Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
کتاب الوقف
وما انهدم من بناءِ الوقف وآلِتِه : صَرَفَه الحاكمُ في عمارة الوقف إن
احتاج إليه، وإن استغنى عنه: أَمْسَكَه حتى يَحتاجَ إلىُ عِمارته، فيصرِفُه
فيها، ولا يجوزُ أنْ يَقسِمَه بين مُستَحِقِي الوقفِ.
وإِذا جَعَلَ الواقفُ غَلَّةَ الوقفِ لنفسه، أو جَعَلَ الولايةَ إليه : جاز عند
أبي یوسف رحمه الله.
قال: (وما انهدم من بناءِ الوقف وآلتِه: صَرَفَه الحاكمُ في عِمارة الوقف إن
احتاج إليه، وإن استغنى عنه: أَمْسَكَه حتى يَحتاجَ إلى عِمارته، فيصرِفُه فيها)؛
لأنه لا بدَّ من العِمارة؛ ليبقىُ(١) على التأبيد، فيحصلَ مقصودُ الواقف.
فإن مسَّتِ الحاجةُ إليه في الحال: صَرَفَها فيها، وإلا: أَمْسَكَها حتى لا
يتعذَّرَ عليه ذلك أوانَ الحاجةِ، فَيَبْطُلَ المقصودُ.
وإن تعذَّر إعادةُ عينِه إلى موضعِهِ: بِيْعَ، وصُرِفَ ثمنُه إلى المَرَمَّةِ(٢)؛
صَرْقاً للبدل إلى مَصرِفِ المُبْدَل.
قال: (ولا يجوزُ أنْ يَقسِمَه)، يعني النُّقْضَ (بين مُستَحِقَّ الوقفِ)؛
لأنه جزءٌ من العين، ولا حَقَّ للموقوفِ عليهم فيه، وإنما حَقْهم في
ءِ
المنافع، والعينُ حَقُّ الله تعالى، فلا يُصرَفُ إليهم غيرُ حقَهم.
قال: (وإذا جَعَلَ الواقفُ غَلَّةَ الوقفِ لنفسه، أو جَعَلَ الولايةَ إليه: جاز
عند أبي يوسف رحمه الله).
(١) أي ليبقى الوقف.
(٢) أي إلى الإصلاح، مِن: رَمَّ البناء، يرمُّه رمَّاً، ومرمَّةً: إذا أصلحه.

٣٨٢
كتاب الوقف
•
قال رضي الله عنه: ذَكَرَ فصلَيْن: شَرْطَ الغلَّة لنفسه، وجَعْلَ الولايةِ إليه.
١ - أما الأول: فهو جائزٌ عند أبي يوسف رحمه الله.
ولا يجوز على قياس قول محمدٍ رحمه الله، وهو قولُ هلال الرَّأي(١)
رحمه الله، وبه قال الشافعي(٢) رحمه الله.
وقيل: إن الاختلافَ بينهما(٣) بناءً على الاختلافِ في اشتراطِ القبضِ
والإفراز.
وقيل: هي مسألةٌ مبتدأةٌ، والخلافُ فيما إذا شَرَطَ البعضَ لنفسه في
حال حياتِهِ، وبعدَ موتِه للفقراء.
وفيما إذا شَرَطَ الكلّ لنفسه في حياته، وبعد موته للفقراء: سواء.
(١) هكذا: الرأي: في عدة نُسخٍ نفيسة هي عندي، ووقع في نُسخ كثيرة خطأً:
الرازي، وقد نبّه إلى هذا الخطأ صاحبُ المغرب، ونقل كلامَه العيني في البناية
٦٢٨/٩ وغيرُهُ، حتى قال العيني: ما وَقَعَ في نُسخِ الهداية إلا: الرازي، والصواب ما
قاله صاحب المغرب. اهـ
قلت: هلال الرأي هو هلال بن يحيى البصري، الملقب: هلال الرأي؛ لسعة علمه،
وكثرة فهمه، كما قيل: ربيعة الرأي، أخذ الفقه عن أبي يوسف وزفر، وهو من أصحاب
خالد بن يوسف السمتي البصري من أصحاب الإمام أبي حنيفة، له مصنَّفٌّ في الشروط،
وأحكام الوقف، تداوله العلماء، توفي سنة ٢٤٥هـ، الفوائد البهية ص٢٢٣.
(٢) كفاية الأخيار ٦١٠/١.
(٣) أي بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.

