Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
باب التحالف
وإن كان أحدُهما مملوكاً : فالمتاعُ للحرِّ في حالةِ الحياة.
وللحيِّ : بعدَ الممات.
وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : العبدُ المأذونُ له في التجارة،
والمكاتَبُ: بمنزلة الحُرِّ.
قال: (وإن كان أحدُهما مملوكاً: فالمتاعُ للحرِّ في حالةِ الحياة)؛ لأن
يدَ الحرِّ أقوى.
(وللحيِّ: بعدَ الممات)؛ لأنه لا يدَ للميت، فخَلَتْ يدُ الحيِّ عن
المُعارض، (وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: العبدُ المأذونُ له في التجارة، والمكاتَبُ: بمنزلة الحُرِّ)؛ لأن
لهما يداً معتبرَةً في الخصومات، والله تعالى أعلم.

٣٠٢
فصل
فصل
فيمَن لا يكون خَصْماً
وإن قال المدَّعى عليه: هذا الشيءُ أَوْدَعَنِيْهِ فلانٌ الغائبُ، أو رَهَنَه
عندي، أو غَصَبْتُه منه، وأقام بيِّنَةً على ذلك: فلا خصومةً بينه وبين
المدِّعي.
فصلٌ
فيمَن لا يكون خَصْماً
قال: (وإن قال المدَّعى عليه: هذا الشيءُ أَوْدَعَنِيْه فلانٌ الغائبُ، أو
رَهَنَه عندي، أو غَصَبْتُه منه، وأقام بيِّنةً على ذلك: فلا خصومةَ بينه وبين
المدِّعي).
وكذا إذا قال: آجَرَنِيْه، وأقام البينةَ على ذلك؛ لأنه أثبت ببيِّنِتِه أن يدَه
ليست بيدٍ خصومةٍ.
وقال ابنُ شُبْرُمَةٍ(١) رحمه الله: لا تندفعُ الخصومةُ؛ لأنه تعذَّرَ إثباتُ
الملكِ للغائب؛ لعدم الخصمِ عنه، ودَفْعُ الخصومةِ: بناءً عليه.
قلنا: مقتضى البينةِ شيئان: ثبوتُ الملكِ للغائب، ولا خصمَ فیه، فلم
يثبت، ودَفْعُ خصومةِ المدعي، وهو خصمٌ فيه، فيثبتُ، وهو كالوكيل
(١) عبد الله بن شبرمة، الإمام الشهير، فقيه العراق، ت١٤٤ هـ.

٣٠٣
فيمَن لا يكون خَصْماً
بنقل المرأة، وإقامتِها البينةَ على الطلاق، كما بيًَّا من قبل(١).
ولا تندفعُ بدون إقامةِ البينة، كما قال ابنُ أبي ليلى رحمه الله(٢)؛ لأنه
صار خصماً بظاهر يده، فهو بإقراره يُريدُ أن يُحوِّلَ حقّاً مستَحَقًّا على نفسه،
فلا يُصدَّقُ إلا بالحجة، كما إذا ادعى تحوُّلَ الدَّيْن من ذمته إلى ذمة غيره.
وقال أبو يوسف رحمه الله آخِراً: إن كان الرجلُ صالحاً: فالجوابُ كما
قلناه(٣)، وإن كان معروفاً بالحِيَل(٤): لا تندفعُ عنه الخصومةُ؛ لأن المُحتالَ
من الناس قد يَدفعُ مالَه(٥) إلى مسافرِ يودِعُهُ إياه، ويُشهِدُ عليه الشهودَ،
فيَحتالُ لإبطال حَقٍّ غيرِهِ، فإذا اتهمه القاضي به: لا يقبلُه.
ولو قال الشهودُ: أَوْدَعَه رجلٌ لا نعرِفُه: لا تندفعُ عنه الخصومةُ؛
لاحتمال أن يكونَ المودِعُ(٦) هو هذا المدعي.
ولأنه ما أحاله إلى معيَّنِ يُمكنُ للمدعي اتَّبَاعُه، فلو اندفعت: لتضرَّر
به المدعي.
(١) في باب الوكالة بالخصومة والقبض.
(٢) محمد بن عبد الرحمن، الإمام الفقيه الشهير، ت١٤٨ هـ.
(٣) أي تندفع عنه الخصومة بإقامة البينة.
(٤) أي الحِيَل المحرَّمة.
(٥) أي الذي غصبه من إنسان.
(٦) وفي نُسخِ نفيسةٍ أيضاً: المودَع، والأكثر بكسر الدال.

