Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
[الإفاضة إلى المُزدلفة]
ومَن صلى المغربَ في الطريق وحدَه: لم تُجْزِه عند أبي حنيفة
ومحمدٍ رحمهما الله، وعليه إعادتُها ما لم يَطلُع الفجرُ.
ولنا: روايةُ جابر رضي الله عنه أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام جَمَعَ
بينهما بأذانٍ وإقامةٍ واحدةٍ(١).
ولأن العشاءَ في وقتِهِ، فلا يُفْرَدُ بالإقامة؛ إعلاماً.
بخلاف العصر بعرفة؛ لأنه مقدَّمٌ على وقتِه، فأُفرد بها؛ لزيادة الإعلام.
ءُ
ولا يَتطوَّعُ بينهما؛ لأنه يُخِلّ بالجمع.
ولو تطوَّع، أو تشاغَلَ بشيءٍ: أعاد الإقامةَ؛ لوقوع الفصل، وكان
ينبغي أن يُعيدَ الأذانَ، كما في الجمع الأول بعرفة، إلا أنَّا اكتفينا بإعادة
الإقامة؛ لِمَا رُويَ أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام صلى المغربَ بمزدلفةَ،
ثم تعشَّى، ثم أَفرَدَ الإقامةَ للعِشاءِ(٢).
ولا تُشترَطُ الجماعةُ لهذا الجمع عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن صلاةً
المغرب مؤخّرةٌ عن وقتها، بخلافِ الجمع بعرفة؛ لأن العصرَ مقدَّمٌ على وقته.
قال: (ومَن صلى المغربَ في الطريق وحدَه: لم تُجْزِه عند أبي حنيفة
ومحمدٍ رحمهما الله، وعليه إعادتُها ما لم يَطلُع الفجرُ).
وقال أبو يوسف رحمه الله: تُجزئه، وقد أساء.
(١) صحيح مسلم (١٢١٨).
(٢) قال في الدراية ٢٣/٢: لم أجده مرفوعاً.

٣٦٢
[الإفاضة إلىُ المُزدلفة]
وإذا طَلَعَ الفجرُ : يصلي الإمامُ بالناس الفجرَ بِغَلَسٍ.
وعلى هذا الخلاف: إذا صلى المغرب (١) بعرفات.
لأبي يوسف رحمه الله: أنه أدَّاها في وقتها، فلا تجبُ إعادتُها، كما
بعد طلوع الفجر(٢)، إلا أن التأخيرَ من السُّنَّة، فيصيرُ مسيئاً بتَرْكِه.
ولهما: ما رُوي أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال لأسامة رضي الله
عنه في طريق المزدلفة: ((الصلاةُ أمامَك))(٣)، معناه: وقتُ الصلاة، وهذا
إشارةٌ إلى أن التأخيرَ واجبٌ.
وإنما وَجَبَ: ليُمكِّنَه الجمعُ بين الصلاتين بالمزدلفة، فكان عليه
الإعادةُ ما لم يطلع الفجرُ؛ ليصيرَ جامعاً بينهما، وإذا طَلَعَ الفجرُ: لا يُمكنُه
الجمعُ، فسَقَطَتِ الإعادةُ.
قال: (وإذا طَلَعَ الفجرُ: يصلي الإمامُ بالناس الفجرَ بغَلَسِ).
الروايةِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام صلاّها
يومَئذٍ بِغَلَس (٤).
ولأن في التغليسِ دفعَ حاجةِ الوقوف، فيجوزُ، كتقديم العصرِ بعرفة.
(١) لفظ: المغرب: مثبتٌ في نسخة ٦٤٤ هـ.
(٢) أي كما إذا صلى بعد طلوع الفجر. البناية ١١٩/٥.
(٣) صحيح البخاري (١٦٦٧)، صحيح مسلم (١٢٨٠).
(٤) صحيح البخاري (١٥٩٩)، صحيح مسلم (١٢٨٩).

