Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
کتاب الصَّرْف
ومَن اشترىُ شيئاً بنصفِ درهمٍ فلوسٍ : جاز، وعليه ما يُباعُ بنصف
درهمٍ من الفلوس .
وقولُ محمدٍ رحمه الله: أنظرُ للجانبَيْن(١)، وقولُ أبي يوسف رحمه
الله : أيسرُ.
قال: (ومَن اشترىُ شيئاً بنصفِ درهمٍ فلوسٍ: جاز، وعليه ما يُباعُ
بنصف درهمٍ من الفلوس).
وكذا إذا قال: بدانَقِ فلوسٍ، أو بقيراطِ فلوسٍ: جاز.
وقال زفر رحمه الله: لا يجوزُ في جميع ذلك؛ لأنه اشترى بالفلوس،
وأنها تُقَدَّر بالعدد، لا بالدائَقِ والدرهمِ، فلا بدَّ من بيانِ عددها.
ونحن نقولُ: ما يُباع بالدائَقِ ونصفِ الدرهم من الفلوس: معلومٌ عند
الناس، والكلامُ فيه(٢)، فأغنى عن بيان العدد.
ولو قال: بدرهمٍ فلوسٍ، أو بدرهمَيْن فلوسٍ: فكذا عند أبي يوسف
رحمه الله؛ لأن ما يُباعُ بالدرهم من الفلوس: معلومٌ، وهو المرادُ، لا وزنُ
الدرهم من الفلوس.
١
وعن محمد رحمه الله: أنه لا يجوزُ بالدرهم، ويجوز فيما دون الدرهم؛
لأن في العادةِ: المبايعةَ بالفلوس فيما دون الدرهم، فصار معلوماً بحكم
العادة، ولا كذلك الدرهم.
(١) أي المقرض والمستقرض.
(٢) أي فيما إذا كان معلوماً.

٢٢
کتاب الصَّرْف
ومَن أعطىُ صَيْرَفِياً درهماً، وقال: أعطِنِي بنصفه فلوساً، وبنصفِه
نصفاً إلا حَبَّةً: جاز البيعُ في الفلوس، وبطل فيما بقيَ عندهما.
وعلى قياس قولِ أبي حنيفة رحمه الله : بطل في الكلِّ.
ولو قال : أعطِنِي نصفَ درهمٍ فلوسٍ، ونصفاً إلا حبَّةً: جاز.
قالوا(١): وقولُ أبي يوسف رحمه الله أصحّ، لا سيما في ديارنا(٢).
قال: (ومَن أعطىُ صَيْرَفِياً درهماً، وقال: أعطِنِي بنصفه فلوساً،
وبنصفِه نصفاً إلا حبَّةً: جاز البيعُ في الفلوس، وبطل فيما بقيَ عندهما)؛
لأن بيعَ نصفِ درهمٍ بالفلوس: جائزٌ، وبيعُ النصف بنصفٍ إلا حبةً: رباً،
فلا يجوز.
(وعلى قياس قول أبي حنيفة رحمه الله: بطل في الكلِّ)؛ لأن الصفقةَ
متحدةٌ، والفسادُ قويٌّ، فيَشِيْعُ، وقد مَرَّ نظیرُه.
ولو كرَّر لفظَ: الإعطاء: كان جوابُه: كجوابهما، هو الصحيح، لأنهما
بیعان.
قال: (ولو قال: أعطِنِي نصفَ درهمٍ فلوسٍ(٣)، ونصفاً إلا حبَّةً: جاز)؛
لأنه قابَلَ الدرهمَ بما يُباعُ من الفلوس بنصف درهم، وبنصف درهمٍ إلا
حبةً، فيكونُ نصفُ درهم إلا حبةَ: بمثله، وما وراءه: بإزاء الفلوس.
(١) أي مشايخنا. البناية ١١٠/١١.
(٢) أي فيما وراء النهر.
(٣) بالجر: صفةً لدرهمٍ، وفي نُسخ: فلوساً.

٢٣
کتاب الصَّرْف
ولو قال: أعطني بنصفه فلوساً، وبنصفه درهماً صغيراً، وزنُه نصفُ
درهمٍ إلا حبةً، وبالباقي فلوساً: جاز البيعُ، وكان النصفُ إلا حبةً: بإزاء
الدرهم الصغير، والباقي : بإزاء الفلوس.
قال رضي الله عنه: وفي أكثر نُسَخِ (المختصر)) ذَكَرَ المسألةَ الثانية(١).
قال: (ولو (٢) قال: أعطني بنصفه فلوساً، وبنصفه درهماً صغيراً، وزنُه
نصفُ درهمٍ إلا حبةً، وبالباقي فلوساً: جاز البيعُ، وكان النصفُ إلا حبةً:
بإزاء الدرهم الصغير، والباقي: بإزاء الفلوس).
لأنه قابَلَ النصفَ بفلوسِ معلومةٍ، والنصفَ بمثله، إلا أنه في حقِّ
الدرهم: صَرْفٌ، فيُشترط القبضُ فيه، وفي حقِّ الفلوس: بيعٌ، فَيُكتَفى
بقبض أحدِهما؛ كي لا يكون كالئاً بكالئء.
وهذا هو الحكمُ في بيعِ الفلوسِ بالفلوس، والفلوسِ بالدراهم، أنه
يُكتَفى بقبض أحدِ العِوَضَيْن؛ لأنها ليست أثماناً مطلقةً؛ لثبوت ثمنيتها
بالاصطلاح، بخلاف الدراهم والدنانير، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) وهي قوله: (أعطني نصف درهم فلوساً، ونصفاً إلا حبة: جاز)، يعني لم
تُذكر في أغلب نُسَخ القدوري المسألةُ الأُولى، وهي: (مَن أعطى صيرفياً درهماً،
وقال: أعطني بنصفه فلوساً، وبنصفه نصفاً إلا حبة: جاز البيع في الفلوس، وبطل فيما
بقي عندهما). البناية ١١/ ١١١.
(٢) هذه المسألة مثبتةٌ في بداية المبتدي ص٤٥٧، وفي هامش نسخة ٦٤٤، مع
تصحيحها، وهامش نسخة ١٠٣٨ هـ، ومثبتة مع شرحها في نسخة أخي الوزير، وتُحرَّر.

