Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
فصلٌ في الكفَّارة
فإن جامع التي ظاهَرَ منها في خلال الشهرين ليلاً عامداً، أو نهاراً
ناسياً : استأنف الصومَ عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
وقال أبو يوسف رحمه الله : لا يستأنفُ.
وإن أفطر يوماً منهما بعُذْرِ، أو بغيرِ عذرٍ : استأنف الصومَ.
وشهرُ رمضان لا يقعُ عن الظهار؛ لِمَا فيه من إبطالٍ ما أوجبه الله تعالى.
والصومُ في هذه الأيام منهيٌّ عنه، فلا ينوبُ عن الواجبِ الكامل.
قال: (فإن جامع التي ظاهَرَ منها في خلال الشهرين ليلاً عامداً، أو
نهاراً ناسياً: استأنف الصومَ عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله.
وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يستأنفُ)؛ لأنه لا يَمنعُ التتابعَ، إِذْ لا
يفسُدُ به الصومُ، وهو الشرطُ.
وإن كان تقديمُهُ(١) على المَسيس شرطاً (٢): ففيما ذهبنا إليه تقديم
البعض عليه، وفيما قلتُم: تأخيرُ الكلِّ عنه.
ولهما: أن الشرطَ في الصوم: أن يكون قبلَ المَسِيس، وأن يكونَ خالياً
عنه ضرورةً بالنص، وهذا الشرطُ يَنْعدِمُ به، فيستأنفُ.
قال: (وإن أفطر يوماً منهما(٣) بعُذْرٍ، أو بغيرِ عذرٍ: استأنف الصومَ)؛
لفوات التتابع، وهو قادرٌ عليه عادةً.
(١) أي الصوم.
(٢) هذا جوابٌ عما يقال: التقديم على المسيس شرطٌ، ولم يوجد، فأجاب
بقوله: وإن کان إلى آخره.
(٣) أي من الشهرين. وفي غالب النُّسَخ: منها. قلت: والتقدير: من الكفارة.

٣٠٢
فصلٌ في الكفَّارة
وإن ظاهَرَ العبدُ: لم يُجْزِه في الكفارة إلا الصومُ.
وإن أعتق المولى، أو أطعم عنه: لم يُجْزِه.
وإذا لم يستطعِ المظاهِرُ الصيامَ: أطعم ستينَ مسكيناً، ويُطعِمُ كلَّ
مسكينٍ نصفَ صاعٍ من بُرٍّ، أو صاعاً من تمرٍ أو شعيرٍ، أو قيمةَ ذلك.
قال: (وإن ظاهَرَ العبدُ: لم يُجْزِه في الكفارة إلا الصومٌ)؛ لأنه لا ملكَ
له، فلم يكن من أهلِ التكفير بالمال.
قال: (وإن أعتق المولى، أو أطعم عنه: لم يُجْزِه)؛ لأنه ليس من أهل
الملك، فلا يصيرُ مالكاً بتملیکه.
قال: (وإذا لم يستطعِ المظاهِرُ الصيامَ: أطعم ستينَ مسكيناً).
لقوله تعالى: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطِعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. المجادلة/٤.
(ويُطعِمُ كلّ مسكين نصفَ صاعٍ من بُرٍّ، أو صاعاً من تمرِ أو شعيرِ،
أو قيمةَ ذلك).
لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أَوْسٍ بن الصامت، وسلمةً(١)
ابنِ صخرٍ رضي الله عنهما: ((أَطْعِمْ لكلِّ مسكين نصف صاعٍ من بُرِّ»(٢).
ولأن المعتبرَ دَفْعُ حاجةِ اليومِ لكل مسكينٍ، فُيُعتبرُ بصدقة الفطر.
وقولُه: أو قيمةَ ذلك: مذهبُنا، وقد ذكرناه في الزكاة.
(١) وقع في نُسخ الهداية: سهل، والصواب: سلمة. ينظر نصب الراية ٢٤٧/٣،
البناية ٢٢٣/٧، مقدمة حاشية اللكنوي على الهداية ١٣/١.
(٢) سنن أبي داود (٢٢١٣)، وينظر الدراية ٧٦/٢، التعريف والإخبار ٧٣/٣.