٣٨٣
كتاب الوقف
ولو وقف وشَرَطَ البعضَ، أو الكلَّ لأمهاتِ أولادِهِ، ومدبّريه ما داموا
أحياءً، فإذا ماتوا: فهو للفقراء والمساكين: فقد قيل: يجوزُ، بالاتفاق.
وقد قيل: هو على الخلاف أيضاً، وهو الصحيحُ؛ لأن اشتراطَه لهم
في حياته: کاشتراطه لنفسه.
وجهُ قولِ محمدٍ رحمه الله: أن الوقفَ تبرُّعٌ على وجهِ التمليكِ بالطريق
الذي قدَّمناه، فاشتراطُه البعضَ، أو الكلَّ لنفسه: يُبطِلُه؛ لأن التمليكَ من نفسِهِ
لا يتحقَّقُ، فصار كالصدقة(١) المنفَّذَة، وشَرْطِ بعضِ بُقْعةِ المسجد لنفسه.
ولأبي يوسف رحمه الله: ما رُوي أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان
يأكلُ من صدقته(٢).
والمرادُ منها: صدقتُه الموقوفةُ، ولا يَحِلّ الأكلُ منها إلا بالشرط،
فدلَّ على صحته.
ولأن الوقفَ إزالةُ الملكِ إلى الله تعالى على وجهِ القُربة، على ما
بََّاه، فإذا شَرَطَ البعضَ أو الكلَّ لنفسِهِ: فقد جَعَلَ ما صار مملوكاً لله تعالى
لنفسه، لا أنْ يَجعلَ ملكَ نفسِه لنفسه، وهذا جائزٌ.
كما إذا بنى خاناً، أو سِقَايَةً، أو جَعَلَ أرضَه مَقبرةً، وشَرَطَ أن يَنْزِلَه،
(١) وفي نُسخ: كما في الصدقة.
(٢) قال في نصب الراية ٤٧٩/٣: غريب، وفي الدراية ١٤٦/٢: لم أجده،
واستدرك عليهما العلامة قاسم في منية الألمعي ص ٣٩٨ بأنه رواه الخَصَّاف في الوقف.

٣٨٤
كتاب الوقف
أو يَشرَبَ منه، أو يُدفَنَ فيه.
ولأن مقصودَه القُربةُ، وفي الصرفُ إلى نفسِهِ: ذلك.
قال عليه الصلاة والسلام: ((نفقةُ الرجل على نفسه: صدقةٌ)(١).
ولو شَرَطَ الواقفُ أن يَستبدلَ به أرضاً أخرى إذا شاء ذلك: فهو جائزٌ
عند أبي يوسف رحمه الله.
وعند محمدٍ رحمه الله: الوقفُ جائزٌ، والشرطُ باطلٌ.
ولو شَرَطَ الخيارَ لنفسه في الوقف ثلاثةَ أيامٍ: جاز الوقفُ والشرطُ عند
أبي يوسف رحمه الله.
وعند محمد رحمه الله: الوقفُ باطلٌ، وهذا بناءً على ما ذكرنا.
٢ - وأما فصلُ الولاية(٢): فقد نصَّ محمدٌ رحمه الله فيه على قولِ أبي
يوسف رحمه الله، وهو قولُ هلال رحمه الله أيضاً، وهو ظاهرُ المذهب.
وذَكَرَ هلالٌ رحمه الله في ((وقفه(٣)): وقال أقوامٌ (٤): إنْ شَرَطَ الواقفُ
الولايةَ لنفسه: كانت له ولايةٌ، وإن لم يشترط: لم تكن له ولایةٌ.
(١) سنن النسائي (٩١٨٥)، سنن ابن ماجه (٢١٣٨)، وإسناده جيد، كما في
الدراية ١٤٦/٢.
(٢) وهذا هو الفصل الثاني، وتقدم الأول، وهو شرط الغلة لنفسه.
(٣) تقدم قريباً أنه من كتب الإمام هلال الرأي.
(٤) هذا مقول قول هلال رحمه الله. حاشية سعدي على الهداية.

٣٨٥
کتاب الوقف
قال مشايخنا رحمهم الله: الأشبهُ أن يكونَ هذا(١) قولَ محمدٍ رحمه
الله؛ لأن من أصله: أن التسليمَ إلى القَيِّم شَرْطٌ لصحة الوقف، فإذا سلَّمَ
له: لم يبقَ له ولايةٌ فيه.
ولنا: أن المتولِّيَ إنما يستفيدُ الولايةَ من جهته، بشَرْطه، فيستحيلُ أن
لا تكونَ له الولايةُ، وغيرُه يستفيدُ الولايةَ منه.
ولأنه أقربُ الناسِ إلى هذا الوقف، فيكونُ أَوْلِىُ بولايته، كمَن اتخَذَ
مسجداً: يكون أَوْلىُ بعِمارته، ونَصْبِ المؤذِّن فيه.
وكمَن أعتق عبداً: كان الولاءُ له؛ لأنه أقربُ الناسِ إليه.
ولو أنَّ الواقِفَ شَرَطَ ولايتَه لنفسه، وكان الواقفُ غيرَ مأمونٍ على
الوقف: فللقاضي أن يَنْتَزِعَها من يده؛ نظراً للفقراء، كما له أنْ يُخرِجَ
الوصيَّ؛ نظراً للصغار.
وكذا إذا شَرَطَ أنْ ليس لسلطانٍ، ولا لقاضِ أن يُخرِجَها من يده،
ويولِيّها غيرَه؛ لأنه شَرْطٌ مخالفٌ لحكم الشَّرْع(٢)، فيبطُلُ، والله تعالى
ے
أعلم.
(١) أي الذي ذكره هلالٌ رحمه الله في وقفه.
(٢) لأن الشرع أطلق للقاضي إخراجَ مَن كان منهما؛ دفعاً للضرر عن الفقراء.

