ٩٢٧٢] وأخرج مسلم في صحيحه عن إبراهيم عن الأسود و علقمة، وفيه: قالا: أتينا عبد الله بن مسعود في داره فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا، قال: فقوموا، فصلوا، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة. [١٧٩٠/٣، رقم: ١١٧١، باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق] ١٧١ باب شروط الصلاة التي تتقدمها باب شروط الصلاة التي تتقدمها يجب على المصلي أن يُقدِّم الطهارةَ من الأحداث والأنجاس على ماقَدّمناه، قال الله تعالى: ﴿وَبَبَكَ فَطَهِّرْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ خُباً فَاطَّرُوا﴾، ويستُرَ عورته؛ لقوله تعالى: ﴿خُلُوا زِيتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي: ما يواري عورتكم عند كل صلاة. تفسیر إجماعي وقال عليه: لا صلاة لحائض إلا بِخِمَارٍ * قدمناه: في صدر الكتاب وباب الأنجاس. (فتح القدير) أي على كيفية قدمناها. لقوله تعالى: الأوجه أن يستدل بالإجماع على افتراض الستر في الصلاة. عند كل مسجد: عام فلا يختص بالمسجد الحرام. (العناية) تفسير المسجد بالصلاة باعتبار إطلاق اسم المحل على الحال، وإنما فسره به؛ لأن ذلك ليس للناس، وإلا لكان السوق بهذا المعنى أولى، فمن تخصيص المسجد يعلم أن المراد به الصلاة. ما يواري: إنما صح الإراءة باعتبار أن الزينة مسبب فيكون من باب إطلاق المسبب على السبب. عند كل صلاة: ثم ههنا بحث: وذلك؛ لأن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراةً، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانوا يقولون: لانطوف البيت في الثياب التي ارتكبنا فيها الذنوب، فنزل قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ نهياً لهم عما كانوا عليه، وتنصيصاً بأن الستر واجب في كل حال في العبادة وغيرها، لا كما زعمتم أن نزع الثياب عند الطواف حَسَن، فكانت الآية ناطقة بافتراض الستر عند الصلاة مثل افتراضه في غيرها، ولا دلالة لها على كونه من فروض الصلاة؛ لجواز أن يكون الشيء فرضًا في الصلاة، ولا يكون من فروض الصلاة، كغض البصر عن الأجنبية. وبالجملة لا دلالة الآية على كون الستر فرضًا لحق الصلاة؛ لاحتمال أن يكون فرضًا لحق الناس، غير أنه قيد بقوله: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ رداً لما كانوا عليه، وجوابه: أن التعميم الوارد في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ينافي حمله على هذا المعنى؛ إذ لا يجب الستر حينئذ عند كل مسجد بل عند مسجد يراه فيه غيره، ولما قال: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ علم أن المراد بيان لزوم السترلحق العبادة؛ تعظيماً لشأنه، وهذا لما عرف من أنه إذا كان للنص محملان يحتاج في أحدهما إلى التخصيص دون الآخر، فما لا يحتاج فيه إلى ذلك، فهو أحق، والله أعلم. * أخرج أبو داود في سننه عن عائشة عن النبي ◌ّ أنه قال: لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار. [٤٤٨/١، رقم: ٦٤١، باب المرأة تصلي بغير خمار] ١٧٢ باب شروط الصلاة التي تتقدمها أي: لِبَالِغِةٍ. وعورةُ الرجل ما تحت السُرّة إلى الركبة؛ لقوله عليها: "عورةُ الرجل ما بين سُرَّه إلى ركبته"، * ويُروى: "ما دون سُرّته حتى تجاوز ركبته"، ** وبهذا تبين أن السُرّةَ ليست من العورة، خلافًا لما يقوله الشافعي بحثّه، والركبةُ من العورة خلافًا له أيضًا، وكلمة "إلى" تَحمِلُها على كلمة "مع" عملاً بكلمة "حتى") لبالغة: لأن الحائض لا صلاة لها لا بخمار، ولا بغيره، فكان مجازاً عن البالغة؛ لأن الحيض يستلزم البلوغ. (العناية) ليست من العورة: لأنه قال: "ما بين سرته إلى ركبته" وقال " ما دون سرته" والمفهوم من ذلك: أن لا تكون السرة عورة. [العناية ٢٢٤/١] والركبة من العورة: إن المشايخ اختلفوا في أن الركبة مع الفخذ عضو واحد، أو كل منهما عضو على حدة، قال المصنف في "التجنيس": ثم الركبة إلى آخر الفخذ عضو واحد حتى لو صلى والركبتان مكشوفتان، والفخذ مغطى جازت صلاته؛ لأن نفس الركبة من الفخذ أقل من الربع، قال: وقد قيل: بأنها بانفرادها عضو واحد، ولكن الأول أصح؛ لأنها ليست بعضو على حدة في الحقيقة بل هي ملتقى عظم الفخذ والساق، وإنما حرم النظر إليها من الرجال؛ لتعذر التمييز، فعلى الأول "من" تبعيضية، وعلى الثاني بيانية. قال: وبدن الحرة كلها عورة، "كلها" تأكيد للبدن، وتأنيثه لتأنيث المضاف إليه كما في قولهم: ذهبت بعض أصابعه. [العناية ٢٢٥/١] وكلمة "إلى" إلخ: وهذا جواب عن سؤال مقدر، تقديره: أن يقال: إن كلمة إلى في قوله: "إلى ركبته" في الحديث للغاية، وهي في هذا الموضع لمد الحكم إليها فلا ندخل. وتقرير الجواب: أن "إلى" ههنا تحمل على معنى "مع" كما في قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَّهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي مع أموالكم؛ دفعاً للتعارض عن كلام صاحب الشرع، والتعارض ظاهر بين قوله: ما بين سرته إلى ركبتيه، وبين قوله: ما دون سرته حتى يجاوز ركبته، وقال بعض المشايخ: قوله: إلى ركبتيه غاية للاسقاط؛ لأن قوله: ما بين سرته يتناول ما تحت السرة فبقيت الركبة تحت العورة. [البناية ١٣٧/٢] * أخرج الدار قطني في سننه عن أبي حمزة الصيرفي - وهو سوار بن داود - نا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله تَّ: مُرُوا صبيانكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع، وإذا زوج أحدكم عبده أمته، أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة، وفوق الركبة، فإن ما تحت السرة إلى الركبة من العورة. [٥٠٥/١-٥٠٦، رقم: ٨٧٥، باب الأمر بتعليم الصلوات والضرب عليها وحد العورة التي يجب سترها] رواه الدار قطني، وسكت عنه، ورجاله ثقات. [إعلاء السنن ١٥٧/٢، رقم: ٦٢٩] ** هذا غريب بهذا اللفظ، ولكن معناه لا يكون خارجاً من الأحاديث المذكورة. [البناية ١٣٠/٢] ١٧٣ باب شروط الصلاة التي تتقدمها أو عملاً بقوله عليه: "الركبة من العورة" . * وبَدَنُ الحرّةِ كُلُّها عورةٌ إِلا وَجِهَها وَكَفَيها؛ لقوله عليَّة: "المرأة عورةٌ مستورة"، ** واستثناء العُضْوَين للابتلاء بإبدائهما. قال ظنّه: وهذا تنصيص على أن القَدَم عورة، ويُروى أنها ليست بعورة، وهو الأصح. فإن صَلَّتْ ورُبِعُ ساقها أو ثلثه مكشوفٌ: تعيد الصلاةَ عند أبي حنيفة ومحمد لهمًُّا، وإن كان أقلّ من الربع لا تُعيد. وقال أبو يوسف له: لا تُعيد إن كان أقلّ من النصف؛ لأن الشيء إنما يُوصَف بالكثرة إذا كان ما يقابله أقلّ منه؛ إذهما من أسماء المقابلة. وفي النصف عنه أبي يوسف روايتان، فاعتبر الخروج عن حدِّ القلة، أو عدمُ الدخول في ضده. دليل الروايتين أو عملاً: عطف على قوله: عملاً بكلمة حتى، وهذا جواب ثان، وتقديره: أن قوله عليًّا: ما بين سرته إلى ركبته يدل على أن الركبة ليست من العورة لقضية إلى، وقوله عليه: حتى يجاوز ركبته يدل على أن الركبة من العورة، وبينهما تعارض ظاهر، فإذا أبقينا "إلى" على حالها تساقطا، ويعمل حينئذ في كون الركبة من العورة بحديث آخر، وهو قوله عليه: "الركبة من العورة". [البناية ١٣١/٢] كلها: وفي بعض النسخ كله. (فتح القدير) لا تُعيد: ووجهه أن القليل عفو؛ لاعتباره عدمًا باستقراء قواعد الشرع بخلاف الكثير.(فتح القدير) بالكثرة: الحاصل أن الأقل من النصف ليس بكثير. الخروجُ عن حد القلة: يعني أن النصف لما خرج عن حد القلة؛ لأن مقابله ليس بأكثر منه كان داخلاً تحت حد الكثرة، وأنه لما لم یکن داخلاً في ضده، أي ضد القليل وهو الكثير، فإن مقابله وهو النصف الآخر ليس بأقل منه لم يكن داخلاً تحت حد الكثرة، وكان قليلاً لا تجب به الإعادة. (العناية) * أخرجه الدار قطني في سننه عن أبي الجنوب [عقبة بن علقمة] قال: سمعت علياً ظُه يقول: قال رسول الله دُّ. الركبة من العورة. أبو الجنوب ضعيف. [٥٠٦/١، رقم: ٨٧٧، باب ... وحد العورة التي يجب سترها] فإنه وإن كان حديثاً ضعيفاً، لكن الضعيف إذا تأَيّد معناه بحديث صحيح يصلح للإعتضاد، وههنا كذلك؛ لأن رواية المتن [رواية عمرو بن شعيب السابق] تؤيده. [إعلاء السنن ١٥٨/٢] ** أخرجه الترمذى في جامعه عن عبد الله عن النبي ◌َّ قال: المرأة عورة فإذا خرجَتْ استشرفها الشيطان، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. [٢٣٠/٢، رقم: ١١٧٣، باب استشراف الشيطان المرأة إذا خرجت] ١٧٤ باب شروط الصلاة التي تتقدمها ولهما: أن الربع يحكي حكايةً الكمال، كما في مسح الرأس، والحلّق في الإحرام، ومن رأى وَجْهَ غيره يُخْبرُ عن رؤيته وإن لم يرَ إلا أحد جوانبه الأربعة. والشَّعرُ والبطنُ والفخِذ كذلك يعنى على هذا الاختلاف؛ لأن كلّ واحدٍ عُضْو على حِدَة، والمراد به: النازلُ من الرأس هو الصحيح. وإنما وُضِعَ غَسْلُه في الجنابة؛ لمكان الحَرَجِ، والعورة الغليظةُ على هذا الاختلاف، والذّكَرُ يُعتبر بانفراده وكذا الأَنْثَيَان، وهذا هو الصحيح دون الضَمِّ. وما كان عورةً من الرجل فهو عورةٌ من الأَمَة، وبطنُها وظهرُها عورةٌ، وما سوى ذلك من بدنها ليس بعورة؛ حكايةَ الكمال: يعني أن رُبع الشيء أقيم مقام الكل في مواضع كثيرة من الأحكام، واستعمال الكلام. [العناية ٢٢٧/١] ومن رأى وجهَ إلخ: يقال: رأيت فلاناً وإن لم ير منه إلا وجهه أحدَ جوانبه الأربعة, فكذا ههنا احتياطاً في باب العبادة. (العناية) هذا الاختلاف: أي الاختلاف الذي تقدَّم آنفًا، وهو انكشاف ربع العورة مانع عندهما، وعند أبي يوسف انكشاف النصف في رواية، وانكشاف ما فوقه في جميع الروايات. (النهاية) عُضو: وَعَل الشّعر من الأعضاء للتغليب، أو لأنه جزء من الآدمي، حتى لا يجوز بيعُه. (العناية) والمراد به: مراد المصنف من الشّعر الذي ذكره ههنا، هو الشعر النازل من الرأس. هو الصحيح: احترز بقوله: "هو الصحيح" عن اختيار صدر الشهيد: حفظه؛ فإنه ذكر في "الجامع الصغير" أن المراد بالشعر ما على الرأس، وأما المسترسل هل هي عورة، فيه روايتان. [الكفاية ٢٢٨/١] لمکان الحرج: أي لا؛ لأنه ليس من البدن، أو ليس مما تناوله حكم البدن.