٢٤
كتاب الكفالة
كتاب الكفالة
الكفالةُ ضربان: كفالةٌ بالنفس، وكفالةٌ بالمال، فالكفالة بالنفس :
جائزةٌ، والمضمونُ بها : إحضارُ المكفولِ به.
كتاب الكفالة
الكفالةُ هي: الضَّمُّ، لغةً، قال الله تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا﴾. آل
عمران/ ٣٧.
ثم قيل: هي ضَمُّ الذَمَّة إلى الذمةِ في المطالبة، وقيل: في الدَّيْن، والأولُ
31
أصحّ.
قال: (الكفالةُ ضربان: كفالةٌ بالنفس، وكفالةٌ بالمال، فالكفالة بالنفس:
جائزةٌ، والمضمونُ بها: إحضارُ المكفول به).
وقال الشافعيُّ رحمه الله: لا تجوز(١)، لأنه كَفَلَ بما لا يَقدِرُ على
تسليمه، إذْ لا قدرةَ له على نفسِ المكفولِ به.
بخلاف الكفالةِ بالمال؛ لأنَّ له ولايةً على مالِ نفسِهِ.
ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((الزعيمُ غارِمٌ)(٢).
(١) قال في البناية ١١٣/١١: هذا ليس بمشهور مذهبه، فإن الصحيح عنده
كمذهبنا. اهـ، وينظر مغني المحتاج ٢٠٣/٢.
(٢) وتمام لفظ الحديث: ((العارية مؤدَّاةٌ، والمنحة مردودة، والدَّين مقضيٌّ،
والزعيم غارم))، وقد رواه أصحاب السنن وغيرهم، سنن أبي داود (٣٥٦٠)، سنن
الترمذي (٢١٢٠)، وقال: حديث حسن صحيح، وينظر نصب الراية ٤ / ٥٧، =

٢٥
كتاب الكفالة
وتنعقدُ إذا قال: تكفَّلتُ بنفس فلانٍ، أو برَقَيتِهِ، أو برُوْحِهِ، أو
بجسَدِهِ، أو برأسِهِ.
و بنصفِه، أو بثُلُثِهِ، أو بجزءٍ منه.
وهذا يُفيدُ مشروعيةَ الكفالةِ بنوعَيْها.
ولأنه يَقدِرُ على تسليمِه بطريقِهِ، بأن يُعلِمَ الطالبَ مكانَه، فيُخلِّيَ
المدعي بينَه وبينَه(١)، أو يستعينَ بأعوانِ القاضي في ذلك.
والحاجةُ ماسَّةٌ إليه، وقد أمكنَ تحقيقُ معنى الكفالة، وهو الضمُّ في
المطالبة فيه.
قال: (وتنعقدُ إذا قال: تكفَّلتُ بنفس فلانٍ، أو برَقَيتِه، أو برُوْحِهِ، أو
بجسَدِهِ، أو برأسِهِ).
وكذا ببدنه، وبوجهه؛ لأن هذه الألفاظَ يُعبَّرُ بها عن جميع البدن، إما
حقيقةً أو عُرفاً، على ما مَرَّ في كتاب الطلاق.
(و) كذا إذا قال: (بنصفِه، أو بثُلُثِهِ، أو بجزء منه)؛ لأن النفسَ
الواحدةَ في حقِّ الكفالة لا تتجزَّاً، فكان ذِكْرُ بعضِها شائعاً: كذِكْر كلِّها.
التلخيص الحبير ٤٧/٣.
ومعنى: ((الزعيم غارم)): أي: الكفيل ضامن إذا لم يؤدِّ المكفولُ ما عليه.
ونقل الزيلعي في نصب الراية ٥٨/٤ عن ابن حبان قال: الزعيم: لغةُ أهلٍ
المدينة، والحَمِيل: لغةُ أهلِ العراق، والكفيل: لغةُ أهلِ مصر.
(١) أي بين الطالب المكفول له والمكفول به. البناية ١١/ ١١٤.

