Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ كتاب الأُضْحِيَة ويُكره أن يَجُزَّ صوفَ أضحيتِهِ، ويَنتفعَ به قبلَ أن يَذْبحَها . والأفضلُ أن يذبحَ أضحيتَه بيده إن كان يُحسِنُ الذَّبْحَ. ويُكره أن يَذبحَها الكتابيُّ. قال: (ويُكره أن يَجُزَّ صوفَ أضحيتِهِ، ويَنتفعَ به قبلَ أن يَذْبحَها)؛ لأنه التزم إقامةَ القُربةِ بجميع أجزائها، بخلاف ما بعدَ الذبح؛ لأنه أُقيمتِ القُربةُ بها، كما في الهدي. ويُكره أن يَحِلُبَ لبنَها، فينتفعَ به، كما في الصوف. قال: (والأفضلُ أن يذبحَ أضحيتَه بيده إن كان يُحسِنُ الذّبْحَ). وإن كان لا يُحسِنُهُ: فالأفضلُ أن يَستعينَ بغيره. وإذا استعان بغيره: ينبغي(١) أن يَشهَدَها بنفسه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لفاطمةَ رضي الله عنها: ((قومي فاشهَدِي أضحيتَكِ، فإنه يُغْفَرُ لكِ بأول قَطْرةٍ من دمِها كلُّ ذنبٍ))(٢). قال: (ويُكره أن يَذْبحَها الكتابيُّ)؛ لأنه عَمَلٌ هو قُربةٌ، وهو ليس من أهلِها. (١) وعبَّر في بدائع الصنائع ٧٩/٥ بقوله: ويستحب. بدل: وينبغي. (٢) الدعاء للطبراني (٩٤٧)، المستدرك للحاكم ٢٢٢/٤، المعجم الكبير (٦٠٠)، والأوسط (٢٥٠٩)، وينظر التلخيص الحبير ١٤٣/٤، ونصب الراية ٢١٩/٤، وله عدة طرق، وبألفاظ مختلفة، وفيه كلام طويلٌ يفيد ضعفه، لكن قال المنذري في الترغيب والترهيب ١٥٥/٢ بعد أن ذكر له طرقاً: حسَّنه بعضُ مشايخنا. ٤٤٢ كتاب الأُضْحِيَة وإذا غَلَطَ رجلان، فَذَبَحَ كلَّ واحدٍ منهما أضحيةَ الآخَر: أجزأ عنهما، ولا ضمانَ عليهما . ولو أَمَرَه، فَذَبَحَ: جاز؛ لأنه من أهل الذكاة، والقربةُ أُقيمت بإنابته ونَّتِه. بخلاف ما إذا أَمَرَ المجوسيَّ؛ لأنه ليس من أهلِ الذكاة، فكان إفساداً. قال: (وإذا غَلَطَ رجلان، فذَبَحَ كلّ واحدٍ منهما أضحيةَ الآخَر: أجزا (١) عنهما، ولا ضمانَ عليهما)، وهذا استحسانٌ. وأصلُ هذا: أنَّ مَن ذَبَحَ أضحيةَ غيرِه بغير إذنِهِ: لا يَحِلُّ له ذلك، وهو ضامنٌ لقيمتِها، ولا يُجزئه عن الأضحية، في القياس، وهو قولُ زفرَ رحمه الله. وفي الاستحسان: يجوزُ، ولا ضمانَ على الذابح، وهو قولُنا. وجهُ القياس: أنه ذَبَحَ شاةَ غيرِه بغير أمرِهِ، فَيَضمنُ، كما إذا ذَبَحَ شاةً اشتراها القَصَّابُ. وجهُ الاستحسان: أنها(٢) تعيَّنت للذبح؛ لتعيُنِها للأضحية، حتى وَجَبَ عليه أن يُضحِّيَ بها بعَيْنها في أيام النحر. (١) وفي نُسخ: أُجزِئ، وفي أخرى: جاز. (٢) أي الشاة المشتراة للأضحية. البناية ١٤ / ٤٠٣. ٤٤٣ كتاب الأُضْحِيَة ويكره أن يُبَدِّلَ بها غيرَها، فصار المالكُ مُستعيناً بكل مَن يكون أهلاً للذبح، آذِناً له دلالةً؛ لأنها تفوتُ بمُضِيِّ هذه الأيام، وعساه يعجِزُ عن إقامتها بعوارضَ، فصار كما إذا ذَبَحَ شاةً شَدَّ القصَّبُ رِجْلَها. فإن قيل: يفوتُه أمرٌ مستحبٌّ، وهو أن يَذْبحَها بنفسه، أو يَشهَدَ الذبحَ، فلا يرضى به. قلنا: يَحصلُ له (١) به