٣٠٤
فيمَن لا يكون خَصْماً
وإن قال : ابتَعتُه من الغائب: فهو خصمٌ.
وإن قال المدَّعي : غصبتَه مني، أو سرقتَه مني : لا تندفعُ.
٠٠
ولو قالوا: نعرِفُه بوجهه، ولا نعرِفُه باسمه ونَسَبَه: فكذا الجوابُ عند
محمد رحمه الله؛ للوجه الثاني.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: تندفعُ؛ لأنه أثَبَتَ ببيِّنِه أن العَيْنَ وَصَلَت
إليه من جهة غيرِه(١)، حيث عَرَفَه الشهودُ بوجهه.
بخلاف الفصل الأول(٢)، فلم تكن يدُهُ يدَ خصومةٍ، وهو المقصودُ،
والمدعي هو الذي أضرَّ بنفسه، حيث نسيَ خصمه، أو أضرَّه شهودُه(٣)،
دون المدَّعی علیه.
وهذه المسألةُ مخمَّسَةُ كتاب الدعوى، وقد ذكرنا الأقوالَ الخمسةَ(٤
بتوفيق الله تعالی.
قال: (وإن قال(٥): ابتَعتُه من الغائب: فهو خصمٌ)؛ لأنه لَمَّا زَعَمَ أن
يدَه يدُ ملكٍ: فقد اعترف بكونه خصماً.
قال: (وإن قال المدَّعي: غصبتَه مني، أو سرقتَه مني: لا تندفعُ
(١) أي غير المدعي.
(٢) وهو ما إذا قال الشهود: أودعه رجلٌ لا نعرفه أصلاً. البناية ١٢ /١٩٨.
(٣) أي شهود المدعى عليه. وفي نُسخ: أضرَّ به شهودُه.
(٤) أي هنا، وذلك لعلمائنا الثلاثة، ولابن أبي ليلى، ولابن شُبرمة رحمهم الله.
(٥) أي ذو الید.

٣٠٥
فيمَن لا يكون خَصْماً
الخصومةُ وإن أقام ذو اليدِ البينةَ على الوديعة.
وإن قال المدَّعي : سُرِقَ مني، وقال صاحبُ اليد : أَوْدَعَنْه فلانَ،
وأقام البينةَ على ذلك: لم تندفعِ الخصومةُ.
وإن قال المدَّعي : ابتَعتُه من فلانٍ، وقال صاحبُ اليد: أَوْدَعَنِيه ....
الخصومةُ وإن أقام ذو اليدِ البينةَ على الوديعة)؛ لأنه إنما صار خصماً
بدعوى الفعل علیه، لا بیدِه.
بخلافِ دعوى الملكِ المطلَقِ؛ لأنه خصمٌ فیه؛ باعتبار يده، حتى لا
تصحُّ دعواه على غيرِ ذي اليد، وتصحّ دعوى الفعل عليه.
قال: (وإن قال المدَّعي: سُرِقَ مني، وقال صاحبُ اليد: أَوْدَعَنِيْه
فلانٌ، وأقام البيئةَ على ذلك: لم تندفعِ الخصومةُ(١))، وهذا قولُ أَبَي
حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وهذا استحسان.
وقال محمدٌ رحمه الله: تندفعُ؛ لأنه لم يدَّعِ الفعلَ عليه، فصار كما إذا
قال: غُصِبَ مني، على ما لم يُسَمَّ فاعلُه.
ولهما: أنَّ ذِكْرَ الفعلِ يَستدعي الفاعلَ، لا محالةَ، والظاهرُ أنه هو
الذي في يده، إلا أنه لم يُعيِّنْه؛ دَرْءاً للحدِّ؛ شفقةً عليه، وإقامةً لحِسْبة
السَّتْر، فصار كما إذا قال: سَرَقْتَ.
بخلاف الغصب؛ لأنه لا حَدَّ فيه، فلا يُحترَزُ عن کَشْفِه.
قال: (وإن قال المدَّعي: ابتَعتُه من فلانٍ، وقال صاحبُ اليد: أَوْدَعَنيه
(١) أي عنه.

٣٠٦
فيمَن لا يكون خَصْماً
فلانٌ ذلك : سَقَطَتِ الخصومةُ بغير بيِّنةٍ .
فلانٌ ذلك: سَقَطَتِ الخصومةُ بغير بيِّنَةٍ)؛ لأنهما توافقا على أن أصلَ
الملكِ فیه لغيره، فیکونُ وصولها إلى یدِ ذي الید من جهته، فلم تکن یدُه
يدَ خصومةٍ، إلا أنْ يُقيمَ البينةَ أن فلاناً وكَّله بقَبْضه؛ لأنه أثبت ببيِّنته كونَه
أحقَّ بإمساكها، والله تعالى أعلم.

باب
٣٠٧
باب
ما يدَّعيه الرَّجُلان
وإذا ادَّعى اثنان عيناً في يدِ آخَرَ، كلَّ واحدٍ منهما يَزْعُمُ أنها له،
وأقاما البيِّةَ : قُضِيَ بها بينهما نصفان.
باب
ما يدَّعيه الرَّجُلان
قال: (وإذا ادَّعى اثنان عيناً في يدِ آخَرَ، كلُّ واحدٍ منهما يَزْعُمُ أنها
له، وأقاما البيِّنَةَ: قُضِيَ بها بينهما نصفان(١)).
وقال الشافعي(٢) رحمه الله في قول: تهاتَرَتًا.
وفي قولٍ: يُقْرَعُ بينهما؛ لأن إحدىُ البَيِّنْتَيْن كاذبةً بيقين؛ لاستحالة
اجتماعِ المِلْكَيْن في الكلِّ في حالةٍ واحدةٍ، وقد تعذّر التمييزُ، فتتهاتران.
أو يُصارُ إلى القُرعة؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام أقرع فيه(٣)،
وقال: ((اللهمَّ أنتَ الحَكَمُ بينهما))(٤).
(١) لفظ: نصفان: مثبتٌ في نسخة السليمانية برقم ٦٤٤، وفي بداية المبتدي
ص٥١٧.
(٢) الأم ٢٤٨/٦.
(٣) أي في مثل هذه الحادثة. حاشية نسخة ٧٩٧هـ.
(٤) المعجم الأوسط للطبراني (٣٩٨٥)، وإسناده حسن، كما في الدراية ١٧٨/٢.

٣٠٨
ما يدّعيه الرَّجُلان
فإن ادَّعى كلّ واحدٍ منهما نكاحَ امرأةٍ، وأقاما البِّنَةَ: لم يُقْضَ بواحدةٍ
من البَيِّتَيْن، ويُرجَعُ إلى تصديقِ المرأةِ لأحدِهما.
ولنا: حديثُ تَمِيمٍ بنٍ طَرَفَةَ الطائيّ(١): أن رجلَيْن اختصما إلى رسول
الله عليه الصلاة والسلام في ناقةٍ، وأقام كلّ واحدٍ منهما البيِّنةَ، فقضى بها
93
بينهما نصفَيْن(٢).
وحديثُ القُرْعة كان في ابتداء الإسلام، ثم نُسِخَ(٣).
ولأن المطلِقَ للشهادة في حَقِّ كلِّ واحدٍ منهما مُحتمِلُ الوجود، بأنْ
يَعتمدَ أحدُهما سببَ الملك، والآخَرُ اليدَ، فصحَّتِ الشهادتان، فيجبُ
العملُ بهما ما أمكنَ، وقد أمكنَ بالتنصيف، إذِ المَحَلَّ يقبَلُه.
وإنما يُنَصَّفُ: لاستوائهما في سبب الاستحقاق.
قال: (فإن ادَّعى كلّ واحدٍ منهما نكاحَ امرأةٍ، وأقاما البيِّنَةَ: لم يُقْضَ
بواحدةٍ من البَيِّنْتَيْن)؛ لتعذّر العملِ بهما؛ لأن المَحَلَّ لا يقبلُ الاشتراكَ.
قال: (ويُرجَعُ إلى تصديقِ المرأةِ لأحدِهما)؛ لأنَّ النكاحَ مما يُحكَمُ
به بتصادق الزوجَيْن، وهذا إذا لم تُؤْقَّتِ البِّنتان، فأما إذا وُقُتْنَا: فصاحبُ
الوقتِ الأول أولى.
(١) وهو تابعيٌّ، روايةً عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. حاشية سعدي.
(٢) السنن الكبرى للنسائي (٥٩٥٤)، شرح مشكل الآثار (٤٧٥٦)، الدراية
١٧٨/٢.
(٣) قال في الدراية ١٧٨/٢: تلقاه عن الطحاوي - شرح معاني الآثار ٣٨١/٤ -
ولم يُقم على ذلك دليلاً مقبولاً.

٣٠٩
ما يدَّعيه الرَّجُلان
ولو تفرَّد أحدُهما بالدعوى، والمرأةُ تجحُدُ، فأقام البَيِّنَةَ، وقضى
القاضي له بها، ثم ادَّعى آخَرُ، وأقام البينةَ على مثل ذلك: لا يُحكَمُ بها.
ولو ادَّعىُ اثنان كلّ واحدٍ منهما أنه اشترى منه هذا العبدَ،. وأقاما
البينةَ: فكلَّ واحدٍ منهما بالخيار: إن شاء أَخَذَ نصفَ العبدِ بنصف الثمن،
وإن شاء تَرَكَ.
وإن أَقَرَّتْ لأحدِهما قبلَ إقامةِ البينة: فهي امرأتُه؛ لتصادقهما.
وإن أقام الآخَرُ البَيِّنَةَ: قُضِيَ بها؛ لأن البينةَ أقوى من الإقرار.
قال: (ولو تفرَّد أحدُهما بالدعوىُ، والمرأةُ تجحُدُ، فأقام البيَِّةَ،
وقضى القاضي له بها، ثم ادَّعىُ آخَرُ، وأقام البينةَ على مثل ذلك: لا
يُحكَمُ بها)؛ لأن القضاءَ الأوَّلَ قد صحَّ، فلا يُنقَضُ بما هو مثلُه، بل دونَه.
إلا أنْ يُؤقِّتَ شهودُ الثاني سابقاً؛ لأنه ظَهَرَ الخطأُ في الأول بيقينِ.
وكذا إذا كانتِ المرأةُ في يدِ الزوج، ونكاحُه ظاهرٌ: لا تُقبلُ بينةُ
الخارجِ إلا علىُ وَجْهُ السَّبْق.
قال: (ولو ادَّعى اثنان كلّ واحدٍ منهما أنه اشترى منه هذا العبدَ)،
معناه: من صاحب اليد، (وأقاما البينةَ: فكلٌ واحدٍ منهما بالخيار: إن شاء
أَخَذَ نصفَ العبدِ بنصف الثمن، وإن شاء تَرَكَ).
لأن القاضي يقضي به بينهما نصفَيْن؛ لاستوائهما في البَيِّئتين(١)، فصارا
كالفُصولِيَّيْن إذا باع كلّ واحدٍ منهما من رَجُلٍ، وأجاز المالكُ البيعَيْن: يُخيَّر
كلّ واحدٍ منهما؛ لأنه تغيَّرَ عليه(٢) شَرْطُ عَقْدِهِ، فلعلَّ رغبتَه في
(١) وفي نُسخ: في السبب.
(٢) أي على المشتري.