٣٨٦
فصل
فصلٌ
وإذا بنى مسجداً: لم يَزُلْ مِلْكُهُ عنه حتى يُفْرِزَه عن مِلْكِه بطريقِهِ،
ويأذَنَ للناس بالصلاة فيه، فإذا صلَّى فيه واحدٌ: زال عن ملكِهِ عند أبي
حنيفة رحمه الله .
فصلٌ
وقتُ زوال مِلك المسجدِ عن واقفِهِ
قال: (وإذا بنى مسجداً: لم يَزُلْ مِلْكُه عنه حتى يُفْرِزَه عن مِلْكِه
بطريقِهِ، ويأذَنَ للناس بالصلاة فيه، فإذا صلَّى فيه واحدٌ: زال عن ملكِهِ
عند أبي حنيفة رحمه الله).
أما الإفرازُ: فلأنه لا يَخلُصُ لله تعالى إلا به.
وأما الصلاةُ فيه: فلأنه لا بدَّ من التسليم عند أبي حنيفة ومحمدٍ
رحمهما الله، ويُشترَطُ تسليمُ نوعِه (١)، وذلك في المسجد: بالصلاة فيه.
أو لأنه لَمَّا تعذَّر القبضُ: يُقَامُ تحقُّقُ المقصودِ مَّقَامَه.
ثم يُكتَفى بصلاةِ الواحدِ فيه، في روايةٍ عن أبي حنيفة رحمه الله، وكذا
عن محمد رحمه الله؛ لأن فِعْلَ كلِّ الجنسِ متعذّرٌ، فَيُشترط أدناه.
(١) أي تسليمُ كلُّ شيءٍ على ما يليق بحاله.

٣٨٧
وقتُ زوال مِلك المسجدِ عن واقفِه
وقال أبو يوسف رحمه الله : يزولُ مِلكُه بقوله : جعلتُه مسجداً.
ومَن جَعَلَ مسجداً تحتَه سِرْدابٌ، أو فوقَه بيتٌ، وجَعَلَ بابَ المسجد
إلى الطريق، وعَزَلَه عن مِلْكِه: فله أن يبيعَه، وإن مات: يورَثُ عنه.
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه يُشترَطُ الصلاةُ بالجماعة؛ لأن المسجدَ
يُبنَى لذلك في الغالب.
(وقال أبو يوسف رحمه الله: يزولُ مِلكُه بقوله: جعلتُه مسجداً)؛ لأن
التسليمَ عندَه ليس بشرطٍ؛ لأنه إسقاطٌ لملك العبد، فيصيرُ خالصاً لله
تعالى بسقوط حَقِّ العبد، وصار كالإعتاق، وقد بيّنَّاه من قبل.
قال: (ومَن جَعَلَ (١) مسجداً تحتَه سِرْدابٌ، أو فوقَه بيتٌ، وجَعَلَ بابَ
المسجد إلى الطريق، وعَزَلَه عن مِلْكِهِ(٢): فله أن يبيعَه، وإن مات: يورَثُ
عنه)؛ لأنه لم يَخلُص لله تعالى؛ لبقاء حقِّ العبد متعلِّقاً به.
ولو كان السِّرْدابُ لمَصالح المسجد: جاز، كما في مسجدٍ بيت
المقدس.
وروى الحسنُ عنه أنه قال: إذا جُعِلَ السُّفْلُ مسجداً، وعلى ظهره
مَسكَنٌ: فهو مسجدٌ؛ لأن المسجدَ مما يتأبَّد، وذلك يتحقَّقُ في السُّفْل،
دون العُلْو.
(١) وفي نُسخ: بنىُ.
(٢) قوله: عن ملكه: مثبتٌ في بداية المبتدي ص ٤١٣، وفي الهداية المضمنة في
البناية ٦٣٧/٩، وكذلك في طبعات الهداية القديمة.

٣٨٨
وقتُ زوال مِلك المسجدِ عن واقفِه
وكذلك إن اتخذَ وَسَطَ دارِه مسجداً، وأَذِنَ للناس بالدخول فيه.
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه لا يُباعُ، ولا يوهَبُ، ولا يُورَثُ.
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه على عكس هذا؛ لأن المسجدَ معظّمٌ،
وإذا كان فوقَه مَسْكَنٌ، أو مُستَغَلَّ(١): يتعذَّر تعظيمُه.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه جَوَّزَ في الوجهَيْن حين قَدِمَ بغدادَ،
ورأى ضيقَ المنازل، فكأنه اعتبر الضرورةَ.
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه حين دَخَلَ الرَّيَّ أجاز ذلك كلَّه؛ لِمَا قلنا.
قال: (وكذلك إنٍ اتخذَ وَسَطَ دارِه مسجداً، وأَذِنَ للناس بالدخول
فيه)، يعني له أن يبيعَه، ويُورَثُ عنه؛ لأن المسجدَ ما لا يكونُ لأحدٍ فيه
حقُّ المنع.
وإذا كان مَلَكُهُ محيطاً بجوانبه: كان له حَقُّ المنع، فلم يَصِرْ مسجداً،
ولأنه أبقى الطریقَ لنفسه، فلم يَخلُص لله تعالى.
(وعن محمدٍ رحمه الله: أنه لا يُباعُ، ولا يوهَبُ، ولا يُورَثُ)، اعتبره
مسجداً.
وهكذا عن أبي يوسف رحمه الله أنه يصيرُ مسجداً؛ لأنه لَمَّا رضيَ
بكونه مسجداً، ولا يصيرُ مسجداً إلا بالطريق: دَخَلَ فيه الطريقُ، وصار
مستَحَقّاً، كما يدخلُ في الإجارةِ من غير ذِكْرٍ.
(١) أي شيءٌ يدرُّ الغلَّة، مثل بيت يؤجر.