٣٦٣
[الإفاضة إلى المُزدلفة]
ثم وَقَفَ، ووَقَفَ الناسُ معه، ودعا.
(ثم وَقَفَ، ووَقَفَ الناسُ معه، ودعا)؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام
وقف في هذا الموضع يدعو(١).
حتىُ رُوي في حديث عباسٍ بن مِرْداس (٢) رضي الله عنه: ((فاستُجيب له
دعاؤه لأمته، حتى(٣) الدماءُ، والمَظالمُ)(٤).
ثم هذا الوقوفُ واجبٌ عندنا، وليسَ برُكْنٍ، حتى لو تَرَكَه بغير عُذْرٍ:
يلزمُه الدمُ.
وقال الشافعيُّ رحمه الله: إنه رُكْنُ(٥)؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
عِندَ اْلْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ البقرة/١٩٨، وبمثله تثبتُ الرُّكنية.
(١) صحيح مسلم في حديث جابر رضي الله عنه (١٢١٨).
(٢) في نُسخ الهداية: حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والصواب كما أثبتُّ،
كما نَّه إليه العيني في البناية ١٢٣/٥، والقرشي في الجواهر المضية ٥٨٤/٤،
واعتذر القرشي عن صاحب الهداية أنه أراد حديث عبد الله بن كنانة بن عباس بن
مرداس، وأنه أطلقه هكذا، ولم يقبل العينيُّ اعتذارَه، وردّ عليه، وينظر مقدمة حاشية
اللكنوي على الهداية ١/ ١٣.
(٣) لفظ: حتى: ها هنا للعطف، ولفظُ: الدماء والمظالم: جاء في المخطوطات
بالرفع والنصب والجر، وكله صحيحٌ.
(٤) كما في حديث عباس بن مرداس في عموم المغفرة، المتقدم قريباً.
(٥) قال في البناية ١٢٤/٥: نسبةُ هذا القول إلى الشافعي غير صحيحة، بل هو
واجبٌ عندهم، ينظر مناسك النووي مع حاشية ابن حجر الهيتمي ص٣١١.

٣٦٤
[الإفاضةُ إلى مِنىِّ، ورمي الجمرات]
والمزدلفةُ كلُّها موقفٌ، إلا وادي مُحَسٍِّ .
فإذا طَلَعَتِ الشمسُ: أفاض الإمامُ والناسُ معه، حتى يأتوا مِنِىّ.
قال العبدُ الضعيفُ عَصَمَه الله: هكذا وقع في بعض نُسَخِ المختصر.
ولنا: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قدَّمَ ضَعَفَةَ أهلِه بالليل(١)، ولو
كان رُكْناً: لَمَا فَعَلَ ذلك.
والمذكورُ فيما تلا: الذِّكْرُ، وهو ليس برُكْنٍ، بالإجماع.
وإنما عَرَفْنَا الوجوبَ بقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن وَقَفَ معنا هذا
الموقفَ، وقد كان أفاض قبلَ ذلك من عرفاتٍ: فقد تَمَّ حَجُّه))(٢).
علَّق به تمامَ الحجِّ، وهذا يَصلحُ أمارةَ الوجوب.
غيرَ أنه إذا تَرَكَه بعُذْرٍ، بأن يكونَ به ضَعْفٌ، أو عِلَّةٌ، أو كانت امرأةً
تخافُ الزحامَ: لا شيءَ عليه؛ لِمَا روينا.
قال: (والمزدلفةُ كلَّها موقفٌ، إلا وادي مُحَسِّر)؛ لِمَا روينا من قبل.
[الإفاضةُ إلى مِنىً، ورمي الجمرات]
قال: (فإذا طَلَعَتِ الشمسُ: أفاض الإمامُ والناسُ معه، حتى يأتوا مِنِىَ.
قال العبدُ الضعيفُ عَصَمَه الله(٣): هكذا وقع في بعض نُسَخِ المختصر (٤
(١) صحيح البخاري (١٦٧٧، ١٨٥٦)، صحيح مسلم (١٢٩٣).
(٢) سنن أبي داود (١٩٥٠)، سنن الترمذي (٨٩١)، وصححه ابن حبان
(٣٨٥٠)، الدراية ٢٤/٢.
(٣) وفي نُسخ: قال رضي الله عنه.
(٤) أي مختصر القدوري، كما هو واقع بعض النُّسخ.