٣١٠
ما يدَّعيه الرَّجُلان
فإن قضى القاضي بالعبد بينهما، فقال أحدُهما: لا أختارُ: لم يكن
للآخَر أن يأخذَ جميعَه.
ولو ذَكَرَ كلُّ واحدٍ منهما تاريخاً : فهو للأول منهما.
ولو وَقَّتَ أحدُهما، ولم يُؤْقَّتِ الآخَرُ: فهو لصاحب الوقت.
تملُّك الكلِّ، فَيَرُدُّه، ويأخذُ كلَّ الثمنِ لو أراد.
قال: (فإن قضى القاضي بالعبد بينهما، فقال أحدُهما: لا أختارُ: لم
يكن للآخَرَ(١) أن يأخذَ جميعَه)؛ لأنه صار مقضيًاً عليه في النصف، فانفسخ
البيعُ فيه، وهذا لأنه خصمٌ فيه؛ لظهور استحقاقه بالبينة لولا بينةُ صاحبه.
بخلاف ما لو قال ذلك قبلَ تخيير القاضي، حيث يكونُ له أن يأخذَ
الجميعَ؛ لأنه يدعي الكلّ، ولم يُفْسَخْ سببُه بعدُ، والعَوْدُ إلى النصف
للمزاحمة، ولم توجد.
ونظيرُهُ: تسليمُ أحدِ الشفيعَيْن قبلَ القضاء، ونظيرُ الأول: تسليمُه بعد القضاء.
قال: (ولو ذَكَرَ كلَّ واحدٍ منهما تاريخاً: فهو للأول منهما)؛ لأنه أثبتَ
الشراء في زمانٍ لا ينازِعُه فيه أحدٌ، فاندفَعَ الآخَرُ به.
قال: (ولو وَقَّتَ أحدُهما، ولم يُؤقّتِ الآخَرُ(٢): فهو لصاحب
الوقت)؛ لثبوت مِلْكِهِ في ذلك الوقت، واحتمل الآخَرُ أن يكون قبلَه أو
بعده، فلا يُقضى له بالشك.
(١) وفي نُسخ: لأحدهما. قلت: والمعنى واحدٌ.
(٢) وفي نُسخ: ولو وُقُّتتْ إحداهما، ولم تُؤقَّتِ الأخرى.

٣١١
ما يدَّعيه الرَّجُلان
وإن لم يذْكَرَا تاريخاً، ومع أحدِهما قَبْضٌ: فهو أَوْلى.
وإن ادَّعى أحدُهما شراءً، والآخَرُ هبةً وقَبْضاً، وأقاما البيّنةً، ولا تاريخَ
معهما : فالشراءُ أَوْلىُ.
(وإن لم يذْكَرَا تاريخاً، ومع أحدِهما قَبْضٌ: فهو أَوْلِى)، ومعناه: أنه
في يده؛ لأنّ تمكَّنَه من قَبْضِهِ: يدلَّ على سَبْق شرائه.
ولأنهما استويا في الإثبات، فلا تُنْقَضُ اليدُ الثابتةُ بالشك.
وكذا لو ذَكَرَ الآخَرُ وقتاً؛ لِمَا بَيَّنَا، إلا أن يشهدوا أن شراءَه كان قبلَ
شراءِ صاحبِ اليد؛ لأن الصريحَ يفوقُ الدلالةَ.
قال: (وإن ادَّعى أحدُهما شراءً، والآخَرُ هبةً وقَبْضاً)، معناه: من
واحدٍ، (وأقاما البيَِّةَ، ولا تاريخَ معهما: فالشراءَ أَوْلِى)؛ لأن الشراء
ـو
أقوى؛ لكونه معاوَضةً من الجانبَيْن.
ولأنه يُثبِتُ الملكَ بنفسه، والملكُ في الهبة يتوقَّف على القبض.
و
وكذا الشراءَ والصدقةُ مع القبض؛ لِمَا بيَّنَّا.
والهبةُ والقبضُ، والصدقةُ مع القبض: سواءً، حتى يُقضَى بينهما؛
الاستوائهما في وجه التبرع، ولا ترجيحَ باللزوم؛ لأنه يَرجِعُ إلى المآل،
والترجيحُ بمعنىَّ قائمٍ في الحال، وهذا فيما لا يَحتملُ القسمةَ صحيحٌ.
وكذا فيما يحتملُها عند البعض؛ لأن الشيوعَ طارئٌ.
وعند البعض: لا يصحُّ؛ لأنه تنفيذُ الهبةِ في الشائع، وصار كإقامة
البَيِّنْتَيْن على الارتهان، وهذا أصحُّ.