٣٠٣
فصلٌ في الكفَّارة
وإن أَمَرَ غيرَه أن يُطعِمَ عنه مِن ظِهاره، ففَعَلَ : أجزأه.
فإن غدَّاهم وعشَّاهم: جاز، قليلاً كان ما أَكَلُّوا، أو كثيراً.
فإِن أعطىُ مَّا(١) من بُرٍّ، ومَنَوَيْن من تمرٍ، أو شعيرِ: جاز؛ لحصول
المقصود، إذِ الجنسُ متَّحدٌ.
قال: (وإن أَمَرَ غيرَه أن يُطعِمَ عنه عن ظِهاره، ففَعَلَ: أجزأه)؛ لأنه
استقراضٌ معنىَّ، والفقيرُ قابضٌ له أوَّلاً، ثم لنفسه، فيتحقَّقُ تملُّكُه، ثم
تملیکُه.
قال: (فإن غدَّاهم وعشَّاهم: جاز، قليلاً كان ما أَكَلُوا، أو كثيراً).
وقال الشافعي(٢) رحمه الله: لا يجزئه إلا التمليكُ؛ اعتباراً بالزكاة،
وصدقةِ الفطر، وهذا لأن التمليكَ أدفعُ للحاجة، فلا تنوبُ مَنَابَه الإباحةُ.
ولنا: أنَّ المنصوصَ عليه هو الإطعامُ، وهو حقيقةٌ في التمكين من
العُّعْم (٣)، وفي الإباحة ذلك، كما في التمليك.
أما الواجبُ في الزكاة: الإيتاء، وفي صدقة الفطر: الأداء، وهما للتمليك
م
حقيقةً.
ولو كان فيمَن غدَّاهم وعَشَّاهم صبيٌّ فَطِيْم: لا يجزئه؛ لأنه لا يستوفيه
٠
كاملاً.
(١) المنُّ: رُبُعُ صاع. حاشية سعدي.
(٢) مغني المحتاج ٣٦٦/٣.
(٣) بالضم: أي الطعام. البناية ٢٢٦/٧.

٣٠٤
فصلٌ في الكفَّارة
وإن أطعَمَ مسكيناً واحداً ستين يوماً : أجزأه.
وإن أعطاه في يومٍ واحدٍ : لم يُجْزه إلا عن يومه.
وإن قَرُبَ التي ظاهَرَ منها في خلال الإطعام: لم يستأنفْ.
ولا بدَّ من الإدام في خبز الشعير؛ ليُمكنَه الاستيفاءَ إلى الشّبَع.
وفي خبز الحنطة: لا يُشترطُ الإدام.
قال: (وإن أطعَمَ (١) مسكيناً واحداً ستين يوماً: أجزأه.
وإن أعطاه في يومٍ واحدٍ: لم يُجْزه إلا عن يومه)؛ لأن المقصودَ سدُّ
خَلَّةٍ (٢) المحتاج، والحاجةُ تتجدَّدُ في كل يومٍ، فالدفعُ إليه في اليوم الثاني:
کالدفع إلى غيره.
وهذا في الإباحة: من غير خلافٍ، وأما التمليكُ من مسكينٍ واحدٍ في
يومٍ واحدٍ بدَفَعَات: فقد قيل: لا يجزئه، وقد قيل: يجزئه؛ لأن الحاجةَ إلى
التملیك تتجدَّدُ في يومٍ واحدٍ.
بخلاف ما إذا دَفَعَ بدَفعةٍ واحدةٍ(٣)؛ لأن التفريقَ واجبٌ بالنص.
قال: (وإن قَرُبَ التي ظاهَرَ منها في خلال الإطعام: لم يستأنف)؛ لأنه
تعالى ما شَرَطَ في الإطعام أن يكون قبلَ المَسيس، إلا أنه يُمنَعَ من المَسِيسِ
(١) وفي نُسخ: أعطىُ.
(٢) وهي الفقر والحاجة. المصباح المنير.
(٣) فإذا جَمَعَ: لا يجزئه إلا عن واحدٍ، كالحاج إذا رمى الحصيات السبع دفعةً
واحدة.

٣٠٥
فصلٌ في الكفَّارة
وإذا أطعم عن ظهارَيْن ستينَ مسكيناً، كلَّ مسكين صاعاً من بُرٍّ: لم
يُجزه إلا عن واحدٍ منهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ رحمه الله : يجزئه عنهما .
وإن أطعم ذلك عن إفطارِ وظهارٍ : أجزأه عنهما .
قبلَه؛ لأنه ربما يَقدِرُ على الإعتاق أو على الصوم، فيقعان بعد المَسِيس،
والمنعُ لمعنىَ في غيره: لا يُعدِمُ المشروعيةَ في نفسه.
قال: (وإذا أطعم عن ظهارَيْن ستينَ مسكيناً، كلَّ مسكينٍ صاعاً من بُرٍّ:
لم يُجزه إلا عن واحدٍ منهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ رحمه الله: يجزئه عنهما.
وإن أطعم ذلك عن إفطارٍ وظهارِ: أجزأه عنهما(١)).
له: أن بالمؤدَّى: وفاءً بهما، والمصروفُ إليه محلّ لهما، فيقعُ
عنهما، كما لو اختلف السببُ، أو فَرَّق في الدفع.
ولهما: أن النيةَ في الجنس الواحدِ لَغْوٌ، وفي الجنسَيْن معتبرةً.
وإذا لَغَتِ النيةُ، والمؤدَّى يصلُحُ كفارةً واحدةً؛ لأن نصفَ الصاعِ أدنى
المقادير، وهو يمنعُ النقصانَ، دون الزيادة: فيقعُ عنها (٢)، كما إذا نوى أصلَ
الكفارة.
بخلاف ما إذا فَرَّقَ في الدفع؛ لأنه في الدَّفْعةِ الثانية: في حُكْمٍ مسكينٍ آخَر.
(١) بالاتفاق بين أئمة المذهب.
(٢) أي عن الكفارة الواحدة، وفي نُسخ: عن إحداهما.