٣٦٥
[الإفاضةُ إلى مِنىّ، ورمي الجمرات]
وهذا غَلَطٌ، والصحيحُ: أنه إذا أسفر : أفاض الإمامُ، والناسُ معه.
فيبتدئُ بجَمْرَة العَقَبَةِ، فَيَرْمِيْها من بطنِ الوادي بسَبْعِ حَصَيَات، مثل
حَصَا الخَذْف.
وهذا غَلَطُ(١)، والصحيحُ: أنه إذا أسفر: أفاض الإمامُ، والناسُ معه)؛
لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام دَفَعَ قبلَ طلوع الشمس (٢).
قال: (فيبتدئُ بجَمْرة العَقَبة، فَيَرْمِيْها من بطنِ الوادي بسَبْع حَصَیَات،
مثل حَصَا الخَذْف (٣))؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لَمَّا أتى منىَّ: لم
يُعرِّجْ على شيءٍ حتى رمى جمرة العقبةِ من بطن الوادي(٤).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بحصا الخَذْف، لا يؤذي بعضُكم
بعضاً)(٥).
ولو رمى بأكبر منه: جاز؛ لحصول الرمي، غيرَ أنه لا يرمي بالكبارِ من
الأحجار؛ كي لا يَتأَذَّى به غیرُه.
(١) أي من النُّسَّاخ، وليس هذا من أصل كلام القدوري. البناية ١٢٧/٥.
(٢) صحيح البخاري (١٥٩٩)، صحيح مسلم (١٢١٨).
(٣) أي صغيرة تُرمى برؤوس الأصابع.
(٤) قال في الدراية ٢٤/٢: لم أره صريحاً، وإنما هو مستفادٌ من مجموع
الأحاديث، وينظر التعريف والإخبار ١٩٠/٢.
(٥) سنن أبي داود (١٩٦٦)، صحيح ابن حبان (٣٨٧٢)، التعريف والإخبار
١٩٢/٢، الدراية ٢٤/٢.

٣٦٦
[الإفاضةُ إلى مِنىًّ، ورمي الجمرات]
ويكبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ولا يقفُ عندَها، ويقطعُ التلبيةَ مع أوَّلِ حصاةٍ .
ولو رماها من فوق العَقَبَةِ: أجزأه؛ لأنَّ ما حولَها موضعُ النُّسُك،
والأفضلُ أنْ يكونَ من بطنِ الوادي؛ لِمَا روينا.
قال: (ويكبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ)، كذا روى ابنُ مسعود وابنُ عمر رضي
(١)
الله عنهم(١).
ولو سبَّحَ مَكانَ التكبير: أجزأه؛ لحصول الذَّكْر، وهو من آداب الرمي.
(ولا يقفُ عندَها)؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام لم يقف عندها(٢).
قال: (ويقطعُ التلبيةَ مع أوَّلِ حصاةٍ)؛ لِمَا روينا عن ابنِ مسعودٍ رضي
الله عنه(٣).
وروى جابرٌ رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قَطَعَ التلبيةَ
عند أولِ حصاةٍ رمى بها جمرة العقبة(٤).
ثم كيفيةُ الرمي : أن يضعَ الحصاةَ على ظهر إبهامه اليُمنى، ويستعينَ
بالمسبِّحَة.
ومقدارُ الرمي: أن يكونَ بين الرامي وبين موضع السقوط: خمسة(
(١) صحيح البخاري (١٦٦٠، ١٦٦٦)، صحيح مسلم (١٢١٨، ١٢٩٦).
(٢) تقدم في الصحيحين في الحاشية السابقة.
(٣) صحيح مسلم (١٢٩٦).
(٤) صحيح مسلم (١٢١٨).
(٥) وفي نُسخ: خمسةَ. بالفتح.

٣٦٧
[الإفاضةُ إلى مِنىَّ، ورميُ الجمرات]
أذرع، فصاعداً (١)، كذا روى الحسنُ عن أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن ما
دونَ ذلك: يكون طَرْحاً.
ولو طَرَحَها طَرْحاً: أجزأه؛ لأنه رمى إلىُ قدَمَيْه، إلا أنه مسيء؛
لمخالفتِهِ السُّنَّة.
ولو وَضَعَها وَضْعاً: لم يُجْزِه؛ لأنه ليس برمي.
ولو رماها، فوقعت قريباً من الجَمْرة: يكفيه؛ لأن هذا القدرَ مما لا
يُمكنُ الاحترازُ عنه.
ولو وقعت بعيداً منها: لا يُجزئه؛ لأنه لم يُعرَف قُربةً إلا في مكانٍ
مخصوص.
ولو رمى بسبع حَصَيَاتٍ جُملةً: فهذه واحدةٌ؛ لأن المنصوصَ عليه
تفرُّق الأفعال.
ويأخذُ الحَصَىُ من أيِّ موضعٍ شاء، إلا مِن عندِ الجمرة: فإن ذلك
يكره؛ لأن ما عندها من الحصى مردودٌ، هكذا جاء في الأثر(٢)، فيُتْشاءَمُ به.
ومع هذا لو فَعَلَ: أجزأه؛ لوجود فعلِ الرمي.
(١) لفظ: فصاعداً: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.
(٢) مصنف بن أبي شيبة (١٥٣٣٦) موقوفاً عن ابن عباس: ((ما تُقُبِّل منه: رُفع،
وما لم يُتقبّل منه: تُرِك)): أورده من ثلاث طرق، وهو في حكم المرفوع، وورد مرفوعاً
أيضاً، ينظر الدراية ٢٥/٢، التعريف والإخبار ١٩٣/٢.

٣٦٨
[الإفاضةُ إلى مِنىَّ، ورمي الجمرات]
ثم يَذْبِحُ إن أحبَّ، ثم يَحلِقُ، أو يُقْصِّرُ.
ويجوز الرميُّ بكلِّ ما كان من أجزاءِ الأرضِ (١) عندنا.
خلافاً للشافعي(٢) رحمه الله.
لأن(٣) المقصودَ فعلُ الرمي، وذلك يحصلُ بالطين، كما يحصلُ
بالحجر.
بخلاف ما إذا رمى بالذهب أو الفضة؛ لأنه يسمَّى نثَاراً، لا رمياً.
قال: (ثم يَذْبحُ إن أحبَّ، ثم يَحلِقُ، أو يُقصِّرُ)؛ لِمَا روي عن رسولِ
الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إن أوَّلَ نُسُكِنا في يومنا (٤) هذا: أن
نرميَ، ثم نذبحَ، ثم نحلِقٍ)(٥).
ولأن الحلقَ من أسباب التحلّلِ.
وكذا الذبحُ، حتىُ يَتْحلَّلُ به المحصَرُ، فيُقدَّمُ الرميُّ عليهما.
ثم الحلقُ من محظورات الإحرام، فيُقدَّمُ عليه الذبحُ.
(١) كالمدر والطين وقبضة التراب والمَغْرَة والنُّوْرة والزرنيخ، بخلاف الخشب
والعنب واللؤلؤ والذهب والفضة، فإنها ليست من أجزاء الأرض. البناية ١٣٤/٥.
(٢) فلا يجوز عنده إلا بالحجر. الحاوي الكبير ١٧٩/٤.
(٣) هذا تعليلٌ لقول الحنفية.
(٤) قوله: في يومنا: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.
(٥) قال في التعريف والإخبار ١٩٤/٢: قال المخرِّجون: لم نره، ومعناه موجودٌ
في حديث جابر عند مسلم (١٢١٨).