٣٨٩
وقتُ زوال مِلك المسجدِ عن واقفِه
ومَن اتخذ أرضَه مسجداً: لم يكن له أن يَرجعَ فيه، ولا يبيعَه، ولا
يُورَثَ عنه.
ومَن بنىُ سِقايةً للمسلمين، أو خاناً ليَسكُنُه بنو السبيل، أو رِباطاً، أو
جَعَلَ أرضَه مَقْبُرَةً : لم يَزُلْ مِلْكُه عن ذلك حتى يَحکمَ به الحاكمُ
قال: (ومَن اتخذ أرضَه مسجداً: لم يكن له أن يَرجعَ فيه، ولا يبيعَه،
ولا يُورَثَ عنه)؛ لأنه تحرَّرَ (١) عن حَقِّ العباد، وصار خالصاً لله تعالى،
وهذا لأن الأشياءَ كلّها لله تعالى.
وو
وإذا أسقط العبدُ ما ثَبَتَ له من الحَقِّ: رجع إلى أصلِه، فانقطع تصرَّفَه
عنه، كما في الإعتاق.
ولو خَرِبَ ما حولَ المسجد، واستُغنِيَ عنه: يبقى مسجداً عند أبي
يوسف رحمه الله؛ لأنه إسقاطٌ منه، فلا يعودُ إلىُ مِلْكِهِ.
وعند محمدٍ رحمه الله: يعودُ إلى مِلْكِ الباني، أو إلى وارثِه بعد موته؛
لأنه عيَّنَه لنوع قُرْبةٍ، وقد انقطعت، فصار كحصير المسجد، وحشيشِه(٢)
إذا استُغنِيَ عنه، إلا أن أبا يوسف رحمه الله يقول في الحصير والحشيش:
إنه يُنقَلُ إلى مسجدٍ آخَر.
قال: (ومَن بنىُ سِقايةً للمسلمين، أو خاناً ليَسكُنُه بنو السبيل، أو
رباطاً، أو جَعَلَ أرضَه مَقْبَرَةً: لم يَزُلْ مِلْكُه عن ذلك حتى يَحكمَ به الحاكمُ
(١) وفي نُسخ: تجرَّد.
(٢) مما ينبت في أرض المسجد، مما له قيمةٌ ويباع.

٣٩٠
وقتُ زوال مِلك المسجدِ عن واقفِه
عند أبي حنيفة رحمه الله.
وعند أبي يوسف رحمه الله : يزولُ مِلْكُه بالقول.
وعند محمدٍ رحمه الله : إذا استقى الناسُ من السِّقاية، وسَكَنُوا الخانَ
والرِّباطَ، ودَفَنوا في المقبرة : زال الملكُ.
عند أبي حنيفة رحمه الله)؛ لأنه لم ينقَطِعْ عنه حَقُّ العبد.
ألا يُرى أن له أن يَنتفعَ به، فَيَسكنَ في الخان، ويَنَزلَ في الرِّباط،
ويَشربَ من السِّقاية، ويُدفَنَ في المقبرة، فيُشترطُ حُكمُ الحاكمِ، أو الإضافةُ
إلى ما بعد الموت، كما في الوقفِ على الفقراء.
بخلاف المسجد؛ لأنه لم يبقَ له حَقُّ الانتفاع به، فخَلُص لله تعالى من
غير حُكْمٍ الحاكم.
(وعند أبي يوسف رحمه الله: يزولُ مِلْكُه بالقول)؛ كما هو أصله، إذِ
التسليمُ عنده ليس بشرطٍ، والوقفُ لازمٌ.
(وعند محمدٍ رحمه الله: إذا استقىُ الناسُ من السِّقاية، وسكنوا الخانَ
والرِّباطَ، ودَفَنوا في المقبرة: زال الملكُ)؛ لأن التسليمَ عنده شرطٌ،
والشرطُ تسلیمُ نوعِه، وذلك بما ذكرناه.
ويُكتفَى بالواحد: لتعذَّر فِعْلِ الجنسِ كلِّه.
وعلى هذا: البئرُ الموقوفةُ، والحوضُ.
ولو سَلَّمُ(١) إلى المتولِّي: صحَّ التسليمُ في هذه الوجوه كلِّها؛ لأنه
(١) وفي نُسخ: سُلِّمَ: بالمبني للمجهول.

