Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
فصلٌ في الجوارح
ولو أن صَقْراً فَرَّ من صاحبه، فمَكَثَ حِيناً، ثم صاد : لا يُؤْكَلُ صيدُه.
ولو شَرِبَ الكلبُ من دمِ الصيدِ، ولم يَأْكلْ منه : أُكِلَ.
ولو أَخَذَ الصيدَ من الكلبِ المعلِّمِ، ثم قَطَعَ منه قطعةً، .
.
.
وله: أنه آيةُ جهلِه من الابتداء؛ لأن الحِرْفَةَ لا يُنسَى أصلُها، فإذا أَكَلَ:
تبيَّن أنه كان تَرْكُه الأكلَ للشَّبَع، لا للعلم.
وتبدَّلَ الاجتهادُ(١) قبلَ حصول المقصود(٢) بالأكل(٣)، فصار كتبدُّل
اجتهادِ القاضي قبلَ القضاء.
قال: (ولو أن صَقْراً فَرَّ من صاحبه، فمَكَثَ حِيناً، ثم صاد: لا يُؤكَلُ
صيدُه)؛ لأنه تَرَكَ ما صار به عالِماً، فيُحكَمُ بجهلِه، كالكلب إذا أَكَلَ من
الصید.
قال: (ولو شَرِبَ الكلبُ من دمِ الصيدِ، ولم يَأْكلْ منه: أُكِلَ)؛ لأنه
مُمْسِكٌ للصيد عليه، وهذا من غايةِ علمِهِ، حيثُ شَرِبَ ما لا يَصلُحُ
ءُ
لصاحبه، وأمسكَ علیه ما يَصلُحُ له.
قال: (ولو أَخَذَ(٤) الصيدَ من الكلبِ المعلَّمِ، ثم قَطَعَ منه قطعةً،
(١) وضُبطت في نُسخ أخرى هكذا: وتَبَدُّلُ الاجتهاد.
(٢) هذا جوابٌ عما قالا: ولأن فيما أحرزه قد أمضى ... البناية ١٦٠/١٥.
(٣) وفي نُسخ: لأنه بالأكل.
(٤) أي صاحب الكلب.

٤٢
فصلٌ في الجوارح
وألقاها إليه، فأَكَلَها : يُؤْكَلُ ما بقيَ.
ولو نَهَسَ الكلبُ الصيدَ، فقَطَعَ منه بَضْعةً، فَأَكَلَها، ثم أدرك الصيدَ، فقَتَلَه،
ولم يأكل منه : لم يُؤُكَلْ.
ولو ألقى ما نَهَسَه، واتَّبَعَ الصيدَ، فقَتَلَه، ولم يأكل منه، وأَخَذَه
صاحبُهُ، ثم مَرَّ بتلك البَضعةِ، فَأَكَلَها : يُؤْكَلُ الصيدُ.
وألقاها إليه، فأَكَلَها: يُؤكَلُ ما بقيَ)؛ لأنه لم يبقَ صيداً، فصار كما إذا
ألقى إليه طعاماً غيرَه.
وكذا إذا وَثَبَ الكلبُ، فأخذه منه (١)، وأَكَلَ منه؛ لأنه ما أَكَلَ من
الصيد، والشرطُ: تَرْكُ الأكلِ من الصيد، فصار كما إذا افترس شاتَه.
بخلاف ما إذا فَعَلَ ذلك قبلَ أن يُحرِزَه المالكُ؛ لأنه بقيتْ فيه جهةٌ
الصیديَّة.
قال: (ولو نَهَسَ الكلبُ الصيدَ، فقَطَعَ منه بَضْعَةً، فَأَكَلَها، ثم أدرك الصيدَ،
فقَتَلَه، ولم يأكلْ منه: لم يُؤُكَلْ)؛ لأنه صيدُ كلبٍ جاهلٍ، حيث أَكَلَ من الصيد.
قال: (ولو ألقىْ ما نَهَسَه، واتَبَعَ الصيدَ، فقَتَلَه، ولم يأكل منه، وأَخَذَه
صاحبُه، ثم مَرَّ بتلك البَضعةِ، فَأَكَلَها: يُؤكَلُ الصيدُ)؛ لأنه لو أَكَلَ من نفسِ
الصيد في هذه الحالة: لم يُضِرَّه، فإذا أَكَلَ ما بان منه، وهو لا يَحِلّ
لصاحبه: أولى.
(١) أي أخذ الكلبُ اليدَ من الصیاد.