٣٦٩
[الإفاضةُ إلى مِنىً، ورمي الجمرات]
ءِ
والحَلْقُ أفضلُ، وقد حَلّ له كلّ شيءٍ، إلا النساء.
وإنما علَّق الذبحَ بالمحبة؛ لأن الدمَ الذي يأتي به المفرِدُ تطوُّعٌ،
والكلامُ في المفرِد.
قال: (والحَلْقُ أفضلُ)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((رَحِمَ الله
المحلِّقين)) (١)، قاله ثلاثاً. الحديث، ظاهَرَ (٢) بالترحُّم عليهم.
ولأن الحلقَ أكملُ(٣) في قضاءِ التَّفَث، وهو المقصودُ.
وفي التقصير: بعضُ التقصيرِ، فأشبه الاغتسالَ مع الوضوء.
ويُكتفىُ في الحَلْقِ: برَيُعِ الرأس؛ اعتباراً بالمسح.
وحَلْقُ الكلّ: أَوْلِىُ؛ اقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام(٤).
والتقصيرُ: أن يأخذَ من رؤوسِ شعرِه مقدارَ الأنملة(٥).
قال: (وقد حَلَّ له كلّ شيءٍ، إلا النساءَ).
وقال مالك(٦) رحمه الله: إلا الطَّيْبَ أيضاً؛ لأنه من دواعي الجماع.
(١) صحيح البخاري (١٧٢٨)، صحيح مسلم (١٣٠٢).
(٢) أي ظاهَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالترخُم على المحلِّقين، وقاله مرةً بعد
أخرى. البناية ١٣٦/٥، ونقل العيني تفصيلاً عن الشُّرَّاح في ذلك.
(٣) وفي نُسخ: أفضل.
(٤) صحيح البخاري (١٧٢٨)، صحيح مسلم (١٣٠٤).
(٥) لفظ: الأنملة: فيها تسع لغات.
(٦) التلقين ص٦٦، الشرح الصغير ٥٥/٢، ولكن قالوا: يكره له الطِّيب.

٣٧٠
[الإفاضةُ إلى مِنىً، ورميُ الجمرات]
ءِ
ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام فيه: ((حَلّ له كلّ شيءٍ، إلا النساء))(١)،
وهو مقدّمٌ على القیاس.
ولا يَحِلُّ له الحِماعُ فيما دون الفرج عندنا، خلافاً للشافعي(٢) رحمه الله.
لأنه(٣) قضاء الشهوة بالنساء، فيؤخَّرُ إلى تمامِ الإحلال.
ثم الرميُ ليس من أسبابِ التحلُّلِ عندنا(٤).
خلافاً للشافعي(٥) رحمه الله، هو يقولُ: إنه يتوقَّتُ بيوم النحر، كالحلق،
فيكونُ بمنزلتِه في التحلُّل.
ولنا: أن ما يكون محلِّلاً: يكون جنايةً في غير أوانه، كالحلق.
والرميُّ: ليس بجنايةٍ في غيرِ أَوَانه.
بخلاف الطواف؛ لأن التحلّلَ: بالحلق السابق، لا به(٦).
(١) سنن أبي داود (١٩٧٨)، وقال: هذا حديثٌ ضعيفٌ، وفي مسند أحمد
(٢٦٥٣٠)، وأبي داود (١٩٩٩)، وغيرهما بلفظ قريب، ورجال إسناده ثقات، ينظر
التعريف والإخبار ١٩٦/٢، الدراية ٢٦/٢.
(٢) في أحد قوليه. البناية ١٣٩/٥، ولكن الأصح عند الشافعية تحريمه، كما
جاء في مناسك النووي ص ٣٦٠.
(٣) أي الجماع فيما دون الفرج، وهذا تعليل لقول الحنفية.
(٤) قبل الحلق.
(٥) فعنده يتحلل بعد الرمي، ويحل له كل شيء إلا النساء، مناسك النووي ص٣٥٩.
(٦) أي لا بالطواف.