٣١٢
ما يدّعيه الرَّجُلان
وإذا ادَّعىُ أحدٌ الشراءَ منه، وادَّعتْ امرأةٌ أنه تزوَّجها عليه : فهما سواء.
وإن ادَّعى أحدُهما رهناً وقَبْضاً، والآخَرُ هبةً وقَبْضاً، وأقاما البيّنةَ :
فالرهن أَوْلىُ .
قال: (وإذا ادَّعى(١) أحدٌ(٢) الشراءَ منه(٣)، وادَّعتْ امرأةٌ أنه تزوَّجها
عليه (٤): فهما سواءٌ (٥))؛ لاستوائهما في القوة، فإن كلَّ واحدٍ منهما (٦)
عقدُ معاوضةٍ يُثبتُ الملكَ بنفسه(٧)، وهذا عند أبي يوسف رحمه الله.
وقال محمدٌ رحمه الله: الشراءَ أَوْلِىُ، ولها على الزوج القيمةُ؛ لأنه
أمكن العملُ بالبَيِّتَيْن بتقديم الشراء، إذِ التزوَّجُ على عينِ مملوكةٍ للغير
صحيحٌ، وتجبُ قيمتُهُ(٨) عند تعذّر تسلیمِهِ.
قال: (وإن ادَّعى أحدُهما رهناً وقَبْضاً، والآخَرُ هبةً وقَبْضاً، وأقاما
البِّنَةَ: فالرهنُ أَوْلِى)، وهذا استحسانٌ.
وفي القياس: الهبةُ أَوْلِى؛ لأنها تُثبتُ الملكَ، والرهنُ لا يُثبتُه.
(١) أي ادعى أحدهما شراء العبد، وأقام كلّ منهما البينة.
(٢) وفي نُسخ: أحدُهما، وفي نُسخ: رجلٌ.
(٣) لفظ: منه: مثبتٌ في نسخة ٩٨١هـ، أي من ذي اليد، كما شرح لفظ:
الشراء: سعدي في حاشيته على الهداية.
(٤) أي العبد. البناية ١٢ / ٢١٠.
(٥) فيُقضى بالعبد بينهما نصفين.
(٦) أي كلّ من عقد الشراء والتزوج.
(٧) ولا يتوقف على القبض.
(٨) أي قيمة العبد.

٣١٣
ما يدّعيه الرَّجُلان
وإن أقام الخارجان البِّنةَ على الملكِ والتاريخ: فصاحبُ التاريخ
الأقدم أَوْلىُ.
ولو ادَّعيا الشراءَ من واحدٍ وأرَّخا، وأقاما البينةَ على التاريخَيْن :
فالأولُ أَوْلىُ.
وإن أقام كلُّ واحدٍ منهما البينةَ على الشراءِ من آخَرَ، وذَكَرًا تاريخاً:
فهما سواء.
وَجْهُ الاستحسانِ: أن المقبوضَ بحكم الرهن: مضمونَ، وبحكم
الهبة: غيرُ مضمونٍ، وعقدُ الضمانِ أقوىُ(١).
بخلاف الهبةِ بشرطِ العوض؛ لأنه بيعٌ انتهاءَ، والبيعُ أَوْلى من الرهن؛
لأنه عقدُ ضمانٍ يُثبتُ الملكَ صورةً ومعنىً، والرهنُ لا يُثبتُه، إلا عند
الهلاك معنىً، لا صورةً، فكذا الهبةُ بشرط العوض.
قال: (وإن أقام الخارجان البيِّنةَ على الملكِ والتاريخ: فصاحبُ التاريخ
الأقدمِ أَوْلِىُ)؛ لأنه أثبتَ أنه أولُ المالكَيْن، فلا يُتلقَّى الملكُ إلا من
جهته، ولم يَتَلقَّ الآخَرُ منه الملكَ.
قال: (ولو ادَّعيا الشراءَ من واحدٍ)، معناه: من غير صاحبِ اليد،
(وأرَّخا، وأقاما البينةَ على التاريخَيْنِ: فالأولُ أَوْلِى)؛ لِمَا بَيَّنَّا أنه أثبتَه في
وقتٍ لا مُنَازِعَ له فیه.
قال: (وإن أقام كلّ واحدٍ منهما البينةَ على الشراءِ من آخَرَ، وذَكَرَا
تاريخاً: فهما سواءٌ)؛ لأنهما يُثبتان الملكَ لبائعَيْهما، فيصيرُ كأنهما حَضَرَاً،
(١) وفي نُسخ: أولى.