٤٣
فصلٌ في الجوارح
وإن أدرك المُرسِلُ الصيدَ حيَّاً: وَجَبَ عليه أن يُذَكِّيُه، وإن تَرَكَ تذكيتَه
حتى مات : لم يُؤْكَلْ، وكذا البازي، والسهمُ.
بخلاف الوجه الأول(١)؛ لأنه أَكَلَ في حالة الاصطياد، فكان جاهلا
مُمْسكاً لنفسه.
ولأنَّ نَهْسَ البَضْعةِ قد يكون ليأكلَها، وقد يكونُ حِيْلةً في الاصطياد
لَيَضِعُفَ بِقَطْعِ البَضْعةِ(٢) منه، فيُدرِكَه، فالأكلُ قبلَ الأخذِ: يدلّ على الوجه
ءِ
الأول، وبعدَه: على الوجه الثاني، فلا يدلّ علىُ جَهْلِهِ.
قال: (وإن أدرك المُرسِلُ الصيدَ حيَّاً: وَجَبَ عليه أن يُذَكِّيُه، وإن تَرَكَ
تذكيتَه حتى مات: لم يُؤكَلْ، وكذا البازي(٣)، والسهمُ).
لأنه قَدَرَ على الأصل قبلَ حصولِ المقصود بالبدل، إذِ المقصودُ هو
الإباحةُ، ولم تثبت قبلَ موته، فبَطَلَ حکمُ البدل.
وهذا إذا تمكَّن من ذَبْحِهِ، أما إذا وَقَعَ في يده ولم يتمكّن من ذَبْحِهِ،
وفيه من الحياة فوقَ ما يكونُ في المذبوح: لم يُؤْكَلْ، في ظاهر الرواية.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: أنه يَحِلَّ، وهو قولُ
الشافعي(٤) رحمه الله؛ لأنه لم يَقدِرْ على الأصل، فصار كما إذا رأىُ الماءَ
ولم يَقْدِرْ على الاستعمال.
(١) وهو ما إذا أكل البَضعة حين قَطعها.
(٢) وفي نُسخ: القطعة.
(٣) أي وكذا الحكم في التفصيل لو أدرك مرسِل البازي الصيدَ حياً ... إلى آخره.
(٤) تحفة المحتاج ٣٣٠/٩.

٤٤
فصلٌ في الجوارح
ووجهُ الظاهر: أنه قَدَرَ اعتباراً؛ لأنه ثبتَتْ يدُه علىُ المَذْبح (١)، وهو (٢)
ماغ
قائمٌ مَقامَ التمكّن من الذبح، إذ لا يُمكنُ اعتبارُه(٣)؛ لأنه لا بدَّ له من
مدةٍ، والناسُ يتفاوتون فيها على حَسَبِ تفاوتِهم في الكِياسة والهداية في
أَمْر الذبح، فأُدِیرَ الحکمُ على ما ذكرنا.
بخلاف ما إذا بقيَ فيه من الحياة مثلَ ما يَبقى في المذبوح؛ لأنه ميتٌ
حُكْماً، ألا ترى أنه لو وَقَعَ في الماء وهو بهذه الحالة: لا يَحْرُم، كما إذا
وَقَعَ وهو ميتٌ، والميتُ ليس بمَذْبَحٍ.
وفصَّل بعضُهم فيه تفصيلاً، وهو أنه إنْ لم يتمكَّنْ لفَقْدِ الآلة: لم
يُؤكَلْ، وإن لم يتمكّنْ لضيق الوقت: لم يُؤْكَلْ عندنا.
خلافاً للشافعي(٤) رحمه الله.
لأنه إذا وَقَعَ في يده: لم يَبْقَ صيداً، فبَطَلَ حُكمُ ذکاةِ الاضطرار.
وهذا إذا كان يُتَوَهَّمُ بقاؤه، أما إذا شَقَّ بطنَه، وأخرج ما فيه، ثم وَقَعَ
في يد صاحبِه: حَلّ؛ لأن ما بقيَ اضطرابُ المذبوح، فلا يُعتبرُ، كما إذا
وقعتْ شاةً في الماء بعد ما ذُبحَتْ.
(١) وفي نُسخ: المَذْبوح.
(٢) أي ثبوت يده على المذبح.
(٣) أي لا يمكن اعتبار التمكن من الذبح. البناية ١٥/ ١٦٤.
(٤) مغني المحتاج ٢٧٨/٤.

٤٥
فصلٌ في الجوارح
وقيل: هذا قولهما.
أما عند أبي حنيفة رحمه الله: فلا يُؤكلُ أيضاً؛ لأنه وقع في يده حياً،
فلا يَحِلّ إلا بذكاةِ الاختيار، ردًّا(١) إلى المتردِّية، على ما نذكرُه إن شاء الله
تعالى.
هذا الذي ذكرنا إذا تَرَكَ التذكيةَ، فلو أنه ذكَّاه: حَلَّ أَكْلُه عند أبي
حنيفة رحمه الله.
وكذا(٢) المتردِّيّةُ، والنَّطيحةُ، والمَوْقوذةُ(٣)، والذي بَقَرَ الذئبُ بطنَه،
وفيه حياةٌ خفيةٌ أو بيِّنَةٌ، وعليه الفتوى؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَاذَكَيْتُمُ﴾.
المائدة/ ٣، استثناه مطلقاً من غير فَصْلِ(٤).
وعند أبي يوسف رحمه الله: إذا كان بحال لا يعيشُ مثلُه: لا يَحِلَّ؛
لأنه لم یکن موتُّه بالذبح.
93
وقال محمدٌ رحمه الله: إن كان يعيشُ فوقَ ما يعيشُ المذبوحُ: يَحِلّ،
وإلا: فلا؛ لأنه لا معتبرَ بهذه الحياة، على ما قرَّرناه.
(١) أي قياساً.
(٢) أي يُؤكَلُ عند أبي حنيفة، ولا يُؤكَلُ عند الصاحبين إن كانت الحياة خفية.
(٣) التي ضربت بحجر أو عصاً حتى ماتت.
(٤) فوجب العمل بالإطلاق.