(فتح القدير) هذا الاختلاف: يعني الذي تقدم من انكشاف الربع أو النصف. (العناية) يعتبر بانفراده: حتى لو انكشف ربع الذُّکر یيمنع جواز الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد بحثًا، وعند أبي يوسف ملكه الاعتبار لانكشاف النصف، أو ما فوقه على ما ذكره، وبمجموع هذا ينتفي ما ذكره الكرخي من اعتباره قدر الدرهم في العورة الغليظة. (النهاية) دون الضم: هو احتراز عما قيل: إن الخُصْيتَين مع الذِّكر عضو واحد.(النهاية) من الأَمَة: قال في "شرح الطحاوي": ومن كان في رقبتها شيء من الرّق، فهي في معنى الأَمَة وهذا؛ لأن حكم العورة في الإناث أغلظ، فإذا كان الشيء من الرجل عورة فمن الأنثى أولى. [العناية ٢٢٩/١] ١٧٥ باب شروط الصلاة التي تتقدمها لقول عمره له: "ألقِ عنكِ الخمارَ يا دِفَار! أَتْتَشَبَّهِيْنَ بالحرائر؟!، ولأنها تَخَرُجُ لحاجةٍ مولاها في ثياب مِهِنَتها عادةً، فاعتُبر حالُها بذوات المحارم في حقِّ جميعِ الرجال؛ دفعًا للحرج. قال: ومن لم يجد ما يُزِيلُ به النجاسة صلَّى معها ولم يُعِد، وهذا على وجهين: إن كان ربعُ الثوب أو أكثرُ منه طاهرًا يصلي فيه، ولو صلى عُریانًا لا يجزئه؛ لأن ربع الشيء يقوم مقامَ كلِّه. وإن كان الطاهر أقلّ من الربع، فكذلك عند محمد مسفيه، وهو أحد قولي الشافعي بدله؛ لأن في الصلاة فيه ترك فرضٍ واحد، يا دِفار: بالدال المهملة أي يا منتنة. (العناية) مهنتها: بفتح الميم وكسرها: الخدمة. (العناية) جميع الرجال: يعني غير السيد. (فتح القدير) لم يجد ما: بالقصر ليتناول المائعات. (العناية) أو أكثر: ليس ضروريًا ذكره. يصلي فيه: لأن الربع قام مقام الكل. فكذلك: وفي "الأسرار": أن خطاب التطهير ساقط عند عدم الماء، فصار هذا الثوب وثوب طاهر بمنزلة، ولأن ربع الثوب لو كان طاهراً لم يجز إلا أن يصلي فيه، فكذلك ههنا؛ لأن نجاسة ثلاثة أرباعه في إفساد صلاته فيه، ونجاسة الكل سواء حالة الاختيار، فهما سواء أيضًا حالة الاضطرار في أنه لا يفسد الصلاة إلا أنا نقول: إن خطاب الستر بسبب النحاسة ساقط في حق الصلاة؛ لأن الله تعالى ما خاطب بالستر للصلاة إلا بالطاهر، ولما سقط الخطاب بالستر عنه صار حال العرى كحال الستر باعتبار أن خطاب الستر عنه ساقط، فحينئذ صار عرى العورة كعری الوجه في حق سقوط الخطاب بالستر، فلما استوى الحالتان من غير تفاوت بينهما کان مخيرًا بينهما، وأما إذا كان ربع الثوب طاهراً، فقد توجه عليه الخطاب بقدر الطاهر، وإن سقط بقدر النجس، فرجَّحنا جهةً الوجوب؛ لأن البابَ بابُ العبادات. وإنما قدروا بالربع؛ لأنه حد الكثير الفاحش في باب العورة والنجاسة الخفيفة. [الكفاية ٢٢٩/١] الصلاة فيه: أي في الثوب الذي يكون الطاهر منه أقلّ من الربع. (العناية) * هذا الأثر غريب، وبمعناه أخرج عبد الرزاق في مصنَّفه بإسناد صحيح عن أنس أن عمر ضرب أَمَةً لآل أنس رآها متقنِّعةً قال: اكشفي رأسكِ لا تُشْبِهِين بالحرائر. [١٣٦/٣، رقم: ٥٠٦٤، باب الخمار] [البناية ١٤٢/٢] ١٧٦ باب شروط الصلاة التي تتقدمها وفي الصلاة عُرِيانًا تركُ الفروض. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف بما: يتخيَّر بين أن يصلي عرياناً وبين أن يصلي فيه، وهو الأفضل؛ لأن كلَّ واحد منهما مانع جوازَ الصلاة حالةَ الاختيار، ويستويان في حق المقدار، فيستويان في حكم الصلاة، وترك الشيء إلى حَلَف لايكون تركاً، والأفضليةُ لعدم اختصاصِ السَّتر بالصلاة واختصاص الطهارة بها. ومن لم يجد ثوبًا صلىّ عرياناً قاعداً يُومئ بالركوع والسجود، هكذا فعله أصحابُ رسول الله عليه، * فإن صلى قائمًا: أجزأه؛ لأن في القعود سَترَ العورة الغليظة، ترك الفروض: وهي القيام، والركوع، والسجود، وترك العورة في الجملة، وهو مانع كما أن سترَ كلِّ عورةٍ مانعٌ، وفيه بحث؛ لأن الدليل لا يثبت دعواه؛ إذ للعريان جواز ترك القيام، فلم يلزم تركُ الفروض مطلقًا، نعم يلزم ترك الفروض على الوجه الأفضل. منهما: أي من الانكشاف والنجاسة. (العناية) ويستويان: أي وهما يستويان، خبر مبتدأ محذوف؛ ليكون عطف جملة اسمية على اسمية. (العناية) في حق المقدار: أي في أن القليل من كل منهما معفو، وإن لم يكونا في كيفية القلة متساويين. لا يكون تركاً: فإن خلف الشيء يكون حكمُه حكمَ ذلك الشيء. اختصاص الطهارة بها: يعني أن نفع الستر شامل للصلاة وغيرها، وهو نظر الناس بخلاف الطهارة. * أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عكرمة عن ابن عباس قال: الذي يصلي في السفينة والذي يصلي عرياناً، يصلي جالساً. [٥٨٤/٢، رقم ٤٥٦٥ باب صلاة العريان] ورجاله رجال الجماعة إلا إبراهيم بن محمد فمختلف فيه، أثنى عليه الشافعي، وقال: کان ثقة في الحديث، وسئل حمدان بن الاصبهاني: أُ تدین بحديث إبراهيم بن أبي يحيى؟ قال: نعم، قال ابن عدي: هو ممن يُكتب حديثُه انتهى، وتركه آخرون كذا في "تهذيب التهذيب". [إعلاء السنن ١٦٢/٢] وكذلك روى عبد الرزاق في مصنفه عن قتادة قال: إذا خرج ناس من البحر عراةً فأمَّهم أحدُهم صلُّوا قعوداً، وكان إمامُهم معهم في الصف، ويؤمون إيماءً، قال معمر: وإن كان على أحدهم ثوب أمَّهم قائماً، ويقوم في الصف، وهم خلفه قعوداً صفاً واحداً. [٥٨٣/٢، رقم: ٤٥٦٤، باب صلاة العريان] وهو قول أبي حنيفة، والمسألة قياسية يؤيدها أثر ابن عباس. [إعلاء السنن ١٦٣/٢] ١٧٧ باب شروط الصلاة التي تتقدمها وفي القيام أداء هذه الأركان، فيميل إلى أيّهما شاء إلا أن الأول أفضل؛ لأن الستر وَجَب لحَقِّ الصلاة وحق الناس، ولأنه لا خَلَف له، والإيماء خَلَفٌ عن الأركان. قال: وينوي الصلاةَ التي يدخل فيها بنيَّةٍ لا يفصل بينها وبين التحريمة بعمل، والأصل فيه قوله عليها: "الأعمال بالنّيَّات"،* ولأن ابتداء الصلاة بالقيام، وهو متردِّد بين العادة والعبادة، ولا يقع التمييز إلا بالنية، والمتقدِّم على التكبير كالقائم عنده إذا لم يوجد ما يقطعه، أداء هذه الأركان: ظاهر ما في "الهداية" يحكم بأنه لا يجوز الإيماء قائماً، وفي "ملتقى الأبحر": إن شاء صلى عُرياناً بالركوع والسجود، أو مومئًا، إما قائمًا أو قاعدًا. قال الزيلعي: هذا نصٌ على جواز الإيماء قائمًا، وفي "البحر": على هذا فالمخيَّر فيه أربعة أشياء، وينبغي أن يكون الرابع دون الثالث في الفضل، انتهى. قلت: الحق جواز الصور الأربع. أفضل: لأن في القعود ستر العورة الغليظة، وفرضية ستر العورة أكد من فرضية الركوع والسجود بدليل أن النافلة تُصَلّى على الدابة بإيماءٍ، ولا تجوز الصلاة بدون ستر العورة حالة المقدرة بحالٍ ما. (النهاية) بعمل: المراد منه ههنا عمل ليس من جنسه مجوّرًا في الصلاة، كالأكل والشرب دون الحركة إلى المسجد والتوضئ. ابتداء الصلاة: حاصله أن الصلاة عبادة، والعبادة لا يمكن حصولها بدون نية امتثال الأمر، أو تعظيم الحق إلى غير ذلك، فإن الشخص إذا قام يحتمل ذلك القيام عادةً وعبادة وغيرها، فلم يتيقن أنها عبادة، فإذا أريد اعتبار كونها عبادةٌ لَزِمَه النية حتى يتحقق كونه عبادة. إلا بالنية: لا يقال: يحصل بالتكبير؛ لأنا نقول: لا نسلِّم ذلك؛ فإن الله أكبر يحتمل أن يكون بغرض آخر. كالقائم: وهذا على سبيل الجواز. (العناية) عنده: في "الخلاصة": لو نوى قبل الشروع، عن محمد باللّه لو نوى عند الوضوء أنه يصلي الظهر أو العصر مع الإمام، ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية جازت صلاته بتلك النية، وهكذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمثا. [فتح القدير ٢٣١/١] * أخرجه البخاري في صحيحه عن علقمة يقول: سمعت عمر بن الخطاب ظُه على المنبر قال: سمعت رسول الله وَّ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى: فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه. [رقم: ١، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله (َتَ] ١٧٨ باب شروط الصلاة التي تتقدمها وهو عمل لا يليق بالصلاة، ولا معتبر بالمتأخرة منها عنه؛ لأن ما مضى لايقع عبادةً؛ لعدم النية، وفي الصوم جُوّرتْ للضرورة. والنية هي الإرادة، والشرط: أن يعلم بقلبه أيَّ صلاة يصلي، أمّا الذِّكْر باللسان فلا معتبر به، ويَحَسُن ذلك لاجتماع عزيمته. ثم إن كانت أي الذكر باللسان في حق الجواز الصلاة نفلاً یکفیه مطلقُ النية، وكذا إن کانت سُنةً في الصحیح، وإن کانت فرضًا، فلا بد من تعيين الفرض، كالظهر مثلاً؛ لاختلاف الفروض، وإن كان مقتدياً بغيره ينوي الصلاةَ ومتابعتَه؛ لأنه يلزمه فسادُ الصلاة من جهته، فلا بد من التزامه. قال: ويستقبل القبلة؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ثم من كان بمكة ففرضه إصابةُ عَيْنِها، ومن كان غائبً ففرضه إصابة جهتها هو الصحيح؛ لأن التكليف بحسب الوُسع، بالمتأخرة منها عنه: أي من النية عن التكبير، رد لقول الكرخي؛ فإنه يجوّزها بنية متأخرة عن التحريمة.(العناية) ما مضى: يعني من الأجزاء لا يقع عبادة؛ لعدم النية، والأجزاء الباقية مبنية عليه فلم يجز بخلاف الصوم؛ فإن النية فيه جوّزت متأخرة عن أول جزئه؛ للضرورة؛ لأن ذلك وقت نوم وغفلة، فلو شرطت النية وقت الشروع، وهو وقت انفجار الصبح، لضاق الأمر على الناس، وأما الصلاة: فإنها يبدأ بها في وقت انتباه ويقظة، فلا ضيق في اشتراط النية عنده. ثم ذكر نفس النية بأنها هي الإرادة أي: الإرادة الجازمة القاطعة وذلك؛ لأن النية في اللغة العزم، والعزم: هو الإرادة الجازمة القاطعة. والإرادة: صفة توجب تخصيص المفعول بوقت وحال دون غيرهما، فالنية: هو أن يجزم بتخصيص الصلاة التي يدخل فيها ويميزها عن فعل العادة إن كانت نفلاً، وعما يشاركها في أخص أوصافها - وهو الفرضية - إن كانت فرضاً. [العناية ٢٣٢/١] ثم إن كانت: بيان كيفية النية؛ لأن النية في النفل للتمييز عن العادة، وهو يحصل بمطلق النية. [العناية ٢٣٢/١] كالظهر: أي إذا قرن باليوم. (فتح القدير) من جهته: أي يلزم المقتدئ فساد الصلاة من جهة