Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ باب باب الغنائم، وقِسْمتها وإذا فَتَحَ الإِمامُ بلدةً عَنْوَةً فهو بالخيار : إن شاء قَسَمَها بين الغانمين، وإن شاء أقرَّ أهلَها عليها، ووَضَعَ عليهمُ الجزيةَ، وعلىُ أراضيهم الخَرَاجَ. باب الغنائم، وقِسْمتها قال: (وإذا فَتَحَ الإِمامُ بلدةً عَنْوَةً)، أي قَهْراً: (فهو بالخيار: إن شاء قَسَمَها(١) بين الغانمين(٢)). كما فَعَلَ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام بخَيْير (٣). قال: (وإن شاء أقرَّ أهلَها عليها، ووَضَعَ عليهمُ الجزيةَ، وعلى أراضيهم الخَرَاجَ)؛ كذلك فَعَلَ عمرُ رضي الله عنه بسَوَادِ العراق(٤)، بموافقةٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يُحمَدْ مَن خالفه. (١) وفي نُسخ: قَسَمَه. قلت: أي قَسَمَ البلدة، بتأويل البلد. البناية ١٥٧/٩. (٢) وفي نُسَخٍ: المسلمين. (٣) صحيح البخاري (٢١٢٥، ٤٢٣٥)، الأموال لأبي عبيد ص ٥٨، وينظر التلخيص الحبير ١١٥/٤. (٤) الأموال لأبي عبيد ص ٥٩، صحيح البخاري (٤٢٣٥)، وينظر نصب الراية ٤٣٨/٣، فتح الباري ٢٢٤/٦. ١٨٢ الغنائم، وقِسْمتها وفي كلٌّ من ذلك(١) قُدْوةٌ، فيتخيَُّ(٢). وقيل: الأَوْلى: هو الأولُ(٣) عند حاجة الغانمين. والثاني(٤): عند عدم الحاجة؛ ليكون عُدَّةً في الزمان الثاني(٥)، وهذا في العقار. أما في المنقولِ المجرَّدِ: لا يجوزُ المَنُّ بالردِّ عليهم؛ لأنه لم يَرِدْ به الشرعُ فيه. وفي العقار: خلافُ الشافعيّ(٦) رحمه الله؛ لأن في المَنِّ إبطالَ حقٍّ الغانمين، أو مِلْكِهم، فلا يجوزُ من غير بَدَل يعادِلُه، والخراجُ غيرُ معادِلٍ؛ لقِلَّته، بخلاف الرقاب؛ لأنَّ للإمام أن يُبطِلَ حَقَّهم رأساً بالقتل. والحُجَّةُ عليه: ما رويناه. ولأن فيه نظراً؛ لأنهم كالأَكَرَةَ (٧) العاملةِ للمسلمين، العالِمَةِ بوجوه (١) أي بين القسمة والإقرار. (٢) أي يتخيَّر الإمامُ بين القسمة والإقرار. (٣) أي القسمة. (٤) أي إقرار أهل البلد. (٥) أي في الزمان الذي يأتي بعدهم. (٦) نهاية المطلب ٥٣٨/١١. (٧) أي المزارعين، من: أَكَرَ: أي حَرَثَ الأرض. ١٨٣ الغنائم، وقِسْمتها وهو في الأُسارى بالخيار : إن شاء قَتَلَهم، وإن شاء استَرقَّهم. وإن شاء تَرَكَهم أحراراً ذِمَّةً للمسلمين إلا مُشرِكي العربِ، والمرتدِّين. ولا يجوزُ أن يَردَّهم إلى دار الحرب. الزراعة، والمُؤَنُ مرتفعةٌ، مع ما أنه يَحظى به الذين يأتون مِن المسلمين العامةِ مِن بعدهم. والخراجُ وإن قلَّ حالاً: فقد جَلَّ مَآلاً؛ لدوامه. وإنْ مَنَّ عليهم بالرقاب والأراضي: يدفَعُ إليهم من المنقولات بقدر ما يَتَهِيَّ لهمُ العملُ؛ لَيَخرُجَ عن حَدِّ الكراهة. قال: (وهو في الأَسارى بالخيار: إن شاء قَتَلَهم)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد قَتَلَ (١)، ولأن فيه حَسْمَ مادةِ الفساد. (وإن شاء استَرَقَّهم)؛ لأن فيه دَفْعَ شرِّهم، مع وُفور المنفعةِ لأهل الإسلام. (وإن شاء