٣١٤
ما يدَّعيه الرَّجُلان
ولو وَقَّتَتْ إحدى البَيِّتَيْن وقتاً، ولم تُؤَقِّتِ الأخرى : قُضِيَ بينهما
نصفَیْن.
ولو ادَّعى أحدُهم الشراءَ من رجلٍ، والآخَرُ الهبةَ والقبضَ من غيره،
والثالثُ الميراثَ من أبيه، والرابعُ الصدقةَ والقبضَ من آخَر، وأقاموا
البيئةَ: قُضِيَ بينهم أرباعاً.
وإن أقام الخارجُ البينةَ علىْ مِلْكٍ مؤرَّخٍ، وصاحبُ اليدِ بينةً على مِلْكٍ
أقدمَ تاريخاً : كان أَوْلى.
ثم يُخيَّرُ كلّ واحدٍ منهما، كما ذكرنا من قبل.
قال: (ولو وَقَّتَتْ إحدىُ البَيِّتَيْن وقتاً، ولم تُؤَقِّتِ الأخرىُ: قُضِيَ
بينهما نصفَيْن)؛ لأن توقيتَ إحداهما لا يدلّ على تقدُّم الملكِ؛ لجواز أن
يكون الآخَرُ أقدمَ.
بخلاف ما إذا كان البائعُ واحداً؛ لأنهما اتَّفقا على أنَّ الملكَ لا يُتلقَّى
إلا من جهته، فإذا أثبتَ أحدُهما تاريخاً: يُحكَمْ به، حتى يُتَبَيَّنَ أنه تقدَّمه
شراءُ غيرِهِ.
قال: (ولو ادَّعىُ أحدُهم الشراءَ من رجلٍ، والآخَرُ الهبةَ والقبضَ من
غيره، والثالثُ الميراثَ من أبيه، والرابعُ الصدقةَ والقبضَ من آخَر،
وأقاموا البينةَ: قُضِيَ بينهم أرباعاً)؛ لأنهم يَتَلَقَّوْن الملكَ من باعَتِهِم،
فُيُجعلُ كأنهم حَضَروا، وأقاموا البينةَ علىُ المِلكِ المطلَق.
قال: (وإن أقام الخارجُ البينةَ علىُ مِلْكٍ مؤرَّخٍ، وصاحبُ اليدِ بينةً
علىُ مِلْكٍ أقدمَ تاريخاً: كان أَوْلِى)، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف
رحمهما الله، وهو روايةٌ عن محمدٍ رحمه الله.

٣١٥
ما يدَّعيه الرَّجُلان
.
وعنه(١): أنه لا تُقبلُ بينةُ ذي اليدِ، رَجَعَ (٢) إليه؛ لأن البَيِّنَتَيْن قامتا
علىْ مطلَقِ الملك، ولم يتعرَّضا لجهة الملك، فكان التقدمُ والتأخُّر سواءً.
ولهما: أن البيّنةَ مع التاريخ متضمِّنّةٌ معنى الدفع، فإن الملكَ إذا ثبت
لشخص في وقتٍ: فثبوتُه لغيره بعده لا يكون إلا بالتلقّي من جهته، وبينةٌ
ذي اليد على الدفع مقبولةٌ.
وعلى هذا الخلاف: لو كانتِ الدارُ في أيديهما، والمعنى ما بيَّنَّاه.
ولو أقام الخارجُ وذو اليدِ البينةَ على ملكٍ مطلَقٍ، ووَقَّتَتْ إحداهما
دون الأخرى: فعلى قول أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله بيِّنَةُ الخارجُ أَوْلى.
وقال أبو يوسف رحمه الله وهو روايةٌ عن أبي حنيفة رحمه الله:
صاحبُ الوقت أَوْلى؛ لأنه أقدمُ تاريخاً، وصار كما في دعوى الشراءِ إذا
أُرِّخَتْ إحداهما: كان صاحبُ التاريخ أولی.
ولهما: أن بينةَ ذي اليدِ إنما تُقَبلُ: لتضمُّنُها معنى الدفع، ولا دَفْعَ
ها هنا، حيث وقع الشكُّ في التلقّي من جهته.
وعلى هذا: إذا كانتِ الدارُ في أيديهما ولو كانت في يدِ ثالثٍ،
والمسألةُ بحالها: فهما سواء عند أبي حنيفة رحمه الله.
(١) أي عن محمد رحمه الله. البناية ٢١٥/١٢.
(٢) أي رجع محمد رحمه الله إلى أنه لا تُقبل بينة ذي اليد ثانياً من الأول. حاشية
نسخة ٩٨١هـ.

