Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ الإجارة على أحدِ الشرطَيْن وإن استأجرها إلى الحِيْرة على أنه إن حَمَلَ عليها كُرَّ شعيرٍ فبنصف درهمٍ، وإن حَمَلَ عليها كُرَّ حنطةٍ فبدرهمٍ: فهو جائزٌ في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : لا يجوز . (وإن استأجرها (١) إلى الحِيْرة على أنه إن حَمَلَ عليها كُرَّ شعير فبنصف درهمٍ، وإن حَمَلَ عليها كُرَّ حنطةٍ فبدرهمٍ: فهو جائزٌ في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: لا يجوز). وجهُ قولهما: أن المعقودَ عليه مجهولٌ، وكذا الأجرُ أحدٌ شيئَيْن، وهو مجهولٌ، والجهالةُ توجبُ الفسادَ، بخلاف الخياطةِ الروميةِ والفارسية؛ لأن الأجرَ يجبُ بالعمل، وعنده ترتفعُ الجهالةُ. أما في هذه المسائلِ: يجبُ الأجرُ بالتخلية والتسليم، فتبقى الجهالةُ، وهذا الحرفُ(٢) هو الأصلُ عندهما. ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه خيَّره بين عقدَيْن صحيحَيْن مختلفَيْن، فيصحُّ، كما في مسألة الرومية والفارسية، وهذا لأن سُكْناهُ بنفسه يخالِفُ إسكانَه الحدَّادَ، ألا ترى أنه لا يَدخلُ ذلك في مطلَقِ العقد، وكذا في أخواتها، والإجارةُ تُعقَدُ للانتفاع، وعنده ترتفعُ الجهالةُ. ولو احتِيْجَ إلى الإيجابِ بمجرَّد التسليم: يجب أقلُّ الأجرَيْن؛ للتيقُّن به، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) أي الدابة. (٢) أي هذا المعنى، وهو أنه يجب الأجر بالتخلية والتسليم، فتبقى الجهالة. ٦٢ باب باب إجارة العبد ومَن استأجر عبداً ليخدُمَه : فليس له أن يُسافِرَ به، إلا أن يَشترطَ ذلك. ومَن استأجر عبداً محجوراً عليه شهراً، فعَمِلَ، وأعطاه الأجرَ: فليس للمستأجر أن يأخذَ منه الأجرَ . باب إجارة العبد قال: (ومَن استأجر عبداً ليخدُمَه: فليس له أن يُسافِرَ به، إلا أن يَشترطَ ذلك)؛ لأن خدمةَ السفر اشتملتْ على زيادةٍ مشقةٍ، فلا ينتظمُها الإطلاقُ، ولهذا جُعِلَ السفرُ عُذْراً، فلا بدَّ من اشتراطه، كإسكان الحدَّادِ والقَصَّارِ في الدار. ولأن التفاوتَ بين الخِدْمتَيْن ظاهرٌ، فإذا تعيَّنْتِ الخدمةَ في الحضر: لا و يبقىُ غيرُه(١) داخلاً، كما في الركوب. قال: (ومَن استأجر عبداً محجوراً عليه شهراً (٢)، فعَمِلَ(٣)، وأعطاه الأجرَ: فليس للمستأجر أن يأخذَ منه الأجرَ). (١) أي غير الحَضَر. (٢) يعني بغير إذن مولاه. حاشية نسخة ٧٣٨هـ. (٣) لفظ: فعمل: مثبتٌ في نُسخ، وفي الجامع الصغير ص٢١٨، دون نُسخ أخرى. ٦٣ إجارة العبد ومَن غَصَبَ عبداً، فَآجَرَ العبدُ نفسَه، فأخذ الغاصبُ الأجرَ، فَأَكَلَه : فلا ضمانَ عليه عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : هو ضامنٌ. وإن وَجَدَ المولىُ الأجرَ قائماً بعَيْنه : أَخَذَه. وأصلُه: أن الإجارةَ صحيحةٌ؛ استحساناً، إذا فَرَغَ من