تَرَكَهم أحراراً ذِمَّةً للمسلمين)؛ لِمَا بَيَنَّهِ(٢). (إلا مُشرِكي العربِ، والمرتدِّين)، على ما نُبَيِّنُ إن شاء الله تعالى(٣). قال: (ولا يجوزُ أن يَردَّهم إلى دار الحرب)؛ لأن فيه تقوِيَتَهم على المسلمین. (١) فيه عدة أحاديث، منها في صحيح مسلم (١٣٥٧) وغيره، مِنْ أَمْره صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خَطَل وهو متعلَّقٌ بأستار الكعبة، ينظر الدراية ١١٩/٢. (٢) إشارة إلى فعل عمر رضي الله عنه. (٣) فى باب الجزية. ١٨٤ الغنائم، وقِسْمتها وله أن یَسْتَرِقَّهم. ولا يُقادَى بهم أُسارَى المسلمين عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا : يُقَادَى بهم أُسارَى المسلمين. فإن أسلموا: لا يَقتلُهم؛ لاندفاع الشرِّ بدونه(١). (وله أن يَسْتَرِقُّهم)؛ توفيراً للمنفعة بعد انعقادِ سبب الملك(٢). بخلاف إسلامهم قبلَ الأخذ؛ لأنه لم ينعقدِ السببُ بعد. قال: (ولا يُقادَى بهم أُسارَى المسلمين عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: يُقادَى بهم أُسارَى المسلمين)، وهو قولُ الشافعي(٣) رحمه الله؛ لأن فيه تخليصَ المسلم، وهو أَوْلى من قَتْل الكافر، والانتفاعِ به. وله: أن فيه معونةً(٤) للكَفَرة؛ لأنه يعودُ حَرْباً علينا. ودَفْعُ شَرِّ حِرَابه: خيرٌ من استنقاذِ الأسيرِ المسلم؛ لأنه إذا بقِيَ في أيديهم كان ابتلاء في حَقِّه، غيرَ مضافٍ إلينا، والإعانةُ بدفع أسيرهم إليهم: مضافٌ إلینا. أما المفاداةُ بمال يأخذُه(6) منهم: لا يجوز، في المشهور من المذهب؛ لِمَا بِيَّنَا. (١) أي بدون القتل. (٢) وهو أخذهم وهم كفارٌ. البناية ١٦٣/٩. (٣) الحاوي الكبير ٤٠٤/٨. (٤) وفي نُسخ: تقويةً. (٥) أي الإمام الحاكم، وفي نُسخ: نأخذه. ١٨٥ الغنائم، وقِسْمتها ولا يجوزُ المَنُّ عليهم. وإذا أراد الإمامُ العَوْدَ إلى دارِ الإسلام ومعه مَوَاشٍ، فلم يقدِرْ ..... وفي (السِّير الكبير)): أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجةٌ؛ استدلالاً بأُسارى بدر(١). ولو كان أسلم الأسيرُ في أيدينا: لا يُفادَى بمسلمٍ أسيرٍ في أيديهم؛ لأنه لا يُفيدُ إلا إذا طابَتْ نفسُه به، وهو مأمون على إسلامه. قال: (ولا يجوزُ المَنُّ عليهم)، أي علىُ الأُسارىُ. خلافاً للشافعي(٢) رحمه الله، فإنه يقولُ: مَنَّ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام على بعض الأُسَارَىُ يومَ بدر (٣). ولنا: قوله تعالى: ﴿فَأَقْتُلُوْ اُلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُّمُوهُمْ﴾. التوبة/ ٥. ولأنه بالأَسْرِ والقَسْرِ: ثبت حَقُّ الاسترقاق فيه، فلا يجوزُ إسقاطُه بغير منفعةٍ وعِوَضٍ. وما رواه: منسوخٌ بما تلوناه. قال: (وإذا أراد الإمامُ العَوْدَ إلى دارِ الإسلامِ ومعه مَوَاشٍ، فلم يقدِرْ (١) حيث فادى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُسارى المشركين بفديةٍ أخذها منهم، كما في صحيح مسلم (١٧٦٣)، وينظر نصب الراية ٤٠٢/٣. (٢) وكذلك عند الشافعية لا يجوز المن عليهم. البيان للعمراني ١٢ / ١٦٧. (٣) سنن أبي داود (٢٦٩٢)، الدراية ١١٩/٢. ١٨٦ الغنائم، وقِسْمتها علىُ نَقْلِها إلى دار الإسلام: ذَبَحَها، وحَرَّقَها، ولا يَعِقِرُها، ولا يترُكُها. علىُ نَقْلِها إلى دار الإسلام: ذَبَحَها، وحَرَّقَها، ولا يَعقِرُها، ولا يترُكُها). وقال الشافعيُّ(١) رحمه الله: يترُكُها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ذَبْحِ الشاة، إلا لِمَأْكُلَةٍ(٢). ولنا: أن ذَبْحَ الحيوانِ يجوزُ لغرضٍ صحيحٍ، ولا غرضَ أصحّ من كَسْرِ شوكة الأعداء. ثم يُحَرَّقُ بالنار: لتنقطعَ منفعتُه عن الكفار، وصار كتخريب البنيان. بخلاف التحريقِ قبلَ الذََّح: لأنه منهيٌّ عنه(٣). وبخلاف العَقْر: لأنه مُثْلَةٌ. وتُحرَّقُ الأسلحةُ أيضاً. وما لا يَحْتَرِقُ منها: يُدفَنُ في موضع لا يَقِفُ عليه الكفارُ؛ إبطالاً للمنفعة علیھم. (١) الحاوي الكبير ١٤ / ١٧٠. (٢) قال في الدراية ٢/ ١٢٠: لم أجده، وروي موقوفاً، لكن العلامة قاسم في التعريف والإخبار ٢٨٣/٣ ذكر عن مراسيل أبي داود (٣١٦، ٥٤٣) مرفوعاً: ((ولا تَقْتُلْ بهيمةً ليس لكَ بها حاجة)). (٣) بعموم النهي عن القتل بالنار فيما ورد في صحيح البخاري (٣٠١٦) من قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يعذِّب بها - النار - إلا الله). ١٨٧ الغنائم، وقِسْمتها ولا يَقسِمُ غنيمةً في دار الحرب، حتى يُخرِجَها إلى دار الإسلام قال: (ولا يَقْسِمُ غنيمةَ في دار الحرب، حتى يُخرِجَها إلى دار الإسلام). وقال الشافعي(١) رحمه الله: لا بأسَ بذلك. وأصلُه: أن المِلكَ للغانمين لا يثبتُ قبلَ الإحرازِ بدار الإسلام عندنا. وعنده: یثبت. وتُبتَنى على هذا الأصل عدةٌ من المسائل، ذكرناها في ((كفاية المنتهي)) بتوفيق الله تعالی. له: أن سببَ الملك: الاستيلاءَ إذا وَرَدَ على مال مباحٍ، كما في الصيود، ولا معنى للاستيلاء سوی إثباتِ الید، وقد تحقّق. ولنا: أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب (٢). والخلافُ ثابتٌ فيه (٣)، والقسمةُ بيعٌ معنىِ، فتدخلُ تحتَه. ولأن الاستيلاءَ إثباتُ اليدِ الحافظةِ، والناقلةِ، والثاني(٤): مُتُعدِمٌ؛ لقُدرتِهم على الاستنقاذ، ووجودِه ظاهراً. ثم قيل: موضعُ الخلافِ تَرَقُّبُ الأحكامِ على القسمة إذا قَسَمَ الإمامُ، لا عن اجتهادٍ ؛ لأن حکمَ الملكِ لا یثبتُ بدونه. (١) الحاوي الكبير ١٦٥/١٤. (٢) قال في الدراية: لم أجده، وكذلك في التعريف والإخبار ٢٨٣/٣. (٣) أي الخلاف المذكور بيننا وبين الشافعي ثابتٌ في البيع. البناية ١٦٩/٩. (٤) أي إثبات اليد الناقلة. ١٨٨ الغنائم، وقِسْمتها والرِّدْءُ والمقاتِلُ في العسكر : سواء. وإذا لَحِقَهمُ المَدَدُ في دار الحرب قبلَ أن يُخرِجوا الغنيمةَ إلى دار الإسلام : شاركوهم فيها . وقيل: الكراهةُ، وهي كراهةُ تنزيهِ عند محمدٍ رحمه الله. فإنه قال(١) على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: لا تجوزُ القسمة في دار الحرب. وعند محمدٍ رحمه الله: الأفضلُ أنْ يَقسِمَ في دار الإسلام. ووجهُ الكراهة: أن دليلَ البطلانِ راجحٌ، إلا أنه تقاعَد عن سَلْبِ الجواز، فلا يتقاعدُ عن إيراثِ الكراهة. قال: (والرِّدْءُ (٢) والمقاتِلُ في العسكر: سواءٌ)؛ لاستوائهم في السبب، وهو المجاوَزَةُ، أو شهودُ الوَقْعة، على ما عُرِف. وكذلك إذا لم يقاتِلْ لمرضٍ أو غيرِهِ؛ لِمَا ذکرنا. قال: (وإذا لَحِقَهمُ المَدَدُ في دار الحرب قبلَ أن يُخرِجوا الغنيمةَ إلى دار الإسلام: شاركوهم فيها). خلافاً للشافعي(٣) رحمه الله بعدَ انقضاء القتال. (١) أي الإمام محمدٌ رحمه الله. (٢) هو العَوْن. (٣) نهاية المطلب ١١ / ٤٩٧. ١٨٩ الغنائم، وقِسْمتها ولا حَقَّ لأهل سُوقِ العسكرِ في الغنيمة، إلا أن يقاتِلوا. وهو (١) بناءٌ على ما مهَّدناه من الأصل(٢). وإنما يَنقطعُ حَقُّ المشاركة عندنا بالإحراز، أو بقسمة الإمام في دار الحرب، أو ببيعه المَغانمَ فيها؛ لأنَّ بكلِّ واحدٍ من ذلك يتمَّ الملكُ، فينقطعُ حقُ(٣) شركةِ المَدَد. قال: (ولا حَقَّ لأهل سُوقِ العسكرِ في الغنيمة، إلا أن يقاتِلوا). وقال الشافعي(٤) رحمه الله في أحد قولَيْه: يُسهَمُ لهم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الغنيمةُ لمَن شَهدَ الوَقْعة))(٥). ولأنه وُجدَ الجهادُ معنىَ، بتكثير السَّواد. ولنا: أنه لم توجدِ المجاوزةُ على قَصْدِ القتال، فانعدم السببُ الظاهرُ(٦)، فيُعتبرُ السببُ الحقيقي، وهو القتالُ، فيفيدُ الاستحقاقَ على (١) أي المذكور من الخلاف. (٢) أنَّ سببَ ملك الغانمين: تمامُ القهر، وذلك بالإحراز بدار الإسلام عندنا، وعنده: بتمام الانهزام. البناية ٩/ ١٧٢ . (٣) لفظ: حق: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة. (٤) الحاوي الكبير ٤٢٦/٨. (٥) روي موقوفاً عن عمر رضي الله عنه بإسناد صحيح، لا مرفوعاً، كما في نصب الراية ٤٠٨/٣، فتح الباري ٢٢٢/٦، وهو موقوف في مصنف عبد الرزاق (٩٦٨٩)، مصنف ابن أبي شيبة (٣٣٢٢٥)، وينظر لرفعه منية الألمعي ص ٣٩٥. (٦) وهو مجاوزة الدرب على قصد القتال. ١٩٠ الغنائم، وقِسْمتها وإن لم تكن للإِمام حَمُولةٌ يَحمِلُ عليها الغنائمَ إلى دار الإسلام: قَسَمَها بين الغانمين قسمةَ إيداعٍ؛ لَيَحْمِلوها إلى دار الإسلام، ثم يَرَتحِعُها منهم، فيقسِمُها. حَسَبِ حالِه، فارساً، أو راجلاً عند القتال. وما رواه: موقوفٌ على عمر رضي الله عنه. أو تأويلُه: أن يَشهدَها على قصدِ القتال. قال: (وإن لم تكن للإمام حَمُولةٌ يَحمِلُ عليها الغنائمَ إلى دار الإسلام: قَسَمَها بين الغانمين قسمةَ إيداعٍ؛ لَيَحْمِلوها إلى دار الإسلام، ثم يَرتحِعُها منهم، فيقسِمُها). قال العبدُ الضعيف: هكذا ذَكَرَ في ((المختصر))، ولم يَشترِطْ رضاهم، وهو روايةُ ((السِّير الكبير)). والجملةُ في هذا: أن الإمامَ إذا وَجَدَ في المَغْنَمِ حَمولةً: يَحمِلُ الغنائمَ عليها؛ لأن الحَمولةَ والمَحمولَ عليها