Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
في بيان ما هو بمنزلة التَّبَع للقصاص
وفي سرقة ((الجامع الصغير)) : ومَن شَهَرَ على رجلٍ سلاحاً، ليلاً أو
نهاراً، أو شَهَرَ عليه عصاً ليلاً في مصرٍ، أو نهاراً في طريقٍ في غيرِ مصرٍ،
فقَتَلَه المشهورُ عليه عمداً: فلا شيء عليه.
وإن شَهَرَ المجنونُ على غيرِه سلاحاً، فقَتَلَه المشهورُ عليه عمداً:
فعليه الدیةُ في ماله.
(وفي سرقة ((الجامع الصغير (١)): ومَن شَهَرَ على رجلٍ سلاحاً، ليلاً أو
نهاراً، أو شَهَرَ عليه عصاً ليلاً في مصرٍ، أو نهاراً في طريقٍ في غيرِ مصرٍ ،
فقَتَلَه المشهورُ عليه عمداً: فلا شيءَ عليه)؛ لِمَا بيًّّا.
وهذا لأن السلاحَ لا يُلِثُ (٢) عادةً، فيُحتاجُ إلىُ دَفْعِه بالقتل.
والعصا الصغيرةُ وإن كانت تُلْبِثُ، ولكن في الليلِ لا يَلْحَقُهُ الغَوْثُ،
فيَضطرُّ إلىُ دَفْعِه بالقتل.
وكذا في النهارِ في غيرِ المصرِ في الطريقِ: لا يَلْحَقُه الغَوْثُ، فإذا قَتَلَه:
کان دمُهُ هَدَراً.
قالوا (٣): فإن كان عصاً لا تُلْبِثُ: يَحتملُ أن تكونَ مثلَ السلاحِ عندهما.
قال: (وإن شَهَرَ المجنونُ على غيرِه سلاحاً، فقَتَلَه المشهورُ عليه
عمداً: فعليه الديةُ في ماله).
(١) ص١٥٦.
(٢) أي ليس فيه مُهلة للدفع بغير قتل. البناية ٣٩٠/١٥.
(٣) أي المشايخ رحمهم الله.

٢٠٢
في بيان ما هو بمنزلة التّبَع للقصاص
وقال الشافعي(١) رحمه الله: لا شيءَ عليه.
وعلى هذا الخلافِ(٢): الصبيُّ، والدابةُ.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يجبُ الضمانُ في الدابة، ولا يجبُ
في الصبيِّ والمجنونِ.
للشافعي رحمه الله: أنه قَتَلَه دافِعاً عن نفسِه، فيُعتبرُ بالبالِغِ الشاهِرِ.
ولأنه يصيرُ محمولاً على قَتْلِهِ بفعله، فأشبه المُكرَهَ.
ولأبي يوسف رحمه الله: أنَّ فِعْلَ الدابة غيرُ مُعتَبَر أصلاً، حتى لو
تحقَّق (٣): لا يوجبُ الضمانَ.
أما فِعلُهما (٤): فمعتبرٌ في الجملة، حتى لو حقَّقَاه: يجبُ عليهما الضمان.
وكذا عصمتُهما(٥): لِحَقِّهما، وعصمةُ الدابةِ: لِحَقِّ مالكِها، فكان
فِعلُهما مسقِطاً للعصمة، دونَ فِعْلِ الدابة.
(١) أسنى المطالب ١٢٠/٤.
(٢) أي بيننا وبين الشافعي رحمه الله إذا صال الصبيُّ على إنسانٍ، أو صالت
الدابة كالجمل على إنسان فقتله.
(٣) أي فعل الدابة.
(٤) وهو الشَّهْر من الصبي والمجنون.
(٥) أي عصمة الصبي والمجنون: لحَقِّهما، لا لحَقِّ الغير.

٢٠٣
في بيان ما هو بمنزلة التَّبَع للقصاص
ومَن شَهَرَ على غيرِه سلاحاً في المصر، فضَرَبَه، ثم قَتَلَه الآخَرُ بعد
ذلك : فعلى القاتل القصاصُ.
ومَن دَخَلَ عليه غيرُه ليلاً، وأخرج السرقةَ، فَاتَّبَعَه وقَتَلَه: فلا شيء عليه.
ولنا: أنه (١) قَتَلَ شخصاً معصوماً، أو أتلف مالاً معصوماً حقاً للمالك،
وفِعْلُ الدابةِ لا يَصلحُ مُسقِطاً، وكذا فعلُهما وإن كانت عصمتُهما حقَّهُما؛
لعدم اختيارٍ صحيحٍ، ولهذا لا يجبُ القصاصُ بتحقّق الفعلِ منهما.
بخلاف العاقلِ البالغ؛ لأن له اختياراً صحيحاً.
وإنما لا يجبُ القصاصُ: لوجود المبيحِ، وهو دَفْعُ الشّرِّ، فتجبُ الديةُ.
قال: (ومَن شَهَرَ على غيرِهِ سلاحاً في المصر، فضَرَبَه(٢)، ثم قَتَلَه
الآخَرُ(٣) بعد ذلك: فعلى القاتل القصاصُ).
معناه: إذا ضَرَبَه، فانصرف؛ لأنه خَرَجَ مِن أنْ يكون محارباً بالانصراف،
فعادت عصمتُه.
قال: (ومَن دَخَلَ عليه غيرُهُ(٤) ليلاً، وأخرج السرقةَ، فاتَّبَعَه وقَتَلَه: فلا
شيءَ عليه)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((قاتِلْ دونَ مالِكَ))(٥).
(١) أي المشهور علیه.
(٢) أي الشاهر.
(٣) أي المضروب المشهور عليه.
(٤) وفي نُسخ: على غيره. قلت: والمعنى واحدٌ.
(٥) سنن النسائي (٤٠٨١)، المعجم الكبير للطبراني (٧٤٦)، الدراية ٢٦٨/٢.

٢٠٤
في بيان ما هو بمنزلة التَّبَع للقصاص
ولأنه يُباحُ له (١) القتلُ دَفْعاً (٢) في الابتداء، فكذا استرداداً في الانتهاء (٣).
وتأويلُ المسألة (٤): إذا كان لا يُتَمكَّنُ من الاسترداد إلا بالقتل، والله
تعالى أعلم.
(١) أي للمدخول عليه.
(٢) أي لأجل الدفع.
(٣) أي فكذا له القتل لأجل استرداد ما أخذه. البناية ٣٩٣/١٥.
(٤) وفي نُسخ: ومعنى المسألة.

٢٠٥
باب
باب
القصاص فيما دون النفس
ومَنْ قَطَعَ يدَ غيرِهِ عمداً من المَفْصِل : قُطِعتْ يدُه وإن كانت يدُه أكبرَ
من اليدِ المقطوعة، وكذلك الرِّجْلُ، ومَارِنُ الأنف، والأُذُنِ.
باب
القصاص فیما دون النفس
قال: (ومَن قَطَعَ يدَ غيره عمداً من المَفْصِلِ: قُطِعِتْ يدُه وإن كانت يدُه
أكبرَ من اليدِ المقطوعة).
لقوله تعالى: ﴿وَاَلْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. المائدة/ ٤٥، وهو يُنِئُ عن
المماثلة، فكلّ ما أمكنَ رعايتُها فيه: يجبُ فيه القصاصُ، وما لا: فلا،
وقد أَمكنَ في القطع من المَفْصِل، فاعتُبر.
ولا مُعتَبَرَ بِكِيَر اليد، وصِغَرها؛ لأن منفعةَ اليد لا تختلفُ بذلك.
قال: (وكذلك الرِّجْلُ، ومَارِنُ الأنف، والأُذُنِ (١))؛ لإمكان رعايةٍ
المماثلة في القطع.
(١) بضمِّ النون في نُسخ، ويكون المعنى: وكذلك الأُذُنُ، معطوفةً على الرِّجْل،
وفي نُسخٍ أخرى ضُبطت بالكسر، بتقدير: مارنُ الأُذنِ.

٢٠٦
القصاص فيما دون النفس
ومَن ضَرَبَ عينَ رُجُلٍ، فقَلَعَها : فلا قصاصَ عليه.
وإن كانت قائمةً، فذهب ضوؤها: فعليه القصاصُ.
تُحمَىُ له المِرْآةُ، ويُجعَلُ على وجهه قُطْنٌ رَطْبٌ، وتُقَابَلُ عينُه بالمِرْآة،
فيذهبُ ضَوْؤُها .
وفي السِّنِّ: القصاصُ، وإن كان سِنُّ مَن يُقْتَصُّ منه أكبرَ من سِنِّ الآخَر.
قال: (ومَن ضَرَبَ عينَ رُجُل، فقَلَعَها: فلا قصاصَ عليه)؛ لامتناع
المماثلةِ في القلع.
(وإن كانت قائمةً، فذهب ضوؤها: فعليه القصاصُ)؛ لإمكان المماثلة،
على ما قال في ((الكتاب(١)).
قال: (تُحمَى له المِرْآةُ، ويُجعَلُ على وجهه قُطْنٌ رَطْبٌ، وتُقَابَلُ عينُه
بالمِرْآة، فيذهبُ ضَوْؤُها).
وهو مأثورٌ عن جماعةٍ من الصحابة رضي الله عنهم (٢).
قال: (وفي السِّنِّ: القصاصُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّّ بِالسّنّ﴾.
المائدة / ٤٥.
قال: (وإن(٣) كان سِنُّ مَن يُقْتَصُّ منه أكبرَ من سِنِّ الآخَر)؛ لأن منفعةً
(١) أي مختصر القدوري.
(٢) منهم علي، وعثمان رضي الله عنهما. ينظر مصنف عبد الرزاق (١٧٤١٤)
البناية ١٢/ ١٤٠، نصب الراية ٣٥٠/٤.
(٣) إِن: هنا وصلیةٌ.

٢٠٧
القصاص فیما دون النفس
وفي كلِّ شَجَّةٍ تتحقَّقُ فيها المماثلةُ : القصاصُ.
ولا قصاصَ في عَظْمٍ، إلا في السِّنِّ.
وليس فيما دونَ النفسِ شِبْهُ عمدٍ، إنما هو عمدٌ، أو خطأً.
السِّنِّ لا تتفاوت بالصِّغَر والكِبَر.
قال: (وفي كلِّ شَجَّةٍ تتحقَّقُ فيها المماثلةُ: القصاصُ)؛ لِمَا تَلَوْنا.
قال: (ولا قصاصَ في عَظْمٍ، إلا في السِّنِّ).
وهذا اللفظُ مَرْويٌّ عن عمرَ، وابنٍ مسعود (١) رضي الله عنهما.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا قصاصَ في عَظْم (٢))(٣)، والمرادُ: غيرُ
السِّنِّ.
ولأن اعتبارَ المماثلةِ في غيرِ السِّنِّ متعذّرٌ؛ لاحتمال الزيادةِ والنقصانِ،
بخلاف السِّنِّ؛ لأنه يُبرَدُ بالمِبْرَدِ.
ولو قُلِعَ من أصلِهِ: يُقلَعُ الثاني، فيتماثلان.
قال: (وليس فيما دونَ النفسِ شِبْهُ عمدٍ، إنما هو عمدٌ، أو خطأ)؛
(١) قال في نصب الراية ٣٥٠/٤: غريب، وذكره عن الشعبي والحسن عند ابن
أبي شيبة في المصنف (٢٧١٣٢)، لكن بلفظ: ((ليس في العظام قصاصٌ))، بدون
الاستثناء، وجاء مروياً عن عمر وابن عباس رضي الله عنهم عند ابن أبي شيبة أيضاً في
المصنف (٢٧٣٠٣)، بإسناد ضعيف، وينظر البناية ١٢ / ١٤٢.
(٢) قال في الدراية ٢٦٩/٢: لم أجده. يعني مرفوعاً.
(٣) وفي نُسخ: العظم.

٢٠٨
القصاص فیما دون النفس
ولا قصاصَ بين الرَّجُلِ والمرأةِ فيما دون النفس، ولا بين الحُرِّ
والعبد، ولا بين العبدیْن.
ويجبُ القصاصُ في الأطرافِ بين المسلمِ والكافر .
لأن شِبْهَ العمدِ يعودُ إلى الآلة، والقتلُ هو الذي يَختلفُ باختلافها، دون
ما دون النفس؛ لأنه لا يَختلفُ إتلافُه باختلاف الآلة، فلم يبقَ إلا العمدُ
والخطأُ.
قال: (ولا قصاصَ بين الرَّجُلِ والمرأةِ فيما دون النفس(١)، ولا بين
الحُرِّ والعبد، ولا بين العبدَیْن).
خلافاً للشافعيّ(٢) رحمه الله في جميع ذلك، إلا في الحُرِّ يَقطعُ طرفَ
العبد(٣)، هو يَعتبرُ الأطرافَ بالأنفس؛ لكونها تابعةً لها.
ولنا: أن الأطرافَ يُسلَكُ بها مَسلَكَ الأموال، فَيَنعدِمُ التماثلُ بالتفاوت
في القيمة، وهو معلومٌ قطعاً بتقويم الشرع، فأمكن اعتبارُه.
بخلاف التفاوتِ في البَطْش؛ لأنه لا ضابطَ له، فاعتُبر أصلُه.
وبخلاف الأنفُس؛ لأن المتلَفَ(٤) إزهاقُ الروحِ، ولا تفاوتَ فيه.
قال: (ويجبُ القصاصُ في الأطرافِ بين المسلم والكافر)؛ للتساوي
بينهما في الأَرْش.
(١) للتفاوت، وعدم المساواة.
(٢) الحاوي الكبير ٢٦/١٢.
(٣) فإنه لا يجري القصاص على الحر عنده.
(٤) وفي نُسخ: المتعلّق. قلت: أي إن سبب القصاص هو إزهاق الروح.