٣٩١
وقتُ زوال مِلك المسجدِ عن واقفِه
نائبٌ عن الموقوف عليه، وفِعْلُ النائبِ: كفعل المَنوب عنه.
وأما في المسجد: فقد قيل: لا يكونُ تسليماً؛ لأنه لا تدبيرَ للمتولي فيه.
وقيل: يكون تسليماً؛ لأنه يُحتاجُ إلى مَن يَكنُسُه، ويُغلِقُ بابَه، فإذا
سُلِّمَ إليه: صحَّ التسليم.
والمقبرةُ في هذا: بمنزلة المسجد، على ما قيل؛ لأنه لا متولِّيَ له عرفاً.
وقيل: هي بمنزلة السِّقاية، والخانِ، فيصحُّ التسليمُ إلى المتولي؛ لأنه
لو نَصَبَ المتوليَ: يصحُّ وإن كان بخلاف العادة.
ولو جَعَلَ داراً له بمكةَ سُكنىَّ لحاجٌّ بيتِ الله والمعتمرِين، أو جَعَلَ دارَه
في غير مكةَ سكنىَ للمساكين، أو جَعَلَها في ثَغْرِ من الثّغور سكنىَ للغُزاة
والمُرابطين، أو جَعَلَ غَلَّةَ أرضِهِ للغُزَاة في سبيل الله تعالى، ودَفَعَ ذلك إلى
والٍ يقومُ عليه: فهو جائزٌ، ولا رجوعَ فيها؛ لِمَا بيَّنَّا.
إلا أن في الغَلَّةَ: تَحِلِّ للفقراء، دون الأغنياء.
وفيما سواه، من سُكنى الخان، والاستقاء من البئر والسقاية، وغيرِ
ذلك: يستوي فيه الغنيُّ والفقير.
والفارقُ: هو العُرْفُ بين في الفصلين، فإنَّ أهلَ العُرفِ يريدون بذلك
في الغلَّةِ: الفقراءَ، وفي غيرِها: التسويةَ بينهم وبين الأغنياء.
ولأن الحاجةَ تشملُ الغنيَّ والفقيرَ في الشُّرْب والنزولِ، والغنيُّ لا
يَحتاجُ إلى صَرْفِ هذا الغُلَّةِ؛ لِغِناه، والله تعالى أعلم بالصواب.

٣٩٢
كتاب البيوع
كتاب البيوع
البيعُ ينعقدُ بالإيجابِ والقَبُول، إذا كانا بلفظِ الماضي.
وإذا أوجب أحدُ المتعاقدين البيعَ، فالآخَرُ بالخيار : إن شاء قَبلَ في
المجلس، وإن شاء رَدَّه.
كتاب البيوع
قال: (البيعُ ينعقدُ بالإيجاب والقَبُول، إذا كانا بلفظِ الماضي)، مثلُ أن
و
يقولَ أحدُهما: بِعْتُ، والآخَرُ يقولُ: اشتريتُ؛ لأن البيعَ إنشاءَ تصرُّفٍ،
والإنشاءَ يُعرَفُ بالشرع، والموضوعُ للإخبار قد استُعمل فيه، فينعقدُ به.
ولا ينعقدُ بلفظَيْن أحدُهما لفظُ المستقبلِ، والآخَرُ لفظُ الماضي(١)،
بخلاف النكاحِ، وقد مرَّ الفرقُ هناك.
وقولُه: رضيتُ بكذا، أو أعطيتُك بكذا، أو خُذْهُ بكذا: في معنى قولِه:
بعتُ واشتريتُ؛ لأنه يؤدي معناه، والمعنى هو المعتَبَرُ في هذه العقود.
ولهذا ينعقدُ بالتعاطي في النَّفِيس والخَسيسِ، هو الصحيح؛ لتحقُّق
المراضاة.
قال: (وإذا أوجب أحدُ المتعاقدين البيعَ، فالآخَرُ بالخيار: إن شاء قَبَلَ
في المجلس، وإن شاء رَدَّه).
(١) قوله: والآخَر لفظ الماضي: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.

٣٩٣
کتاب البيوع
وأيُّهما قام عن المجلس قَبْلَ القَبول : بَطَلَ الإيجابُ.
وإذا حَصَلَ الإيجابُ والقَبولُ: لَزِمَ البيعُ، ولا خيارَ لواحدٍ منهما، ..
وهذا خيارُ القَبُول؛ لأنه لو لم يثبت له الخيار: يلزمُهُ حُكْمُ العقد من
غیر رضاه.
وإذا لم يُهِدِ الحكمَ بدون قَبُولِ الآخَر: فللموجبِ أن يرجعَ عنه قبلَ
قبولِه؛ لخُلُوِّه(١) عن إيطال حَقِّ الغير.
وإنما يمتدَّ إلى آخِرِ المجلس؛ لأن المجلسَ جامِعٌ للمتفرِّقات،
فاعتُبرت ساعاتُه ساعةً واحدةً؛ دفعاً للعُسر، وتحقيقاً لليُسْر.
والكتابُ: كالخَطَاب.
وكذا الإرسالُ، حتى اعتُبر مجلسُ بلوغِ الكتابِ، وأداءِ الرسالة.
وليس له أن يَقبلَ في بعضِ المبيع.
ولا أن يَقبَلَ المشتَرَى ببعض الثمن؛ لعدم رضا الآخَرِ بتفرُّق الصفقة،
إلا إذا بُيِّنَ ثمنُ كلِّ واحدٍ؛ لأنه صَفَقَاتٌ معنىً.
قال: (وأيُّهما قام عن المجلس قَبْلَ القَبول: بَطَلَ الإيجابُ)؛ لأن القيامَ
دليلُ الإعراضِ والرجوعِ، وله ذلك، على ما ذكرناه.
قال: (وإذا حَصَلَ الإيجابُ والقَبولُ: لَزِمَ البيعُ، ولا خيارَ لواحدٍ منهما،
(١) وفي نُسخ: لعَرائه.

