Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ باب باب الصلح في الدَّيْن وكلُّ شيءٍ وَقَعَ عليه الصلحُ، وهو مستَحَقٌّ بعقد المداينة: لم يُحمَلْ على المعاوَضة، وإنما يُحمَلُ على أنه استَوفى بعضَ حقُّه، وأسقط باقِيَه، كمَن له على آخَرَ ألفُ درهمٍ، فصالَحَه على خمسِمائةٍ . وكمَن له على آخَرَ ألفُ درهمٍ جِيَادٍ، فصالَحَه على خمسِمائةٍ زُيوفٍ : جاز، وصار كأنه أبرأه عن بعضٍ حَقَه . باب الصلح في الدَّيْن قال: (وكلّ شيءٍ وَقَعَ عليه الصلحُ، وهو مستَحَقٌّ بعقد المداينة(١): لم يُحمَلْ على المعاوضة، وإنما يُحمَلُ على أنه استَوفى بعضَ حقِّه، وأسقط باقِيَه، كمَن له على آخَرَ ألفُ درهمٍ، فصالَحَه على خمسِمائةٍ. وكمَن له علىْ آخَرَ ألفُ درهمِ جِيَادٍ، فصالَحَه على خمسمائةٍ زُيوفٍ: جاز، وصار كأنه أبرأه عن بعضٍ حَقَه). (١) يعني إذا كان بدل الصلح من جنس ما يستحق المدعي على المدعى عليه بعقد المداينة التي جَرَت بينهما - والمداينة هي: البيع بالدين -: لم يُحمَل على المعاوضة. البناية ١٢/ ٣٤٥. ٤٠٢ الصلح في الدَّيْن ولو صالَحَه على ألفٍ مؤجَّةٍ : جاز، وكأنَّه أجَّل نفسَ الحَقِّ. ولو صالَحَه علىُ دنانيرَ إلى شهرٍ : لم يَجُزْ. ولو كانت له ألفٌ مؤجَّلَةٌ، فصالَحَه على خمسِمائةٍ حالَّةٍ : لم يَجُزْ. وإن كان له ألفٌ سُوْدٌ، فصالَحَه على خمسِمائةٍ بِيْضٍ : لم يَجُزْ. وهذا لأنَّ تَصَرُّفَ العاقلِ يُتحرَّى تصحيحُهُ ما أمكن، ولا وجهَ لتصحيحه معاوضةً؛ لإفضائه إلى الربا، فجُعِلَ إسقاطاً للبعض في المسألة الأُولىُ، وللبعض والصفةِ في المسألةِ الثانية. قال: (ولو صالَحَه على ألفٍ مؤجَّةٍ: جاز، وكأنَّه أجَّل نفسَ الحَقِّ)؛ لأنه لا يُمكنُ جَعْلُه معاوضةً؛ لأن بيعَ الدراهمِ بمِثلها نسيئةً لا يجوز، فحَمَلْناه على التأخير. قال: (ولو صالَحَه على دنانيرَ إلى شهرٍ: لم يَجُزْ)؛ لأن الدنانيرَ غيرُ مستَحَقَّةٍ بعقدِ المداينة، فلا يُمكنُ حَمْلُه على التأخير، ولا وجهَ له سوى المعاوضة، وبيعُ الدراهم بالدنانير نسيئةً لا يجوزُ، فلم يصحَّ الصلح. قال: (ولو كانت له ألفٌ مؤجَّلَةٌ، فصالَحَه على خمسمائةٍ حالَّةٍ: لم يَجُزْ)؛ لأن المعجَّلَ خيرٌ من المؤجَّل، وهو غيرُ مستَحَقِّ بالعقد، فيكونُ(١) بإزاء ما حَطَّه عنه، وذلك اعتياضٌ عن الأجل، وهو حرامٌ. قال: (وإن كان له ألفٌ سُوْدٌ، فصالَحَه على خمسمائةٍ بِيْضٍ: لم يَجُزْ)؛ لأن البيْضَ غيرُ مُستَحَقَّةٍ بعقد المداينة، وهي زائدةٌ وَصْفاً، فيكون: (١) أي التعجيل. ٤٠٣ الصلح في الدَّیْن ومَن له علىٌ آخَرَ ألفُ درهمٍ، فقال: أدِّ إليَّ غداً منها خمسَمائةٍ على أنكَ بريء من الفضل، ففَعَلَ : فهو بريء. فإن لم يَدفعْ إليه الخمسَمائةٍ غداً: عاد عليه الألفُ، وهو قولُ أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يعودُ عليه. معاوضةُ الألفِ بخمسمائة، وزيادةٍ وَصْفٍ، وهو رباً. بخلاف ما إذا صالَحَ عن الألفِ البِيْضِ على