٢٠٩
القصاص فیما دون النفس
ومَن قَطَعَ يدَ رَجُلٍ من نصفِ الساعدِ عمداً، أو جَرَحَه جائفةً، فَبَرَأ
منها : فلا قصاصَ علیه.
وإذا كانت يدُ المقطوع صحيحةً، ويدُ القاطع شلاَءَ، أو ناقصةً
الأصابع: فالمقطوعُ يدُه بالخيار : إن شاء قَطَعَ اليدَ المَعِيبةَ، ولا شيءَ له
غيرُها، وإن شاء أَخَذَ الأَرْشَ كاملاً.
قال: (ومَنْ قَطَعَ يدَ رَجُلٍ من نصفِ الساعدِ عمداً (١)، أو جَرَحَه
جائفةً(٢)، فَبَرَأ منها: فلا قصاصَ عليه).
لأنه لا يُمكنُ اعتبارُ المماثلةِ فيه، إذِ الأولُ كَسْرُ العظم، ولا ضابطَ فيه(٣).
وكذا البُرْءُ(٤) نادرٌ، فيُقضي الثاني(٥) إلى الهلاكِ ظاهراً.
قال: (وإذا كانت يدُ المقطوعِ صحيحةً، ويدُ القاطعِ شلاَّءَ، أو ناقصةً
الأصابع: فالمقطوعُ يدُه بالخيار: إن شاء قَطَعَ اليدَ المَعِيبةَ، ولا شيءَ له
غيرُها، وإن شاء أَخَذَ الأَرْشَ كاملاً)؛ لأن استيفاء الحَقِّ كَمَلاً متعذّرٌ، فله
أن يَتجوَّز بدون حَقُّه، وله أنْ يَعْدِلَ إلى العِوَضِ، كالمِثليّ(٦) إذا انصرَمَ عن
(١) لفظ: عمداً: مثبتٌ في نسخة ٩٨١هـ.
(٢) الجائفة هي التي تختص بالجوف: جوف الرأس أو جوف البطن.
(٣) أي في كسر العظم، وجاء في نُسخ: ولا ضابط في الثاني. قلت: وهو
الجائفة؛ لأنها تصل إلى البطن من الصدر، أو الظهر. البناية ١٥ /٤٠٠.
(٤) أي في الجائفة، والهلاك فيها غالبٌ، فلا يمكن المماثلة.
(٥) وهو الجائفة.
(٦) أي إذا غصبه غاصب.

٢١٠
القصاص فیما دون النفس
ومَن شَجَّ رَجُلاً، فاستوعبتِ الشجَّةُ ما بين قَرْنَيْهِ، وهي لا تستوعِبُ ما
بين قَرْنَي الشاجِّ: فالمَشجوجُ بالخيار: إن شاء اقتَصَّ بمقدار شَجَّتِهِ،
يَبتدىُ من أيِّ الجانبَيْن شاء، وإن شاء أَخَذَ الأرشَ.
أيدي الناس بعد الإتلاف.
ثم إذا استوفاها ناقصاً: فقد رضيَ به، فيسقطُ حَقُّه، كما إذا رضيَ
بالرديء مكانَ الجيد.
ولو سَقَطَتِ يدُهُ المَؤُقَةُ(١) قبلَ اختيارِ المَجْنِيِّ عليه، أو قُطِعتْ ظُلْماً:
فلا شيءَ له(٢) عندنا؛ لأن حَقِّه متعيِّنٌ في القصاص، وإنما يُنْتَقَلُ إلى المال
باختياره، فيسقطُ بفواته.
بخلاف ما إذا قُطِعِتْ بِحَقِّ عليه، من قصاصِ أو سرقةٍ، حيثُ يجبُ
عليه الأرشُ؛ لأنه أوفى به حَقّاً مستَحَقًّاً، فصارت سالمةً له(٣) معنىً.
قال: (ومَن شَجَّ رَجُلاً، فاستوعبتِ الشجَّةُ ما بين قَرْنَيْهِ، وهي لا
تستوعِبُ ما بين قَرْنَي الشاجِّ: فالمَشجوجُ بالخيار: إن شاء اقتَصَّ بمقدار
شَجَّتِه، يَبتدئُ من أيِّ الجانبَيْن شاء، وإن شاء أَخَذَ الأرشَ)؛ لأن الشجَّةَ
موجبَةٌ؛ لكونها مُشَيِّةً فقط، فيزدادُ الشَّيْنُ بزيادتها.
(١) أي اليد التي أصابتها الآفة، وهي الشلاء. البناية ١٥ / ٤٠١.
(٢) أي لصاحب القصاص. وفي نُسخ: عليه.
(٣) أي للجاني.