مستحبَّان آخَران: صيرورتُه مضحِياً لِمَا عيَّنه، وکونُه معجِّلاً به، فیرتضيه. ولعلمائنا رحمهم الله من هذا الجنس مسائلُ استحسانيةً، وهي: أنَّ مَن طَبَخَ لحمَ غيرِهِ، أو طَحَنَ حنطتَه، أو رَفَعَ جَرَّتَه، فانكسرتْ، ٤١ أو حَمَلَ على دابته، فعَطِيت، كلّ ذلك بغيرِ أمرِ المالك: يكونُ ضامِناً. ولو وَضَعَ المالكُ اللحمَ في القِدْرِ، والقِدْرَ على الكانون، والحَطَبَ تحتَه، أو جَعَلَ الحنطةَ في الدَّوْرَقِ(٢)، ورَبَطَ الدابةَ عليه، أو رَفَعَ الجَرَّةَ، وأمالَها إلى نفسِه، أو حَمَلَ على دابته، فسقط(٣) في الطريق: (١) أي للمالك. وُ (٢) هو الدلو التي يحطّون فيها الحنطة عند الطحن، تنزل منها الحنطةُ إلى قُطب الرَّحَىّ. البناية ١٤ /٤٠٥. (٣) أي فسقط المحمول من ظهر الدابة في الطريق. ٤٤٤ كتاب الأُضْحِيَة فأوقد هو النارَ فيه(١)، وطَبَخَه، أو ساق الدابةَ فطَحَنَها، أو أعانه على رَفْع الجَرَّة، فانكسرت فيما بينهما، أو حَمَلَ على دابته ما سَقَطَ، فعطبت: لا يكون ضامِناً في هذه الصُّوَرَ كلَّها؛ استحساناً؛ لوجود الإذن دلالةً. إذا ثبت هذا، فنقولُ في مسألة ((الكتاب(٢): ذَبَحَ كلُّ واحدٍ منهما أضحيةَ غيرِه بغير إذنه صريحاً: فهي خلافيةُ زفرَ رحمه الله بعينها، ويتأَتَّى فيها القياسُ والاستحسانُ كما ذكرنا، فيأخذُ كلُّ واحدٍ منهما مَسلُوخَه من صاحبه، ولا يُضمّنْه صاحبُه؛ لأنه وكيلُه فيما فعل دلالةً. فإن كانا قد أَكَلا، ثم عَلِمَا: فليُحَلِّلْ كلّ واحدٍ منهما صاحبه، ويُجزئهما؛ لأنه لو أطعمه في الابتداء: يجوز. وإن كان غنياً: فكذا له أن يُحلِّلَه في الانتهاء. وإن تشاحًا: فلكلِّ واحدٍ منهما أن يُضمِّنَ صاحبه قيمةَ لحمِه، ثم يتصدَّقُ بتلك القيمة؛ لأنها بدلٌ عن اللحم، فصار كما لو باع أضحيتَه، وهذا لأن التضحيةَ لَمَّا وقعتْ عن صاحبه: كان اللحمُ له، ومَن أتلف لحمَ أضحیة غیرِه: کان الحُكمُ فیه ما ذكرناه. (١) هذا لفٌ ونشرٌ مرتَّبٌ. (٢) أي مختصر القدوري. ٤٤٥ كتاب الأُضْحِيَة ومَن غَصَبَ شاةً، فضحَّى بها : ضَمِنَ قيمتها، وجاز عن أضحيته. قال: (ومَن غَصَبَ شاةً، فضحَّى بها: ضَمِنَ قيمتَها، وجاز عن أضحيته)؛ لأنه مَلَكَها بسابق الغصب. بخلاف ما لو أُودِعَ شاةً، فضحَّى بها(١)؛ لأنه يضمنُها (٢) بالذبح، فلم يثبتِ الملكُ له(٣) إلا بعد الذبحِ، والله أعلم بالصواب. (١) حيث لا تُجزئه. (٢) هكذا في نسخة ٧١٩هـ، والضمير يعود للشاة، وجاء في بقية نُسخ الهداية، وفي طبعات الهداية المفردة والمضمَّنة مع الشروح: يضمنه. (٣) أي للمودَع. ٤٤٦ كتاب الكراهية كتاب الكراهية كتاب الكراهية قال رضي الله عنه: تكلَّموا(١) في معنى المكروه، والمَرْويُّ عن محمدٍ رحمه الله نصَّاً: أنَّ كلَّ مكروهٍ: حرامٌ، إلا أنه لَمَّا لم يجدْ فيه نصاً قاطعاً: لم يُطلِقْ عليه لفظَ: الحرام. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: أنه إلى الحرامِ أقربُ(٢). وهو (٣) يشتملُ على فصول منها: (١) أي علماء الحنفية. (٢) نقل في البناية ٤٠٩/١٤ عن تاج الشريعة - وقد رأيت النص في شرحه: نهاية الكفاية - قال: هذه روايةٌ شاذةٌ؛ لأنه ذكر في المبسوط أن أبا يوسف قال لأبي حنيفة: إذا قلتَ في شيءٍ: أكرهه، فما رأيك فيه؟ قال: التحريم. اهـ. ونقل العيني مثله عن المحيط، كما نقل عن الحقائق: قال أبو يوسف: الشبهةُ إلى الحرام أقرب. اهـ. قلت: قال في الفتاوى الهندية ٣٠٨/٥ عن قول أبي حنيفة وأبي يوسف: هو المختار. هكذا في شرح أبي المكارم. اهـ (٣) أي كتاب الكراهية. ٤٤٧ فصلٌ في الأكل والشرب فصل في الأكل والشرب تُكره لحومُ الأَتُن، وألبانُها، وأبوالُ الإبل، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : لا بأس بأبوال الإبل . قال رضي الله عنه : وتأويلُ قول أبي يوسف رحمه الله : أنه لا بأس بها للتداوي. فصلٌ في الأكل والشرب قال: (قال أبو حنيفة رحمه الله: تُكره لحومُ الأَتُن(١)، وألبانُها، وأبوالُ الإبل، وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: لا بأس بأبوال الإبل. قال رضي الله عنه: وتأويلُ قول أبي يوسف رحمه الله: أنه لا بأس بها للتداوي(٢)). وقد بيَّنَا هذه الجملةَ فيما تقدَّم في كتاب الصلاةِ(٣)، والذبائحِ، فلا نعيدُها، واللبنُ: متولَّدٌ من اللحم: فَأَخَذَ حُكْمَه. (١) جمع: أتان: وهي الحمارة، بخلاف لحم الحُمُر الوحشية، فإنها ولبنها حلالان، وخصَّ الأَتُنَ بالذكر مع كراهة لحم سائر الحُمُر: ليستقيم عطف الألبان عليها. (٢) أي لا مطلقاً، إذ ذَكَرَه مطلقاً عن أبي يوسف في الجامع الصغير. البناية ١٤ / ٤١٠. (٣) أي بيَّنَّا دليلَ حرمتها في كتاب الطهارة، في فصل البئر، وفي كتاب الذبائح. ٤٤٨ فصلٌ في الأكل والشرب ولا يجوزُ الأكلُ، والشربُ، والادِّهانُ، والتطُّبُ في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء . قال: (ولا يجوزُ الأكلُ، والشربُ، والادِّهانُ، والتطيُّبُ في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء). لقوله عليه الصلاة والسلام في الذي يَشربُ من إناء الذهب والفضة: ((إنما يُجَرْجِرُ في بطنِه نارَ جهنم))(١). وأُّتِيَ أبو هريرة رضي الله عنه بشرابٍ في إناءِ فضةٍ، فلم يَقْبَلْه، وقال: نهانا عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (٢). وإذا ثبت هذا في الشُّرْبِ: فكذا في الادِّهان ونحوه؛ لأنه في معناه. ولأنه تشبٌُّ بزِيِّ المشركين، وتنعُّمٌ بِنِعَمِ المُثْرَفِين(٣) والمُسرِفِين. وقال في ((الجامع الصغير(٤)): يكره، ومرادُه(٥): التحريمُ. و ويستوي فيه الرجالُ والنساء؛ لعموم النهي. وكذلك الأكلُ بمِلعَقَةِ الذهب والفضةِ، والاكتحالُ بمِيْلِ الذهب والفضة. (١) صحيح البخاري (٥٦٣٤)، صحيح مسلم (٢٠٦٥). (٢) جاء من حديث حذيفة رضي الله عنه في البخاري (٥٦٣٣)، ومسلم (٢٠٦٧). (٣) أي الطاغين، الذين أطغتهم النعمةُ، والمسرفين: هم المتجاوزون