٢٦
كتاب الكفالة
وكذا إذا قال : ضمِنْتُه، أو هو عليَّ، أو إلي.
وأنا زعيمٌ به، أو قَبِيلٌ به.
بخلاف ما إذا قال: تكفَّلتُ بيد فلانٍ، أو برجْله: لأنه لا يُعبَّرُ بهما عن
جميع البدن، حتى لا تصحُّ إضافةُ الطلاقِ إليهما، وفيما تقدَّم تَصِحُّ.
قال: (وكذا إذا قال: ضمِنْتُه)؛ لأنه تصریحٌ بموجبه.
(أو) قال: (هو عليَّ)؛ لأنه صيغةُ الالتزام، (أو) قال: (إليّ)؛ لأنه في
معنى: عليَّ: في هذا المقام.
قال عليه الصلاة والسلام: ((ومَن تَرَكَ مالاً: فلورثتِهِ، ومَن تَرَكَ كَلاَّ،
أو عِيالاً: فإليَّ»(١).
(و) كذا إذا قال: (أنا زعيمٌ به، أو قَبِيلٌ به)؛ لأن الزعامةَ هي الكفالةُ،
وقد رَوَیْنا فيه(٢).
والقَبِيلُ: هو الكفيلُ، ولهذا سُمِّيَ الصَّكُّ: قَبَالَةً.
بخلاف ما إذا قال: أنا ضامِنٌ لمعرفتِهِ؛ لأنه التزم المعرفةَ، دون المطالبة.
وعلى هذا (٣): لو قال بالفارسية: آشنائي وَيْ بَرْمَن(٤): لا يكون كفيلاً.
(١) صحيح البخاري (٢٣٩٨)، صحيح مسلم (١٦١٩)، وينظر التعريف
والإخبار ٤١١/٣، ومعنى: فإليَّ: أي فعليَّ.
(٢) أي روينا الحديث في معنى أن الزعامة هي الكفالة. البناية ١١ /١١٧.
(٣) من قوله: وعلى هذا: لو قال بالفارسية ... إلى قوله: لا يكون كفيلاً: مثبتٌ
في نُسخ خطية كثيرة، وسقط من طبعات الهداية القديمة.
(٤) أي: معرفتُه عليَّ، ومعنى قوله الآتي: وي آشناست: أي هو معروفٌ.

٢٧
كتاب الكفالة
فإن شُرِطَ في الكفالة بالنفس تسليمُ المكفولِ به في وقتٍ بعَيْنه : لَزِمَه
إحضارُه في ذلك الوقت إذا طالَبَه به في ذلك الوقت.
فإن أحضره، وإلا : حَبَسَه الحاكمُ.
وكذا إذا ارتدَّ، والعياذُ بالله، ولَحِقَ بدار الحرب.
ولو قال: وَيْ آشْنَاسْتْ: قالوا: يكون كفيلاً؛ للعُرف، والصحيحُ أنه لا
یکون کفیلاً.
قال: (فإن شَرَطَ(١) في الكفالة بالنفس تسليمَ المكفولِ به في وقتٍ
بعَيْنْه: لَزِمَه إحضارُه في ذلك الوقت إذا طالَبَه به في ذلك الوقت)؛ وفاء
بما التزمه.
(فإن أحضره، وإلا: حَبَسَه الحاكمُ)، لامتناعه عن إيفاءِ حَقِّ مستَحَقِّ
عليه، ولكن لا يَحبسُهُ أولَ مرةٍ؛ لعلَّه ما دَرَى لماذا يُدْعَى.
ولو غاب المكفولُ بنفسه: أَمْهَلَه الحاكمُ مدةَ ذهابِه ومجيئه، فإن
مَضَتْ المدةُ، ولم يُحضِرْهِ: يَحْبِسُهُ؛ لتحقُّقِ امتناعِه عن إيفاءِ الحَقِّ.
قال: (وكذا (٢) إذا ارتدَّ، والعياذُ بالله، ولَحِقَ بدار الحرب).
وهذا لأنه عاجِزٌ في المدة، فيُنظَرُ كالذي أعسر.
(١) هكذا: شَرَطَ: بالمبني للمعلوم: في نُسخ، وضُبط في نسخ أخرى: بالمبني
للمجهول: شُرِطَ.
(٢) قال في البناية ١١٩/١١: قال الكاكي: هذه المسألة: وكذا إذا ارتدَّ والعياذ
بالله، ولَحِقَ بدار الحرب: إلى قوله: وإذا أحضره وسلَّمه ...: مثبتة في بعض النُّسَخ،
دون أخرى. اهـ. قلت: وكذلك فيما عندي من النسخ، ومثبتةٌ في طبعات الهداية.