٢١١
القصاص فیما دون النفس
ولا قصاصَ في اللسان، ولا في الذِّكَر .
إلا أن تُقْطَعَ الحَشَقةُ .
وفي استيفائه ما بين قَرْني الشاجِّ: زيادةٌ على ما فَعَلَ، ولا يَلحقُه من
الشَّيْنِ باستيفائه قَدْرَ حَقُّ ما يَلحَقُ المَشجوجَ، فَيَنتقِصُ(١)، فيُخَيَّرُ، كما في
الشلاءِ والصحيحة.
وفي عكسِهِ: يُخيَّرُ أيضاً؛ لأنه يتعذَّرُ الاستيفاءُ كَمَلاً؛ للتعدي إلى غير
حَقِه.
وكذا إذا كانتِ الشجَّةُ في طول الرأسِ، وهي تأخذُ من جبهته إلى
قَفَاه، ولا تبلغُ إلىُ قَفَا الشاجِّ: فهو بالخيار؛ لأن المعنى لا يختلف.
قال: (ولا قصاصَ في اللسان، ولا في الذَّكَرِ).
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه إذا قُطِعَ من أصله: يجب؛ لأنه يُمكنُ
اعتبارُ المساواة.
ولنا: أنه يَنقبضُ ويَنْبسِطُ، فلا يُمكنُ اعتبارُ المساواة.
(إلا أن تُقْطَعَ الحَشَفَةُ)؛ لأن موضعَ القطعِ معلومٌ، كالمَفْصِل.
ولو قُطِعَ بعضُ الحَشَفةِ، أو بعضُ الذِّكَرِ: فلا قصاصَ فيه؛ لأن البعضَ
لا يُعلَمُ مقدارُه.
(١) وفي نُسخ: فينتقض: بالضاد، وكذلك جاء في بعض طبعات الهداية. قلت:
والصواب: بالصاد، أي ينتقص حق المشجوج إذا لم تستوعب الشجةُ ما بين قرني
الشاج إذا كان رأسه صغيراً. البناية ١٥ / ٤٠٢.

٢١٢
القصاص فيما دون النفس
بخلاف الأُذُنِ إذا قُطِعَت كلُّها أو بعضُها؛ لأنها لا تنقبضُ ولا تَنْبَسِطُ،
ولها حَدٌّ يُعرَف، فيُمكنُ اعتبارُ المساواة.
والشَّفَةُ إذا استقصاها بالقطع: يجبُ القصاصُ؛ لإمكان اعتبار المساواة،
بخلاف ما إذا قَطَعَ بعضَها؛ لأنه يتعذَّرُ اعتبارُها، والله تعالى أعلم.

٢١٣
فصلَ
فصلٌ
و
وإذا اصطلح القاتلُ وأولياءَ القتيلِ على مال: سَقَطَ القصاصُ،
ووَجَبَ المالُ، قليلاً كان أو كثيراً .
فصل
في أحكام الصُّلْحِ في القصاصِ والعَفْو عنه
و
قال: (وإذا اصطلح القاتلُ وأولياءَ القتيلِ على مالٍ: سَقَطَ القصاصُ،
ووَجَبَ المالُ، قليلاً كان أو كثيراً).
لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾. الآية. البقرة/ ١٧٨.
على ما قيل: نَزَلَتْ في الصلح.
وقولِه عليه الصلاة والسلام: (مَن قُتِلَ له قتيلٌ)(١). الحديث.
والمراد، والله أعلم: الأخذُ بالرضا، على ما بيَّنَّاه، وهو الصلحُ بعَيْنِه.
ولأنه حَقٌّ ثابتٌ للورثة، يجري فيه الإسقاطُ عفواً، فكذا تعويضاً؛
لاشتماله على إحسان الأولياء، وإحياءِ القاتل، فيجوزُ بالتراضي.
والقليلُ والكثيرُ فيه سواءٌ؛ لأنه ليس فيه نصٌّ مقدِّرٌ(٢)، فيُقوَّضُ إلى
اصطلاحهما، كالخلع وغيره.
(١) تمام الحديث: فهو بخير النَّظَرَيْن: إما أن يُعطَى - أي الدية -، وإما أن يُقاد
أهلُ القتيل)»، في صحيح البخاري (١١٢، ٦٨٨٠)، صحيح مسلم (١٣٥٥).
(٢) بكسر الدال.