خمسِمائةٍ سُوْدٍ، حيثُ يجوزُ؛ لأنه إسقاطُ كلِّه قَدْراً ووَصْفاً. وبخلاف ما إذا صالَحَ علىُ قَدْر الدَّيْن، وهو أجودُ؛ لأنه معاوضةُ المِثل بالمثل، ولا معتبرَ بالصفة، إلا أنه يُشترَطُ القبضُ في المجلس. ولو كان عليه ألفُ درهم ومائةُ دينارٍ، فصالَحَه على مائةِ درهم حالَّةٍ، أو إلى شهرٍ: صَحَّ الصلحُ؛ لأنه أمكن أن يُجعَلَ إسقاطاً للدنانير كلِّها والدراهم إلا مائةَ، وتأجيلاً للباقي، فلا يُجعَلُ معاوضةً؛ تصحيحاً للعقد، أو لأن معنى الإسقاطِ فيه ألزمُ. قال: (ومَن له على آخَرَ ألفُ درهم، فقال: أدِّ إليَّ غداً منها خمسَمائةٍ على أنكَ بريءٌ من الفضل، ففَعَلَ: فهو بريء. فإن لم يَدفعْ إليه الخمسَمائةِ غداً: عاد عليه الألفُ، وهو قولُ أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يعودُ عليه)؛ لأنه إبراءٌ مطلَقٌ. ألا ترى أنه جَعَلَ أداءَ الخمسمائةِ عوضاً، حيث ذَكَرَه بكلمةٍ: على، وُ وهي للمعاوضة، والأداءَ لا يصحُّ عوضاً؛ لكونه مستَحَقًّاً عليه، فجرى ٤٠٤ الصلح في الدَّیْن وجودُهُ(١) مَجْرِئْ عَدَمِه، فبقيَ الإبراءُ مطلقاً، فلا يعودُ، كما إذا بدأ بالإبراء. ولهما: أن هذا إبراءٌ مقيَّدٌ بالشرط، فيفوتُ بفَوَاته؛ لأنه بدأ بأداء الخمسمائةِ في الغد، وأنه يَصلُحُ غَرَضاً؛ حَذَارَ إفلاسِهِ، أو توسُّلاً إلى تجارةٍ أربحَ منه. وكلمةُ: على: إن كانت للمعاوضة: فهي محتمِلَةٌ للشرط؛ لوجود معنىُ المقابلةِ فيه، فتُحمَلُ عليه عند تعذّرِ الحملِ على المعاوضة؛ تصحيحاً لتصرُّفه، أو لأنه متعارَفٌ. والإبراء مما يتقيَّدُ بالشرط وإن(٢) كان لا يتعلَّقُ به، كما في الحوالة، وسنُخرِّجُ البدايةَ بالإبراء(٣) إن شاء الله تعالى. قال رضي الله عنه: وهذه المسألة على وجوهٍ: أحدُها: ما ذكرناه. والثاني: إذا قال: صالحتُكَ من الألفِ على خمسمائةٍ، تدفعُها إليّ غداً، وأنتَ بريء من الفضل، على أنك إن لم تدفَعْها إليّ غداً: فالألفُ عليكَ على حالِه. (١) أي وجود الشرط. (٢) وفي نُسخ: إن کان. بدون واوٍ. (٣) هذا عذرٌ من تأخير جواب ما قاس عليه أبو يوسف رحمه الله، بقوله: كما إذا بدأ بالإبراء، يعني نذكر الفرق بين المقيس والمقيس عليه عند قوله: والثالث: إذا قال أبرأتك إلى آخره. البناية ١٢ / ٣٥٠. ٤٠٥ الصلح في الدّیْن وجوابُه: أن الأمرَ على ما قال؛ لأنه أتى بصريح التقييد، فيُعمَلُ به. والثالثُ: إذا قال: أبرأتُكَ من خمسمائةٍ من الألف، على أن تعطيني الخمسمائةَ غداً: فالإبراءُ (١) فيه واقعٌ، أعطى الخمسَمائةَ أو لم يُعطِ؛ لأنه أطلق الإبراءَ أوَّلاً، وأداءُ الخمسمائة لا يصلُحُ عوضاً مطلقاً، ولكنه يَصلُحُ شرطاً، فوَقَعَ الشكُّ في تقييده بالشرط، فلا يتقيَّد به. بخلاف ما إذا بدأ بأداء خمسمائةٍ؛ لأن الإبراءَ حَصَلَ مقروناً بكلمة: عليّ(٢)، فمن حيث إنه لا يَصلُحُ عوضاً: يقعُ مطلقاً، ومن حيث إنه يَصلُحُ شَرْطاً: لا يقعُ مطلقاً، فلا يثبتُ الإطلاق بالشك، فافترقا. والرابعُ: إذا قال: أَدِّ إليَّ خمسَمائةٍ على أنك بريء من الفضل، ولم يُؤْقِّتْ للأداء وقتاً. وجوابُه: أنه يَصِحُّ الإبراءُ، ولا يعودُ الدَّيْن؛ لأن هذا إبراءٌ مطلَقٌ؛ لأنه لَمَّا لم يؤقُّتْ للأداء وقتاً: لا يكونُ الأداءُ غَرَضاً صحيحاً؛ لأنه واجبٌ عليه في مطلَق الأزمان، فلم يَتَقيَّد، بل يُحمَلُ على المعاوضة، ولا يَصلُحُ عوضاً(٣)، بخلاف ما تقدَّم؛ لأن الأداءَ في الغد غَرَضٌ صحيحٌ. والخامسُ: إذا قال: إن أدَّيتَ إليْ خمسَمائةٍ، أو قال: إذا أدَّيتَ، أو متى أديتَ. (١) وفي نُسخ: والإبراء. (٢) وفي نُسخ: مقروناً به. (٣) وفي نُسخ: غرضاً. ٤٠٦ الصلح في الدَّيْن ومَن قال لآخَرَ : لا أُقِرُّ لكَ بما لَكَ عليَّ حتى تؤخِّرَه عني، أو تَحُطُّ عني، ففَعَلَ : جاز عليه. والجوابُ فيه: أنه لا يصحُّ الإبراءُ؛ لأنه علَّقه بالشرط صريحاً، وتعليقُ البراءة(١) بالشروط باطلٌ؛ لِمَا فيها من معنى التمليك، حتى يَرتدُّ بالردِّ، بخلاف ما تقدَّم؛ لأنه ما أتى بصريح الشرطِ، فحُمِلَ على التقیید به. قال: (ومَن قال لآخَرَ: لا أُقِرُّ لكَ بما لَكَ (٢) عليَّ حتى تؤخِّرَه عني، أو تَحُطَّ عني، ففَعَلَ: جاز عليه)؛ لأنه ليس بمُكْرَهٍ؛ لتمكّنه من إقامة البينة أو التحليف. ومعنى المسألة: إذا قال ذلك سِرّاً، أما إذا قال علانيةً: يؤخَذُ به(٣)، والله تعالى أعلم. (١) وفي نُسخ: البراءات. (٢) وفي نُسخ: بمالِك. موصولةً، وبكسر اللام. (٣) أي يُؤْخَذُ المقِرُّ بجميع المال في الحال، بلا خلاف؛ لأنه إقرارٌ منه بالحقِّ. البناية ١٢ / ٣٥٢. ٤٠٧ فصل فصل في الدَّيْن المشترك وإذا كان الدَّينُ بين شريكَيْن، فصالَحَ أحدُهما من نصيبه على ثوبٍ : فشريكُه بالخيار، إن شاء اتَّبَعَ الذي عليه الدينُ بنصفه، وإن شاء أخذ نصفَ الثوبِ إلا أن يَضمَنَ له شريكُه رُبُعَ الدَّيْن. فصلٌ في الدَّيْن المشترك قال: (وإذا كان الدَّينُ بين شريكَيْن، فصالَحَ أحدُهما من نصيبه على ثوب: فشريكُه بالخيار، إن شاء اتَّبَعَ الذي عليه الدينُ بنصفه، وإن شاء أخذ نصفَ الثوب إلا أن يَضمَنَ له شريكُهُ رُبُعَ الدَّيْن). وأصلُ هذا: أن الدَّيْنَ المشترَكَ بين اثنين إذا قَبَضَ أحدُهما شيئاً منه: فلصاحبه أن يُشاركَه في المقبوض؛ لأنه ازداد بالقبض، إذ ماليةً الدين باعتبار عاقبة القبض. وهذه الزيادةُ راجعةٌ إلى أصلِ الحَقِّ، فتصيرُ كزيادة الولدِ والثمرة(١)، وله حَقُّ المشاركة، ولكنه قبلَ المشاركةِ باقٍ علىْ مِلْكِ القابض؛ لأن العينَ غيرُ الدين حقيقةً، وقد قَبَضَه بدلاً عن حَقِّه، فيملِكُه حتى ينفُذُ تصرُّفه فيه، ويضمنُ لشریکه حصته. (١) أي الولد من الجارية المشتركة، والثمرة من الشجرة المشتركة. ٤٠٨ في الدَّيْن المشترك والدينُ المشترَكُ أن يكونُ واجباً بسبب متَّحِدٍ، كثمن المبيعِ إذا كان صفقةً واحدةً، وثمن المال المشترك والموروثِ(١) بينهما، وقيمةِ المستهلك المشترك. إذا عَرَفْنا هذا: نقولُ في مسألة ((الكتاب(٢)): له أن يَتَّبَعَ الذي عليه الأصلُ (٣)؛ لأن نصيبه(٤) باقٍ في ذمته(٥)؛ لأن القابض (٦) قَبَضَ نصيبه؛ لكنْ له (٧) حَقُّ المشاركة. وإن شاء(٨) أَخَذَ نصفَ الثوب؛ لأنَّ له حَقَّ المشاركة، إلا أن يَضمنَ له (٩) شريكُه رُبُعَ الدين؛ لأنَّ حَقَّه في ذلك(١٠). (١) أي الدين الموروث. (٢) أي مختصر القدوري. (٣) أي للساكت أن يتبع المديون. (٤) أي نصيب الساكت. البناية ١٢/ ٣٥٤، وفي نُسخ: لأن الدين. (٥) أي في ذمة المديون، ولم يستوفه. (٦) أي المصالح. (٧) أي للساكت. (٨) أي الساكت. (٩) أي للساكت. (١٠) أي لأن حقَّ الساكت في الدين. ٤٠٩ في الدَّيْن المشترك ولو استوفى أحدُهما نصفَ نصيبه من الدَّيْنِ : كان لشريكِهِ أن يُشاركَه فيما قَبَضَ، ثم يرجعان على الغريم بالباقي. ولو اشترى أحدُهما بنصيبه من الدَّيْن سلعةً: كان لشريكه أن يُضمِّنَه رُبُعَ الدین. قال: (ولو استوفى أحدُهما نصفَ نصيبه من الدَّيْنِ: كان لشريكِهِ أن يُشاركَه فيما قَبَضَ)؛ لِمَا قلنا (١). (ثم يرجعان على الغريم بالباقي)؛ لأنهما لَمَّا اشتركا في المقبوض: لا بدَّ أن يبقى الباقي على الشركة. قال: (ولو اشترى أحدُهما بنصيبه من الدَّيْن سلعةً: كان لشريكه أن يُضمَّنُه رُبُعَ الدين)؛ لأنه صار قابضاً حَقَّه بالمُقَاصَّة كَمَلاً؛ لأن مبنى البيع على المماكسة. بخلاف الصلح؛ لأن مبناهُ على الإغماضِ (٢) والحَطِيطة، فلو ألزمناه دَفْعَ ربعِ الدين: يتضرَّرُ به، فيتخيَّرُ القابضُ، كما ذكرنا. ولا سبيلَ للشريك على الثوبِ في البيع؛ لأنه مَلَكَه بعقده، والاستيفاء بالمُقَاصَّة بين ثمنِه وبين الدينِ الخاص. و وللشريك أن يتّبعَ الغريمَ في جميع ما ذكرنا(٣)؛ لأن حَقّه في ذمته (١) من أن الدين المشترك بين اثنين إذا قبض أحدُهما شيئاً منه: فلصاحبه أن يشاركه في المقبوض. البناية ١٢/ ٣٥٤. (٢) وفي نُسخ: الإعراض. (٣) أي في الصلح والبيع. ٤١٠ في الدَّيْن المشترك باق؛ لأن القابضَ استوفى نصيبَه حقيقةً؛ لكنْ له حَقُّ المشاركة فيه، فله(١) ء أن لا يشاركه. فلو سَلَّم له ما قَبَضَ، ثم تَوِيَ ما على الغريم: له أن يشاركَ القابضَ؛ لأنه رضِيَ بالتسليم لَيَسْلَمَ له ما في ذمة الغريم، ولم يَسْلَم، فلم يكن راضياً به. ولو وقعتِ المقاصَّةُ بدَيْنِ كان عليه من قبلُ: لم يَرجعْ عليه الشريكُ؛ لأنه قاضٍ بنصيبه، لا مُقْتَصِ. ولو أبرأه عن نصيبه: فكذلك؛ لأنه إتلافٌ، وليس بقبضٍ. ولو أبرأه عن البعض: كانت قسمةُ الباقي على ما بقيَ من السهام. ولو أخَّر أحدُهما عن نصيبه: صحَّ عند أبي يوسف رحمه الله؛ اعتباراً بالإبراء المطلَقِ. ولا يصحُّ عندهما؛ لأنه يؤدي إلى قسمة الدينِ قبلَ القبض. ولو غَصَبَ أحدُهما (٢) عيناً منه، أو اشتراه(٣) شراءً فاسداً، وهَلَكَ في يده: فهو قَبْضٌ. والاستئجارُ بنصيبه: قَبْضٌ. (١) أي للساكت. (٢) أي أحدُ الشريكين. (٣) أي المغصوبَ أو المشتَرَى. البناية ٣٥٧/١٢. ٤١١ في الدَّيْن المشترك وإذا كان السَّلَمُ بين شريكَيْن، فصالَحَ أحدُهما من نصيبه على رأسِ المال : لم