٣١٦
ما يدَّعيه الرَّجُلان
وإن أقام الخارجُ وصاحبُ اليدِ كلِّ واحدٍ منهما بيِّنةً بالنِّتاج : فصاحبُ
اليد أَوْلى.
وقال أبو يوسف رحمه الله: الذي وَقَّتَ أَوْلى.
وقال محمدٌ رحمه الله: الذي أطلَقَ أَوْلِىُ؛ لأنه ادَّعىُ(١) أوَّلِيَّةَ الملك،
بدليل استحقاقِ الزوائد، ورجوعِ الباعةِ بعضِهم على البعض.
ولأبي يوسف رحمه الله: أن التاريخَ يوجِبُ الملكَ في ذلك الوقت
بيقينٍ، والإطلاقُ يَحتملُ غيرَ الأولية، والترجيحُ بالتيقْن؛ كما لو ادَّعيا
الشراء.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن التاريخَ يُضامُّه(٢) احتمالُ عدم التقدُّمِ،
فسقط اعتبارُه، فصار كما لو أقاما البينةَ على ملكٍ مطلَقٍ.
بخلاف الشراء؛ لأنه أمرٌ حادِثٌ، فيُضافُ إلى أقرب الأوقات،
فیترجَّحُ جانبُ صاحبِ التاريخ.
قال: (وإن أقام الخارجُ وصاحبُ اليدِ كلّ واحدٍ منهما بيِّنةً بالنِّتاج:
فصاحبُ اليد أَوْلِى)؛ لأن البينةَ قامت على ما لا تدلّ عليه اليدُ، فاستوتا،
وترجَّحت بينةُ ذي اليدِ باليد، فيُقضى له، وهذا هو الصحيحُ.
خلافاً لِمَا يقولُه عيسى بن أَبَان(٣) رحمه الله: إنه تتهاتُرُ البَيِّنتان، ويُتركُ
في يده، لا على طريق القضاء.
(١) وفي نُسخ: لأنه دعوى أولية الملك.
(٢) أي يُزاحِمُه.
(٣) الإمام القاضي، من كبار فقهاء الحنفية، تلميذ محمد بن الحسن، ت٢٢١هـ.

٣١٧
ما يدَّعيه الرَّجُلان
ولو أقام أحدُهما البينةَ على الملكِ المطلَق، والآخَرُ على النّتاج:
فصاحبُ النِّتاجِ أَوْلِىُ، أيُّهما كان.
ولو قُضيَ بالنِّتاج لصاحب اليد، ثم أقام ثالثُ البَيِّنَةَ على النِّتاج:
يُقضى له، إلا أنْ يُعیدها ذو الید.
وكذا المَقْضِيُّ عليه بالملك المطلَق، إذا أقام البيَِّةَ على النِّتاج: تُقبلُ
بينتُه، ويُنْقَضُ القضاءُ.
ولو تلقَّىُ كلُّ واحدٍ منهما الملكَ من رجلٍ، وأقام البينةَ علىُ النّتاج
عنده: فهو بمنزلة إقامتِها على النِّتاج في يدِ نفسِهِ؛ لِمَا ذكرنا.
قال: (ولو أقام أحدُهما البينةَ على الملكِ المطلَق، والآخَرُ على
النِّتاج: فصاحبُ النِّتاج أَوْلى، أيُّهما كان)؛ لأنَّ بيِّنْتَه قامت على أوَّلِيَّة
الملك، فلا يَثبتُ الملكَ للآخَر إلا بالتلقّي من جهته.
وكذا إذا كانتِ الدعوىُ بين خارِجَيْن: فبيِّنْهُ النَّتَاجِ أَوْلِىُ؛ لِمَا ذكرنا.
قال: (ولو قُضيَ بالنِّتاج لصاحب اليد، ثم أقام ثالثُ البِّنَةَ على النِّتاج:
يُقْضَى له، إلا أنْ يُعيدَها ذو اليد)؛ لأن الثالثَ لم يَصِرْ مقضيّاً عليه بتلك
القضية.
قال: (وكذا المَقْضيُّ عليه بالملك المطلَق، إذا أقام البيّنةَ على النِّتاج:
تُقبلُ بينتُه، ويُنقَضُ القضاء)؛ لأنه بمنزلة النصِّ، والأولُ(١) بمنزلة
الاجتهاد.
(١) أي القضاء الأول. البناية ٢١٩/١٢.

٣١٨
ما يدَّعيه الرَّجُلان
وكذلك النَّسْجُ في الثيابِ التي لا تُنسَجُ إلا مرةً واحدةً.
وكذلك كلُّ سببٍ في الملك لا يتكرَّر.
ولو (١) تلقى كلّ واحدٍ منهما الملكَ من رجلٍ، وأقام البينةَ على النتاج
عنده: فهو بمنزلة إقامتها على النتاج في يدِ نفسه؛ لما ذكرنا.
قال: (وكذلك النَّسْجُ في الثيابِ التي لا تُنسَجُ إلا مرةً واحدةً)، كغَزْل
القطن.
قال: (وكذلك كلّ سبب في الملك لا يتكرَّر)؛ لأنه في معنى النِّتاج،
كحَلْب اللَّبَن، واتخاذِ الجُبُّن، واللِّبْد (٢)، والمِرْعِزَّى(٣)، وجَزِّ الصوف.
وإن كان يتكرَّر: قُضِيَ به للخارج، بمنزلة الملكِ المطلَق، وهو مثلُ
الخَزِّ، والبناءِ، والغَرْسِ، وزراعةِ الحنطة والحبوب.
فإن أشكل: يُرجَعُ إلى أهل الخبرة؛ لأنهم أعرفُ به.
فإن أشكل عليهم: قُضيَ به للخارج؛ لأن القضاءَ ببيِّنتِه هو الأصل،
والعدولُ عنه بخَبَر النّتاج (٤)، فإذا لم يُعلَم: يُرجَعُ إلى الأصل.
(١) هذه المسألة إلى قوله: في يد نفسه: مثبتةٌ في نسخة ٨٦٠ هـ، و١٠٣٨ هـ.
(٢) اللِّبْد: ما يَتلبّدُ من شعر أو صوف. المصباح المنير (لبد).
(٣) بكسر الميم والعين، فإذا شدَّدَتَ الزاي: قصرتَ، وإذا خفَّفْتَ: مددتَ -
مِرْعِزَاء -، وهي كالصوف تحت شعر العنز. البناية ١٢ / ٢٢٠.
(٤) وهو ما رواه جابر رضي الله عنه أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه
وسلم في ناقة، فقال كل واحد منهما نُتِجَت - أي وَلَدَتْ - هذه الناقة عندي، وأقام
بينةً، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي هي في يده، أخرجه الشافعي في