٢٨
كتاب الكفالة
وإِذا أحضره، وسلَّمه في مكانٍ يَقدِرُ المكفولُ له أن يُخاصِمَه فيه :
بَرِىءَ الكفيلُ من الكفالة.
وإذا كَفَلَ على أن يُسلِّمَه في مجلسِ القاضي، فسَلَّمَه في السُّوْق:
بَرِىءَ، وإن سَلَّمَه في بَرِّيَّةٍ: لم يَبرأ.
ولو سلَّمَه قبلَ ذلك الوقت: بَرِىءَ؛ لأن ذلك الأجلَ حَقُّه، فَيَملِكُ
إسقاطَه، كما في الدَّيْن المؤجّل.
قال: (وإذا أحضره، وسلَّمه في مكانٍ يَقدِرُ المكفولُ له أن يُخاصِمَه
فيه)، مثلَ أن يكونَ في مصرِ: (بَرِىءَ الكفيلُ من الكفالة)؛ لأنه أتى بما
التزمه، وحَصَلَ المقصودُ به، وهذا لأنه ما التزم التسليمَ إلا مرةً واحدةً.
قال: (وإذا كَفَلَ على أن يُسلِّمَه في مجلسِ القاضي، فسَلَّمَه في
السُّوْق: بَرِىءَ)؛ لحصول المقصود.
وقيل: في زماننا لا يبرأُ (١)؛ لأن الظاهرَ المعاونةُ على الامتناعِ، لا على
الإحضارِ، فكان التقييدُ مفيداً.
قال: (وإن سَلَّمَه في بَرِّيَّةٍ: لم يَبَرأ)؛ لأنه لا يَقدِرُ على المخاصمة
فيها، فلم يَحصلِ المقصودُ.
وكذا إذا سَلَّمَه في سَوَادٍ: لعدم قاضٍ يَفْصِلُ الحكمَ فيه.
ولو سَلَّمَه في مصرٍ آخَر غيرِ المصرِ الذي كَفَلَ فيه: بَرِئَ عند أبي
حنيفة رحمه الله؛ للقدرة على المخاصمة فيه.
(١) قال البحر الرائق ٢٢٩/٦: وهو قول زفر، وبه یفتى في زماننا.

٢٩
كتاب الكفالة
وإذا مات المكفولُ به : بَرِىءَ الكفيلُ بالنفس من الكفالة.
ومَن كَفَلَ بنفسٍ آخَرَ، ولم يقُلْ: إذا دَفَعْتُه إليكَ فأنا بريءٌ، فدَفَعَه
إليه : فهو بريء.
وعندهما: لا يبرأ؛ لأنه قد يكون شهودُه فيما عيَّنه.
ولو سلَّمَه في السجن، وقد حَبَسَه غيرُ الطالِب: لا يبرأُ؛ لأنه لا يقدِرُ
على المخاصمة(١) فيه.
قال: (وإذا مات المكفولُ به(٢): بَرىَ الكفيلُ بالنفس من الكفالة)؛
لأنه عَجَزَ عن إحضاره.
ولأنه سَقَطَ الحضورُ عن الأصيل، فَيَسقطُ الإحضارُ عن الكفيل.
وكذا إذا مات الكفيلُ؛ لأنه لم يَبْقَ قادراً على تسليمِ المكفولِ بنفسه،
ومالُه لا يصلحُ لإيفاءِ هذا الواجب، بخلاف الكفيلِ بالمال.
ولو مات المكفولُ له: فللوصيِّ أن يطالِبَ الكفيلَ، فإن لم يكن:
فلوارثِه؛ لقيامِهِ مَقامَ الميت.
قال: (ومَنْ كَفَلَ بنفسِ آخَرَ، ولم يقُلْ: إذا دَفَعْتُه إليكَ فأنا بريء،
فدَفَعَه إليه: فهو بريءٌ)؛ لأنه موجَبُ التصرُّفِ، فيثبتُ بدون التنصيصِ
علیه.
ولا يُشترَطُ قَبولُ الطالبِ التسليمَ، كما في قضاءِ الدين.
(١) وفي نُسخ: المحاكمة.
(٢) وهو المدعى عليه. البناية ١٢١/١١.

٣٠
كتاب الكفالة
فإن تكفَّل بنفسه على أنه إن لم يُوافِ به إلى وقتٍ كذا فهو ضامِنٌ لِمَا
عليه من المال، وهو ألفُ درهمٍ، فلم يُحضِرْه إلى ذلك الوقت: لَزِمَه
ضمانُ المال، ولا يبرأ عن الكفالة بالنفس.
ولو سَلَّمَ المكفولُ به نفسَه من كفالته: صحَّ؛ لأنه مطالَبٌ بالخصومة،
فكان له ولايةُ الدفع.
وكذا إذا سلَّمه إليه وكيلُ الكفيل، أو رسولُه؛ لقيامِهما مَقَامَه.
قال: (فإن تكفَّل بنفسه على أنه إن لم يُوافِ به إلى وقتِ كذا فهو
ضامِنٌ لِمَا عليه من المال، وهو ألفُ درهمٍ، فلم يُحضِرْه إلى ذلك الوقت:
لَزْمَه ضمانُ المال)؛ لأن الكفالةَ بالمال معلَّقةٌ بشرط عدم الموافاة، وهذا
التعليقُ صحيحٌ، فإذا وُجد الشرطُ: لَزْمَه المالُ.
قال: (ولا يبرأ عن الكفالة بالنفس)؛ لأن وجوبَ المال عليه بالكفالة:
لا ينافي الكفالةَ بنفسه، إذْ كلُّ واحدٍ منهما للتوثُّق.
وقال الشافعي(١) رحمه الله: لا تصحُّ هذه الكفالةُ؛ لأنه تعليقُ سببٍ
وجوب المال بالخَطَر، فأشبه البيعَ.
ولنا: أنه يُشبِهُ البيعَ، ويُشبِهُ النذرَ من حيث إنه التزامٌ، فقلنا لا يصح
تعليقُه بمطلَق الشرط، کھبوبِ الريحِ ونحوه.
ويصحُّ بشرطٍ متعارَفٍ؛ عملاً بالشبهَيْن، والتعليقُ بعدم الموافاة متعارَفٌ.
(١) مغني المحتاج ٢٠٣/٢، وفيه أنها تصح. يحرر.