يَجُزْ عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله. وقال أبو يوسف رحمه الله : يجوزُ الصلحُ. وكذا الإصداقُ(١) عند محمدٍ رحمه الله، خلافاً لأبي يوسف رحمه الله. والتزوجُ به (٢): إتلافٌ، في ظاهر الرواية. وكذا الصلحُ عليه من جناية العمد. قال: (وإذا كان السَّلَمُ بين شريكَيْن، فصالَحَ أحدُهما من نصيبه على رأس المال: لم يَجُزْ عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله. وقال أبو يوسف رحمه الله: يجوزُ الصلحُ)؛ اعتباراً بسائر الديون، وبما إذا اشتريا عبداً، فأقال أحدُهما في نصيبه. ولهما: أنه لو جاز في نصيبه خاصةً: يكون قسمةَ الدين في الذمة. ولو جاز في نصيبهما: لا بدَّ من إجازة الآخَر، بخلاف شراء العين، (١) والإصداقُ هو: دَفْعُ الصداق، والمراد جَعْلُه عوضاً عما وجب في ذمته من المهر شائعاً، فلهذا يكون قَبْضاً؛ لأنه قابَلَه بعوضٍ مالي، فلا يكون إتلافاً، بخلاف التزوج؛ لأنه وإن جعله مهراً، ولكنه إتلافٌ؛ لأنه قابَلَه بالبُضع، فلم يستفد بمقابلته عوضاً مالياً. اهـ من حاشية نسخة ٧٣٨هـ. وفي نُسَخ: الإحراق بدل: الإصداق، والمراد بالإحراق: أي لو أحرق أحدُهما ثوبَ المديون: فهو قبضٌ. باختصار من البناية ٣٥٧/١٢. (٢) أي بالدين. ٤١٢ في الدَّيْن المشترك وهذا لأن المسلَمَ فيه صار واجباً بالعقد، والعقدُ قام(١) بهما، فلا ينفردُ أحدُهما برفعه. ولأنه لو جاز: لشاركَه في المقبوض، فإذا شاركَه فيه: رَجَعَ المصالِحُ علىُ مَن عليه بذلك، فيؤدي إلى عَوْدِ السَّلَمِ بعد سقوطه. قالوا (٢): هذا إذا خَلَطَا رأسَ المال، فإن لم يكونا قد خَلَطَاه: فعلى الوجه الأول: هو على الخلاف، وعلى الوجه الثاني: هو على الاتفاق(٣)، والله تعالى أعلم. (١) وفي نُسخ: قائمٌ. (٢) أي قال المتأخرون من مشايخنا. البناية ٣٥٩/١٢. (٣) في الجواز، أي صحَّ صلح أحدهما على الاتفاق على رأس ماله. ٤١٣ فصلٌ في الثَّخَارُج فصلٌ في النَّخَارُج وإذا كانت التركةُ بين ورثةٍ، فأخرجوا أحدَهم منها بمال أعطَوْه إياه، والتركةُ عقارٌ، أو عُروضٌ: جاز، قليلاً كان ما أعطَوْه إياه أو كثيراً. فصلٌ في الثَّخَارُجُ(١) قال: (وإذا كانت التركةُ بين ورثةٍ، فأخرجوا أحدَهم منها بمال أعطَوْه إياه، والتركةُ عقارٌ، أو عُروضٌ: جاز، قليلاً كان ما أعطَوْه إياه أو كثيراً)؛ ٠ لأنه أمكن تصحيحُه بيعاً. وفيه أثرُ عثمانَ رضي الله عنه، فإنه صالَحَ تُماضِرَ الأشجعيةَ امرأةَ عبدٍ الرحمن بنِ عَوْفٍ رضي الله عنهما عن رُبُعِ ثُمُنِها على ثمانين ألفَ دينارٍ(٣). (١) التخارُجُ هو: إخراجُ بعضِ الورثةِ عما يستحقّه من التركة بمالٍ يُدفع إليه. البناية ٣٥٩/١٢. (٢) قال في نصب الراية ١١٢/٤ : غريب بهذا اللفظ، ثم ذكر عن المصنَّف لعبد الرزاق (١٥٢٥٦) أن امرأة عبد الرحمن بن عوف أخرجها أهلُه من ثلث الثَّمُن بثلاثةٍ وثمانين ألف درهم، ونقل عن الطبقات لابن سعد ١٣٦/٣ في ترجمة عبد الرحمن ابن عوف أنه ترك أربع نسوة، وأُخرجت إحداهن