٣٠٦
فصلٌ في الكفَّارة
ومَن وجبتْ عليه كفَّارتا ظهار، فأعتق رقبتَيْن، لا ينوي عن إحداهما
بعَيْنها : جاز عنهما .
وكذلك إذا صامَ أربعةَ أشهرٍ، أو أطعم مائةً وعشرين مسكيناً : جاز.
وإن أعتق عنهما رقبةً واحدةً، أو صام شهرَيْن : كان له أن يجعلَ ذلك
عن أيَّتهما شاء .
وإن أعتق عن ظهارِ، وعن قَتْلٍ : لم يُجْزِ عن واحدٍ منهما.
قال: (ومَن وجبتْ عليه كفَّارتا ظهار، فأعتق رقبتَيْن، لا ينوي عن
إحداهما بعَيْنها: جاز عنهما.
وكذلك إذا صامَ أربعةَ أشهرٍ، أو أطعم مائةً وعشرين مسكيناً: جاز)؛
لأن الجنسَ متَّحِدٌ، فلا حاجةَ إلى نيَّةٍ معيّنةٍ.
قال: (وإن أعتق عنهما رقبةً واحدةً، أو صام شهرَيْن: كان له أن يجعلَ
ذلك عن أيّتهما شاء.
وإن أعتق عن ظهارِ، وعن قَتْلٍ: لم يُجْزِ عن واحدٍ منهما).
وقال زفر رحمه الله: لا يجزئه عن أحدِهما في الفصلين.
وقال الشافعي(١) رحمه الله: له أن يَجعلَ ذلك عن إحداهما في
الفصلَيْن؛ لأن الكفاراتِ كلَّها باعتبار اتحادِ المقصود: جنسٌ واحدٌ.
وجهُ قول زفر رحمه الله: أنه أعتَقَ عن كلِّ ظهارِ نصفَ العبد، وليس
له أن يَجعلَ عن أحدِهما بعد ما أعتق عنهما؛ لخروج الأمرِ من يده.
(١) العزيز ٣٠٥/٩.

٣٠٧
فصلٌ في الكفَّارة
٥
ولنا: أن نيةَ التعيينِ في الجنسِ المتحدِ: غيرُ مفيدٍ، فتلغو، وفي الجنس
المختلِفِ: مفيدٌ، واختلافُ الجنس في الحكم، وهو الكفارة ها هنا، باختلاف
السبب.
نظيرُ الأول: إذا صام يوماً في قضاء رمضان عن يومين: يجزئه عن
قضاءٍ یومٍ واحد.
ونظيرُ الثاني: إذا كان عليه صومُ القضاءِ، والنذرِ: فإنه لا بُدَّ فيها(١) من
التمييز، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) أي في هذه الصورة، وفي نُسخ: فيه.

٣٠٨
باب اللِّعَان
باب اللِّعَان
وإذا قَذَفَ الرجلُ امرأتَه بالزنا، وهما من أهلِ الشهادة، والمرأةُ ممن
يُحَدُّ قاذِفُها، أو نفىُ نَسَبَ ولدِها، وطالبَتْه بموجَبِ القذف: فعليه اللعانُ.
باب اللِّعَان
قال: (وإذا قَذَفَ الرجلُ امرأته بالزنا، وهما من أهلِ الشهادةُ(١)،
والمرأةُ ممن يُحَدُّ قاذِفُها، أو نفى نَسَبَ ولدِها، وطالبَتْه بموجَبِ القذف:
فعليه اللعانُ).
والأصلُ أن اللعانَ عندنا: شهاداتٌ مؤكَّدات بالأَيْمان، مقرونةٌ باللعن
والغضب، قائمةً مَقامَ حَدِّ القذف في حَقَّه، ومَقامَ حَدِّ الزنا في حَقَّها؛ لقوله
تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ ﴾. النور/٦.
والاستثناء إنما يكونُ من الجنس.
وقال الله تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ﴾. النور/٦، نَصَّ على
الشهادة واليمين، فقلنا: الركنُ: هو الشهادةُ المؤكَّدةُ باليمين.
ثم قَرَنَ الركنَ في جانبه (٢) باللعن لو كان كاذباً، وهو قائمٌ مَقامَ حدٍّ
القذف.
(١) يعني من أهل أدائها، ولهذا لا يجري اللعان بين مملوكين أو أحدهما صبيّ
أو مملوكٌ أو مجنونٌ أو محدود في قذف أو كافر.
(٢) أي في جانب الزوج.