٢١٤
في أحكام الصُّلْحِ في القصاصِ والعَفْو عنه
وإن لم يَذكروا حالاً ولا مؤجَّلاً: فهو حالَّ.
وإن كان القاتلُ حُرَّاً وعبداً، فَأَمَرَ الحرُّ ومولى العبدِ رجلاً بأن يصالِحَ
عن دمهما على ألف درهم، ففَعَلَ : فالألفُ على الحُرِّ ومولى العبد نصفان.
وإذا عَفَا أحدُ الشركاءِ من الدمِ، أو صالَحَ من نصيبه على عوضٍ :
سَقَطَ حَقُّ الباقِيْن من القصاص، وكان لهم نصيبُهم من الدية.
قال: (وإن لم يَذكروا حالاً ولا مؤجَّلاً: فهو حالٌّ)؛ لأنه مالٌ واجبٌ بالعقد.
والأصلُ في أمثاله: الحُلُولُ، نحوُ المهرِ والثمنِ، بخلاف الديةِ؛ لأنها
ما وجبت بالعقد.
قال: (وإن كان القاتلُ حُرَّاً وعبداً، فَأَمَرَ الحرُّ ومولى العبدِ رجلاً بأن
يصالِحَ عن دمهما على ألفِ درهم، ففَعَلَ: فالألفُ علىُ الحُرِّ ومولى العبد
نصفان)؛ لأن عقدَ الصلح أُضِيفَ إليهما.
قال: (وإذا عَفَا أحدُ الشركاءِ من الدمٍ، أو صالَحَ من نصيبه على
عوضٍ: سَقَطَ حَقُّ الباقِيْن من القصاص، وكان لهم نصيبُهم من الدية).
وأصلُ هذا: أن القصاصَ حَقُّ جميع الورثة، وكذا الديةَ.
خلافاً لمالكٍ (١)، والشافعي (٢) رحمهما الله في الزوجين.
(١) لم أقف على قوله فيما تيسر لي من كتب المالكية، والمشهور عنه أن
القصاص موروثٌ للعصبات، وليس للزوجين حقٌّ في القصاص. البناية ٤٠٦/١٥.
(٢) الأم ٦ / ١٢.

٢١٥
في أحكام الصُّلْحِ في القصاصِ والعَفْو عنه
لهما: أن الوراثةَ خلافةٌ، وهي بالنَّسَب، دونَ السبب؛ لانقطاعه بالموت.
ولنا: أنه عليه الصلاة والسلام أَمَرَ بتوريث امرأةٍ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ من
عَقْلِ زوجِها أَشْيَم(١) رضي الله عنهما.
ولأنه حَقٌّ يجري فيه الإرثُ، حتى إنَّ مَن قُتِلَ وله ابنان، فمات أحدُهما
عن ابنٍ: كان القصاصُ بين الصُّلْبِيِّ وابنِ الابنِ، فيثبتُ لسائر الورثة.
والزوجيةُ تبقى حكماً بعد الموت في حَقِّ الإرث.
أو يثبتُ(٢) الإرثُ(٣) مستنداً إلى سببه، وهو الجرحُ، وإذا ثبت(٤)
للجميع: فكل منهم يتمكّنُ من الاستيفاءِ والإسقاطِ عفواً وصلحاً.
ومِن ضرورةِ سقوطِ حَقِّ البعضِ في القصاص: سقوطُ حَقِّ الباقِيْن
فيه؛ لأنه لا يتجزّأُ.
بخلاف ما إذا قَتَلَ رجلَيْن، وعَفَا أحدُ الوليَّيْن؛ لأن الواجبَ هناك
قصاصان من غير شبهةٍ؛ لاختلاف القتلِ والمقتول، وها هنا واحدٌ؛
لاتحادهما.
(١) سنن الترمذي (١٤١٥)، وقال: حسن صحيح، والعقل: هو الدية.
(٢) هذا دليلٌ آخر.
(٣) وفي نُسخ: أو يثبتُ الموت. قال في البناية ٤٠٩/١٥ أي يثبت الإرثُ بعد
الموت حال كونه مستنداً إلى سببه وهو الجرح، فصار له كمالٍ آخرَ في ثبوته قبل
الموت. اهـ
(٤) أي حق القصاص.

٢١٦
في أحكام الصُّلْحِ في القصاصِ والعَفْو عنه
وإذا قَتَلَ جماعةٌ واحداً عمداً : أُقْتُصَّ من جميعِهم.
وإذا سَقَطَ القصاصُ ينقلبُ نصيبٌ(١) الباقِيْن مالاً؛ لأنه امتنع لمعنىً
راجعٍ إلى القاتل.
وليس للعَافي شيءٌ من المال؛ لأنه أسقط حقّه بفعله ورضاه.
ثم يجبُ ما يجبُ من المال: في ثلاث سنين.
وقال زفر رحمه الله: يجبُ في سنتَيْن فيما إذا كان بين الشريكين،
وعَفَا أحدُهما؛ لأن الواجبَ نصفُ الديةِ، فيُعتبرُ بما إذا قُطعتْ يدُه خطأً.
ولنا: أن هذا بعضُ بدلِ الدم، وكلُّه مؤجَّلٌ إلى ثلاث سنين، فكذلك بعضُهُ.
والواجبُ في اليد: كلُّ بدلِ الطَّرَف، وهو في سنتين في الشرع،
ويجبُ في مالِه؛ لأنه عمدٌ.
قال: (وإذا قَتَلَ جماعةٌ واحداً عمداً: أُقْتُصَّ من جميعِهم).
لقول عمرَ رضي الله عنه فيه: لو تَمَالا عليه أهلُ صنعاءَ لقتلتُهم(٢).
ولأن القتلَ بطريق التغالبِ: غالِبٌ.
والقصاصُ مَزْجَرَةٌ للسفهاء، فيجبُ؛ تحقيقاً لحِكمة الإحياء.
(١) وفي نُسخ: حق الباقين.
(٢) الموطأ ٨٧١/٢ (برقم ١٣)، ويلفظ: لو اشترك فيها أهل صنعاء ...: في
صحيح البخاري (٦٨٩٦)، وينظر نصب الراية ٣٥٣/٤.