٤٦
فصلٌ في الجوارح
ولو أَدْرَكَه، ولم يأخُذْه، فإن كان وقتٌ لو أَخَذَه أمكنه ذَبْحُه: لم يُؤْكَلْ.
وإن كان لا يُمكِنُهُ ذَبْحُهُ : أُكِلَ.
وإن أدركه، فذكَّاه : حَلَّ له.
وإذا أَرسَلَ كلَبَه المعلَّمَ على صيدٍ، وأَخَذَ غيرَه: حَلَّ.
قال: (ولو أَدْرَكَه، ولم يأخُذْه، فإن كان وقتٌ لو أَخَذَه أمكنه ذَبْحُه: لم
يُؤكَلْ)؛ لأنه صار في حُكم المقدورِ عليه.
93
(وإن كان لا يُمكِنُهُ ذَبْحُه: أُكِلَ)؛ لأنَّ اليدَ لم تثبتْ به، والتمكّنُ من
الذبح لم يوجد.
قال: (وإن أدركه، فذكَّاه: حَلَّ له)؛ لأنه إن كان فيه حياةً مستقرَّةً:
فالذكاةُ وقعت موقعها، بالإجماع.
وإن لم تكنْ فيه حياةً مستقرَّةٌ: فعند أبي حنيفة رحمه الله: ذكاتُه
الذبحُ، على ما ذكرناه، وقد وُجدَ.
وعندهما: لا يُحتاج إلى الذبح.
قال: (وإذا أَرسَلَ كلَبَه المعلَّمَ على صيدٍ، وأَخَذَ غيرَه: حَلَّ).
وقال مالكُ (١) رحمه الله: لا يَحِلَّ؛ لأنه أَخَذَه بغير إرسال؛ إذِ الإرسالُ
مختَصٌّ بالمُشار إليه.
(١) التلقين ص٧٩.

٤٧
فصلٌ في الجوارح
ولو أرسله على صيدٍ كثير، وسمَّىُ مرةً واحدةً حالةَ الإرسال، فلو قَتَلَ
الكلَّ : يَحِلّ بهذه التسميةِ الواحدة.
ومَن أرسل فهداً، فكَمَنَ حتى يَستمْكِنَ، ثم أَخَذَ الصيدَ، فقَتَلَه: يُؤْكَلُ.
وكذا الكلبُ إذا اعتاد عادتَه.
ولنا: أنه شَرْطٌ غيرُ مفيدٍ؛ لأن مقصودَه حصولُ الصيدِ، لا عينُ ما
عَّنه(١)، ولا يَقدِرُ على الوفاءِ به؛ إذْ لا يُمكنُه تعليمُه على وجهٍ يأخذُ ما
عيّنَه، فسَقَطَ اعتبارُه.
قال: (ولو أرسله على صيدٍ كثيرٍ، وسمَّىُ مرةً واحدةً حالةَ الإرسال،
فلو قَتَلَ الكلَّ: يَحِلّ بهذه التسميةِ الواحدة)؛ لأن الذبحَ يقعُ بالإرسال،
علىُ ما بيَّنَّاه، ولهذا تُشترطُ التسميةُ عنده، والفعلُ واحدٌ، فتكفيه تسميةٌ
واحدة.
بخلاف ذَبْحِ الشاتَيْن بتسميةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ الثانيةَ تصيرُ مذبوحةً بفعلٍ
غيرِ الأول، فلا بدَّ من تسميةٍ أخرى، حتى لو أضجعَ إحداهما فوقَ
الأخرى، وذَبَحَهما بمَرَّةٍ واحدةٍ: تَحِلاَّن بتسميةٍ واحدةٍ.
قال: (ومَن أرسل فهداً، فَكَمَنَ حتى يَسْتَمكِنَ، ثم أَخَذَ الصيدَ، فقَتَلَه:
يُؤْكَلُ)؛ لأنَّ مُكْثَه ذلك حِيْلةٌ منه للصيد، لا استراحةٌ، فلا يَقطعُ الإرسالَ.
قال: (وكذا الكلبُ إذا اعتاد عادتَه.
(١) قوله: لا عينُ ما عيَّنْه: مثبتٌ في نُسخ، دون أخرى.