مالُهُم. وكذا إذا كان في بيتِ المال فَضْلُ حَمولةٍ؛ لأنه مال المسلمين. ولو كان للغانمين أو لبعضهم: لا يُجبِرُهم في رواية ((السِّير الصغير))؛ لأنه ابتداءُ إجارةٍ (١)، وصار كما إذا نَفَقَتْ دابتُهُ(٢) في مَفازةٍ، ومع رفيقِه فَضْلُ حَمولةٍ(٣). (١) فلا يجوز. (٢) وفي نُسخ: دابةٌ. (٣) حيث لا يُجبر على الحمل بأجر المثل بلا رضاه، فكذا هذا. البناية ٩/ ١٧٥. ١٩١ الغنائم، وقِسْمتها ولا يجوزُ بيعُ الغنائم قبلَ القسمةِ في دارِ الحربِ . ومَن مات من الغانمين في دار الحرب : فلا حَقَّ له في الغنيمة، ومَن مات منهم بعدَ إخراجِها إلى دار الإسلام: فنصيبُه لورثته. ولا بأسَ بأن يَعْلِفَ العسكرُ في دار الحرب، ويأكلوا ما وجدوه من الطعام. ويُجبرُهم في رواية ((السِيَر الكبير))؛ لأنه دَفْعُ الضررِ العام بتحمُّل ضررٍ 311 خاص. قال: (ولا يجوزُ بيعُ الغنائم قبلَ القسمةِ في دارِ الحربِ)؛ لأنه لا مِلْكَ قبلها. وفيه خلافُ الشافعي(١) رحمه الله، وقد بيَّا الأصلَ. قال: (ومَن مات من الغانمين في دار الحرب: فلا حَقَّ له في الغنيمة، ومَن مات منهم بعدَ إخراجِها إلى دار الإسلام: فنصيبُه لورثته)؛ لأن الإرثَ يجري في الملك، ولا ملكَ قبلَ الإحراز، وإنما الملكُ بعده. وقال الشافعي(٢) رحمه الله: مَن مات منهم بعد استقرارِ الهزيمة: يورَثُ نصيبُه؛ لقيام الملكِ فيه عنده، وقد بيَّنَّاه. قال: (ولا بأسَ بأن يَعْلِفَ العسكرُ في دار الحرب، ويأكلوا ما وجدوه من الطعام). (١) بل يجوز عنده بيعها. المجموع ٣٣٥/١٩. (٢) تحفة المحتاج ٢٦١/٩. ١٩٢ الغنائم، وقِسْمتها قال العبدُ الضعيف: أرسل(١)، ولم يُقَيِّدْه(٢) بالحاجة، وقد شَرَطَها(٣) في روايةٍ، ولم يشترِطْها في روايةٍ أخرى(٤). وجهُ الأُولىُ: أنه مشترَكٌ بين الغانمين(٥)، فلا يُباحُ الانتفاعُ به إلا للحاجة، كما في الثيابِ، والدواب. وَجْهُ الأخرى: قولُه عليه الصلاة والسلام في طعام خَيْير: ((كُلُوها، واعلِفُوها، ولا تَحمِلُوها))(٦). ولأن الحكمَ يُدارُ على دليلِ الحاجة، وهو كونُه في دار الحرب؛ لأن الغازيَ لا يستصحِبُ قُوْتَ نفسِهِ، وعَلَفَ ظَهْرِه(٧) مدةَ مُعَامِه فيها، والمِيْرةُ منقطعةٌ، فبقيَ على أصل الإباحة؛ للحاجة، بخلاف السلاح؛ لأنه يَستصحِبُه، فانعدم دليلُ الحاجة. (١) أي الإمام محمد رحمه الله، كما هو في عدة حواشٍ على عدد من النُّسخ، وفي البناية ١٧٦/٩، وفي حواشي عددٍ من النسخ: أَرسَلَ: أي أَطْلَقَ القدوري. (٢) أي القدوري رحمه الله. (٣) أي الإمام محمد رحمه الله في رواية السير الصغير. (٤) أي رواية السير الكبير. (٥) قوله: بين الغانمين: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة. (٦) بلفظ: ((كلوا واعلفوا ولا تحملوا)): مسند الحارث (بغية الباحث ٦٧٢) معرفة السنن والآثار للبيهقي (١٧٨٧٧)، سنن البيهقي (١٨٠٠٤)، الدراية ١٢١/٢. (٧) أي دابته. ١٩٣ الغنائم، وقِسْمتها ويستعملوا الحَطَبَ. ويدَّهِنوا بالدُّهن، ويُوَقِّحُوا