للحد في استعمال الأشياء. البناية ١٤ / ٤١٣. (٤) ص٢٣٢. (٥) أي مراد الإمام محمد رحمه الله. ٤٤٩ فصلٌ في الأكل والشرب ولا بأسَ باستعمال آنيةِ الرَّصاصِ والزُّجَاجِ والبِلَّوْر والعَقِيقِ. ويجوزُ الشُّرْبُ في الإناء المُفَضَّضِ عند أبي حنيفة رحمه الله، والركوبُ علىُ السَّرْجِ المفضَّصِ، والجلوسُ على الكرسيِّ المفضَّصِ، والسريرِ المفضَّصِ إذا كان يتَّقِي موضعَ الفضة. وكذا ما أشبه ذلك، كالمُكْحُلَةِ، والمِرْآةِ وغيرهما؛ لِمَا ذَكَرْنا. قال: (ولا بأسَ باستعمال آنيةِ الرَّصاصِ والزُّجَاجِ والبِلَّوْر(١) والعَقِيقِ). وقال الشافعي(٢) رحمه الله: يكره؛ لأنه في معنى الذهب والفضة في التفاخُرِ به(٣). قلنا: ليس كذلك؛ لأنه ما (٤) كان من عادتهم التفاخرُ بغير الذهب والفضة. قال: (ويجوزُ الشُّرْبُ في الإناء المُفَضَّضِ(٥) عند أبي حنيفة رحمه الله، والركوبُ على(٦) السَّرْجِ المفضَّصِ، والجلوسُ على الكرسيِّ المفضَّصِ، والسريرِ المفضَّصِ إذا كان يتَّقِي موضعَ الفضة). (١) على وزن: سِنَّوْر، ويجوز على وزن: تَثُّور، أي: بَلَّوْر. القاموس المحيط (بلور). (٢) في قول، والأصح عنده الجواز. المهذب ٣٠/١، الحاوي الكبير ٧٨/١. (٣) أي بكل واحد من هذه الأشياء. (٤) ما: هنا نافيةٌ. (٥) أي المرصَّع بالفضة. (٦) وفي نُسخ: في. ٤٥٠ فصلٌ في الأكل والشرب ومعناه: يتَّقِي موضعَ الفَمِ. وقيل: هذا، وموضعُ اليدِ في الأخذ. وفي السرير والسَّرْجِ: موضعَ الجلوس. وقال أبو يوسف رحمه الله: يكره ذلك. وقولُ محمدٍ رحمه الله يُروى مع قول أبي حنيفة رحمه الله، ويُروى مع قول أبي يوسف رحمه الله. و وعلى هذا الخلاف: الإناءَ المضبَّبُ(١) بالذهب والفضة، والكرسيّ المضبَّبُ بهما. وكذا إذا جُعِلَ ذلك في السيف(٢)، والمِشْحَذِ(٣)، وحَلْقَةِ المِرْآة (٤)، أو جُعِلَ المصحفُ مذهَّباً أو مفضَّضاً. وكذا الاختلافُ في اللِّجَام، والرِّكاب، والثَّفَرِ (٥) إذا كان مفضَّضاً. وكذا الثوبُ فيه كتابةٌ بذهب أو فضةٍ: على هذا الخلاف. (١) أي المشدود بالضبَّات. (٢) وفي نُسخ: السقف. (٣) أي المِسَنُّ، وفي نُسخ: المُستحَدُّ، وفي نُسخ خطأً: المسجد. (٤) أي التي تكون حوالي المرآة، لا ما تأخذُه المرأةُ بيدها، فإن ذلك مكروه بالاتفاق. البناية ٤١٥/١٤. (٥) الذي يُجعل تحت ذَنَبِ الدابة. ٤٥١ فصلٌ في الأكل والشرب ومَن أرسل أجيراً له مجوسياً، أو خادماً، فاشترى لحماً، فقال : اشتريتُه من يهوديِّ، أو نصرانيٌّ، أو مسلمٍ: وَسِعَه أَكْلُه. وهذا الاختلافُ فيما يخلُّصُ(١)، فأما التمويهُ الذي لا يَخلُصُ: فلا بأس به، بالإجماع. لهما: أنَّ مستعمِلَ جزءٍ من الإناء: مستعمِلٌ جميعَ الأجزاء، فيكره، كما إذا استعمل موضعَ الذهبِ والفضة. ولأبي حنيفة رحمه الله: أن ذلك تابعٌ، ولا معتبرَ بالتوابع، فلا يكره، كالجُبَّة المكفوفةِ بالحرير، والعَلَمِ في الثوب، ومسمارِ الذهبِ في الفَصِّ. قال: (ومَن أرسل