٤٨
فصلٌ في الجوارح
ولو أَخَذَ الكلبُ صيداً، فقَتَلَه، ثم أَخَذَ آخَرَ، فقَتَلَه وقد أَرسَلَه
صاحبُهُ : أُكِلا جميعاً.
ولو قَتَلَ الأولَ، فجَثَمَ عليه طويلاً من النهار، ثم مَرَّ به صيدٌ آخَرُ،
فقَتَلَه : لا يُؤكَلُ الثاني.
ولو أرسل بازِيَه المعلَّمَ على صيدٍ، فوَقَعَ على شيءٍ، ثم اتَّبَعَ الصيدَ،
فَأَخَذَه، وقَتَلَه : فإنه يُؤْكَلُ.
ولو أنَّ بازياً معلَّماً أَخَذَ صيداً، فقَتَلَه، ولا يُدرَىُ أرسله إنسانٌ أَوْ لا :
لا يُؤْكَلُ.
ولو أَخَذَ الكلبُ صيداً، فقَتَلَه، ثم أَخَذَ آخَرَ، فقَتَلَه وقد أرسلَه
صاحبُه: أُكِلا جميعاً)؛ لأن الإرسالَ قائمٌ لم ينقطع، وهو بمنزلة ما لو رمى
سهماً إلى صيدٍ، فأصابه وأصابَ آخَرَ.
قال: (ولو قَتَلَ الأولَ، فجَثَمَ عليه طويلاً من النهار، ثم مَرَّ به صيدٌ
آخَرُ، فقَتَلَه: لا يُؤكَلُ الثاني)؛ لانقطاع الإرسالِ بمكثه، إذ لم يكن ذلك
حِيْلةً منه للأخذ، وإنما كان استراحةً، بخلاف ما تقدَّم.
قال: (ولو أرسل بازِيَه المعلّمَ على صيدٍ، فوَقَعَ علىُ شيءٍ، ثم اتَّبَعَ
الصيدَ، فَأَخَذَه، وقَتَلَه: فإنه يُؤْكَلُ).
وهذا إذا لم يَمْكُثْ زماناً طويلاً للاستراحة، وإنما مكَثَ ساعةً
للكَمِين؛ لِمَا بيَّنَّاه في الكلب.
قال: (ولو أنَّ بازياً معلَّماً أَخَذَ صيداً، فقَتَلَه، ولا يُدرَى أرسله إنسانٌ
أوْ لا: لا يُؤكَلُ)؛ لوقوع الشكِّ في الإرسال، ولا تثبتُ الإباحةُ بدونه.

٤٩
فصلٌ في الجوارح
وإِن خَنَقَه الكلبُ، ولم يَجْرَحْه: لم يُؤْكَل.
وإن شارَكَه كلبٌ غيرُ معلَّمٍ، أو كلبُ مجوسيٍّ، أو كلبٌ لم يُذكَرِ اسمُ
الله تعالى عليه، يريدُ به عمداً: لم يُؤكّل.
قال: (وإن خَنَقَه الكلبُ، ولم يَجْرَحْه: لم يُؤكَل)؛ لأن الجَرْحَ شَرْطٌ،
على ظاهر الرواية، على ما ذكرناه.
وهذا يدلُّكَ على أنه لا يَحِلُّ بالكَسْرِ.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه إذا كَسَرَ عضواً، فقَتَلَه: لا بأس بأَكْله؛
لأنه جراحةٌ باطنةٌ، فهي كالجراحة الظاهرة.
وجهُ الأول: أنَّ المعتبرَ جَرْعٌ يَنتهضُ سبباً لإنهار الدم، ولا يحصُلُ
ذلك بالكسر، فأشبه التخنیقَ.
قال: (وإن شارَكَه كلبٌ غيرُ معلَّمٍ، أو كلبُ مجوسيٍّ، أو كلبٌ لم
يُذكَرِ اسمُ الله تعالى عليه، يريدُ به عمداً: لم يُؤْكَّل)، لِمَا روينا في حديث
عَدِيِّ رضي الله عنه(١).
ولأنه اجتمع المُبِيحُ والمُحرِّمُ، فتُغلَّبُ جهةُ الحُرمة نصَّاً، أو احتياطاً.
ولو ردَّه عليه (٢) الكلبُ الثاني، ولم يَجرَحْه معه، ومات بجَرْح الأولِ:
يُكره أكلُه؛ لوجود المشاركةِ في الأَخْذ، وفَقْدِها في الجَرْحِ.
(١) المتقدِّم في أول كتاب الصيد، وهو في الصحيحين.
(٢) أي على الكلب الأول.

٥٠
فصلٌ في الجوارح
وإذا أرسل المسلمُ كلَبَه، فَزَجَرَه مجوسيٌّ، فانزجر بزَجْرِه : فلا بأسَ
بصيدِه.
ولو أرسَلَه مجوسيٌّ، فَزَجَرَه مسلمٌ، فانزجر بزَجْره : لم يُؤْكَلْ.
وهذا بخلاف ما إذا رَدَّ المجوسيُّ عليه بنفسه، حيث لا يكره؛ لأن
فِعْلَ المجوسيِّ ليس من جنس فعلِ الكلبِ، فلا تتحقَّقُ المشاركةُ،
وتتحقَّقُ بين فِعلَي الكلبَيْن؛ لوجود المجانسة.
ولو لم يَرُدَّه الكلبُ الثاني على الأول، لكنه اشتدَّ على الأول حتى
اشتدَّ على الصيد، فَأَخَذَه، وقَتَلَه: لا بأس بأَكْله؛ لأن فِعلَ الثاني أثَّرَ في
الكلبِ المرسَلِ، دونَ الصيد، حيث ازداد به طَلَباً، فكان تَبَعاً لفعله؛ لأنه
بناءَ عليه، فلا يُضافُ الأخذُ إلى التَّبَع.
بخلاف ما إذا كان ردَّه عليه؛ لأنه لم يَصِرْ تَبَعاً، فيضافُ إليهما.
قال: (وإذا أرسل المسلمُ كلَبَه، فَزَجَرَه مجوسيٌّ، فانزجر بزَجْرِه: فلا
بأسَ بصيدِه).
والمرادُ بالزَّجْر: الإغراءَ بالصِّيَاحِ عليه، وبالانزجارِ: إظهارُ زيادةِ الطلب.
ووَجْهُه: أن الفعلَ يُرفَعُ بما هو فوقَه أو مِثْلُه، كما في نَسْخِ الآي،
والزَّجْرُ دونِ الإرسال؛ لكونه بناءً عليه.
قال: (ولو أرسَلَه مجوسيٌّ، فزَجَرَه مسلمٌ، فانزجر بزَجْرُه: لم يُؤْكَلْ)؛
لأن الزَّجْرَ دونَ الإرسال، ولهذا لم تثبتْ به شُبهةُ الحُرْمة، فَأَوْلى أن لا
93
يثبت به الحِل.