٣١
كتاب الكفالة
ومَن كَفَلَ بنفسِ رجلٍ، وقال : إن لم يُوافِ به غداً فعليه المالُ، فإن
مات المكفولُ عنه : ضَمِنَ المالَ.
ومَن ادَّعى على آخرَ مائةَ دينارٍ، بَّنها أو لم يُبيِّنْها، حتى تكفَّل بنفسه
رجلٌ، على أنه إن لم يُوافِ به غداً فعليه المائةُ، فلم يوافٍ به غداً: فعليه
المائةُ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ رحمه الله : إن لم يبيِّنْها حتى تكفَّلَ به رجلٌ، ثم ادَّعى بعد
ذلك : لم يُلتَفَتْ إلى دعواه.
قال: (ومَن كَفَلَ بنفسِ رجلٍ، وقال: إن لم يُوافِ به غداً فعليه المالُ،
فإن مات المكفولُ عنه: ضَمِنَ المالَ)؛ لتحقُّق الشرطِ، وهو عدمُ الموافاة.
قال: (ومَن ادَّعى على آخَرَ مائةَ دينارٍ، بَيَّنْها (١) أو لم يُبيِّنْها، حتى
تكفَّل بنفسه رجلٌ، على أنه إن لم يُوافِ به غداً فعليه المائةُ، فلم يوافٍ به
غداً: فعليه المائةُ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ رحمه الله: إن لم يبيِنْها حتى تكفَّلَ به رجلٌ، ثم اذَّعى بعد
ذلك: لم يُلتَفَتْ إلى دعواه)؛ لأنه علَّقَ مالاً مطلقاً بخَطَرٍ، ألا يُرى أنه لم
يَنْسِبْهِ إلى ما عليه، ولا تصحُّ الكفالةُ على هذا الوجه وإن بيِّنَها.
ولأنه لم تصحَّ الدعوى من غير بيانٍ: فلا يجبُ إحضارُ النفس، وإذا
لم يجب: لا تصحُّ الكفالةُ بالنفس، فلا تصحُّ بالمال؛ لأنه بناءٌ عليه،
بخلاف ما إذا بيَّن.
(١) وفي نُسخ: وبيَّنها.

٣٢
كتاب الكفالة
ولا تجوزُ الكفالةُ بالنفس في الحدودِ والقصاصِ عند أبي حنيفة رحمه الله.
ولهما: أن المالَ ذُكِرَ مُعَرَّفاً، فينصرفُ إلى ما عليه، والعادةُ جَرَتْ
بالإجمال في الدعاوى، فتصحُّ الدعوى على اعتبار البيان، فإذا بُيِّن: التحق
البيانُ بأصل الدعوىُ، فَتَبَيَّنَ صحةُ الكفالةِ الأُولىُ، فيترتَّبُ عليها الثانية.
قال: (ولا تجوزُ الكفالةُ بالنفس في الحدودِ والقصاصِ عند أبي حنيفة
رحمه الله)، معناه: لا يُجبَرُ عليها عندَه.
وقالا: يُجَبَرُ في حَدِّ القذف؛ لأن فيه حَقَّ العبد، وفي القصاص(١)؛
لأنه خالصُ حَقِّ العبد، فيَلِيقُ بهما الاستيثاقُ، كما في التعزير، بخلاف
الحدودِ الخالصة لله تعالى.
ولأبي حنيفة رحمه الله: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا كفالةَ في
حدٍ) (٢)، من غير فَصْلٍ.
ولأن مبنى الكلِّ على الدَّرْء، فلا يجبُ فيها الاستيثاقُ.
بخلاف سائر الحقوق؛ لأنها لا تندرئُ بالشبهات، فيليقُ بها الاستيثاقُ،
ولو سَمَحَتْ نفسُه به: يصحُّ، بالإجماع؛ لأنه أمكنَ ترتيبُ موجَبَه عليه؛
لأَن تسليمَ النفسِ فيهما واجبٌ، فيطالَبُ به الكفيلُ، فيتحقَّقُ الضمُ(٣).
٠
كما في التعزير.
(١) أي يُجبر في القصاص أيضاً. البناية ١١ /١٢٨.
(٢) مرفوعاً في السنن الكبرى للبيهقي (١١٤١٧)، السنن الصغرى للبيهقي
(٢١٠٢) وقال: إسناده ضعيف.
(٣) هو ضمُّ الذمة إلى الذمة في المطالبة.