أجيراً له مجوسياً، أو خادماً، فاشترى لحماً، فقال: اشتريتُه من يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، أو مسلمٍ: وَسِعَه أَكْلُهُ). لأن قولَ الكافر مقبولٌ في المعاملات؛ لأنه خبرٌ صحيحٌ؛ لصُدُوره عن عقلٍ ودِينٍ يعتقدُ فيه حُرْمةَ الكذب، والحاجةُ ماسَّةٌ إلى قَبوله؛ لكثرة وقوعِ المعاملات. وإن(٢) كان غيرَ ذلك(٣): لم يَسَعْه أن يأكلَ منه. (١) أي يتميز من الآنية. (٢) جاء هنا في بعض طبعات الهداية القديمة زيادة لفظ: قال، هكذا: قال: وإن کان. قلت: أي قال محمدٌ رحمه الله. (٣) أي إن كان قال: اشتريته من مجوسي، ليس يهودياً ولا نصرانياً ولا مسلماً. ٤٥٢ فصلٌ في الأكل والشرب ويجوزُ أن يُقْبَلَ في الهديَّةِ والإِذْنِ قولُ العبدِ، والجاريةِ، والصبيّ. وفي ((الجامع الصغير)»: إذا قالت جاريةٌ لرجلٍ : بعثني مولاي إليك هديةً: وَسِعَه أن يأخذَها. ويُقبَلُ في المعاملات قولُ الفاسق، ولا يُقْبَلُ في أخبار الدِّيانات إلا و العدلُ. معناه(١): إذا كان(٢) ذبيحةَ غيرِ الكتابي والمسلم؛ لأنه لَمَّا قُبُلَ قولُه في الحِلِّ: أَوْلِىُ أن يُقْبَلَ في الحُرْمة. قال: (ويجوزُ أن يُقْبَلَ في الهديَّة والإذْنِ قولُ العبدِ، والجاريةِ، والصبيِّ)؛ لأن الهدايا تُبعَثُ عادةً على أيدي هؤلاء. وكذا لا يُمكنُهمُ استصحابُ الشهودِ على الإذنِ عند الضربِ في الأرض، والمبايعةِ في السوق، فلو لم يُقْبَلْ قولُهم: يؤدِّي إلى الحرج. (وفي ((الجامع الصغير (٣)): إذا قالت جاريةٌ لرجلٍ: بعثني مولاي إليك هديةً: وَسِعَه أن يأخذَها)؛ لأنه لا فَرْقَ بين ما إذا أَخبرَتْ بإهداء المولىُ غيرَها، أو نفسَها؛ لِمَا قلنا. قال: (ويُقبَلُ في المعاملات قولُ الفاسق، ولا يُقبَلُ في أخبار الدِّيانات إلا العدلُ). (١) أي معنى قول محمد رحمه الله: وإن كان غير ذلك. البناية ٤١٩/١٤. (٢) أي اللحم المشترى. (٣) ص٢٣٤. ٤٥٣ فصلٌ في الأكل والشرب ووجهُ الفَرْق: أن المعاملات يكثُرُ وجودُها فيما بين أجناسِ الناس، فلو شَرَطْنا شرطاً زائداً: يؤدِّي إلى الحرج، فيُقبلُ قولُ الواحدِ فيها، عدلاً كان أو فاسقاً، كافراً أو مسلماً، عبداً أو حُرَّاً، ذكراً أو أنثى؛ دفعاً للحرج. أما الديانات: فلا يكثُرُ وقوعُها (١) حسبَ وقوعِ المعاملات، فجاز أن يُشترَطَ فيها زيادةُ شرطٍ، فلا يُقبَلُ فيها إلا قولُ المسلم العدل؛ لأن الفاسقَ متَّهِمٌ، والكافرَ لا يلتزمُ الحكمَ، فليس له أن يُلزِمَ المسلمَ. بخلاف المعاملات؛ لأن الكافرَ لا يُمكِنُه المُقَامُ في ديارنا إلا بالمعاملة(٢)، ولا تتهيّا له المعاملةُ إلا بعد قبول قولِه فيها(٣)، فكان فيه ضرورةً. ولا يُقبَلُ فيها (٤) قولُ المستورِ (٥)، في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يُقبلُ قولُه فيها؛ جَرْياً على مذهبه أنه يجوزُ القضاء به(٦). (١) وفي نُسخ: وجودها. (٢) لأن المعاش لا يكون إلا بها. (٣) أي في المعاملة. (٤) أي