العمل. والقياسُ: أن لا يجزئه(١)، لانعدام إِذْنِ المولى، وقيامِ الحَجْر، فصار كما إذا هَلَكَ العبدُ. وَجْهُ الاستحسان: أن التصرُّفَ نافعٌ: على اعتبار الفراغ سالماً، ضارٌّ: على اعتبار هلاكِ العبد، والنافعُ مأذونَ فيه، كقبول الهبة، وإذا جاز ذلك: لم يكنْ للمستأجر أن يأخذَه منه(٢). قال: (ومَن غَصَبَ عبداً، فَآجَرَ العبدُ نفسَه، فأخذ الغاصبُ الأجرَ، فَأَكَلَه: فلا ضمانَ عليه عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: هو ضامنٌ)؛ لأنه أَكَلَ مالَ المالكِ(٣) بغير إذنه، إذِ الإجارةُ قد صحَّت، على ما مرَّ. وله: أن الضمانَ إنما يجبُ بإتلاف مال مُحْرَزِ؛ لأن التقوُّمَ: به (٤)، وهذا غيرُ مُحْرَزِ في حَقِّ الغاصب؛ لأن العبدَ لا يُحرِزُ نفسَه عنه، فكيف يُحرِزُ ما في يده؟! قال: (وإن وَجَدَ المولىُ الأجرَ قائماً بعَيْنِه: أَخَذَه)؛ لأنه وَجَدَ عَيْنَ مالِهِ. (١) وفي نُسخ: لا يجوز. (٢) أي يأخذ الأجر من العبد. (٣) وفي نُسخ: مال غيره. (٤) أي بالإحراز. ٦٤ إجارة العبد ويجوز قَبْضُ العبدِ الأجرَ، في قولِهم جميعاً. ومَن استأجر عبداً هذَيْن الشهرَيْن، شهراً بأربعةٍ، وشهراً بخمسةٍ : فهو جائزٌ، والأولُ منهما بأربعةٍ . ومَن استأجر عبداً شهراً بدرهم، فقَبَضَه في أول الشهر، ثم جاء آخِرُ الشهرِ وهو آبقٌ أو مريضٌ، فقال المستأجرُ: أَبَقَ أو مَرِضَ حين أخذتُه، وقال المولىُ: لم يكن ذلك إلا قبلَ أن تأتيَني بساعةٍ : فالقولُ قولُ المستأجر، وإن جاء به وهو صحيحٌ، أو غيرُ آبقِ : فالقولُ قولُ المؤجِرِ . قال: (ويجوز قَبْضُ العبدِ الأجرَ، في قولِهم جميعاً)؛ لأنه مأذونٌ له في التصرُّف على اعتبار الفراغ، على ما بيًّا. قال: (ومَن استأجر عبداً هذَيْن الشهرَيْن، شهراً بأربعةٍ، وشهراً بخمسةٍ: فهو جائزٌ، والأولُ منهما بأربعةٍ)؛ لأن الشهرَ المذكورَ أوَّلاً ينصرفُ إلى ما يلي العقدَ؛ تحرِّياً للجواز، أو نظراً إلى تنجُّزِ الحاجة، فينصرفُ الثاني إلى ما يلي الأولَ ضرورةً. قال: (ومَن استأجر عبداً شهراً بدرهم، فقَبَضَه في أول الشهر، ثم جاء آخِرُ (١) الشهرِ وهو (٢) آبقٌ أو مريضٌ، فقال المستأجرُ: أَبَقَ أو مَرِضَ حين أخذتُه، وقال المولىُ: لم يكن ذلك إلا قبلَ أن تأتيني بساعةٍ: فالقولُ قولُ المستأجر، وإن جاء به وهو صحيحٌ، أو غيرُ آبقِ: فالقولُ قولُ المؤجر). (١) وفي نُسخ: آخِرَ: بنصب الراء. أي جاء المستأجرُ آخِرَ الشهر. (٢) أي والحالُ أنه آبقٌ. ٦٥ إجارة العبد لأنهما اختلفا في أمرٍ محتَمِلٍ، فيترجَّحُ بحكم الحال، إذ هو دليلٌ على قيامِهِ من قبلُ، وهو يصلُحُ مرجِّحاً إن لم يصلحْ حُجَّةً في نفسه. أصلُهُ(١): الاختلافُ في جريان ماءِ الطاحونة، وانقطاعِه، والله سبحانه أعلم بالصواب. (١) أي أصل هذا الحكم، أو أصل هذا الاختلاف بين المالك والمستأجر. ٦٦ باب باب