٣٣
كتاب الكفالة
ولا يُحَبَسُ فيها حتى يَشِهَدَ شاهدان مَستوران، أو شاهدٌ عَدْلٌ يَعرِفُه
القاضي .
والرهنُ والكفالةُ جائزان في الخراج.
قال: (ولا يُحَبَسُ فيها (١) حتى يَشهَدَ شاهدان مَستوران، أو شاهدٌ عَدْلٌ
يَعرِفُه القاضي)؛ لأن الحبسَ للتهمة ها هنا، والتهمةُ تَثبتُ بأحد شَطْرَي
الشهادة، إما العددُ، أو العدالةُ.
بخلاف الحبسِ في بابِ الأموال؛ لأنه أقصى عقوبةٍ فيه(٢)، فلا
تَثْبتُ(٣) إلا بحُجَّةٍ كاملة(٤).
وذَكَرَ في كتاب أدب القاضي(٥) أن على قولهما لا يُحَبَسُ في الحدود
والقصاص بشهادة الواحد؛ لحصول الاستيثاق بالكفالة.
قال: (والرهنُ والكفالةُ جائزان في الخراج)؛ لأنه دَيْنٌ يُطالَبُ به(٦)،
ممكنُ الاستيفاء، فيُمكِنُ ترتيبُ موجَبِ العقدِ عليه(٧) فيهما.
(١) وفي نُسخ: فيهما، وفي البناية ١٣٠/١١ : ويُروى: فيهما: أي في القذف والقصاص.
(٢) أي في باب الأموال.
(٣) أي العقوبة، وفي نُسخ: لا يثبت. قلت: أي الحبس.
(٤) أي شاهدین عدلین.
(٥) أي الإمام محمد في الأصل.
(٦) وفي نُسخ: مطالَبٌ به.
(٧) أي على الخراج، وأما: فيهما: راجع إلى الكفالة والرهن.

٣٤
كتاب الكفالة
ومَن أَخَذَ من رجلٍ كفيلاً بنفسِهِ، ثم ذهب فَأَخَذَ منه كفيلاً آخَرَ، فهما
کفیلان .
وأما الكفالةُ بالمال: فجائزةٌ، معلوماً كان المالُ المكفولُ به، أو
مجهولاً إذا كان دَيْناً صحيحاً، مثلُ أن يقولَ: تكفَّلْتُ عنه بألفِ درهمٍ، أو
بما لَكَ عليه، أو بما يُدْرِكُكَ في هذا البيع.
قال: (ومَن أَخَذَ من رجلٍ كفيلاً بنفسِهِ، ثم ذهب فَأَخَذَ منه كفيلاً
آخَرَ، فهما كفيلان)؛ لأن موجَبَه التزامُ المطالبة، وهي متعددةً، والمقصودُ
التوثّق، وبالثانية يزدادُ التوثَّقُ، فلا يتنافيان.
قال: (وأما الكفالةُ بالمال: فجائزةٌ، معلوماً كان المالُ المكفولُ به، أو
مجهولاً إذا كان دَيْناً صحيحاً.
مثلُ أن يقولَ: تكفَّلْتُ عنه بألفِ درهم، أو بما لَكَ عليه، أو بما
يُدْرِكُكَ في هذا البيع)؛ لأن مبنى الكفالةِ على التوسُّع، فتَحَمَّلُ فيها
الجهالةُ.
وعلى الكفالة بالدَّرَك: إجماعٌ، وكفى به حُجَّةً، وصار كما إذا كَفَلَ
بشَجَّةٍ: صحَّتِ الكفالةُ وإن احتَمَلتِ (١) السِّرايةَ والاقتصارَ.
وشَرَطَ(٢) أن يكون دَيْناً صحيحاً، ومرادُه: أن لا يكون بدلَ الكتابة،
وسیأتیك في موضعِه إن شاء الله تعالی.
(١) أي الشجة.
(٢) أي الإمام القدوري رحمه الله. البناية ١١/ ١٣٣.

٣٥
كتاب الكفالة
والمكفولُ له بالخيار : إن شاء طالَبَ الذي عليه الأصلُ، وإن شاء
طالَبَ كفيلَه.
ويجوزُ تعليقُ الكفالةِ بالشروط، مثلُ أن يقولَ: ما بايعتَ فلاناً فعليَّ،
وما ذابَ لكَ عليه: فعليَّ، وما غَصَبَكَ : فعليَّ.
قال: (والمكفولُ له بالخيار: إن شاء طالَبَ الذي عليه الأصلُ، وإن
شاء طالَبَ كفيلَه)؛ لأن الكفالةَ ضَمُّ الذمةِ إلى الذمةِ في المطالبة، وذلك
يقتضي قيامَ الأول، لا البراءةَ عنه، إلا إذا شَرَطَ فيه البراءةَ، فحينئذٍ تنعقدُ
حوالةً؛ اعتباراً للمعنى، كما أن الحوالةَ بشرطِ أن لا يبرأ بها المُحيلُ:
تكونُ كفالةً.
ولو طالَبَ أحدَهما: له أن يطالِبَ الآخَرَ، وله أن يطالِبَهما؛ لأن
مقتضاه الضمّ.
بخلاف المالكِ إذا اختارَ تضمينَ أحدِ الغاصبَيْن؛ لأن اختيارَه
أحدَهما: يتضمَّنُ التمليكَ منه، فلا يُمكِنُه التمليكُ من الثاني، أما المطالبةُ
بالكفالة: لا تتضمن التمليكَ، فَوَضَحَ الفَرْقُ.
قال: (ويجوزُ تعليقُ الكفالةِ بالشروط، مثلُ أن يقولَ: ما بايعتَ فلاناً
فعليَّ، و(١) ما ذاب(٢) لكَ عليه: فعليَّ، وما غَصَبَكَ: فعليَّ).
والأصلُ فيه: قولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ، حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهَ زَعِيرٌ﴾
يوسف / ٧٢.
.
(١) وفي نُسخ: أو ما.
(٢) أي ما وَجَبَ وَثَبَتَ.