الديانات. (٥) هو الذي لا يُعلَم حالُه، ولم تظهر عدالتُه ولا فسقُه. البناية ١٤/ ٤٢٣. (٦) أي القضاء بقول الشاهد المستور. ٤٥٤ فصلٌ في الأكل والشرب ويُقبَلُ فيها قولُ العبدِ والحُرِّ والأمةِ إذا كانوا عدولاً. وفي ظاهر الرواية: هو والفاسقُ فيه(١): سواءٌ، حتى يُعتبرُ فيهما (٢) أكبرُ الرأي. قال: (ويُقبَلُ فيها(٣) قولُ العبدِ والحُرِّ والأمةِ إذا كانوا عدولاً)؛ لأن عند العدالة: الصدقُ راجحٌ، والقَبولُ لرجحانه. فمن المعاملات: ما ذكرناه، ومنها: التوكيل. ومن الديانات: الإخبارُ بنجاسة الماء، حتى إذا أخبره مسلمٌ مَرْضِيَّ: لم یتوضأ به، ویتیمَّم. ولو كان المُخبرُ فاسقاً أو مستوراً: تحرَّى، فإن كان أكبرُ رأيه أنه صادقٌ: يتيمَّمُ، ولا يتوضأ به. وإن أراق الماءَ، ثم تيمَّم: كان أحوطُ. ومع العدالة: يسقطُ احتمالُ الكذب، فلا معنى للاحتياط بالإراقة، أما التحرِّي: فمجردُ ظنٍّ. ولو كان أكبرُ رأيه أنه كاذبٌ: يتوضأُ به، ولا يتيمَّمُ؛ لترجُّحِ جانبٍ الكذب بالتحري. (١) أي المستور والفاسق في القضاء سواء. (٢) أي الفاسق والمستور. (٣) أي في الديانات. ٤٥٥ فصلٌ في الأكل والشرب ومَن دُعِيَ إلى وليمةٍ، أو طعامٍ، فوَجَدَ ثَمَّةَ لَعِباً أو غِناءً: فلا بأس بأن يَقعدَ، ويأكلَ. قال أبو حنيفة رحمه الله : ابتُلِيتُ بهذا مرةً، فصبرتُ. وهذا جوابُ الحُكم، فأما في الاحتياط: فيتيمَّم بعد الوضوء؛ لِمَا قلنا. ومنها(١): الحِلُّ والحُرمةُ إذا لم يكن فيه زوالُ الملك، وفيها تفاصيلُ وتفريعاتٌ ذكرناها في (كفاية المنتهي)). قال: (ومَن دُعِيَ إلى وليمةٍ (٢)، أو طعامٍ، فوَجَدَ ثَمَّةَ لَعِباً أو غِناءً: فلا بأس بأن يَقعدَ، ويأكلَ. قال أبو حنيفة رحمه الله: ابتُلِيتُ بهذا مرةً، فصبرتُ). وهذا لأن إجابةَ الدَّعوة سُنَّةٌ، قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن لم يُجِبِ الدَّعوةَ: فقد عصى أبا القاسم)»(٣). فلا يَتْركُها لِمَا اقترنت به من البدعةِ من غيره، كصلاة الجنازةِ واجبةٌ الإقامةِ وإن حضَرَتْها نِيَاحةٌ، فإن قَدَرَ على المنعِ: مَنَعَهم، وإن لم يَقْدِر: يَصِرُ. وهذا إذا لم يكن مُقْتَدَىَ به، فإن كان مُقْتَدَىَ، ولم يَقدِر على مَنْعِهِم: يَخرجُ، ولا يَقعدُ؛ لأن في ذلك شَيْنَ الدِّيْن، وفَتْحَ بابِ المعصيةِ على المسلمين. (١) أي من الديانات. (٢) أي طعام العُرس والزفاف. (٣) صحيح مسلم (١٤٣٢). ٤٥٦ فصلٌ في الأكل والشرب والمَحكِيُّ عن أبي حنيفة رحمه الله في ((الكتاب(١)): كان قبلَ أن يصيرَ مُقتدى به. ولو كان ذلك على المائدة: لا ينبغي أن يقعدَ وإن لم يكن مقتدى به؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ اُلْقَوْمِ الظّلِينَ﴾. الأنعام/٦٨. وهذا كلُّه بعد الحضور، ولو عَلِمَ قبلَ الحضورِ: لا يَحضُرُ؛ لأنه لم يلزَمْه حَقُّ الدَّعوة. بخلاف ما إذا هَجَمَ عليه (٢)؛ لأنه قد لَزِمَهَ(٣). ودَّتِ المسألةُ على أن الملاهيَ كلَّها حرامٌ، حتى التغنِّي بضَرْب القَضيب (٤). وكذا(٥) قولُ أبي حنيفة رحمه الله: ابتُلِيتُ؛ لأن الابتلاءَ: بالمحرَّم يكون(٦)، والله تعالى أعلم. (١) أي في الجامع الصغير. البناية ١٤ / ٤٣٢. (٢) أي أتى اللعب والغناء بغتةً. (٣) أي بحضوره، فيعذر فيه؛ لعدم علمه. البناية ١٤ / ٤٣٢. (٤) وفي نُسَخ: القصب، وينظر البناية ١٤ /٤٣٣ فقد أطال في بيانه، وأن منه: ضَرَبَ عصاً بعصاً بأنغام معينة. (٥) هذا معطوفٌ على قوله: ودلَّت المسألة، أي وكذا دلَّ قول أبي حنيفة: ابتليتُ: على أن الملاهيَ كلها حرامٌ. (٦) يعني في المباح لا يقال: ابتليت. ٤٥٧ فصلٌ فِي اللُّبْس فصلٌ في اللُّبْس ولا يَحِلُّ للرجال لُبْسُ الحَرِيرِ، ويَحِلُّ للنساء . فصلٌ فِي اللُّبْس قال: (ولا يَحِلُّ للرجال لُبْسُ الحَرِيرِ، ويَحِلُّ للنساء). لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام نهى عن لُبْسِ الحريرِ والديباج، وقال: ((إنما يَلَبَسُهُ مَن لا خَلاقَ له في الآخرة)) (١). وإنما حَلَّ للنساء بحديثٍ آخَر، وهو ما رواه عِدَّةٌ من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، منهم عليّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خَرَجَ وبإحدى يديه حريرٌ، وبالأخرى ذهبٌ، وقال: ((هذان حرامان على ذُكورِ أُمتي، حلالٌ لإنائِهم)(٢)، ويُروى: ((حِلِّ لإنائهم). إلا(٣) أنَّ القليلَ عَفْوٌ، وهو مقدارُ ثلاثِ أصابعَ، أو أربعِ، كالأعلام، والمكفوفِ بالحرير. (١) قال في الدراية ٢١٨/٢: لم أجده هكذا، وكأنه ملفّقٌ من حديثين، أحدهما: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج: في صحيح مسلم (٢٠٦٧)، والثاني: إنما يلبس الحرير في الدنيا مَن لا خلاق له في الآخرة: في صحيح مسلم (٢٠٦٨). (٢) سنن الترمذي (١٧٢٠)، وقال: حسن صحيح، وتنظر رواياته المتعددة، بألفاظها المتقاربة في الدراية ٢١٩/٢، التعريف والإخبار ٣٨٢/٣. (٣) وفي بعض طبعات الهداية القديمة: قال: إلا، ووُضعت هذه المسألة على أنها من بداية المبتدي. ٤٥٨ فصلٌ فِي الُّبْس ولا بأس بتَوَسُّدِهِ، والنومِ عليه عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : يكره. وفي ((الجامع الصغير)) ذَكَرَ قولَ محمدٍ رحمه الله وحدَه. لِمَا رُويَ أنه عليه الصلاة والسلام ((نهى عن لُبْسِ الحرير إلا موضعَ أصبُعَيْن، أو ثلاثةٍ، أو أربعةٍ)) (١)، أراد الأعلامَ. وعنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يَلَبَسُ جُبَّةً مكفوفةً بالحرير(٢). قال: (ولا بأس بتَوَسُّدِهِ، والنومِ عليه عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : يكره. وفي ((الجامع الصغير(٣)) ذَكَرَ قولَ محمدٍ رحمه الله وحدَه)، ولم يذكرْ قولَ أبي يوسف رحمه الله، وإنما ذَكَرَه القدوريُّ وغيرُه من المشايخ رحمهم الله. وكذا الاختلاف(٤) في سِتْرِ الحرير، وتعليقِه على الأبواب. لهما: العموماتُ(٥). ولأنه من