الاختلاف في الإجارة وإذا اختلف الخيَّاطُ وربُّ الثوب، فقال صاحبُ الثوب: أَمَرْتُكَ أن تَعمَلَه قَبَاءً، وقال الخيَّاطُ: لا، بل أمرتني قميصاً. أو قال صاحبُ الثوبِ للصبّغِ: أَمَرْتُكَ أن تَصِبِغَه أحمرَ، فصبغتَه أصفرَ، وقال الصبّاغُ: لا، بل أمرتَني أصفرَ : فالقولُ قولُ صاحبِ الثوب. وإذا حَلَفَ : فالخياطُ ضامِنٌ. باب الاختلاف في الإجارة قال: (وإذا اختلف الخيَّاطُ وربُّ الثوب، فقال صاحبُ الثوب: أَمَرْتُكَ أن تَعمَلَه قَبَاءَ، وقال الخيَّاطُ: لا، بل أمرتني قميصاً. أو قال صاحبُ الثوب للصبَّاغ: أَمَرْتُكَ أن تَصبغَه أحمرَ، فصبغتَه أصفرَ، وقال الصبَّاغُ: لا، بل أمرتَني أصفرَ: فالقولُ قولُ صاحبِ الثوب)؛ - و لأن الإذن يُستفادُ من جهته. ألا تَرى أنه لو أنكر أصلَ الإذنِ: كان القولُ قولَه، فكذا إذا أنكر صفتَه، لكنْ يُحَلَّفُ؛ لأنه أنكر شيئاً لو أقرَّ به: لَزِمَه. · قال: (وإذا حَلَفَ: فالخياطُ ضامِنٌ)، ومعناه: ما مَرَّ من قبلُ، أنه بالخيار: إن شاء ضَمَّنْه قيمةَ الثوب، وإن شاء أَخَذَه، وأعطاه أجرَ مثلِه. ٦٧ الاختلاف في الإجارة وإن قال صاحبُ الثوبِ : عملتَه لي بغير أجرٍ، وقال الصانعُ: بأجرٍ : فالقولُ قولُ صاحبِ الثوب عند أبي حنيفة رحمه الله. وقال أبو يوسف رحمه الله : إن كان الرجلُ حَريفاً له: فله الأجرُ، وإلا : فلا. وكذا يُخيَّرُ في مسألة الصَّبْغ إذا حَلَفَ: إن شاء ضَمَّنْه قيمةَ الثوب أبيضَ، وإن شاء أَخَذَ الثوبَ، وأعطاه أجرَ مِثله، لا يُجاوَزُ به المسمَّى. وذُكِرَ في بعض النُّسَخِ(١): يُضمّنُه ما زاد الصِّغُ فيه؛ لأنه بمنزلة الغصب. قال: (وإن قال صاحبُ الثوبِ: عملتَه لي بغير أجرٍ، وقال الصانعُ: بأجر: فالقولُ قولُ صاحبِ الثوب عند أبي حنيفة رحمه الله)؛ لأنه يُنكِرُ تقوُّمَ عملِه، إذ هو يتقوَّمُ بالعقد، ويُنكِرُ الضمانَ، والصانعُ يدَّعيه، والقولُ قولُ المنکِر، مع اليمين. (وقال أبو يوسف رحمه الله: إن كان الرجلُ حَرِيفاً له)، أي خليطاً له(٢): (فله الأجرُ، وإلا: فلا)؛ لأن سَبْقَ ما بينهما يُعيِّنُ جهةَ الطلب بأجرِ؛ جرياً على معتادهما. (١) أي نُسخ مختصر القدوري. البناية ١٣٨/١٣. (٢) حَرِيْفُ الرجل: مَن يكون بينه وبين الرجل أخذٌ وإعطاءٌ ومعاملةٌ. البناية ١٣٩/١٣. ٦٨ الاختلاف في الإجارة وقال محمدٌ رحمه الله : إن كان الصانعُ معروفاً بهذه الصنعةِ بالأجر : فالقولُ قولُه. (وقال محمدٌ رحمه الله: إن كان الصانعُ معروفاً بهذه الصنعةِ بالأجر: فالقولُ قولُه)؛ لأنه لَمَّا فَتَحَ الحانوتَ لأجله(١): جرىُ ذلك مَجْرِئُ التنصيص على الأجر؛ اعتباراً للظاهر. والقياسُ: ما قاله أبو حنيفة رحمه الله؛ لأنه منکِرٌ. والجوابُ عن استحسانهما: أن الظاهرَ يُصلحُ للدفع(٢)، والحاجةُ ها هنا إلى الاستحقاق، والله تعالى أعلم. (١) أي لأجل الأجر. (٢) أي عن نفسه. ٦٩ باب باب فَسْخ الإجارة ومَن استأجر داراً، فوَجَدَ بها عيباً يُضِرُّ بالسكنى: فله الفسخُ. وإذا خَرِبَتِ الدارُ، أو انقطع شِرْبُ الضَّيْعةِ، أو انقطع الماءُ عن الرَّحَى : انفسختِ الإجارةُ. باب فَسْخ الإجارة قال: (ومَن استأجر داراً، فوَجَدَ بها عيباً يُضِرُّ بالسكنىُ: فله الفسخُ)؛ لأن المعقودَ عليه المنافعُ، وإنها توجد شيئاً فشيئاً، فكان هذا عيباً حادثاً قبلَ القبضِ، فيوجِبُ الخيارَ، كما في البيع. ثم المستأجرُ إذا استوفى المنفعةَ: فقد رضيَ بالعيب، فيلزمُه تسلیمُ جميعِ البدلِ، كما في البيع، وإن فَعَلَ المؤجرُ ما أزال به العيبَ: فلا خيارَ للمستأجر، لزوال سببه. و قال: (وإذا خَرِبَتِ الدارُ، أو انقطع شِرْبُ الضَّيْعةِ، أو انقطع الماء عن الرَّحَى: انفسختِ الإجارةُ)؛ لأن المعقودَ عليه قد فات، وهو المنافعُ المخصوصةُ قبلَ القبض، فشابه فَوْتَ المبيعِ قبلَ القبض، وموتَ العبدِ المستأجر. ٧٠ فَسْخ الإجارة وإذا مات أحدُ المتعاقدَيْن وقد عَقَدَ الإجارةَ لنفسه: انفسخت الإجارةُ. وإن كان عَقَدَها لغيره : لم تنفسخْ. ومِن أصحابنا مَن قال: إن العقدَ لا ينفسخُ؛ لأن المنافعَ قد فاتت على وجهٍ يُتصوَّر عودُها، فأشبه الإباقَ في العبد المَبيعِ قبلَ القبض. وعن محمدٍ رحمه الله: أن الآجر (١) لو بناها: ليس للمستأجر أن يَمتنعَ، ولا للآجِر أن يمتنع(٢) أيضاً. وهذا تنصيصٌ منه على أنه لم يَنفسِخ؛ ولكنه يُفْسَخ (٣). ولو انقطع ماءُ الرَّحَى، والبيتُ مما يُنتَفَعُ به لغير الطَّحْن: فعليه من الأجر بحصته؛ لأنه جزء من المعقودِ علیه. قال: (وإذا مات أحدُ المتعاقدَيْن وقد عَقَدَ الإجارةَ لنفسه: انفسخت الإجارةُ)؛ لأنه لو بقيَ العقدُ: تصيرُ المنفعةُ المملوكةُ له، أو الأجرةُ المملوكةُ لغير العاقدِ مستَحَقَّةً بالعقد؛ لأنه يَنتقلُ بالموت إلى الوارث، وذلك لا يجوز. (وإن كان عَقَدَها لغيره: لم تنفسِخْ)، مثلُ الوكيلِ والوصيِّ والمتولّي في الوقف؛ لانعدامٍ ما أشرنا إليه من المعنى. (١) وفي نُسخ: المؤاجر. (٢) أي من التسليم. (٣) أي أن عقد الإجارة لم ينفسخ، لكن يستحقُّ الفسخَ. البناية ١٤٣/١٣. ٧١ فَسْخ الإجارة ويصحُّ شَرْطُ الخيارِ في الإجارة . وتُفْسَخُ الإجارةُ بالأعذار. قال: (ويصحُّ شَرْطُ الخيارِ في الإجارة). وقال الشافعي(١) رحمه الله: لا يصح؛ لأن المستأجرَ لا يُمكنُه ردُّ المعقودِ عليه بكمالِه لو كان الخيارُ له؛ لِفَوَات بعضِهِ. El ولو كان للمؤجر: فلا يُمكِّنُه التسليمُ أيضاً على الكمال، وكلّ ذلك یمنعُ الخيارَ. ولنا: أنه عقدُ معاملةٍ لا يُستَحَقُّ القبضُ فيه في المجلس، فجاز اشتراطُ الخيارِ فيه، كالبيع، والجامعُ بينهما: دَفْعُ الحاجة. وفواتُ بعضِ المعقودِ عليه في الإجارة: لا يمنعُ الردَّ بخيار العيب، فكذا بخيار الشرط، بخلاف البيع، وهذا لأن ردَّ الكلِّ ممكنٌ في البيع، دون الإجارة، فيُشترطُ فيه، دونَها، ولهذا يُجَبَرُ المستأجرُ على القبض إذا سلَّم المؤجِرُ بعدَ مُضِيِّ بعضِ المدة. قال: (وتُفْسَخُ الإجارةُ بالأعذار) عندنا. وقال الشافعيّ(٢) رحمه الله: لا تُفْسَخُ إلا بالعيب؛ لأن المنافعَ عنده بمنزلة الأعيان، حتى يجوزُ العقدُ عليها، فأشبه البيعَ. (١) الحاوي الكبير ١٥٦/١٨. (٢) الحاوي الكبير ٣٩٣/٧. ٧٢ فَسْخ الإجارة كمَن استأجر حدَّاداً ليقلَعَ ضِرْسَه لوَجَعٍ به، فسَكَنَ الوَجَعُ، أو استأجر طبَّاخاً لَيَطْبُخَ له طعامَ الوليمة، فاختَلَعَتْ منه: تَنفَسِخُ الإجارةُ. وكذا مَن استأجر دُكَّاناً في السوق ليتَّجرَ فيه، فذهب مالُه. وكذا مَن آجَرَ دكاناً، أو داراً، ثم أفلس، فلزمَتْه ديونٌ لا يَقدِرُ على قضائها إلا بثمنٍ ما آجَرَ : فَسَخَ القاضي العقدَ، وباعها في الدَّيْن. ولنا: أن المنافعَ غيرُ مقبوضةٍ، وهي المعقودُ عليها، فصار العُذْرُ في الإجارة: كالعيب قبلَ القبض في البيع، فتُفْسَخُ به، إذِ المعنىُ يجمَعُهما، وهو عَجْزُ العاقدِ عن المُضِيِّ في موجَبِه إلا بتحمُّل ضررٍ زائدٍ لم يُستَحَقَّ به، وهذا هو معنى العُذْر عندنا. وهو (كمَن استأجر حدَّاداً(١) ليقلَعَ ضِرْسَه لوَجَعٍ به، فسَكَنَ الوَجَعُ، أو استأجر طبَّاخاً لَيَطْبُخَ له طعامَ الوليمة، فاختَلَعَتْ(٢) منه: تَنَفَسِخُ الإجارةُ)؛ لأن في المُضِيِّ عليه (٣) إلزامَ ضررٍ زائدٍ لم يُستَحَقَّ بالعقد. قال: (وكذا مَن استأجر دُكَّاناً في السوق ليتَّجرَ فيه، فذهب مالُه. وكذا مَن آجَرَ دكاناً، أو داراً، ثم أفلس، فلزمَتْه ديونٌ لا يَقدِرُ على قضائها إلا بثمنٍ ما آجَرَ: فَسَخَ القاضي العقدَ، وباعها في الدَّيْن)؛ لأن في (١) وفي نُسخ: أحداً. قال في البناية ١٣ /١٤٩: الحدَّاد: هو قَلاَّع السِّنِّ، ويسمى عند أهل مصر: المزيِّن. (٢) أي اختلعت المرأةُ من الزوج والوليمةُ كانت بسبب النكاح وقد ارتفع. (٣) وفي نُسخ: عليها. ٧٣ فَسْخ الإجارة وفي ((الجامع الصغير)): وكلُّ ما ذكرنا أنه عُذْرٌ: فإنَّ الإجارةَ فيه تنتقضُ. ومَن استأجر دابةً ليسافرَ عليها، ثم بدا له من السفر: فهو عُذْرٌ. الجَرْيِ على موجَبِ العقد: إلزامَ ضررٍ زائدٍ لم يُستَحَقَّ بالعقد، وهو الحَبْسُ؛ لأنه قد لا يُصدَّقُ على عدم مالٍ آخَر. ٠ ثم قولُه: فَسَخَ القاضي العقدَ: إشارةً إلى أنه يَفتقِرُ إلى قضاءِ القاضي في النَّقْض. وهكذا ذَكَرَ في ((الزيادات)) في عُذْرِ الدَّيْن. (و) قال (في ((الجامع الصغير (١)): وكلُّ ما ذكرنا أنه عُذْرٌ: فإنَّ الإجارةَ فيه تنتقضُ)، وهذا يدلّ على أنه لا يُحتاجُ فيه إلى قضاء القاضي. ووجهُه: أنَّ هذا بمنزلة العيبِ قبلَ القبض في المبيع، على ما مَرَّ، فينفردُ العاقدُ بالفسخ. وقيل: ينتقضُ بنفسه، وليس بصحيحِ (٢). ووجهُ الأول: أنه فَصْلٌ مجتَهَدٌ فيه، فلا بدَّ من إلزام القاضي. ومنهم مَن وَفَّق، فقال: إذا كان العذرُ ظاهراً: لا يَحتاجُ إلى القضاء؛ لظهور العذر، وإن كان غيرَ ظاهرٍ، كالدَّين: يَحتاجُ إلى القضاء؛ لظهور العذر. قال: (ومَن استأجر دابةً ليسافرَ عليها، ثم بدا له من السفر: فهو عُذْرٌ)؛ (١) ص٢١٥. (٢) قوله: وقيل: ينتقض بنفسه، وليس بصحيح: مثبتٌ في نُسخ، دون أخرى. ٧٤ فَسْخ الإجارة وإن بدا للمُكاري : فليس ذلك بعُذْر. ومَن آجَرَ عبداً، ثم باعه : فليس بعُدْرٍ . وإذا استأجر الخياطُ غلاماً، فأفلَسَ، وتَرَكَ العملَ: فهو عُذْرٌ. لأنه لو مضى على موجَبِ العقدِ: يلزمُه ضررٌ زائدٌ؛ لأنه ربما يذهبُ للحج: فَذَهَبَ وقتُه، أو لطلب غريمِهِ: فحَضَرَ، أو للتجارة: فافتَقَرَ. (وإن بدا للمُكاري: فليس ذلك بعُذْرِ)؛ لأنه يُمكِنُه أن يَقعدَ، ويبعثَ الدوابَّ على يدِ تلميذِهِ، أو أجيره. ولو مَرِضَ المؤاجرُ، فقَعَدَ: فكذا الجوابُ على رواية ((الأصل)). وروىُ الكَرخِيُّ عن أبي حنيفة رحمهما الله: أنه عُذْرٌ؛ لأنه لا يَعرَىُ عن ضررِ زائدٍ، فيُدفَعُ عنه عند الضرورة، دون الاختيار. قال: (ومَن آجَرَ عبداً (١)، ثم باعه: فليس بعُذْرٍ)؛ لأنه لا يلزمُه الضررُ بالمُضِيِّ على موجَبِ العقد، وإنما يفوتُه الاسترباحُ، وأنه أمرٌ زائدٌ. قال: (وإذا استأجر الخياطُ غلاماً، فأفلَسَ، وتَرَكَ العملَ: فهو عُذْرٌ)؛ لأنه يلزمه الضررُ بالمُضِيِّ على موجَبِ العقد؛ لفوات مقصودِهِ، وهو رأسُ مالِه. وتأويلُ المسألةِ: خياطٌ يعملُ لنفسه، أما الذي يَخيطُ بأجرِ: فرأسُ مالِه الخيطُ والمِخْيَطُ(٢) والمِقراضُ(٣)، فلا يتحقَّقُ الإفلاسُ فيه. (١) وفي نُسخ: عبده. (٢) بكسر الميم: اسم الآلة التي تُخاط بها الثياب. البناية ١٣ / ١٥٤. (٣) اسم الآلة التي تُقطع بها الثياب، أي المِقَصُّ. ٧٥ فَسْخ الإجارة وإن أراد تَرْكَ الخياطةِ، وأن يَعملَ في الصَّرْف: فليس بعُذْر. ومن استأجر غلاماً ليخدُمَه في المصر، ثم سافر: فهو عُذْرٌ. قال: (وإن أراد تَرْكَ الخياطةِ، وأن يَعملَ في الصَّرْف: فليس بعُذْرٍ)؛ لأنه يُمكِنُه أن يُقْعِدَ الغلامَ للخياطة في ناحيةٍ، وهو يعمل في الصرف في ٩ ناحية. وهذا بخلاف ما إذا استأجر دكاناً للخياطة، فأراد أن يتركَها ويشتغلَ بعملِ آخَرَ، حيث جَعَلَه عُذْراً، ذَكَرَه في ((الأصل(١))؛ لأن الواحدَ لا يُمكِنُه الجمعُ بين العمَلَيْن، أما ها هنا: العاملُ شخصان، فأمكنهما. قال: (ومن استأجر غلاماً ليخدُمَه في المصر، ثم سافر: فهو عُذْرٌ)؛ لأنه لا يَعْرَى عن إلزامٍ ضررِ زائدٍ؛ لأن خدمةَ السفر أشقُّ، وفي المنع من ءِ السفر: ضررٌ، وكلّ ذلك لم يُستَحَقَّ بالعقد، فيكون عذراً. وكذا إذا أَطلق؛ لِمَا مَرَّ أنه يتقيَّد بالحضر. بخلاف ما إذا آجَرَ عقاراً، ثم سافر؛ لأنه لا ضررَ فيه؛ إذِ المستأجرُ يمكنُه استيفاء المنفعة من المعقودِ عليه بعد غَيْبته، حتى لو أراد المستأجرُ السفرَ: فهو عذرٌ؛ لِمَا فيه من المنع من السفر، أو إلزامِ الأجرِ بدون السكنى، وذلك ضررٌ، والله تعالى أعلم. (١) أي ذكره الإمام محمد رحمه الله في الأصل ٥٥٣/٣. ٧٦ مسائلُ مَنْثورةٌ مسائلُ مَنْثورةٌ ومَن استأجر أرضاً، أو استعارها، فأَحْرَقَ الحصائدَ، فاحترق شيءٍ من أرضٍ أخرى لغيره : فلا ضمانَ عليه. وإذا أقعد الخياطُ أو الصبَّاغُ في حانوته مَن يَطْرَحُ عليه العملَ بالنصف : فهو جائزٌ. مسائلُ مَنْثورةٌ قال: (ومَن استأجر أرضاً، أو استعارها، فأَحْرَقَ الحصائدَ، فاحترق شيءٌ من(١) أرضٍ أخرى لغيره(٢): فلا ضمانَ عليه)؛ لأنه غيرُ متعدٍّ في هذا التسبيب، فأشبه حافِرَ البئر في دارِ نفسه. وقيل: هذا إذا كانت الرياحُ هادئةً(٣)، ثم تغيّرت، أما إذا كانت مضطربةً: يَضمنُ؛ لأن مُوقِدَ النارِ يَعلمُ أنها لا تستقرُّ في أرضه. قال: (وإذا أقعد الخياطُ أو الصبَّاغُ في حانوته مَن يَطْرَحُ عليه العملَ و بالنصف: فهو جائزٌ)؛ لأن هذه شركةُ الوُجوه في الحقيقة، فهذا بوَجاهته يَقبَلُ العملَ، وهذا بحَذاقته يعملُ، فتنتظمُ بذلك(٤) المصلحةُ، فلا تَضُرُّه الجهالةُ فيما يحصل. (١) وفي نُسخ: في. (٢) وفي نُسخ: لقوم آخرين. (٣) وفي نُسخ: ساكنة. (٤) وفي نُسخ: بهما. بدل: بذلك. ٧٧ مسائلُ مَنْثورةٌ ومَن استأجر جَمَلاً ليحمِلَ عليه مَحْمِلاً وراكبَيْن إلى مكة : جاز، وله المَحْمِلُ المعتادُ. وإن شاهَدَ الجَمَّالُ المَحْمِلَ : فهو أجودُ. قال: (ومَن استأجر جَمَلاً ليحمِلَ عليه مَحْمِلاً(١) وراكَبَيْن إلى مكة: جاز، وله المَحْمِلُ المعتادُ). وفي القياس: لا يجوز؛ وهو قولُ الشافعيّ(٢) رحمه الله؛ للجهالة، وقد يُفضِي ذلك إلى المنازعة. وجهُ الاستحسان: أن المقصودَ هو الراكبُ، وهو معلومٌ، والمَحْمِلُ تابعٌ له، وما فيه من الجهالةِ يرتفعُ بالصرف إلى المتعارَف، فلا يُفضِي ذلك إلى المنازعة. وكذا إذا لم يَرَ الوِطَاءَ، والدُُّ(٣). قال: (وإن شاهَدَ الجَمَّالُ المَحْمِلَ: فهو أجودُ(٤))؛ لأنه أنفى للجهالة، وأقربُ إلى تحقَّقِ الرضاء (١) أي الهَوْدج، ويقعد فيه من كل طرف شخص. (٢) الأم ٣٦/٤. (٣) الوطاء: هو الفراش، والدُّثُر: جمع: دِثار: وهو ما يُلقى عليك من كساء. البناية ١٣/ ١٥٩. (٤) وفي نُسخ: أجوز. ٧٨ مسائلُ مَنْثورةٌ وإن استأجر بعيراً ليحمِلَ عليه مقداراً من الزاد، فَأَكَلَ منه في الطريق : جاز له أن يَرُدَّ عِوَضَ ما أَكَلَ. قال: (وإن استأجر بعيراً ليحمِلَ عليه مقداراً من الزاد، فَأَكَلَ منه في الطريق: جاز له أن يَرُدَّ(١) عِوَضَ ما أَكَلَ)؛ لأنه استَحَقَّ عليه حِمْلاً مسمَّىَ في جميع الطريق، فله أن يَستوفيَه. وكذا غيرُ الزادِ من المَكيل والموزون. ورَدُّ الزادِ: معتادٌ عند البعض(٢)، كرَدِّ الماء، فلا مانعَ من العمل بالإطلاق، والله تعالى