٣٠٩
باب اللِّعَان
فإن امتنع منه: حَبَسَه الحاكمُ حتى يُلاعِنَ، أو يُكْذِبَ نفسَه، فيُحَدَّ حدَّ
القذف .
وفي جانبها بالغَضَب(١)، وهو قائمٌ مَقامَ حدِّ الزنا.
إذا ثبت هذا فنقولُ: لا بدَّ أن يكونا من أهلِ الشهادة؛ لأن الركنَ فيه
الشهادة.
ولا بدَّ أن تكون هي ممن يُحَدُّ قاذِفُها؛ لأنه قائمٌ في حَقَّه مَقامَ حدٍّ
القذف، فلا بدَّ من إحصانها.
ويجبُ(٢) بنفي الولدِ: لأنه لَمَّ نفى ولدَها: صار قاذِفاً لها ظاهراً.
ولا يُعتبرُ احتمالُ أن يكونَ الولدُ من غيرِه بالوطء عن شُبْهةٍ، كما إذا
نفى أجنبيٌّ نسبَه عن أبيه المعروف.
وهذا لأن الأصلَ في النسب: الفراشُ الصحيحُ، والفاسدُ مُلْحَقٌ به،
فَنَفْيُه عن الفراشِ الصحيح: قَذْفٌ، حتى يَظْهَرَ المُلْحَقُ به.
ويُشترطُ طَلَبُها: لأنه حَقَّها، فلا بدَّ من طلبها، كسائر الحقوق.
قال: (فإن امتنع منه: حَبَسَه الحاكمُ حتى يُلاعِنَ، أو يُكْذِب(٣) نفسه،
فُيُحَدَّ حدَّ القذف)؛ لأنه حقٌّ مستَحَقٌّ عليه، وهو قادرٌ على إِيفائه، فُيُحَبَسُ
به حتى يأتيَ بما هو عليه، أو يُكْذِبَ نفسَه؛ ليرتفعَ السببُ.
(١) أي قَرَنَ شهادتها بالغضب.
(٢) أي يجب اللعان.
(٣) وضُبط أيضاً: يُكَذِّبَ.

٣١٠
باب اللِّعَان
ولو لاعَنَ : وَجَبَ عليها اللعانُ.
فإن امتنَعَتْ: حَبَسَها الحاكمُ حتى تلاعِنَ، أو تُصدِّقَه.
وإذا كان الزوجُ عبداً، أو كافراً، أو محدوداً في قذفٍ، فقَذَفَ امرأته :
فعلیه الحدُّ.
وإن كان هو من أهلِ الشهادة، وهي أَمَةٌ، أو كافرةٌ، أو.
قال: (ولو لاعَنَ: وَجَبَ عليها اللعانُ)؛ لِمَا تلونا من النصِّ، إلا أنه
يُبتَدأ بالزوج؛ لأنه هو المدَّعي.
قال: (فإن امتنَعَتْ: حَبَسَها الحاكمُ حتى تلاعِنَ، أو تُصدِّقَه(١))؛ لأنه
حقٌّ مستَحَقٌّ عليها، وهي قادرةٌ على إيفائه، فتُحبَسُ فيه.
قال: (وإذا كان الزوجُ عبداً، أو كافراً (٢)، أو محدوداً في قذفٍ، فقَذَفَ
امرأته: فعليه الحدُّ)؛ لأنه تعذَّر اللعانُ لمعنىَ من جهته، فيُصارُ إلى الموجَبِ
الأصلي، وهو الثابتُ بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾. الآية. النور / ٤،
واللعانُ خَلَفٌ عنه.
قال: (وإن كان هو من أهلِ الشهادة(٣)، وهي(٤) أَمَةٌ، أو كافرةٌ، أو
(١) ولا تُحدّ إن صدَّقته؛ لأن التصديق ليس بإقرار، حتى لو صدَّقته أربع مرات:
لا تُحدُّ؛ لأنه ليس بإقرار. ينظر تبيين الحقائق ١٦/٣.
(٢) بأن كان الزوجان كافرين، فأسلمت المرأةُ، فقَذَفَها الزوج قبل عَرْضِ
الإسلام عليه. البناية ٢٣٨/٧.
(٣) أي الزوج.
(٤) أي والزوجة أمةٌ.

٣١١
باب اللِّعَان
محدودةٌ في قذفٍ، أو كانت ممن لا يُحَدُّ قاذِفُها : فلا حدَّ عليه، ولا لعانَ.
وصفةُ اللعانِ : أن يبتدىءَ القاضي بالزوج، فَيَشهدَ أربعَ مراتٍ، يقولُ
في كل مرةٍ: أشهدُ بالله إني لمَن الصادقين فيما رميتُها به من الزنا، ويقولُ
في الخامسة : لعنةُ الله عليه إن كان من الكاذبيْنَ فيما رماها به من الزنا،
يُشيرُ إليها في جمیع ذلك.
محدودةً في قذفٍ، أو كانت ممن لا يُحَدُّ قاذِفُها)، بأن كانت صبيَّةً، أو
مجنونةً، أو زانيةً: (فلا حدَّ عليه، ولا لعانَ)؛ لانعدام أهليةِ الشهادة، وعدمِ
الإحصان في جانبها.
وامتناعُ اللعان: لمعنىَ من جهتها، فيسقطُ الحدُّ، كما إذا صدَّقَتْه.
والأصلُ في ذلك: قولُه عليه الصلاة والسلام: (أربعةٌ لا لعانَ بينهم
وبين أزواجهم: اليهوديةُ، والنصرانيةُ تحتَ المسلم، والمملوكةُ تحت
الحرِّ، والحرةُ تحت المملوك))(١).
ولو كانا محدودَيْن في قذفٍ: فعليه الحدُّ؛ لأن امتناعَ اللعانِ: لمعنىً
من جهته، إذ هو ليس من أهله.
قال: (وصفةُ اللعانِ: أن يبتدئَ القاضي بالزوج، فيَشهدَ أربع مراتٍ،
يقولُ في كل مرةٍ: أشهدُ بالله إني لمَن الصادقين فيما رميتُها به من الزنا،
ويقولُ في الخامسة: لعنةُ الله عليه إن كان من الكاذبيْنَ فيما رماها به من
الزنا، يُشيرُ إليها في جميع ذلك.
(١) سنن ابن ماجه (٢٠٧١)، سنن الدارقطني (٣٣٣٩)، مرفوعاً وموقوفاً،
ورجح الدار قطني وقفه. الدراية ٧٦/٢.

٣١٢
باب اللِّعَان
ثم تَشهدُ المرأةُ أربعَ مراتٍ، تقولُ في كلِّ مرةٍ : أشهدُ بالله إنه لمن
الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقولُ في الخامسة : غَضَبُ اللهِ عليها إن
کان من الصادقین فیما رماني به من الزنا.
فإذا التَعَنَا : لا تقعُ الفُرْقةُ بينهما حتى يُفرِّقَ القاضي بينهما .
ثم تَشهدُ المرأةُ أربعَ مراتٍ، تقولُ في كلِّ مرةٍ: أشهدُ بالله إنه لمن
الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقولُ في الخامسة: غَضَبُ اللهِ عليها إن
كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا).
والأصلُ: فيه ما تلونا من النصِّ.
وروى الحسنُ عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يأتي بلفظةِ المواجهة،
يقول: فيما رميتُكِ به من الزنا؛ لأنه أقطعُ للاحتمال.
وَجْهُ ما ذَكَرَ في ((الكتاب): أن لفظةَ المغايَبَة إذا انضمَّتْ إليها الإشارةُ:
انقطع الاحتمالُ.
قال: (فإذا التَعَنَا: لا تقعُ الفُرْقةُ بينهما حتى يُفرِّقَ القاضي(١) بينهما).
وقال زفر رحمه الله: تقعُ بتلاعنهما؛ لأنه تثبتُ الحُرمة المؤَّدةُ بالحديث.
ولنا: أن ثبوتَ الحُرمةِ يُقوِّتُ الإمساكَ بالمعروف، فيلزمُهُ التسريحُ
بالإحسان، فإذا امتنع: ناب القاضي مَنابَه؛ دفعاً للظلم.
دلَّ عليه قولُ ذلك الملاعِنِ عند النبيِّ عليه الصلاة والسلام: ((كَذَبْتُ
عليها يا رسولَ الله! إن أمسكتُها: فهي طالقٌ ثلاثاً))(٢)، قاله بعد اللعان.
(١) وفي نُسخ: الحاكم.
(٢) صحيح البخاري (٤٧٤٧)، صحيح مسلم (١٤٩٢).