٣١٩
ما يدَّعيه الرَّجُلان
وإن أقام الخارجُ البينةَ على الملك المطلَقِ، وصاحبُ اليدِ البينةَ على
الشراءِ منه : كان صاحب الیدِ أَوْلی.
وإن أقام كلّ واحدٍ منهما البينةَ على الشراءِ من الآخَرِ، ولا تاريخَ
معهما : تهاتَرَتِ البَيِّنتان، وتُتْرَكُ الدارُ في يدِ ذي الید .
قال: (وإن أقام الخارجُ البينةَ على الملك المطلَقِ، وصاحبُ اليدِ البينةَ
على الشراءِ منه: كان صاحبُ اليدِ أَوْلى)؛ لأن الأولَ إن كان يدَّعي أوَّلِيَّةَ
الملك: فهذا تلقّى منه، وفي هذا: لا تنافيَ، فصار كما إذا أقرَّ بالملك له،
ثم ادعى الشراء منه.
قال: (وإن أقام كلّ واحدٍ منهما البينةَ على الشراءِ من الآخَرِ، ولا
تاريخَ معهما: تهاتَرَتِ البَيِّنتان، وتُتْرَكُ الدارُ في يدِ ذي اليد).
قال المصنِّ رحمه الله(١): وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
مسنده (٦٣٧)، وقال الشافعي: هذه روايةٌ صالحةٌ ليست بالقوية ولا الساقطة، ولم
نجد أحداً من أهل العلم يخالفه في القول بهذا، مع أنها قد رُويت من غير هذا الوجه
وإن لم تكن قويةً. اهـ
قلت: هذا الوجه أخرجه الدارقطني في سننه (٤٤٧٧) من طريق محمد بن
الحسن عن الإمام أبي حنيفة مرفوعاً، وذكر هذه الرواية العيني في البناية ١٢/ ٢٢١،
وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ٤٩٩/٤: إسناده ضعيف.
والغريب أن ابن نجيم في البحر الرائق ٢٤٣/٧ قال: هذا حديث صحيحٌ
مشهورٌ، هكذا؟ ونقل كلامَه ابنُ عابدين في رد المحتار ٥٤٩/٥.
وأنبه هنا إلى أن الزيلعي لم يخرِّجه في نصب الراية، ولا ابن حجر في الدراية.
(١) وفي نُسخ: قال رضي الله عنه، وفي أخرى: قال العبد الضعيف.

٣٢٠
ما يدَّعيه الرَّجُلان
وقال محمد(١) رحمه الله: يُقضى بالبِّتَيْن، وتكونُ(٢) للخارج؛ لأن
العملَ بهما ممكنٌ، فيُجعَلُ كأنه اشترى ذو اليد من الآخَرِ، وقَبَضَ، ثم باع
الدارَ(٣)، ولم يَقبض، لأن القبضَ دلالةُ السَّبْق، على ما مرَّ.
ولا يُعكَسُ الأمرُ؛ لأن البيعَ قبلَ القبضِ لا يجوز وإن كان في العقار
عنده.
ولهما: أن الإقدامَ على الشراء: إقرارٌ منه بالملك للبائع، فصار
كأنهما (٤) قامتا على الإقرارَيْن، وفيه التهاتُرُ، بالإجماع، فكذا ها هنا.
ولأن السببَ يُرادُ لحُكْمِه، وهو الملكُ، ولا يُمكنُ القضاءَ لذي الیدِ
و
إلا بملكٍ مستَحَقِّ، فبقيَ القضاءَ له بمجرد السبب، وأنه لا يُفيدُه.
ثم لو شهدتِ البَيِّتان على نَقْدِ الثمن: فالألفُ بالألفِ قصاصٌ عندهما
إذا استويا؛ لوجود قَبْضٍ مضمونٍ من كلِّ جانب.
وإن لم يشهدوا علىُ نَقْدِ الثمن: فالقصاصُ مذهبُ محمدٍ رحمه الله؛
للوجوب عنده.
ولو شهد الفريقان بالبيع والقبضِ: تهاترتا، بالإجماع؛ لأنّ الجمعَ غيرُ
(١) وفي نُسخ: وعلى قول محمد رحمه الله.
(٢) أي الدار، وفي نُسخ: يكون.
(٣) أي من الخارج، ولفظ: الدار: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.
(٤) وفي نُسخ: كما إذا قامتا.