٣٩٤
کتاب البيوع
إلا من عیب، أو عدمٍ رؤيةٍ.
والأعواضُ المُشارُ إليها لا يُحتاجُ إلى معرفة مقدارِها في جواز البيع.
والأثمانُ المُطلَقةُ لا تصحُّ إلا أن تكونَ معروفةَ القَدْرِ والصفةِ.
إلا من عيبٍ، أو عدمٍ رؤيةٍ).
وقال الشافعي(١) رحمه الله: يثبتُ لكلِّ واحدٍ منهما خيارُ المجلس؛
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المتبايعان بالخيار ما لم يَتَفرَّقا))(٢).
ولنا: أن في الفسخ إبطالَ حَقِّ الآخَرِ، فلا يجوز.
والحديثُ: محمولٌ على خيارِ القبول، وفيه إشارةٌ إليه، فإنهما
متبايعان حالةَ المباشرة، لا بعدَها، أو يَحتمِلُهُ، فيُحمَلُ عليه.
والتفرُّق فيه: تفرُّقُ الأقوال.
قال: (والأعواضُ المُشارُ إليها لا يُحتاجُ إلى معرفة مقدارها في جواز
البيع)؛ لأن بالإشارة كفايةً في التعريف، وجهالةُ الوصف فيه لا تُفضي إلى
المنازعة.
قال: (والأثمانُ المُطلَقةُ لا تصحُّ إلا أن تكونَ معروفةَ القَدْرِ والصفةِ)؛
لأن التسليمَ والتسلَّمَ واجبٌ بالعقد، وهذه الجهالةُ مفضِيةٌ إلى المنازعة،
فيمتنعُ التسليمُ والتسلّمُ، وكلّ جهالةٍ هذه صفتُها: تمنعُ الجوازَ، هذا هو
و
الأصل.
(١) أسنى المطالب ٤٨/٢.
(٢) صحيح البخاري (٢١٠٨)، صحيح مسلم (١٥٣١).

٣٩٥
كتاب البيوع
ويجوزُ البيعُ بثمنٍ حالِّ ومؤجَّلٍ إذا كان الأجلُ معلوماً.
ومَن أطلق الثمنَ في البيع : كان على غالِبِ نَقْدِ البلد.
فإن كانتِ النقودُ مختلفةً: فالبيعُ فاسدٌ، إلا أن يُبَيِّنَ أحدَها.
قال: (ويجوزُ البيعُ بثمنٍ حالٍّ ومؤجَّلٍ(١) إذا كان الأجلُ معلوماً).
لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾. البقرة/ ٢٧٥.
وعن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه اشترى من يهوديِّ طعاماً(٢) إلى
أجلٍ معلومٍ، ورَهَنَه دِرْعَه(٣).
ولا بدَّ أن يكونَ الأجلُ معلوماً؛ لأن الجهالةَ فيه مانعةٌ من التسليم
الواجب بالعقد، فهذا يطالبُه به(٤) في قريبِ المدة، وهذا يُسلِّمُه في بعيدها.
قال: (ومَن أطلق الثمنَ في البيع: كان على غالِبِ نَقْدِ البلد)؛ لأنه هو
المتعارَفُ، وفيه التحرِّي للجواز، فيُصرَفُ إليه.
قال: (فإن كانتِ النقودُ مختلفةً: فالبيعُ فاسدٌ، إلا أن يُبيِّنَ أحدَها).
وهذا إذا كان الكلُّ في الرَّوَاجِ سواءً؛ لأن الجهالةَ مفضيةٌ إلى
المنازعة، إلا أنْ ترتفعَ الجهالةُ بالبيان، أو يكونَ أحدُهما أغلبَ وأروجَ:
فحينئذٍ يُصرَفُ إلیه؛ تحرِّیاً للجواز.
(١) وفي نُسخ: أو مؤجَّل.
(٢) وفي نُسخ: ثوباً، وفي أخرى: شيئاً.
(٣). صحيح البخاري (٢٢٥٢)، صحيح مسلم (١٦٠٣)، وفيهما: لفظ: طعاماً.
(٤) أي البائع يطالب المشتري بالثمن. البناية ١٠/ ٣٢.