٣٦
كتاب الكفالة
فإن قال: تكفَّلتُ عنه بما لَكَ عليه، فقامتِ البينةُ بألفٍ عليه: ضَمِنَه
الكفيلُ.
والإجماعُ منعقدٌ على صحةِ ضمانِ الدَّرَك.
ثم الأصلُ فيه أنه يَصِحُّ تعليقُها بشرطٍ ملائمٍ لها، مثلُ أن يكونَ شرطاً
لوجوب الحَقِّ، كقوله: إذا استُحِقَّ المَبيعُ.
أو لإمكانِ الاستيفاءِ، مثلُ قولِه: إذا قَدِمَ زيدٌ، وهو مكفولٌ عنه.
أو لتعذُّرِ الاستيفاءِ، مثلُ قولِه: إذا غاب عن البلدة.
وما ذُكِر(١) من الشروط: في معنى ما ذكرناه.
فأما ما لا يَصِحُّ التعليقُ بمجرَّدِ الشرط: كقوله: إن هَبَّتِ الريحُ، أو
جاء المطرُ.
وكذا إذا جَعَلَ واحداً(٢) منهما أَجَلاً، إلا أنه تصحُّ الكفالةُ، ويجبُ
المالُ حالاً؛ لأن الكفالةَ لَمَّا صحَّ تعليقُها بالشرط: لا تبطلُ بالشروط
الفاسدة، كالطلاق، والعتاق.
قال: (فإن قال: تكفَّلتُ عنه بما لَكَ عليه، فقامتِ البينةُ بألفٍ عليه:
ضَمِنَه الكفيلُ)؛ لأن الثابتَ بالبينة: كالثابتِ معاينةً، فيتحقَّقُ ما عليه،
فیصحُ الضمانُ به.
(١) وضبطت في نُسخ: ذَكَرَ.
(٢) وفي نُسخ: جُعِلَ واحدٌ. بالمبني للمجهول.

٣٧
کتاب الكفالة
وإن لم تَقُمِ البِّنةُ : فالقولُ قولُ الكفيل، مع يمينه في مقدار ما يَعتَرِفُ به.
فإن اعتَرَفَ المكفولُ عنه بأكثرَ من ذلك: لم يُصَدَّق على كفيله.
وتجوزُ الكفالةُ بأمر المكفولِ عنه، وبغيرِ أَمْرِهِ، فإن كَفَلَ عنه بأَمْرِه :
رَجَعَ بما أدَّى عليه؛ وإنْ كَفَلَ بغير أَمْرِه : لم يَرجِعْ بما يُؤدِّيه.
قال: (وإن لم تَقُمِ البَيِّنَةُ: فالقولُ قولُ الكفيل، مع يمينِه في مقدار ما
يَعْتَرِفُ به)؛ لأنه مُنكِرٌ للزيادة.
قال: (فإن اعتَرَفَ المكفولُ عنه بأكثرَ من ذلك: لم يُصَدَّق على كفيله)؛ لأنه
إقرارٌ على الغير، ولا ولايةَ له عليه، ويُصدَّقُ في حَقِّ نفسِهِ؛ لولايتِه عليها.
قال: (وتجوزُ الكفالةُ بأمر المكفولِ عنه، وبغيرِ أَمْرِه)؛ لإطلاقِ ما روينا.
ولأنه التزامُ المطالبةِ، وهو تَصُرُّفٌ في حَقِّ نفسه، وفيه نَفْعٌ للطالب، ولا
ضررَ فيه علىُ المطلوبِ بثبوت الرجوع عليه، إذ هو عند أَمْرِهِ، وقد رضِيَ به.
(فإن كَفَلَ عنه بأَمْرِهِ: رَجَعَ بما أدَّى عليه)؛ لأنه قضىُ دَيْنَه بأمره.
(وإنْ كَفَلَ بغير أَمْره: لم يَرجِعْ بما يُؤدِّيه)؛ لأنه متبرِّعٌ بأدائه.
وقولُه: رَجَعَ بما أدَّى: معناه إذا أدَّى ما ضَمِنَه، أما إذا أدَّى خلافَه: رَجَعَ
بما ضَمِنَ؛ لأنه مَلَكَ الدَّيْنَ بالأداء، فُزِّلَ مَنزلةَ الطالِب، كما إذا مَلَكَه(١)
بالهبة أو بالإرث، وكما إذا مَلَكَه المحتالُ عليه(٢)؛ لما ذَكَرْنا في الحوالة(٣).
(١) أي ملك الكفيلُ المكفول به. من حاشية نسخة ١٣٨هـ.
(٢) حيث يرجع بما ضمن، لا بما أدى.
(٣) أي في كفاية المنتهي. البناية ١٤١/١١، والحوالة في الهداية ستأتي.