به الدابةَ. ويقاتلوا بما يجدونه من السلاح، كلّ ذلك بلا قسمةٍ . ولا يجوزُ أن يبيعوا من ذلك شيئاً، ولا يَتْمَوَّلونه. وقد تَمَسُّ الحاجةُ إليه؛ فتُعتبرُ حقيقتُها، فيستعمِلُه، ثم يَردُّه في المَغْنَم إذا استغنى عنه. والدابةُ: مثلُ السلاحِ(١). والطعامُ: كالخُبزِ واللحم، وما يُستعمَلُ فيه(٢): كالسمن، والزيت. قال: (ويستعملوا الحَطَبَ) - وفي بعض النُّسَخ(٣): الطَّيْبَ -. (ويدَّهِنوا بالدُّهن، ويُوَقِّحُوا به الدابةَ (٤))؛ لمِسَاسِ الحاجة إلى جميع ذلك. قال: (ويقاتلوا بما يجدونه من السلاح، كلّ ذلك بلا قسمةٍ). وتأويلُه: إذا احتاج إليه، بأن لم یکن له سلاحٌ، وقد بيّنَاه. قال: (ولا يجوزُ أن يبيعوا من ذلك شيئاً، ولا يَتْمَوَّلونه). (١) أي يُعتبر فيها حقيقة الحاجة. (٢) أي في الخبز. (٣) أي نُسخ القدوري. البناية ٩/ ١٧٧. (٤) توقيح الدابة هو: تصليب حافرها بالشحم المُذاب إذا رَقَّ من كثرة المشي. البناية ١٧٨/٩، وفي نُسخ: يَرْقحوا، والترقيح: هو الإصلاح، بمعنى: يُوَقِّحوا. ١٩٤ الغنائم، وقِسْمتها لأن البيعَ يترتَّبُ على الملك، ولا ملكَ، على ما قدَّمناه، وإنما هو إباحةٌ، وصار كالمباحُ له الطعامُ. وقولُه: ولا يتموَّلونه: إشارةٌ إلى أنهم لا يبيعونه بالذهب والفضة والعُروض؛ لأنه لا ضرورةَ إلى ذلك. فإن باعه أحدُهم: رَدَّ الثمنَ إلى الغنيمة؛ لأنه بدلُ عينٍ كانت(١) للجماعة. وأما الثيابُ والمتاعُ: فيكره الانتفاعُ بها قبلَ القسمة من غير حاجة؛ للاشتراك، إلا أنه يَقسِمُ الإمامُ بینهم في دار الحرب إذا احتاجوا إلى الثياب والدوابِ والمتاع؛ لأن المُحرَّمَ يُستباحُ للضرورة، فالمكروه أولى. وهذا لأن حَقَّ المَدَد محتمِلٌ، وحاجةُ هؤلاء متيقَّنٌ بها، فكان أولى بالرعاية. ولم يَذْكُرٍ (٢) القسمةَ في السلاح، ولا فَرْقَ في الحقيقة(٣)؛ فإنه إذا احتاج واحدٌ: يُباحُ له الانتفاعُ في الفصلَيْن (٤). ءِ وإن احتاج الكلّ: يَقسِمُ في الفصلَيْن، بخلاف ما إذا احتاجوا إلى السَّبْىِ: حيث لا يُقْسَمُ؛ لأن الحاجةَ إليه(٥) من فضولِ الحوائج. (١) وفي نُسخ: كان. (٢) أي الإمام محمد رحمه الله في كتاب السير. (٣) أي لا فرق بين السلاح وبين الثياب والمتاع والدواب في جواز القسمة عند الحاجة. (٤) أي في فصل السلاح، وفصل الثياب والدواب والمتاع. (٥) أي خدمة الوطء والخدمة. ١٩٥ الغنائم، وقِسْمتها ومَن أسلم منهم : أحرز بإسلامه نفسَه، وأولادَه الصغارَ، وكلّ مال هو ے في يده، أو وديعةً في يدِ مسلمٍ أو ذميّ. فإن ظَهَرْنا على دار الحرب: فعقارُهُ فَيْءٌ. قال: (ومَن أسلم منهم)، معناه في دار الحرب: (أحرز بإسلامه نفسَه)؛ لأن الإسلامَ ينافي ابتداءَ الاسترقاق. (وأولادَه الصغارَ) لأنهم مسلمون بإسلامه تَبَعاً. (وكلَّ مال هو في يده)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أسلم علىُ مال: فهو له))(١). ولأنه سَبَقَتْ يدُه الحقيقيةُ إليه يدَ الظاهرِیْنَ عليه. قال: (أو وديعةً في يدِ مسلمٍ أو ذميٌّ)؛ لأنه في يدٍ صحيحةٍ(٢) محترمةٍ، ويدُه(٣): کیدِهِ. قال: (فإن ظَهَرْنا على دار الحرب(٤): فعقارُه فَيْءٌ). وقال الشافعي(٥) رحمه الله: هو له؛ لأنه في يدِهِ، فصار كالمنقول. (١) عزاه في نصب الراية ٤١٠/٣ إلى أبي يعلى الموصلي في مسنده (٥٨٤٧)، وابن عدي في الكامل ٥٣٥/٨، وأشار إلى ضعفه، ولكن ذكر له شواهد تقويه، وينظر التعريف والإخبار ٣١٧/٣. (٢) احتُرز بالصحيحة: عن يد الغاصب، واحتُرز بالمحترمة: عن يد الحربي. (٣) أي يدُ المودَع: كيد المالك. (٤) وفي نُسخ: على الدار. (٥) الأم ٣٨٨/٧، البيان ١٦٧/١٢. ١٩٦ الغنائم، وقِسْمتها وزوجتُهُ : فَيْءٌ، وكذا حَمْلُها: فَيْءٌ. وأولادُه الكبارُ: فَيْءٌ، ومَن قاتَلَ مِن عبيدِهِ: فَيْءٌ. ولنا: أن العقارَ في يد أهلِ الدارِ وسلطانها، إذ هو من جملةٍ دار الحرب، فلم يكن في يدِهِ حقيقةً. وقيل: هذا قولُ أبي حنيفة وأبي يوسف الآخِرُ رحمهما الله. وفي قولِ محمدٍ رحمه الله، وهو قولُ أبي يوسف الأولُ رحمه الله: هو كغيره من الأموال؛ بناءً على أن اليدَ حقيقةً لا تثبتُ على العقار عندهما، وعند محمدٍ رحمه الله تثبتُ. قال: (وزوجتُهُ: فَيْءٌ)؛ لأنها كافرةٌ حربيةٌ، لا تتبعُه في الإسلام. قال: (وكذا حَمْلُها: فَيْءٌ). خلافاً للشافعي (١) رحمه الله، هو يقول: إنه (٢) مسلمٌ تَبَعاً، كالمنفصل. ولنا: أنه جزؤها، فَرِقُّ برِقٌّها، والمسلمُ مَحَلٌّ للتملُّك تَبَعاً لغيره، بخلاف المنفصل؛ لأنه حُرٌّ؛ لانعدام الجزئيةِ عند ذلك. قال: (وأولادُه الكبارُ: فَيْءٌ)؛ لأنهم كفارٌ حربيون، ولا تبعيةً. قال: (ومَن قاتَلَ مِن عبيدِهِ: فَيْءٌ)؛ لأنه لَمَّا تَمَرَّد على مولاه: خَرَجَ من يده، فصار تَبَعاً لأهل دارهم. (١) البيان ١٢/ ١٦٧. (٢) أي الحَمْل. ١٩٧ الغنائم، وقِسْمتها وما كان من مالِه في يدِ حربيٌّ: فهو فَيْءٌ. وما كان غصباً في يدِ مسلمٍ أو ذميٌّ: فهو فَيْءٌ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقال محمدٌ رحمه الله : لا يكون فيئاً. قال: (وما كان من مالِه في يدِ حربيٍّ: فهو فَيْءٌ)، غصباً كان أو وديعةً؛ لأن يدَه ليست بمحترَمةٍ. قال: (وما كان غصباً في يدِ مسلمٍ أو ذميٌّ: فهو فَيْءٌ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقال محمدٌ(١) رحمه الله: لا يكون فيئاً). قال العبدُ الضعيف رحمه الله: كذا ذَكَرَ محمدٌ الاختلاف(٢) في ((السِّير الکبیر)). وذكروا في شروح(٣) ((الجامع الصغير)) قولَ أبي يوسف مع قولِ محمدٍ (٤) رحمهما الله. لهما(٥): أن المالَ تابعٌ للنفس، وقد صارت معصومةً بإسلامه، فيتبعُها مالُه فيها. وله: أنه مالٌ مباحٌ، فيُملَكُ بالاستيلاء، والنفسُ لم تَصِرْ معصومةً (١) وفي نُسخ: وقالا، وفي حاشية نسخة ٧٩٧هـ: وقال محمد: أصح. (٢) أي بين أبي حنيفة ومحمد، دون ذكر أبي يوسف رحمهم الله. (٣) وفي نُسخ: شرح. (٤) وفي نسخة سعدي: أبي حنيفة: بدل: محمد. (٥) أي لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله. ١٩٨ الغنائم، وقِسْمتها وإذا خرج المسلمون من دار الحرب: لم يَجُزْ أن يَعلِفُوا من الغنيمة، ولا يأكلوا منها، ومَن فَضَلَ معه عَلَفٌ أو طعامٌ: رَدَّ إلى الغنيمة. بالإسلام، ألا ترى أنها ليست بمتقوِّمةٍ، إلا أنه مُحَرَّمُ التعرضِ في الأصل(١)؛ لكونه مكلَّفاً، وإباحةُ التعرُّضِ بعارضِ شَرِّه، وقد اندفع بالإسلام. بخلاف المال؛ لأنه خُلِقَ عُرضةً للامتهان، فكان مَحَلاً للتملك، وليس(٢) في يده حُكماً، فلم تثبتِ العصمة. قال: (وإذا خرج المسلمون من دار الحرب: لم يَجُزْ أن يَعِلِفُوا من الغنيمة، ولا يأكلوا منها)؛ لأن الضرورةَ قد ارتفعت(٣)، والإباحةُ باعتبارها. ولأن الحقَّ قد تأكَّد، حتى يُورَثُ نصيبُه، ولا كذلك قبلَ الإخراج إلى دار الإسلام. قال: (ومَن فَضَلَ معه عَلَفٌ أو طعامٌ: رَدَّ إلى الغنيمة)، معناه: إذا لم تُقْسَم. وعن الشافعي(٤) رحمه الله تعالىُ مثلُ قولِنا، وعنه: أنه لا يُرَدُّ؛ اعتباراً بالمُتلَصِّص. (١) هذا في الحقيقة جوابٌ عما يُقال: لو لم تكن معصومةً لما كان يحرم التعرض، كالحربي، وليس كذلك، وتقدير الجواب: أنه يحرم التعرض في الأصل، يعني في نفس الأمر. البناية ١٨٥/٩. (٢) وفي نسخ: وليست. (٣) وفي نُسخ: اندفعت. (٤) مغني المحتاج ٢٣١/٤. ١٩٩ الغنائم، وقِسْمتها ولنا: أن الاختصاصَ ضرورةٌ (١) الحاجةِ، وقد زالت. بخلاف المتلصِّص؛ لأنه كان أحَقَّ به قبلَ الإحراز، فكذا بعده. وبعد القسمة: تصدَّقوا به إن كانوا أغنياءَ، وانتفعوا به إن كانوا مَحَاويجَ؛ لأنه صار في حُكْمِ اللُّقَطة؛ لتعذُّر الردِّ على الغانمين. وإن كانوا انتفعوا به بعدَ الإحراز: تُرَدُّ قيمتُه إلى المَغنم إن كان لم يُقْسَم. وإن قُسِمَتِ الغنيمةُ: فالغنيُّ يتصدَّقُ بقيمته، والفقيرُ لا شيءَ عليه؛ القيام القيمةِ مَقَامَ الأصل، فتأخُذُ(٢) حُكمَه، والله تعالى أعلمُ بالصواب. (١) وضُبطت في نُسخٍ بالنصب: ضرورةَ. (٢) أي القيمة. ٢٠٠ فصلٌ في كيفية القِسْمة فصلٌ في كيفية القِسْمة ويَقْسِمُ الإمامُ الغنيمةَ، فيُخرِجُ خُمُسَها، ويَقْسِمُ الأربعةَ الأخماسِ بين الغانمین. ثم للفارس : سهمان، وللرَّاجِلِ : سهمٌ عند أبي حنيفة رحمه الله . وقالا : للفارس ثلاثةُ أسهم. فصلٌ في كيفية القِسْمة قال: (ويَقْسِمُ الإمامُ الغنيمةَ، فيُخرِجُ خُمُسَها). لقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾. الأنفال / ٤١، استثنىُ الخُمُسَ(١). (ويَقْسِمُ الأربعةَ الأخماسِ بين الغانمين)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قَسَمَها بین الغانمین(٢). (ثم للفارس: سهمان، وللرَّاحِلِ: سهمٌ عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: للفارس ثلاثةُ أسهم)، وهو قولُ الشافعي(٣) رحمه الله. (١) أي استثنى الله الخمس لنفسه، ويكون لليتامى والمساكين وأبناء السبيل، وسيأتي. (٢) الأموال لأبي عبيد ص٢١، المعجم الكبير للطبراني (١٢٦٦٠)، الدراية ١٢٢/٢. (٣) الحاوي الكبير ٤١٥/٨.