٣٩٦
کتاب البيوع
ويجوزُ بيعُ الطعامِ، والحُبُوبِ مكايلةً، ومجازفةً.
ويجوزُ بإناءٍ بِعَيْنِه لا يُعرَفُ مقدارُه، وبوَزْنِ حَجَرِ بعَيْنه لا يُعرَفُ مقدارُه.
وهذا إذا كانت مختلفةً في المالية، فإن كانت سواءً فيها، كالثنائيِّ
والثلاثيِّ والنُّصْرَتَيَّ اليومَ بِسَمَرْقَنْدَ، والاختلافِ بين العَدَاليِّ(١) بفَرْغانة(٢):
جاز البيعُ إذا أُطلقَ اسمُ الدرهم، كذا قالوا (٣)، ويَنصرفُ إلى ما قُدِّرَ به من
أيِّ نوعٍ كان؛ لأنه لا منازعةً، ولا اختلافَ في المالية.
قال: (ويجوزُ بيعُ الطعامِ، والحُبُوبِ مكايلةً، ومجازفةً).
وهذا إذا باعه بخلاف جنسِه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا اختلف
النوعان: فبيعوا كيف شئتُم بعد أن يكون يداً بيدٍ))(٤).
بخلاف ما إذا باعه بجنسه مجازَفَةً؛ لِمَا فيه من احتمالِ الربا.
ولأن الجهالةَ غيرُ مانعةٍ من التسليم والتسلِّم، فشابَهَ جهالةَ القيمة.
قال: (ويجوزُ بإناءِ بعَيْنِه لا يُعرَفُ مقدارُه، وبوَزْنِ حَجَرَ بعَيْنِه لا يُعرَفُ
مقداره).
(١) في لغة فقهاء ما وراء النهر يسمون الدرهم: عدالياً، وأما الثنائي وما بعده فهي
أسماءٌ عُرفت في زمنهم. ينظر البناية ١٠/ ٣٣.
(٢) وهي بلادُ المصنِّفِ الإمامِ المرغيناني رحمه الله، ومَرْغِينان: مدينةٌ من ولاية
فرغانة، كما تقدم في ترجمة المصنّف.
(٣) أي المتأخرون من المشايخ رحمهم الله.
(٤) غريب بهذا اللفظ، كما في نصب الراية ٤/٤، لكن في مسلم (١٥٨٧)
وغيره: ((إذا اختلفت هذه الأصناف: فبيعوا کیف شئتم)).

٣٩٧
کتاب البيوع
ومَن باع صُبْرَةَ طعامٍ، كلَّ قَفِيزٍ بدرهمٍ : جاز البيعُ في قَفِيزٍ واحدٍ عند
أبي حنيفة رحمه الله، إلا أن يُسَمِّيَ جُملةَ قُفْزَانِها، وقالا: يجوز في
الوجھیْن.
لأن الجهالةَ لا تُفضي إلى المنازعة؛ لِمَا أنه يَتعجّلُ فيه التسليمُ، فَيَنْدُرُ
هلاكُه قبلَه.
بخلاف السَّلَم؛ لأن التسليمَ فيه متأخِّرٌ، والهلاكُ ليس بنادر قبلَه،
فتتحقَّقُ المنازعة.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يجوز في البيع أيضاً، والأولُ أصحُ
وأظھرُ.
قال: (ومَن باع صُبْرَةَ طعامٍ، كلَّ قَفِيزِ بدرهمٍ: جاز البيعُ في قَفِيزٍ واحدٍ
عند أبي حنيفة رحمه الله، إلا أن يُسَمِّيَ جُملةَ(١) قُفْزَانها، وقالا: يجوز في
الوجهَیْن).
له: أنه تعذَّرَ الصرفُ إلى الكلِّ؛ لجهالة المَبيع والثمنِ، فَيُصرَفُ إلى
الأقلُّ، وهو معلومٌ، إلا أنْ تزولَ الجهالةُ بتسمية جميع القَفْزان، أو بالكيل
في المجلس.
وصار(٢) هذا كما لو أقرَّ، وقال: لفلانٍ عليَّ كلّ درهم: فعليه درهمٌ
واحدٌ، بالإجماع.
(١) وفي نُسخ: جميعَ.
(٢) من قوله: وصار ... ، إلى قوله: بالإجماع: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.

٣٩٨
کتاب البيوع
ومَن باع قطيعَ غَنَمٍ، كلَّ شاةٍ بدرهمٍ : فَسَدَ البيعُ في جميعها عند أبي
حنيفة رحمه الله .
وكذلك مَن باع ثوباً مُذارَعةً، كلّ ذراعٍ بدرهمٍ، ولم يُسمِّ جملةً
الذُّرْعان.
ولهما: أن الجهالةَ: بيدِهما إزالتُها، ومثلُها غيرُ مانعٍ.
كما إذا باع عبداً من عبدين، لا على التعيين ، على أن المشتريَ
بالخيار؛ لأنه لا يُفضي إلى المنازعة، وهو وجهُ الجمع بين المسألتين.
ثم إذا جاز في قفيزٍ واحدٍ عند أبي حنيفة رحمه الله: فللمشتري
الخيارُ؛ لتفرُّقِ الصَّفْقَة علیه.
وكذا إذا كِيْلَ في المجلس، أو سمَّى جملةَ قُفْزانها؛ لأنه عَلِمَ ذلك
الآن، فله الخيارُ، كما إذا رآه، ولم يكن رآه وقتَ البيع.
قال: (ومَن باع قطيعَ غَنَمٍ، كلَّ شاةٍ بدرهمٍ: فَسَدَ البيعُ في جميعها عند
أبي حنيفة رحمه الله.
وكذلك مَن باع ثوباً مُذارَعَةً، كلَّ ذراعٍ بدرهمٍ، ولم يُسمِّ جملةً
الذُّرْعان)، وكذا كلّ معدودٍ متفاوتٍ.
وعندهما: يجوز في الكلِّ؛ لِمَا قلنا.
وعنده: يَنْصرِفُ إلى الواحد؛ لِمَا بِيَنَّا.
غيرَ أن بيعَ شاةٍ من قَطِيعٍ غنمٍ، وذِراعٍ من ثوبٍ: لا يجوزُ؛ للتفاوت.
وبيعُ قَفِيزِ من صُبْرةٍ: يجوز؛ لعدم التفاوت، فلا تُفضِي الجهالةُ إلى
المنازعة فيه، وتُفضِي إليها في الأول، فوَضَحَ الفرقُ.