٥١
فصلٌ في الجوارح
وإن لم يُرسِلْه أحدٌ، فَزَجَرَه مسلمٌ، وسمَّى، فانزجر، فَأَخَذَ الصيدَ :
فلا بأسَ باكْله.
ولو أَرْسَلَ المسلمُ كلبَه على صيدٍ، وسمَّى، فأدركه، فضَرَبَه،
ووَقَذَه، ثم ضَرَبَه، فقَتَلَه : أُكِلَ.
وكذا إذا أَرسل كلَبَيْن، فوَقَذَه أحدُهما، ثم قَتَلَه الآخَرُ: أُكِلَ.
ولو أرسل رجلان كلَّ واحدٍ منهما كلباً، فوَقَذَه أحدُهما، وقَتَلَه
الآخَرُ: أُكِلَ.
وكلُّ مَن لا تجوزُ ذكاتُه، كالمرتدِّ، والمُحْرِمِ، وتاركِ التسميةِ عامداً
في هذا: بمنزلة المجوسيِّ.
قال: (وإن لم يُرسِلُه أحدٌ، فَزَجَرَه مسلمٌ، وسمَّى، فانزجر، فَأَخَذَ
الصيدَ: فلا بأسَ بأَكْله)؛ لأن الزجرَ مثلُ الانفلات؛ لأنه إن كان دونَه من
حيثُ إنه بناءٌ عليه: فهو فوقَه؛ من حيثُ إنه فِعْلُ المكلَّف، فاستويا،
فصَلُحَ ناسخاً.
قال: (ولو أَرْسَلَ المسلمُ كلبه على صيدٍ، وسمَّى، فأدركه، فضَرَبَه،
ووَقَذَه، ثم ضَرَبَه، فَقَتَلَه: أُكِلَ.
وكذا إذا أُرسل كلبَيْن، فوَقَذَه أحدُهما، ثم قَتَلَه الآخَرُ: أُكِلَ)؛ لأن
الامتناعَ عن الجَرح بعد الجَرحِ: لا يدخلُ تحت التعليم، فجُعِلَ عَفْواً.
قال: (ولو أرسل رجلان كلّ واحدٍ منهما كلباً، فوَقَذَه أحدُهما، وقَتَلَه
الآخَرُ: أُكِلَ)؛ لِمَا بَيَّنَا.

٥٢
فصلٌ في الجوارح
والمِلكُ: للأوَّل.
(والمِلكُ: للأوَّل)؛ لأن الأولَ أخرجه عن حَدِّ الصيديَّة، إلا أن
الإرسالَ من الثاني: حَصَلَ على الصيد، والمعتبرُ في الإباحة والحُرمة:
حالةُ الإرسال، فلم يَحرُم.
بخلاف ما إذا كان الإرسالُ من الثاني بعدَ الخروج (١) عن حَدَّ الصیدیةِ
بجَرْحِ الكلبِ الأول، والله تعالى أعلم.
(١) أي خروج الصيد.

٥٣
فصلٌ في الرَّمْي
فصلٌ في الرَّمْي
ومَن سَمِعَ حِسَاً ظَنَّه حِسَّ صيدٍ، فرماه، أو أرسل كلباً أو بازِياً عليه،
فأصاب صيداً، ثم تبيَّنَ أنه حِسُّ صيدٍ: حَلَّ المُصابُ، أيَّ صيدٍ كان.
فصلٌ في الرَّمْي
قال(١): (ومَن سَمِعَ حِسَّاً(٢) ظَنَّه حِسَّ صيدٍ، فرماه، أو أرسل كلباً أو
بازِياً عليه، فأصاب صيداً، ثم تبيَّنَ أنه حِسُّ صيدٍ: حَلَّ المُصابُ، أيَّ
صيدٍ كان)؛ لأنه قَصَدَ الاصطيادَ.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه خَصَّ من ذلك الخنزيرَ؛ لتَغَلُّظ
التحريم؛ ألا ترى أنه لا تَثبتُ الإباحةُ في شيءٍ منه، بخلاف السِّبَاع؛ لأنه
يُؤثِّرُ فِي جِلْدِها (٣).
وزفرُ رحمه الله خَصَّ منها ما لا يُؤْكَلُ لحمُه؛ لأن الإرسالَ فیہ لیس
للإباحة.
ووجهُ الظاهرِ: أن اسمَ الاصطياد لا يَختصُّ بالمأكول، فوَقَعَ الفعلُ
اصطيادًاً، وهو فِعْلٌ مباحٌ في نفسه، وإباحةُ التناولِ تَرجِعُ إلىُ المَحَلَّ،
(١) ينبَّه هنا إلى أن المصنِّف رحمه الله زاد في مسائل كتاب الصيد والرمي كثيراً
عمَّا وَضَعَه أولاً في بداية المبتدي.
(٢) أي صوتاً خفيَّاً.
(٣) لأن الاصطياد يؤثر في طهارة جلد السباع.