٢١٧
في أحكام الصُّلْحِ في القصاصِ والعَفْو عنه
وإِذا قَتَلَ واحدٌ جماعةً، فحَضَرَ أولياءُ المقتولِين : قُتِلَ بجماعتِهم، ولا
شيءَ لهم غيرُ ذلك.
فإن حَضَرَ واحدٌ منهم : قُتِلَ له، وسَقَطَ حَقُّ الباقين.
قال: (وإذا قَتَلَ واحدٌ جماعةً، فحَضَرَ أولياءُ المقتولِين: قُتِلَ بجماعتِهم،
ولا شيءَ لهم غيرُ ذلك.
فإن حَضَرَ واحدٌ منهم: قُتِلَ له، وسَقَطَ حَقُّ الباقين).
وقال الشافعي(١) رحمه الله: يُقْتَلُ بالأول منهم، ويجبُ للباقِين المالُ.
وإن اجتمعوا، ولم يُعرَفِ الأولُ: قُتِلَ لهم، وقُسِمَتِ الدياتُ بينهم.
وقيل: يُقْرَعُ بينهم، فِيُقْتَلُ لمَنْ خَرَجَت قُرْعتُه.
له (٢): أن الموجودَ من الواحد قَتَلاتٌ، والذي تحقَّقَ في حَقِّه قتلٌ
واحدٌ، فلا تَمَاثُلَ، وهو القياسُ في الفصلِ الأول(٣)، إلا أنه عُرِفَ بالشرع.
ولنا: أنَّ كلَّ واحدٍ منهم قاتِلٌ بوصفِ الكمال، فجاء التماثلَ.
أصلُه: الفصلُ الأول، إذ لو لم يكن كذلك: لَمَا وَجَبَ القصاصُ.
ولأنه وُجدَ من كلِّ واحدٍ منهم جَرْحٌ صالحٌ للإزهاق، فيُضافُ إلى كلّ
واحدٍ منهم، إذ هو لا يتجزّأ.
(١) المهذب ١٨٨/٣.
(٢) أي للإمام الشافعي رحمه الله.
(٣) وهو ما إذا قَلَ جماعةٌ واحداً.

٢١٨
في أحكام الصُّلْحِ في القصاصِ والعَفْو عنه
ومَن وَجَبَ عليه القصاصُ، إذا مات: سَقَطَ القصاصُ.
وإذا قَطَعَ رجلان يدَ رَجُلٍ واحدٍ : فلا قصاصَ على واحدٍ منهما،
وعليهما نصفُ الدیةِ.
ولأن القصاصَ شُرِعَ مع المنافي؛ لتحقيق الإحياء، وقد حَصَلَ بقَتْله،
فاکتُفِيَ به.
قال: (ومَن وَجَبَ عليه القصاصُ، إذا مات: سَقَطَ القصاصُ)؛ لِفَوَات
مَحَلِّ الاستيفاءِ، فأشبه موتَ العبدِ الجاني.
ويتأتَّى فيه خلافُ الشافعيّ(١) رحمه الله، إذِ الواجبُ أحدُهما(٢) عنده.
قال: (وإذا قَطَعَ رجلان يدَ رَجُلٍ واحدٍ: فلا قصاصَ علىُ واحدٍ منهما،
وعليهما نصفُ الدیةِ).
وقال الشافعيُ(٣) رحمه الله: تُقْطَعُ يداهما.
والمَفْرضُ(٤): إذا أَخَذَا سكِّيناً، وأمَرَّاه(٥) على يدِهِ حتى انقطعت(٦).
(١) نهاية المطلب ٥/ ٢٧٢.
(٢) أي القصاص أو الدية.
(٣) التهذيب ١٧٢/٧.
(٤) أي وموضع فَرْضِ المسألةِ الخلافية. البناية ٤١٣/١٥، وفي نُسخ: المفروض.
(٥) أي السكين، وهو يُذكَّر ويؤنَّث، والغالب عليه التذكير. مختار الصحاح.
(٦) أما لو وَضَعَ أحدُهما السكينَ من جانبٍ، والآخرُ من جانبٍ آخرَ، وأمَرَّ كلّ
واحدٍ سكينَه حتى التقيا، وانقطعت اليدُ: لا قصاصَ عنده.