زِيِّ الأكاسِرَة والجبابرةِ، والتشبُّهُ بهم حرامٌ. (١) صحيح مسلم (٢٠٦٩ (١٥)). (٢) صحيح مسلم (٢٠٦٩). (٣) ص٢٣٢. (٤) أي بين الإمام وصاحبيه. (٥) أي عمومات الأحاديث التي مرَّ ذكرها في تحريم الحرير؛ لأنها تشمل اللبس والتوسد والافتراش جميعاً. البناية ١٤ / ٤٤٤. ٤٥٩ فصلٌ في اللُّبْس ولا بأس بلُبْسِ الحرير والدِّيباجِ في الحرب عندهما. قال عمرُ رضي الله عنه: ((إيَّاكم وزِيَّ الأعاجمِ))(١). وله: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام جلس علىُ مِرِفَقَةٍ حرير(٢). وقد كان على بساطِ عبدِ الله بن عباسٍ رضي الله عنهما مِرْفَقَةُ حريرٍ (٣). ولأن القليلَ من المَلبوس مباحٌ، كالأعلام، فكذا القليلُ من الُّبْسِ والاستعمال(٤)، والجامعُ: كونُه نموذجاً(٥)، على ما عُرف. قال: (ولا بأس بلُبْسِ الحرير والدِّيباجِ(٦) في الحرب عندهما). لِمَا روى الشعبيُّ رحمه الله أنه عليه الصلاة والسلام رخَّص في لَبْسِ الحريرِ والديباجٍ في الحرب(٧). ولأن فيه ضرورةً، فإن الخالِصَ منه أدفعُ لمَعَرَّةِ السلاح، وأَهْيَبُ في عَيْن العدوِّ؛ لبَرِيقِه. (١) صحيح ابن حبان (٥٤٥٤)، وينظر نصب الراية ٢٢٦/٤. (٢) قال في نصب الراية ٢٢٧/٤: غريب جداً، وفي الدراية ٢٢١/٢: لم أجده. (٣) طبقات ابن سعد (الجزء المتمم) ١٩٣/١. (٤) وهو التوَسُّد والافتراش. (٥) يريد به: أن المستعمِلَ يَعلم بهذا النموذج والمقدار لذَّةَ ما وُعِد له في الآخرة منه؛ ليرغب في تحصيل سببٍ يوصله إليه. البناية ١٤ / ٤٤٦. (٦) الديباج: كلما ثَقُل وزنه: ازدادت قيمته، والحرير: كلما خَفَّ وزنه: ازدادت قيمته. البناية ٨ /٣٧٠ (ط الشاملة). (٧) الكامل لابن عدي (١٣٩٤) بإسنادٍ واهٍ، كما في الدراية ٢٢١/٢. ٤٦٠ فصلٌ فِي اللُّْس ویکره عند أبي حنيفة رحمه الله. ولا بأس بلُبْس ما سَدَاه حريرٌ، ولُحْمتُه غيرُ حريرٍ، كالقُطْنِ والخَزِّ في الحرب وغيره. وما كان لُحْمتُه حريراً، وسَدَاه غيرُ حريرٍ : لا بأسَ به في الحرب. قال: (ويكره عند أبي حنيفة رحمه الله)؛ لأنه لا فَصْلَ فيما رويناه. والضرورةُ اندفعَتْ بالمَخلوط، وهو الذي لُحمتُه حريرٌ، وسَدَاه غيرُ ذلك، والمحظورُ لا يُستَباحُ إلا لضرورةٍ. وما رواه: محمولٌ على المخلوط. قال: (ولا بأس بلُبْس ما سَدَاه حريٌ، ولُحْمتُه غيرُ حريرٍ، كالقُطْن والخَزِّ في الحرب وغيره)؛ لأن الصحابةَ رضي الله عنهم كانوا يلبسون الخَزَّ، والخَزُّ مُسَدَّىَ بالحرير(١). ولأن الثوبَ إنما يصيرُ ثوباً بالنَّسْجِ، والنَّسْجُ باللّحْمة، فكانت هي المعتبرةَ، دون السَّدى. وقال أبو يوسف رحمه الله: أكره ثوبَ القَزِّ يكونُ بين الفَرْو والظُّهَارة(٢)، ولا أرى بحَشْو القَزِّ بأساً؛ لأن الثوبَ ملبوسٌ، والحشوَ غيرُ ملبوسٍ. قال: (وما كان لُحْمتُه حريراً، وسَدَاه غيرُ حريرٍ: لا بأسَ به في الحرب)؛ للضرورة. (١) تنظر الآثار في الدراية ٢٢١/٢، ومنية الألمعي ص٤٠٦. (٢) ضدُّ البطانة.