٣١٣
باب اللِّعَان
وتكون الفُرقةُ تطليقةً بائنةً عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله، وهو
خاطِبٌ إذا أكذب نفسه عندهما.
وقال أبو يوسف رحمه الله : هو تحريمٌ مؤبَّدٌ.
قال: (وتكون الفُرقةُ تطليقةً بائنةً عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله)؛
لأن فِعْلَ القاضي انتَسَبَ إليه، كما في العِنِّين.
(وهو خاطِبٌ(١) إذا أكذب نفسه عندهما.
وقال أبو يوسف رحمه الله: هو تحريمٌ مؤيّدٌ)؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((المتلاعنان لا يجتمعان أبداً))(٢)، نَصَّ على التأبيد.
ولهما: أن الإكذابَ رجوعٌ، والشهادةُ بعد الرجوع لا حُكْمَ لها.
ولا يجتمعان ما داماً(٣) متلاعنَيْن، ولم يَبْقَ التلاعنُ ولا حُكْمُه بعد
الإكذاب، فيجتمعان.
(١) هذه مسألةٌ مبتدأةٌ، أي هذا الرجل بعد الإكذاب: صار خاطِباً من الخُطَّاب،
أي يجوز له أن يتزوجها كما لغيره يجوز أن يتزوجها، فعليه الحدُّ بإكذاب نفسه. البناية
٢٤٦/٧.
(٢) مرفوعاً في سنن أبي داود (٢٢٤٤)، وسنن البيهقي ٤٠٩/٧، ونقل الزيلعي
في نصب الراية ٢٥١/٣ عن ابن عبد الهادي صاحب التنقيح قال: إسناده جيد. اهـ،
وفي الدراية لابن حجر ٧٦/٢: وإسناده لا بأس به، في حين أن العيني في البناية
٢٤٤/٧، جعله موقوفاً على جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وأنه لم يُرْوَ
مرفوعاً، وينظر فتح الباري ٤٥٢/٩، والنكت الطريفة للكوثري ص ٤٩، مما يؤكد
وقفه، وينظر العناية للبابرتي ١٢٠/٤.
(٣) وفي نُسخ: ما كانا.

٣١٤
باب اللِّعَان
ولو كان القذفُ بنفي ولدٍ : نفىُ القاضي نَسَبَه، وأَلْحَقَه بأُمِّه.
فإن عاد الزوجُ، وأكذب نفسَه: حَدَّ القاضي.
قال: (ولو كان القذفُ بنفي ولدٍ (١): نفى القاضي نَسَبَه، وأَلْحَقَه بأُمِّه).
وصورةُ اللعان فيه: أن يأمرَ الحاكمُ الرجلَ، فيقولَ أربع مراتٍ: أشهدُ
بالله إني لمن الصادقين فيما رميتُكِ به من نفي الولد.
وكذا في جانبِ المرأة.
ولو قَذَفَها بالزنا، ونَفيِ الولدِ: ذَكَرَ في اللعانِ الأمرَيْن جميعاً.
ثم ينفي القاضي نسبَ الولدِ، ويُلحِقُه بأُمِّه؛ لِمَا رُويَ أن النبي عليه
الصلاة والسلام نفى ولدَ امرأةٍ هلالٍ بنِ أُميةَ عن هلالٍ رضي الله عنهما،
وألحَقَه بها(٢).
ولأن المقصودَ من هذا اللعان: نفيُ الولد، فيوفّرُ عليه مقصودُه،
فيتضمّنُه القضاء بالتفريق.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أن القاضي يُفرِّقُ، ويقولُ: قد ألزمتُه أمَّه،
وأخرجتُه من نَسَبِ الأب؛ لأنه يَنفكُّ عنه، فلا بدَّ من ذِكْره.
قال: (فإن عاد الزوجُ، وأكذب نفسَه: حَدَّه القاضي)؛ لإقراره بوجوب
الحدِّ علیه.
(١) وفي نُسَخ: فإن كان القذف بولد.
(٢) سنن أبي داود (٢٢٥٦)، مسند أحمد (٢١٣١)، وينظر صحيح البخاري
(٤٧٤٨)، صحيح مسلم (١٤٩٦)، نصب الراية ٢٥١/٣.

٣١٥
باب اللِّعَان
وحَلَّ له أن يتزوَّجها.
وكذلك إن قَذَفَ غيرَها، فحُدَّ به، وكذا إذا زَنَتْ، فحُدَّتْ.
وإذا قَذَفَ الرجلُ امرأتَه وهي صغيرةٌ، أو مجنونةٌ: فلا لعانَ بينهما.
وكذا إذا كان الزوجُ صغيراً، أو مجنوناً.
وقَذْفُ الأخرسِ : لا يَتَعلَّقُ به اللعانُ.
(وحَلَّ له أن يتزوَّجها)، وهذا عندهما؛ لأنه لَمَّا حُدَّ: لم يَبْقَ أهلاً
للِّعان، فارتفَعَ بحكْمِه المنوطِ به(١)، وهو التحريمُ.
قال: (وكذلك إن قَذَفَ غيرَها، فحُدَّ به)؛ لِمَا بيَّنَا.
(وكذا إذا زَنَتْ، فحُدَّتْ)؛ لانتفاء أهليةِ اللعانِ من جانبها.
قال: (وإذا قَذَفَ الرجلُ امرأتَه وهي صغيرةٌ، أو مجنونةٌ: فلا لعانَ بينهما)؛
لأنه لا يُحَدُّ قاذِفُها لو كان أجنبياً، فكذا لا يلاعِنُ الزوجُ؛ لقيامِهِ مَقَامَه.
(وكذا إذا كان الزوجُ صغيراً، أو مجنوناً)؛ لعدم أهليةِ الشهادة.
قال: (وقَذْفُ الأخرس: لا يَتَعلَّقُ به اللعانُ)؛ لأنه يتعلَّقُ بالصريح،
كحَدِّ القذف.
وفيه خلافُ الشافعي(٢) رحمه الله.
وهذا لأنه لا يَعرَى عن الشُّبْهة، والحدودُ تندرِئُ بها.
(١) أي ارتفع اللعان مع حكمه المتعلق به، وهو التحريم. البناية ٢٥٠/٧.
(٢) أي يحدُّ لو كان إشارته مفهومة. المجموع ٧٠/٢٠.