٥٤
فصلٌ في الرَّمْي
وإن تبيّن أنه حِسُّ آدميٍّ، أو حيوانٍ أهليٍّ: لا يَحِلُّ المُصَابُ.
ولو رمى إلى طائرٍ، فأصاب صيداً، وفَرَّ الطائرُ، ولا يُدرَى وَحْشيٌّ هو
أو غيرُ وحشيٍّ: حَلَّ الصيدُ.
ولو رمى إلى بعيرٍ، فأصاب صيداً، ولا يدري ناذٌ هو أم لا: لا يَحِلَّ
الصیدُ.
فتثبتُ بقَدر ما يقبلُهُ المحلُّ لحماً وجلداً، وقد لا تثبتُ إذا لم يقبَلْه، وإذا
وَقَعَ اصطياداً: صار كأنه رمى إلى صيدٍ، فأصاب غيره.
قال: (وإن تبيَّن أنه حِسُّ آدميٌّ، أو حيوانٍ أهليٍّ: لا يَحِلَّ المُصَابُ)؛
لأن الفعل لیس باصطيادٍ.
والطيرُ الدَّاجِنُ الذي يأوي البيوتَ: أهليّ(١).
والظبيُّ المُؤْثَقُ: بمنزلته؛ لِمَا بَيَّنَا.
قال: (ولو رمىُ إلى طائر، فأصاب صيداً، وفَرَّ(٢) الطائرُ، ولا يُدرَي
وَحْشيٌّ هو أو غيرُ وحشيٍّ: حَلَّ الصيدُ)؛ لأن الظاهرَ فيه التوخُّشُ.
قال: (ولو رمى إلى بعيرٍ، فأصاب صيداً، ولا يَدْرِي نادٌّ هو أم لا: لا
يَحِلَّ الصيدُ)؛ لأن الأصلَ فيه الاستئناسُ.
(١) أي حكمه حكم حيوانٍ أهليٌّ، في أنه لا يَحِلَّ المصاب؛ لأن مأواه البيوت،
وقد ثبتت اليد عليه. البناية ١٧٨/١٥.
(٢) وفي نُسخ: ومرَّ. بالميم، بدل الفاء.

٥٥
فصلٌ في الرَّمْي
ولو رمىُ إلى سمكةٍ أو جَرَادةٍ، فأصاب صيداً : يَحِلُّ في روايةٍ عن أبي
یوسف رحمه الله .
وإذا سمَّى الرجلُ عند الرمي: أُكِلَ ما أصاب إذا جَرَحَه السهمُ،
فمات.
وإذا أدركه حياً : ذَكَّاه.
قال: (ولو رمى إلى سمكةٍ أو جَرَادةٍ، فأصاب صيداً: يَحِلُّ في روايةٍ
عن أبي يوسف رحمه الله)؛ لأنه صيدٌ.
وفي روايةٍ أخرى عنه: لا يَحِلُّ؛ لأنه لا ذكاةَ فيهما.
ولو رمى، فأصاب المسموعَ حِسُّه، وقد ظنّه آدمياً، فإذا هو صيدٌ:
يَحِلُّ؛ لأنه لا معتبرَ بظنِّه مع تعيُّنُه.
قال: (وإذا سمَّى الرجلُ عند الرمي: أُكِلَ ما أصاب إذا جَرَحَه السهمُ،
فمات)؛ لأنه ذابحٌ بالرمي؛ لكون السهمِ آلةً له، فتُشترطُ التسميةُ عنده،
وجميعُ البدنِ مَحَلّ لهذا النوعِ من الذكاة، ولا بدَّ من الجَرْحِ ليتحقّقَ معنى
الذكاةِ، على ما بيَّنَّاه.
قال: (وإذا أدركه حياً: ذَكَّاه)، وقد بيََّّاها بوجوهها، والاختلافِ فيها،
في الفصل الأول(١)، فلا نعيدُه(٢
.
(١) في فصل الجوارح.
(٢) أي الاختلاف.

٥٦
فصلٌ في الرَّمْي
وإذا وَقَعَ السهمُ بالصيد، فتحامَلَ حتى غاب عنه، ولم يَزَلْ فِي طَلَبِه
حتى أصابَه ميتاً : أُكِلَ.
وإن قَعَدَ عن طَلَبِهِ، ثم أصابه ميتاً : لم يُؤْكَلْ.
قال: (وإذا وَقَعَ السهمُ بالصيد، فتحامَلَ حتى غاب عنه، ولم يَزَلْ في
طَلَبِهِ حتى أصابَه ميتاً: أُكِلَ.
وإن قَعَدَ عن طَلَبِهِ، ثم أصابه ميتاً: لم يُؤْكَلْ).
لِمَا رُويَ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه كَرِهَ أَكْلَ الصيدِ إذا غاب
عن الرامي، وقال: ((لعلّ هَوَامَّ الأرضِ قَتَلَتْه))(١).
ولأنَّ احتمالَ الموتِ بسببٍ آخَرَ قائمٌ، فما ينبغي أن يَحِلِّ أَكْلُه؛ لأن
الموهومَ في هذا: كالمتحقَّقِ؛ لِمَا روينا، إلا أنَّا أسقطنا اعتبارَه ما دام في
طَلَبِه؛ ضرورةً أن لا يَعرى الاصطيادُ عنه، ولا ضرورةَ فيما إذا قَعَدَ عن
طَلَبه؛ لإمكان التحرُّزِ عن توارِ يكونُ بسببٍ عمله.
والذي رويناه(٢): حجةٌ على مالكٍ(٣) رحمه الله في قوله: إنَّ ما توارى
عنه إذا لم يَبِتْ: يَحِلُّ، فإذا باتَ ليلةً: لم يَحِلَّ.
(١) قال في نصب الراية ٣١٤/٤: روي مسنداً ومرسلاً، مرفوعاً في مصنف ابن
أبي شيبة (٢٠٠٣٣)، سنن البيهقي ٢٤١/٩، الدراية ٢٥٥/٢.
(٢) وهو أنه صلى الله عليه وسلم كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي.
(٣) التلقين ص٧٩.