٢١٩
في أحكام الصُّلْحِ في القصاصِ والعَفْو عنه
وإن قَطَعَ واحدٌ يَمِينَيْ رَجُلَيْن، فحَضَرًا: فلهما أنْ يَقطَعَا يدَه، ويأخذا
منه نصفَ الدیةِ، يقتسمانه نصفَيْن .
له(١): الاعتبارُ بالأنفس، والأيدي تابعةٌ لها، فَأَخَذَتْ حُكْمَها، أو
يُجمَعُ بينهما بجامع الزَّجْر.
ولنا: أن كلَّ واحدٍ منهما قاطِعٌ بعضَ اليدِ؛ لأنَّ الانقطاعَ حصل
باعتمادَيْهما، والمَحَلِّ مُتَجَزِّىٌ، فيُضافُ إلى كلِّ واحدٍ منهما البعضُ، فلا
مماثلةَ.
بخلاف النفس: لأنَّ الانزهاقَ لا يتجزّأُ.
ولأن القتلَ بطريق الاجتماع غالِبٌ؛ حِذَارَ الغَوْثِ.
والاجتماعُ علىُ قَطْعِ اليد من المَفْصِل: في حَيِّز النُّدْرة؛ لافتقاره إلى
مقدِّماتٍ بطيئةٍ (٢)، فيَلحَقُهُ الغَوْثُ.
قال: وعليهما نصفُ الدِّيَةِ؛ لأنه ديةُ اليدِ الواحدةِ، وهما قَطَعَاها.
قال: (وإن قَطَعَ واحدٌ يَمينَيْ رَجُلَيْن، فحَضَرَا: فلهما أنْ يَقْطَعَا يدَه،
ويأخذا منه نصفَ الديةِ، يقتسمانه نصفَيْن)، سواءٌ قَطَعَهما معاً، أو على
التعاقُب.
وقال الشافعي(٣) رحمه الله: في التعاقب: يُقْطَعُ بالأول، وفي القِران:
(١) أي للشافعي رحمه الله.
(٢) مِن شَدِّ اليد وأخذ السكين والإمرار على المفصل إلى أن يقطع.
(٣) البيان للعمراني ١١/ ٣٩٤.

٢٢٠
في أحكام الصُّلْحِ في القصاصِ والعَفْو عنه
وإن حَضَرَ واحدٌ منهما، فقَطَعَ يدَه: فللآخَر عليه نصفُ الدیة.
وإِذا أَقرَّ العبدُ بقتل العمدِ : لَزِمَه القَوَدُ.
يُقْرَعُ؛ لأن اليدَ استحقَّها الأولُ، فلا يثبتُ الاستحقاقُ فيها للثاني، كالرهن
بعد الرهن، وفي القِران: اليدُ الواحدةُ لا تَفِي بالحَقَّيْن، فيُرجَّحُ بالقُرعة.
ولنا: أنهما استويا في سببِ الاستحقاق، فيستويان في حُكْمِهِ (١)،
كالغريمَيْن في التَّرِكة.
والقصاصُ(٢): مِلكُ الفعل، يثبتُ مع المُنافي، فلا يَظْهَرُ إلا في حَقِّ
الاستيفاء، أما المَحَلَّ فخِلْوٌ عنه، فلا يمنعُ ثبوتَ الثاني.
بخلاف الرهن: لأن الحَقَّ ثابتٌ في المَحَلِّ، فصار كما إذا قَطَعَ العبدُ
يمينَيْهما(٣) على التعاقب، فتُستَحَقُّ رقبتُه لهما.
قال: (وإن حَضَرَ واحدٌ منهما، فقَطَعَ يدَه: فللآخَر عليه نصفُ الدية)؛
لأن للحاضر أن يستوفيَ؛ لثبوت حَقُّه، وتَرَدُّدِ حَقِّ الغائب (٤)، وإذا استوفى:
لم يبقَ مَحَلَّ الاستيفاء، فيتعيَّنُ حَقُّ الآخَرِ في الدية؛ لأنه أَوْفِى به حَقّاً
مستحقّاً.
قال: (وإذا أَقرَّ العبدُ بقتل العمدِ: لَزِمَه القَوَدُ).
(١) وهو القصاص.
(٢) هذا جوابٌ عن قول الشافعي رحمه الله.
(٣) وفي نُسخ: يميني رَجُلین.
(٤) وفي نُسخ: الآخر.