٣١٦
باب اللِّعَان
وإذا قال الزوجُ: ليس حَمْلُكِ مني : فلا لعانَ بينهما .
فإن قال لها: زنيتٍ، وهذا الحَمْلُ من الزنا : تلاعَنَا، ولم يَنْفِ القاضي الحَمْلَ.
قال: (وإذا قال الزوجُ: ليس حَمْلُكِ مني: فلا لعانَ بينهما)، وهذا قول
أبي حنيفة وزفر رحمهما الله، لأنه لا يُتَيقَنُ بقيامِ الحَمْل، فلم يَصِرْ قاذفاً لها.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: اللعانُ يجبُ بنفي الحَمْلِ إذا
جاءت به لأقلَّ من ستةِ أشهرٍ، وهو معنى ما ذُكِرَ في ((الأصل))؛ لأنَّا تيقّنَّا
بقيام الحَمْلِ عنده، فيَتحقَّقُ القذف.
قلنا: إذا لم يكن قَذْفاً في الحال: يصيرُ كالمعلَّق بالشرط، فيصيرُ كأنه
قال: إن كان بكِ حَمْلٌ: فليس مني، والقذفُ لا يصحُّ تعليقُه بالشرط.
قال: (فإن قال لها: زنيتٍ، وهذا الحَمْلُ من الزنا: تلاعَنَا)؛ لوجود
القذف؛ حيث ذَكَرَ الزنا صريحاً.
(ولم يَنْفِ القاضي الحَمْلَ).
وقال الشافعي(١) رحمه الله: ينفيه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نفى
الولدَ عن هلالٍ رضي الله عنه، وقد قَذَفَها حاملاً(٢).
ولنا: أن الأحكامَ لا تترتَّبُ عليه (٣) إلا بعد الولادة؛ لتمكُّنِ الاحتمالِ قبلَه.
والحديثُ محمولٌ على أن النبي صلى الله عليه وسلم عَرَفَ قيامَ
الحَمْلِ بطريق الوحي.
(١) المهذب ٨٥/٢.
(٢) تقدم الحديث قبل قليل.
(٣) أي على الحمل.

٣١٧
باب اللِّعَان
وإذا نفى الرجلُ ولدَ امرأتِهِ عَقِيبَ الولادة، أو في الحالةِ التي تُقْبَلَ
التهنئةُ، وتُبِتَاعُ آلةُ الولادةِ : صحَّ نفيُه، ولاعَنَ به.
وإن نفاه بعد ذلك: لاعَنَ، ويثبتُ النسبُ، وهذا عند أبي حنيفة
رحمه الله تعالى.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله : يصحُّ نفيُه في مدة النفاس.
وإذا وَلَدَتْ ولدَيْن في بَطْنٍ واحدٍ، فنفى الأولَ، واعترف بالثاني:
ثبتُ نسبُهما منه.
قال: (وإذا نفى الرجلُ ولدَ امرأتِه عَقِيبَ الولادة، أو في الحالةِ التي
تُقْبَلُ التهنئةُ، وتُبْتَاعُ آلةُ الولادةِ: صحَّ نفيُه، ولاعَنَ به.
وإن نفاه بعد ذلك: لاعَنَ، ويثبتُ النسبُ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه
الله تعالى.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: يصحُّ نفيُه في مدة النفاس)؛
لأن النفيَ يصحُّ في مدةٍ قصيرةٍ، ولا يصحُّ في مدةٍ طويلةٍ، ففَصَلْنا بينهما
بمدة النفاس؛ لأنه أَثَرُ الولادة.
وله: أنه لا معنى للتقدير؛ لأن الزمانَ للتأمُّل، وأحوالُ الناس فيه
مختلفةٌ، فاعتبرنا ما يدلُّ عليه، وهو قَبولُه التهنئةَ، أو سكوتُه عند التهنئة،
أو ابتياعُه متاعَ الولادة، أو مُضِيُّ ذلك الوقت، فهو ممتنعٌ عن النفي.
ولو كان غائباً، ولم يعلم بالولادة، ثم قَدِمَ: تُعتبرُ المدةُ التي ذكرناها
على الأصلَیْن.
قال: (وإذا وَلَدَتْ ولدَيْن في بَطْنِ واحدٍ، فنفى الأولَ، واعترف
بالثاني: ثبتُ نسبُهما منه)؛ لأنهما توأمان خُلِقا من ماءٍ واحد.