٥٧
فصلٌ في الرَّمْي
وإذا رمى صيداً، فوَقَعَ في الماء، أو وَقَعَ على سطحِ، أو جبلٍ، ثم
تردَّى منه إلى الأرض : لم يُؤْكَلْ.
وإن وَقَعَ على الأرضِ ابتداءً : أُكِلَ.
ولو وَجَدَ به جراحةً سوى جراحةٍ سهمِهِ: لا يَحِلَّ؛ لأنه موهومٌ يُمكِنُ
الاحترازُ عنه، فاعتُبرَ (١) مُحَرِّمَاً (٢)، بخلاف وَهْمِ الهوامَّ.
والجوابُ في إرسال الكلب في هذا: كالجواب في الرمي في جميع ما
ذکرناه.
قال: (وإذا رمى صيداً، فوَقَعَ في الماء، أو وَقَعَ على سطحٍ، أو جبلٍ،
ثم تردَّى منه إلى الأرض: لم يُؤكَلْ)؛ لأنه المتردِّيّةُ، وهي حرامٌ بالنصِّ.
ولأنه احتمل الموتَ بغير الرمي؛ إذِ الماءَ مُهلِكٌ.
و
وكذا السقوطُ من عُلْوٍ(٣).
يؤيِّدُ ذلك: قولُه عليه الصلاة والسلام لعَدِيِّ رضي الله عنه: ((وإن وَقَعَتْ
رَمِيَِّكَ (٤) في الماء: فلا تأكل، فإنك لا تدري أنَّ الماءَ قَتَلَه، أو سهمُك))(٥).
قال: (وإن وَقَعَ على الأرضِ ابتداءً: أُكِلَ).
(١) أي فاعتُبر الموهوم محرِّماً للصيد. البناية ١٨٥/١٥.
(٢) وضُبطت في نُسخ بفتح الراء: محرَّمَاً.
(٣) وفي نُسخ: عالٍ، وفي نُسخ: جبل.
(٤) بتشديد الياء: أي الصيد.
(٥) سنن أبي داود (٢٨٥٠)، وبمعناه في صحيح مسلم (١٩٢٩).

٥٨
فصلٌ في الرَّمْي
لأنه لا يُمكنُ الاحترازُ عنه، وفي اعتباره: سدُّ باب الاصطياد، بخلاف
ما تقدَّم؛ لأنه يمكنُ التحرُّزُ عنه.
فصار الأصلُ أنَّ سببَ الحُرْمةِ والحِلِّ إذا اجتمعا، وأمكنَ التحرُّزُ عما هو
سببُ الحرمة: تُرَجَّحُ جهةُ الحُرْمةِ؛ احتياطاً، وإن كان مما لا يُمكِنُ التحرُّزُ
عنه: جرى وجودُهُ مَجْرى عدمِهِ؛ لأن التكليفَ بحَسَبِ الوُسْعِ.
فمما يُمكنُ التحرُّزُ عنه: إذا وَقَعَ على شجرٍ أو حائطٍ أو آجُرَّةٍ، ثم وَقَعَ
على الأرض، أو رماه وهو على جبلٍ، فتردَّىُ من موضعٍ إلى موضعٍ،
حتى تردَّى إلى الأرض، أو رماه فوقع على رُمْحِ منصوبٍ(١)، أو على
قَصَبَةٍ قائمةٍ، أو على حَرْفِ آجُرَّةٍ؛ لاحتمال أن حَدّ(٢) هذه الأشياءِ قَتَلَه.
ومما لا يمكنُ الاحترازُ عنه: إذا وقع على الأرض، كما ذكرناه، أو
على ما هو في معناه، كجبلٍ، أو ظَهْرِ بيتٍ، أو لَبِنَةٍ موضوعةٍ، أو صخرةٍ،
28 -
فاستقرَّ عليها؛ لأن وقوعَه عليه وعلى الأرض سواء.
وذَكَرَ في ((المنتقى)): لو وَقَعَ على صخرةٍ، فانشقَّ بطنُه: لم يُؤْكَلْ؛
لاحتمال الموتِ بسببٍ آخَرَ، وصحَّحه الحاكمُ الشهيد رحمه الله، وحَمَلَ
مُطْلَقَ المَرْوِيِّ في ((الأصل)) على غيرِ حالةِ الانشقاق.
(١) وفي نُسخ: منصوبةٍ. بالتأنيث. وبعد مراجعة طويلة في كتب اللغة وكتب المذكر
والمؤنث لم أرَ من نصَّ على تذكير الرمح وتأنيثه، وبعد النظر في استعمال العرب للرمح
في شعرهم، وكذلك ضمن كلام اللغويين: يمكن الجزم بأن الرمح مذكَّرٌ، والله أعلم.
(٢) وفي نُسخ: حِدَّة، وفي نُسخ أخرى: أَحَدَ.