أعلم. (١) وفي نُسخ: یزید. (٢) وفي نُسخ: عند النقص، وهذا جوابٌ عن سؤال مقدَّر، تقديره أن يقال: مطلَقُ العقد محمولٌ على العادة، وفي عادة المسافرين أنهم يأكلون من الزاد، ولا يردُّون شيئاً مكان ما أكلوا، فأجاب بقوله: وردُّ الزاد معتادٌ عند بعض الناس، كرد الماء، فيكون العُرف مشتركاً، فلا يصلح مقيداً. البناية ١٦٠/١٣. ٧٩ كتاب المكاتب کتاب المکاتب وإذا كاتَبَ المولى عبدَه، أو أمتَه على مالِ شَرَطَه عليه، وقَبَلَ العبدُ ذلك: صار مكاتباً. كتاب المكاتب قال: (وإذا كاتَبَ المولى عبدَه، أو أمتَه على مالِ شَرَطَه عليه، وقَبَلَ العبدُ ذلك: صار مكاتباً). أما الجواز: فلقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. النور/ ٣٣. وهذا ليس أمرَ إيجابٍ، بإجماعٍ بين الفقهاء(١)، وإنما هو أمرُ نَدْب، هو الصحيح. وفي الحَمْلِ على الإباحة: إلغاء الشرط، إذ هو مباحٌ بدونه، أما النَّدْبيَّةُ: و معلّقةٌ به(٢). والمرادُ بالخير المذكور على ما قيل: أنْ لا يُضِرَّ بالمسلمين بعد العتق، فإن كان يُضِرُّ بهم: فالأفضلُ أن لا يُكاتِبَه وإن كان يصحُّ لُو فَعَلَه. وأما اشتراطُ قَبولِ العبد: فلأنه مالٌ يلزمُه له، فلا بدَّ من التزامه(٣). (١) ينظر مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٤١٢/٤. (٢) أي بالشرط، وهو العلم بالخيرية. (٣) وفي نُسخ: قبوله. ٨٠ كتاب المكاتب ولا يَعْتِقُ إلا بأداء كلّ البدل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أيُّما عبدٍ كُوتِبَ على مائة دينارٍ، فأدَّاها إلا عشرةَ دنانيرَ: فهو عبدٌ)(١). وقال عليه الصلاة والسلام: ((المكاتَبُ عبدٌ ما بقِيَ عليه درهمٌ(٢))(٣). وفيه (٤) اختلافُ الصحابة رضي الله عنهم(٥). وما اخترناه: قولُ زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه. ويَعْتِقُ بأدائه وإن لم يَقُلِ المولى: إذا أدَّيتَها فأنتَ حرٌّ؛ لأن موجَبَ العقدِ: يَثبتُ من غير التصريح به، كما في البيع. (١) سنن أبي داود (٣٩٢٧)، سنن الترمذي (١٢٦٠)، وقال: حسن غريب، والعمل عليه، المستدرك للحاكم (٢٨٦٣)، التعريف والإخبار ١٣٢/٣، الدراية ١٩١/٢. (٢) وقد اشتهرت عبارةً عند فقهاء الحنفية في هذا المعنى: المكاتَبُ طار من ذُلِّ - أو من قيد - العبودية، ولم يَنزل في ساحة الحرية. ينظر تبيين الحقائق ١٤٩/٥، الجوهرة النيرة ١٥٤/٥ (بتحقيقي). (٣) سنن أبي داود (٣٩٢٦)، وقواه في التعريف والإخبار ١٣٣/٣. (٤) أي في وقت عِثْق المكاتب خلافٌ بين الصحابة رضي الله عنهم: فعند ابن عباس رضي الله عنهما: يَعتق كما أخذ الصحيفة من مولاه، أي بنفس العقد، وعند ابن مسعود رضي الله عنه: يعتق إذا أدى قيمةَ نفسه، وعند زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه: لا يعتق ولو بقي عليه درهمٌ البناية ١٣/ ١٦٥. (٥) ينظر الدراية ١٩١/٢.