من ثُمُنها بثمانين ألف. كما نقل عن ابن سعد في الطبقات ١٢٩/٣ في قصة زواج عبد الرحمن من تُماضِر هذه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الرحمن بن عوف في سبعمائة إلى دومة الجَنْدل سنة ست، فنقض عمامته، ثم عمَّمه بعمامة سوداء، فأرخى بين كتفيه منها، فقَدِمَ دومة الجندل، فدعاهم إلى الإسلام فأَبَوْا ثلاثاً، ثم أسلم الأصبغ بن عمرو- ٤١٤ فصلٌ في النَّخَارُج وإن كانت الشَّرِكةُ فضةً، فأعطَوْه ذهباً، أو كانت ذهباً، فأعطَوْه فضةً : فهو كذلك. وإن كانتِ التركةُ ذهباً وفضةً وغيرَ ذلك، فصالحوه على ذهبٍ ..... قال: (وإن كانت التَّركةُ فضةً، فأعطَوْه ذهباً، أو كانت ذهباً، فأعطَوْه فضةً: فهو كذلك(١)). لأنه بيعُ الجنس بخلاف الجنس، فلا يُعتبرُ التساوي، ويُعتبرُ التقابضُ في المجلس؛ لأنه صَرْفٌ. غيرَ أن الذي في يده بقيةُ التركةِ إن كان جاحِداً: يَكتَفِي بذلك القبض؛ لأنه قَبْضُ ضمانٍ، فينوبُ عن قَبْضِ الصلح (٢)، وإن كان مقرّاً: فلا بدَّ من تجديدِ القبض؛ لأنه قَبْضُ أمانةٍ، فلا ينوبُ عن قَبْضِ الصلح (٣). قال: (وإن كانتِ التركةُ ذهباً وفضةً وغيرَ ذلك، فصالحوه على ذهبٍ الكلبي، وكان نصرانياً، وكان رأسَهم، فبعث عبد الرحمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فكتب إليه أن تزوج تماضِرَ بنتَ الأصبغ، فتزوج بها، وأقبل بها، وهي أم ولده أبي سلمة. وهكذا نقل في نصب الراية ١٣/٤ : عن ابن سعد في الطبقات ٢٩٩/٨ في ترجمة تُماضٍر أنه كان فيها سوء خلق، وكانت على تطليقتين من عبد الرحمن بن عوف، فطلقها الثالثة وهو في مرض موته، فورَّتُها عثمان منه بعد انقضاء العدة. وعدَّها ابن حجر في الإصابة ٢٥٥/٤ من الصحابيات رضي الله عنهن. (١) أي يجوز. (٢) وهو قبض ضمانٍ؛ لأنه مثله. (٣) لأنه أدنى منه. حاشية نسخة ٧٣٨هـ. ٤١٥ فصِلٌ في الثَّخَارُج أو فضة : فلا بدَّ أن يكون ما أعطَوْه أکثر من نصيبه من ذلك الجنس، حتى يكونَ نصيبُهُ بمثله، والزيادةُ بحَقَّه من بقية التركة. وإذا كان في التركةِ دَيْنٌ على الناس، فأدخلوه في الصلحِ على أن يُخرِجوا المُصالِحَ عنه، ويكونَ الدينُ لهم: فالصلحُ باطلٌ. وإن شرطوا أن يَرَأَ الغرماءُ منه، ولا يُرجَعُ عليهم بنصيب المصالِحِ :.. أو فضة: فلا بدَّ أن يكونَ ما أعطَوْه أكثرَ من نصيبه من ذلك الجنس، حتى يكونَ نصيبُه بمثلِه، والزيادةُ بحَقُّه من بقية التركة)؛ احترازاً عن الربا. ولا بدَّ من التقابضِ فيما يُقابِلُ نصيبه من الذهب والفضة؛ لأنه صَرْفٌ في هذا القَدْر. ولو كان بدلُ الصلحِ عَرْضاً: جاز مطلقاً؛ لعدم الربا. ولو كان في التركة دراهمُ ودنانيرُ، وبدلُ الصلح دراهمُ ودنانيرُ أيضاً: جاز الصلحُ كيفما كان؛ صَرْفاً للجنس إلى خلاف الجنس، كما في البيع، لكن يُشترطُ التقابضُ للصرف. قال: (وإذا كان في التركةِ دَيْنٌ على الناس، فأدخلوه (١) في الصلحِ على أن يُخرِجوا المُصالِحَ (٢) عنه، ويكونَ الدينُ لهم: فالصلحُ باطلٌ)؛ لأن فيه