الإمام، فلا بد من التزام الاقتداء حتى لو ظهر ضرب فساد كان ضررًا ملتزمًا. (النهاية) عينها: لأن النبي ◌ُّ صلى في المسجد الحرام متوجهًا إلى الكعبة، ومضى على ذلك الصحابة والتابعون، فكان إجماعًا على ذلك. (العناية) هو الصحيح: ذكر في "المحيط": ومن كان غائبًا عن الكعبة، ففرضه جهة الكعبة لا عينها. (النهاية) ١٧٩ باب شروط الصلاة التي تتقدمها ومن كان خائفًا يصلي إلى أيّ جهة قَدَر؛ لتحقق العذر فأشبه حالةَ الاشتباه. فإن اشتبهت عليه القبلةُ، وليس بحضرته من يسأله عنها: اجتَهَدَ وصلّى؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم تَّوا وصَّوا، ولم يُكِر عليهم رسول الله عليه"، ولأن العمل بالدليل الظاهر واجبٌ عند انعدام دليل فوقه، والاستخبار فوق التحرّي، بحضرته: إشارة إلى أنه ليس عليه طلب من يسأله عند الاشتباه كذا، والأوجه: أنه إذا علم أن للمسجد قوماً من أهله مقيمين غير أنهم ليسوا حاضرين فيه وقت دخوله وهم حوله في القرية وجب طلبهم ليسألهم قبل التحري؛ لأن التحري معلّق بالعجز عن تعرف القبلة بغيره. اجتهد: حكم المسألة: فلو صلى من اشتبهت عليه القبلة بلا تحرٍّ، فعليه الإعادة إلا أن علم بعد الفراغ أنه أصاب. (فتح القدير) والاستخبار: فيترك به التحري، فإن لم يخبره المستخبَر حين سأله، فصلى بالتحري، ثم أخبره لا يعيد لو كان مخطِئًا. [فتح القدير ٢٣٧/١] * أخرجه الترمذي عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنا مع النبي ◌ُّ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ◌ّ، فنزل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾. قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك لا نعرفه إلا من حديث أشعث السَّمَّان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يضعف في الحديث، وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا.[٢٥٨/١، رقم: ٣٤٥، باب ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم] قلت: يعتبر حديثه في الشواهد. [إعلاء السنن ١٧٧/٢] وأخرج الهيثمي في "مجمع الزوائد" عن معاذ بن جبل قال: صلينا مع رسول الله ﴿﴿ في يوم غيم في سفر إلى غير القبلة، فلما قضى الصلاةَ وسلَّم تجلت الشمس، فقلنا: يا رسول الله! صلينا إلى غير القبلة فقال: "قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله عزوجل". رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه أبوعبلة والد إبراهيم، ذكره ابن حبان في الثقات، واسمه شمر بن يقظان. [٩٢/٢، باب الاجتهاد في القبلة] وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن جابر قال: كنا نصلي مع رسول الله وّ في مسير أوسير، فأظل لنا غيم، فتحيرنا، فاختلفنا في القبلة، فصلى كل واحد منا على حدة، فجعل كل واحد منا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك للنبي ◌ّ فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: قد أجزأت صلاتكم. هذا حديث محتج برواته كلهم غير محمد بن سالم، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح انتهى. وقال الذهبي: هو أبو سهل واهٍ. [٣٠٨/١، رقم: ٧٤٣، باب ما بين المشرق والمغرب قبلة] قلت: فالحديث ضعيف، ولكن الضعيف إذا تعددت طرقه يصلح للاحتجاج، وهنا كذلك كما ترى. [إعلاء السنن ١٧٧/٢]