٣٨
كتاب الكفالة
وليس للكفيل أنْ يُطالِبَ المكفولَ عنه بالمال قبلَ أن يؤدِّيَ عنه.
فإن لُوزِمَ بالمال : كان له أن يلازِمَ المكفولَ عنه حتى يُخَلِّصَه.
بخلاف المأمورِ بقضاء الدَّيْن، حيث يرجعُ بما أدى(١)؛ لأنه لم يجب
له عليه شيء حتى يَملِكُ(٢) الدَّيْنَ بالأداء.
وبخلاف ما إذا صالَحَ الكفيلُ الطالبَ عن الألفِ على خمسمائةٍ؛ لأنه
إسقاطٌ، فصار كما إذا أبرأ الكفيلَ.
قال: (وليس للكفيل أنْ يُطالِبَ المكفولَ عنه بالمال قبلَ أن يؤدِّيَ
عنه)؛ لأنه لا يَملِكُهُ قبلَ الأداء.
بخلاف الوكيلِ بالشراء، حيثُ يَرجعُ قبلَ الأداء(٣)؛ لأنه انعقَدَ بينهما
مبادلةٌ حُكْميةٌ.
قال: (فإن لُوزِمَ (٤) بالمال: كان له (٥) أن يلازِمَ المكفولَ عنه حتى
يُخَلِّصَه).
وكذا إذا حُبسَ: كان له أن يحبسَه؛ لأنه لَحِقَه ما لَحِقَه من جهته،
فيعاملُه بمثله؛ ليُخلِّصه.
(١) لا بما ضَمِن.
(٢) وضُبطت في عدة نُسخ بفتح الكاف: يملكَ.
(٣) وبعد الشراء.
(٤) أي الكفيل.
(٥) أي للكفيل.

٣٩
كتاب الكفالة
وإذا أبرأ الطالبُ المكفولَ عنه، أو استوفى منه : برئ الكفيلُ.
وإن أبرأ الكفيلَ : لم يبرأ الأصيلُ عنه.
وكذا إذا أخَّر الطالبُ عن الأصيل : فهو تأخيرٌ عن كفيله.
ولو أخَّر عن الكفيل : لم يكن تأخيراً عن الذي عليه الأصلُ.
فإن صالح الكفيلُ ربَّ المال عن الألفِ على خمسِمائةٍ : فقد برئ
الكفيلُ، والذي عليه الأصلُ.
قال: (وإذا أبرأ الطالبُ المكفولَ عنه، أو استوفى منه: برىء الكفيل)؛
لأن براءةَ الأصيل: توجبُ براءةَ الكفيل؛ لأن الدَّيْنَ عليه، في الصحيح.
قال: (وإن أبرأ الكفيلَ: لم يبرأ الأصيلُ عنه)؛ لأنه تَبَعٌ.
ولأن عليه المطالبةَ، وبقاءُ الدَّيْن على الأصيلِ بدونه: جائزٌ.
قال: (وكذا إذا أخَّر الطالبُ عن الأصيل: فهو تأخيرٌ عن كفيله.
ولو أخَّر عن الكفيل: لم يكن تأخيراً عن الذي عليه الأصل)؛ لأن
التأخيرَ إبراءٌ مؤقّتٌ، فيُعتَبَرُ بالإبراء المؤبَّد.
بخلاف ما إذا كَفَلَ بالمال الحالِّ مؤجَّلاً إلى شهر: فإنه يتأجَّلُ عن
الأصيل؛ لأنه لا حَقَّ له إلا الدينُ حالَ وجودِ الكفالة، فصار الأجلُ داخلاً
فيه، أما ها هنا فبخلافه؛ لأنه قد ثبتت المطالبةُ، فيدخلُ فيه.
قال: (فإن صالح الكفيلُ ربَّ المال عن الألفِ على خمسِمائةٍ: فقد
برىء الكفيلُ، والذي عليه الأصلُ)؛ لأنه أضاف الصلحَ إلى الألفِ الدَّينِ،
وهي على الأصيل، فبرئ عن خمسمائةٍ؛ لأنه إسقاطٌ، وبراءتُه توجبُ

٤٠
كتاب الكفالة
ومَن قال لكفيلٍ ضَمِنَ له مالاً: قد برئتَ إليّ من المال: رَجَعَ الكفيلَ
علی المکفول عنه.
وإن قال: أبرأتُكَ من المال: لم يرجع الكفيلُ على المكفول عنه.
٩
براءةَ الكفيل، ثم بَرئا جميعاً عن خمسمائةٍ بأداء الكفيل، ويَرجعُ الكفيلَ
على الأصيلِ بخمسمائةٍ إن كانت الكفالةُ بأمره.
بخلاف ما إذا صالح على جنسٍ آخَرَ؛ لأنه مبادلةٌ حُكْميةٌ، فمَلَكَه،
فَيَرجعُ بجميع الألف.
ولو كان صالَحَه عما استُوجبَ (١) بالكفالة: لا يبرأ الأصيلُ؛ لأن هذا
و
إبراء الكفيل عن المطالبة.
قال: (ومَن قال لكفيلِ ضَمِنَ له مالاً: قد برئتَ إليَّ من المال: رَجَعَ
الكفيلُ على المكفول عنه).
معناه: ضَمِنَ له بأَمْره؛ لأن البراءةَ التي ابتداؤها من المطلوب،
وانتهاؤها إلى الطالب: لا تكون إلا بالإيفاء، فيكونُ هذا إقراراً بالأداء،
فیرجع.
قال: (وإن قال: أبرأَتُكَ من المال: لم يرجعِ الكفيلُ على المكفول عنه)؛
لأنه براءة لا تنتهي إلى غيره، وذلك بالإسقاط، فلم يكن إقراراً بالإيفاء.
ولو قال: برئت (٢): قال محمدٌ رحمه الله: هو مثل الثاني(٣)؛ لأنه يحتمل
(١) وضبطت في نُسخ هكذا: استَوجَب.
(٢) ولم يقل: إليّ.
(٣) أي مثل قوله: قد أبرأتك. البناية ١٤٦/١١.