٥٩
فصلٌ فِي الرَّمْي
وما أصاب المِعْراضُ بعَرْضِهِ: لم يُؤْكَلْ، وإن جَرَحَه : يُؤْكَلُ.
ولا يُؤْكَلُ ما أصابَتْه البُنْدُقَةُ، فمات بها .
وحَمَلَه شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسِيُّ رحمه الله على ما إذا أصابه حَدُّ
الصخرة، فانشقَّ بطنُه بذلك، وحَمَلَ المَرْوِيَّ في ((الأصل)) على أنه لم يُصِبْه
من الآجُرَّةِ إلا ما يُصيبُه من الأرض لو وَقَعَ عليها، وذلك عَفْوٌ، وهذا أصحُ.
وإن كان الطيرُ مائياً (١): فإن كانت الجراحةُ (٢) لم تَنْغَمِسْ في الماء:
أُكِلَ، وإن انغمستْ: لا يُؤْكَلُ، كما إذا وَقَعَ في الماء.
قال: (وما أصاب المِعْراضُ(٣) بعَرْضِهِ: لم يُؤْكَلْ، وإن جَرَحَه: يُؤْكَلُ(٤))؛
لقوله عليه الصلاة والسلام فيه: ((ما أصابَ بحَدِّه: فكُلْ، وما أصاب بعَرْضِهِ:
فلا تأكل)) (٥).
ولأنه لا بدَّ من الجَرْحِ؛ ليتحقَّقَ معنى الذكاة، على ما قدَّمناه.
قال: (ولا يُؤْكَلُ ما أصابَتْه البُنْدُقَةُ (٦)، فمات بها)؛ لأنها تَدُّقُّ،
(١) يعني إذا رمى طيراً مما يعيش في الماء، فوقع في الماء وهو مجروح ومات.
(٢) من الطير المائي المجروح.
(٣) نوعٌ من السهام بلا ريشٍ ولا نَصْلٍ، يُصيب بعرضه، لا بحدِّه.
(٤) قوله: وإن جرحه يُؤْكَل: مثبتٌ في بداية المبتدي ص٦٥٩، وكذلك في
البناية ١٨٩/١٥، وفي طبعات الهداية القديمة.
(٥) صحيح البخاري (٢٠٥٤)، صحيح مسلم (١٩٢٩).
(٦) وهي طِينةٌ مدوَّرَةٌ يُرمى بها، ويقال لها: الجُلاهَق. البناية ١٩٠/١٥.

٦٠
فصلٌ في الرَّمْي
وتَكْسِر، ولا تَجرَحُ، فصار كالمِعراض إذا لم يَخْزِق(١).
وكذلك إن رماه بحَجَرٍ.
وكذلك إِن جَرَحَه(٢).
قالوا: تأويلُه: إذا كان ثقيلاً، وبه حِدَّةٌ؛ لاحتمال أنه قَتَلَه بثِقَلِهِ.
وإن كان الحَجَرُ خفيفاً، وبه حِدَّةٌ: يَحِلُّ؛ لتعيّن الموت بالجَرح.
ولو كان الحَجَرُ خفيفاً، وجَعَلَه طويلاً، كالسهم، وبه حِدَّةٌ: فإنه يَحِلّ؛
لأنه يقتُلُه بجَرْحِه.
ولو رماه بمَرْوَةٍ حديدةٍ(٣)، ولم تَبْضَعِ بَضْعاً: لا يَحِلُّ؛ لأنه قَتَلَهِ دَقَّاً.
وكذا إذا رماه بها، فأبان رأسَه، أو قَطَعَ أوداجَه؛ لأن العروقَ تنقطعُ يثقَلِ
الحَجَرَ، كما تنقطعُ بالقطع، فوَقَعَ الشكُّ، أو لعلّه مات قبلَ قَطْعِ الأوداج.
ولو رماه بعَصَاً أو بعُوْدٍ حتى قَتَلَه: لا يَحِلُّ؛ لأنه يَقتلُهُ ثِقَلاً، لا جَرْحاً،
اللهمَّ إلا إذا كان له حَدٌّ يَبِضَعُ بَضْعاً: فحينئذٍ لا بأس به؛ لأنه بمنزلة السيف
والُّمْح.
والأصلُ في هذه المسائل: أن الموتَ إذا كان مضافاً إلى الجَرْحِ بيقينٍ:
كان الصيدُ حلالاً، وإذا كان مضافاً إلى الثَّقَل بيقينٍ: كان حراماً.
(١) أي إذا لم ينفذ.
(٢) أي لا يؤكل.
(٣) أي مَرْوةٍ حادَّةٍ، والمروة: حَجَرٌ رقيقٌ أبيض، كالسكين، يُذبح به.