تمليكَ الدينِ مِن غير مَن عليه الدينُ، وهو حصةَ المصالِحِ. قال: (وإن شرطوا أن يَرَأَ الغرماءَ منه، ولا يُرجَعُ عليهم (٣) بنصيب المصالِحِ: (١) أي أدخل الورثة الدين في الصلح. (٢) بكسر اللام، كما في النسخ، والبناية ٣٦١/١٢، أي المصلِح عن الدين. (٣) أي ولا يَرجع أحدٌ من الورثة على الغرماء. ٤١٦ فصلٌ في التَّخَارُج فالصلحُ جائزٌ. فالصلحُ جائزٌ)؛ لأنه إسقاطٌ، أو هو تمليكُ الدينِ ممَّن عليه الدينُ، وهو جائزٌ، وهذه حيلةُ الجواز. وأخرى(١): أن يُعَجِّلوا قضاءَ نصيبه متبرِّعين. وفي الوجهَيَنْ ضَرَرٌ ببقية الورثة. والأوجهُ: أن يُقرِضوا المصالِحَ مقدارَ نصيبه من الدَّيْن، ويصالِحوا عمَّا وراءَ الدَّيْن، ويُحيلُهم على استيفاءِ نصيبه من الغرماء. ولو لم يكن في التركةِ دَيْنٌ، وأعيانُها غيرُ معلومةٍ، والصلحُ على المكيل والموزون: قيل: لا يجوزُ؛ لاحتمال الربا، وقيل: يجوزُ؛ لأنه شُبهةُ الشبهة. ولو كانتِ التركةُ غيرَ المكيل والموزون، لكنها أعيانٌ غيرُ معلومةٍ(٢): قيل: لا يجوز؛ لكونه بيعاً (٣)، إذِ المصالَحُ عنه عينٌ. والأصحُّ أنه يجوزُ؛ لأنها لا تُفضي إلى المنازعة؛ لقيام المصالَحِ عنه في يدِ البقية من الورثة. وإن كان على الميتِ دَيْنٌ مُستَغْرِقُ(٤): لا يجوز الصلحُ، ولا القسمةُ؛ (١) أي حيلةٌ أخرى. (٢) كالثياب. (٣) والجهالةُ فيه مانعةٌ، بخلاف الصلح عن الديون والحقوق المجهولة؛ لأنه إسقاط. حاشية نسخة ٧٣٨هـ. (٤) أي مستغرق جميع الترِكة. ٤١٧ فصلٌ في الثَّخَارُج لأن التركةَ لم يتملَّكْها الورثةُ. وإن لم يكن مستغرقاً: لا ينبغي أن يصالِحوا ما لم يَقْضُوا دَيْنَه، فتُقدَّمٌ(١) حاجةُ الميت. ولو فعلوا: قالوا (٢): يجوز. وذَكَرَ الكَرْخِيُّ رحمه الله في القسمة: أنها لا تجوزُ؛ استحساناً، وتجوزُ قياساً، والله تعالى أعلم. (١) وفي نُسخ: لتقدُّم. (٢) أي مشايخُ الحنفية رحمهم الله تعالى. ٤١٨ كتاب المُضاربة كتاب المُضاربة كتاب المُضاربة قال رحمه الله: المُضاربة: مشتقّةٌ من الضَّرْب في الأرض؛ سُمِّيَ بها(١)؛ لأنَّ المضاربَ يَستَحِقُّ الرِّبْحَ بسَعْيه وعملِهِ. وهي مشروعةٌ؛ للحاجة إليها، فإن الناسَ بين غنيٌّ بالمال، غِيٍّ عن التصرُّف فيه، وبين مُهتدٍ في التصرف، صِفْرِ اليدِ عنه، فمسَّتِ الحاجةُ إلى شَرْعِ هذا النوعِ من التصرُّفِ؛ لتنتظِمَ مصلحةُ الغَبِيِّ والذَّكِيِّ، والفقيرِ والغنيِّ. وبُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم والناسُ يباشرونه، فقرَّرَهم عليه(٢). (١) وفي نُسخ: به. باعتبار العقد، أي سُمِّ عقد المضاربة بهذه اللفظة. (٢) فعن السائب بن أبي السائب أن النبي صلى الله عليه وسلم شاركه قبل الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح جاءه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مرحباً بأخي وشريكي، كان لا يُداري، ولا يُماري)): مسند أحمد (١٥٥٠٥)، المستدرك (٢٣٥٧)، سنن أبي داود (٤٨٠٣)، وسكت عنه، سنن ابن ماجه (٢٢٨٣)، قال المنذري في اختصار سنن أبي داود ١٨٨/٧: ((قد اختلف في إسناده اختلافاً كثيراً). اهـ، وينظر نصب الراية ٤٧٤/٣، التلخيص الحبير ٤٩/٣. ومعنىُ: ((لا يُداري، ولا يماري)): أي سهلٌ في المعاملة، لا يخالِفُ، ولا يمانعُ، ولا یجادِلُ، ولا یخاصِمُ. ** وينبه هنا إلى أن الزيلعي في نصب الراية ١١٣/٤ (كتاب المضاربة) بيَّض = ٤١٩ كتاب المُضاربة المضاربةُ: عَقْدٌ على الشركة بمال من أحدِ الجانبَيْن، والعملِ من الجانبِ الآخَرِ . وتعاملتْ به الصحابةُ(١) رضي الله عنهم. ثم المدفوعُ إلى المضارِبِ أمانةٌ في يده؛ لأنه قَبَضَه بأمرِ مالكِهِ، لا على وجه البدل والوثيقة. وهو وكيلٌ فيه؛ لأنه يتصرَّفُ فيه بأمرِ مالِكِهِ، وإذا رَبِحَ: فهو شريكٌ فيه؛ لتملّكِهِ جزءاً من المال بعمله، وإذا فَسَدَتْ: ظهرتِ الإجارةَ، حتى استوجبَ العاملُ أجرَ مثلِه. وإذا خالف(٢): كان غاصباً؛ لوجود التعدِّي منه على مالٍ غيره. قال: (المضاربةُ: عَقْدٌ على الشركة بمالِ من أحدِ الجانبَيْن). ومرادُه: الشركةُ في الربح، وهو يُستَحَقُّ بالمال من أحدِ الجانبَيْن. (والعملِ من الجانبِ الآخَرٍ)، ولا مضاربةَ بدونها(٣). ألا ترى أن الربحَ لو شُرِطَ كلُّه لربِّ المال: كان بِضاعةً(٤)، ولو شُرِطَ لتخريج تقريره صلى الله عليه وسلم، ولم يُخرِّجه، مع أنه في أول كتاب الشركة ٤٧٤/٣، خرَّجه وكذلك فعل ابن حجر في الدراية ١٨١/٢ فقال عن التقرير: لم أجده، مع أنه خرَّجه في الدراية ٢/ ١٤٤ أول كتاب الشركة. (١) ينظر لهذه الآثار نصب الراية ١١٣/٤، وعزاها للموطأ ٦٨٧/٢ وغيره. (٢) أي المضارب. (٣) أي بدون الشركة. (٤) أي دَفْعُ المال للغير ليعمل به متبرِّعاً بدون عوض. المصباح المنير (بضع)، حاشية أبي السعود على منلا مسكين على الكنز ١٨٩/٣، العناية ٤١٦/٧. ٤٢٠ كتاب المُضاربة ولا تصحُّ إلا بالمال الذي تصحُّ به الشركةُ. ومِن شَرْطِها: أن يكونَ الربحُ بينهما مُشاعاً، لا يَستَحِقُّ أحدُهما دراهمَ مسمَّةً من الرِّبْحِ. جميعُه للمضارب: كان قَرْضاً. قال: (ولا تصحُّ إلا بالمال الذي تصحُّ به الشركةُ). وقد تقدّم بیانُه من قبل. ولو دَفَعَ إليه عَرْضاً، وقال: بِعْهُ، واعمَلْ مضاربةً في ثمنه: جاز؛ لأنه يَقبلُ الإضافةَ؛ من حيث إنه توكيلٌ وإجارةٌ، فلا مانعَ من الصحة. وكذا إذا قال له: اِقِبِضْ ما لي على فلانٍ، واعمَلْ به مضاربةً: جاز؛ لِمَا قلنا. بخلاف ما إذا قال: اعمَلْ بالدَّيْن الذي لي في ذِمَّتَكَ، حيث لا تصحّ المضاربة؛ لأن عند أبي حنيفة رحمه الله لا يصحُّ هذا التوكيل، على ما مَرَّ في البيوع. وعندهما: تصحُّ، لكنْ يقعُ الملكُ في المشترَى للآمِرِ، فيصيرُ مضاربةً بالعَرْض. قال: (ومِن شَرْطِها: أن يكونَ الربحُ بينهما مُشاعاً، لا يَستَحِقُّ أحدُهما دراهمَ مسمَّةً من الرِّبْحَ(١))؛ لأن شَرْطَ ذلك يَقطعُ الشركةَ بينهما، ولا بدَّ منها، كما في عقد الشركة. (١) قوله: من الربح: مثبتٌ في نُسَخٍ، دون أخرى، وينظر البناية ٣٧١/١٢.