٣٩٩
کتاب البيوع
ومَن ابتاع صُبْرَةً، على أنها مائةُ قفيزٍ، بمائة درهمٍ، فوَجَدَها أقلّ :
كان المشتري بالخيار: إن شاء أَخَذَ الموجودَ بحِصَّته من الثمن، وإن شاء
فَسَخَ البيعَ، وإن وَجَدَها أكثرَ : فالزيادةُ للبائع.
ومَن اشترىُ ثوباً على أنه عشرةُ أذرعٍ، بعشرةٍ دراهم، أو أرضاً على
أنها مائةُ ذراعٍ، بمائةِ درهمٍ، فوَجَدَها أقلَّ: فالمشتري بالخيار : إن شاء
أَخَذَها بجُملة الثمن، وإن شاء تَرَكَ.
قال: (ومَن ابتاع صُبْرَةً، على أنها مائةُ قفيزٍ، بمائة درهم، فوَجَدَها
أقلّ: كان المشتري بالخيار: إن شاء أَخَذَ الموجودَ بحِصَّته من الثمن، وإن
شاء فَسَخَ البيعَ)؛ لتفرُّق الصَّفْقَةِ عليه قبلَ التمام(١)، فلم يَتِمَّ رضاه
بالموجود.
(وإن وَجَدَها أكثرَ: فالزيادةُ للبائع)؛ لأن البيعَ وَقَعَ على مقدارٍ معلومٍ
معيَّنٍ، والقدرُ ليس بوَصْفٍ.
قال: (ومَن اشترى ثوباً على أنه عشرةُ أذرعٍ، بعشرةٍ دراهم، أو أرضاً
على أنها مائةُ ذراعٍ، بمائةِ درهمٍ، فوَجَدَها أقلّ: فالمشتري بالخيار: إن
شاء أَخَذَها بجُملة الثمن، وإن شاء تَرَكَ).
لأن الذَّرْعَ وَصْفٌ في الثوب؛ ألا يُرى أنه عبارةٌ عن الطُّوْل والعَرْض،
والوصفُ لا يقابلُه شيء من الثمن، كأطراف الحيوان، فلهذا يأخذُه بكلِّ
الثمن.
(١) قوله: قبل التمام: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.

٤٠٠
كتاب البيوع
وإن وَجَدَها أكثرَ من الذَّرْعِ الذي سمَّه: فهو للمشتري، ولا خيارَ
للبائع.
ولو قال : بعتُكَهَا على أنها مائةُ ذراعٍ، بمائة درهمٍ، كلّ ذراعٍ بدرهمٍ،
فَوَجَدَها ناقصةً، فالمشتري بالخيار: إن شاء أَخَذَها بحِصَّتها من الثمن،
وإن شاء تَرَكَ .
وإن وَجَدَها زائدةً: فهو بالخيار: إن شاء أَخَذَ الجميعَ كلَّ ذراعِ
بدرهم، وإن شاء فَسَخَ البيعَ.
بخلاف الفصلِ الأول؛ لأن المقدارَ يقابلُه الثمنُ، فلهذا يأخذُه
بحصته من الثمن، إلا أنه يتخيَّر؛ لفوات الوصف المذكور؛ لتغيُّر المعقودِ
عليه، فيختلّ الرضا.
قال: (وإن وَجَدَها أكثرَ من الذَّرْعِ الذي سمَّه: فهو للمشتري، ولا
خيارَ للبائع)؛ لأنه صفةٌ، فكان بمنزلةٍ ما إذا باعه مَعِيباً، فإذا هو سليمٌ.
قال: (ولو قال: بعتُكَهَا على أنها مائةُ ذراعٍ، بمائة درهمٍ، كل ذراعِ
بدرهمٍ، فوَجَدَها ناقصةً، فالمشتري بالخيار: إن شاء أَخَذَها بحِصَّتها من
الثمن، وإن شاء تَرَكَ)؛ لأن الوصفَ وإن كان تابعاً لكنه صار أصلاً بإفراده
بذِكْر الثمن، فيُنزَّلُ كلُّ ذراعٍ منزلةَ ثوبٍ.
وهذا لأنه لو أَخَذَه بكلِّ الثمن: لم يكن آخِذاً لكلِّ ذراعٍ بدرهم.
قال: (وإن وَجَدَها زائدةً: فهو بالخيار: إن شاء أَخَذَ الجميعَ كلّ ذراعِ
بدرهم، وإن شاء فَسَخَ البيعَ).