٣١٨
باب اللِّعَان
وحُدَّ الزوجُ.
وإن اعترف بالأول، ونفى الثاني : ثبت نسبُهما منه، ولاعَنَ.
(وحُدَّ الزوجُ)؛ لأنه أكذَبَ نفسَه بدعوى الثاني.
(وإن اعترف بالأول، ونفى الثاني: ثبت نسبُهما منه)؛ لِمَا ذكرنا.
(ولاعَنَ)؛ لأنه قاذِفٌ بنفي الثاني، ولم يرجع عنه.
والإقرارُ بالعِفَّة: سابقٌ على القذف، فصار كما إذا قال: إنها عفيفةً، ثم
قال: هي زانيةَ، وفي ذلك التلاعنُ، فكذا هذا، والله تعالى أعلم بالصواب.

٣١٩
باب العِنِّين، وغيره
باب
العِنِّين، وغيره
وإذا كان الزوجُ عِنِيناً: أجَّلَه الحاكمُ سَنَةً، فإن وَصَلَ إليها : فهي
امرأتُه، وإلا: فَرَّقَ بينهما إذا طَلَبَتِ المرأةُ ذلك.
باب العِنِين، وغيره
قال: (وإذا كان الزوجُ عِنِيناً (١): أجَّلَه الحاكمُ سَنَةً، فإن وَصَلَ إليها:
فهي امرأتُه(٢)، وإلا: فَرَّقَ بينهما إذا طَلَبَتِ المرأةُ ذلك).
هكذا رُوي عن عمر وعليٍّ وابنٍ مسعود رضي الله تعالى عنهم أجمعين(٣).
ولأن الحقَّ ثابتٌ لها في الوطء.
ويحتملُ أن يكون الامتناعُ لعلَّةٍ معترِضةٍ، ويحتملُ لآفةٍ أصليةٍ، فلا بدَّ من
مدةٍ مُعرِّفَةٍ لذلك، فقدَّرناها بالسّنَة؛ لاشتمالها على الفصول الأربعة المختلفة.
(١) العِنِّين: مَن لا يَقدِرُ على إتيان النساء لمرضٍ. البناية ٢٥٨/٧.
(٢) هكذا: فهي امرأتُه: في نسخة سعدي، وكتب عليها: صح، وفي النسخة
المضمنة في البناية ٢٥٩/٧: فإن وصل إليها: فبها، وإلا: فرَّق بينهما، وشَرَحَ العينيُّ
كلمةَ: فبها: بقوله: فلا كلامَ، وأما غالب النسخ الخطية للهداية ففيها: فإن وصل إليها:
وإلا : فَرَّق بينهما.
(٣) عزا هذه الآثار في الدراية ٧٧/٢ لمصنَّف عبد الرزاق، ومصنَّف ابن أبي
شيبة وغيرهما.

٣٢٠
باب العِنِّين، وغيره
وتلك الفُرقةُ تطليقةٌ بائنةٌ.
ولها كمالُ مهرِها إن كان خَلا بها، وتجبُ العِدَّةُ.
فإذا مَضَتِ المدةُ، ولم يَصِلْ إليها: تبيَّنَ أن العجزَ بآفةٍ أصليةٍ، ففات
الإمساكُ بالمعروف، ووَجَبَ عليه التسريحُ بالإحسان.
فإذا امتنع عنه(١): نابَ القاضي مَنَابَه، ففرَّقَ بينهما.
ولا بدَّ من طَلَبها؛ لأن التفريقَ حَقَّها.
قال: (وتلك الفُرقةُ تطليقةٌ بائنةٌ)؛ لأن فِعْلَ القاضي أُضِيْفَ إلى
الزوج، فكأنه طلَّقَها بنفسه، وقال الشافعي رحمه الله: هو فَسْخُ(٢).
لكنَّ النكاحَ لا يقبلُ الفسخَ عندنا (٣).
وإنما تقعُ بائنةً؛ لأن المقصودَ وهو دَفْعُ الظلم عنها: لا يحصلُ إلا
بها، لأنها لو لم تكنْ بائنةً: تعودُ معلَّقةً بالمراجعة.
قال: (ولها كمالُ مهرها إن كان خَلا بها)؛ فإنَّ خَلْوةَ العِنِّين صحيحةٌ.
(وتجبُ العِدَّةُ)؛ لِمَا بَيَّنَّا من قبل.
هذا إذا أقرَّ الزوجُ أنه لم يَصِلُ إليها.
(١) أي عن التطليق بعدما أمر القاضي به.
(٢) أي وليس بطلاق، فلا مهر لها، ولا عدة عليها. الحاوي الكبير ٣٧٥/٩.
(٣) يعني بعد تمام العقد، أما قبل تمامه: فيقبل ذلك، كما في خيار البلوغ،
وخيار العتاقة. البناية ٢٦١/٧، وعلَّق العلامة سعدي على العناية ١٣٠/٤، وكذلك
على نسخته من الهداية بقوله: ولعل الشافعي ينازع في التمام. اهـ