٣٧١
[الإفاضة إلى مكة المكرمة]
ثم يأتي مكةَ من يومِه ذلك، أو من الغَدِ، أو من بعدِ الغَدِ، فيطوفُ
بالبيت طوافَ الزيارةِ، سبعةً أشواط.
ووَقْتُه : أيامُ النحر، وأولُ وقِتِه : بعدَ طلوع الفجرِ من يوم النحر.
وأفضلُ هذه الأيامِ أوَّلُها.
[الإفاضة إلى مكة المكرمة]
قال: (ثم يأتي مكةَ من يومِه ذلك، أو من الغَدِ، أو من بعدِ الغَدِ،
فيطوفُ بالبيت طوافَ الزيارةِ، سبعةَ أشواط).
لِمَا رُوي أن النبي عليه الصلاة والسلام لَمَّا حَلَقَ: أفاض إلى مكة،
فطاف بالبيت، ثم عاد إلى منىٍّ، وصلى الظهرَ بمنى (١).
قال: (ووَقْتُه: أيامُ النحر)؛ لأن الله تعالىُ عَطَفَ الطوافَ علىُ الذِّبْحِ،
قال الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾. الحج /٢٨، ثم قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ
اٌلْعَتِيقِ﴾. الحج/٢٩، فكان وقتُهما واحداً.
قال: (وأولُ وقتِه: بعدَ طلوعِ الفجرِ من يوم النحر)؛ لأن ما قبلَه من
الليل: وقتُ الوقوفِ بعرفة، والطوافُ مرتَّبٌ عليه.
(وأفضلُ هذه الأيامِ أوَّلُها)، كما في التضحية.
وفي الحديث: ((أفضلُها: أَوَّلُها))(٢).
(١) صحيح مسلم (١٣٠٨).
(٢) قال في الدراية ٢٧/٢ : لم أجده.
1

٣٧٢
[الإفاضة إلى مكة المكرمة]
فإن كان سعىُ بين الصفا والمروةِ عَقِيبَ طواف القدومِ : لم يَرْمُلْ في
هذا الطوافِ، ولا سعيَ عليه، وإن كان لم يُقَدِّمِ السعيَ : رَمَلَ في هذا
الطوافٍ، وسعىُ بعدَه، على ما بيَّنَا.
ويصلي ركعتين بعد هذا الطوافٍ، وقد حَلَّ له النساء.
وهذا الطوافُ: هو المفروضُ في الحج.
قال: (فإن كان سعى بين الصفا والمروةِ عَقِيبَ طوافِ القدومِ: لم
يَرْمُلْ في هذا الطوافِ، ولا سعيَ عليه، وإن كان لم يُقَدِّمِ السعيَ: رَمَلَ في
هذا الطوافِ، وسعىُ بعدَه، على ما بيًّا).
لأن السعيَ لم يُشرَعْ إلا مرةً واحدةً، والرَّمَلُ ما شُرعَ إلا مرةً في
طوافٍ بعده سعيّ.
قال: (ويصلي ركعتين بعد هذا الطوافِ)؛ لأنَّ خَتْمَ كلِّ طوافٍ
بركعتين، فرضاً كان الطوافُ أو نفلاً؛ لِمَا بَيَّنَّاه.
قال: (وقد حَلَّ له النساءُ)، ولكن بالحلقِ السابقِ، إذ هو المُحلِّلُ، لا
بالطواف، إلا أنه أُخِّرَ عملُه في حقِّ النساء (١).
قال: (وهذا الطوافُ: هو المفروضُ في الحج)، وهو رُکنٌ فیه، إذ هو
المأمورُ به في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. الحج/٢٩،
ويسمىُ: طواف الإفاضة، وطوافً يومِ النحر.
(١) أي حتى يطوفَ؛ ليقع الطواف الذي هو ركنٌ في الإحرام؛ لئلا يقع التهاون
في أمره. العناية ٣٩١/٢.

٣٧٣
[العَوْد إلى منىَّ للمَبيت، وإتمامِ الرمي]
ويكره تأخيرُه عن هذه الأيام.
وإن أخَّره عنها : لَزِمَه دمٌ عند أبي حنيفة رحمه الله.
ثم يعودُ إلى منىّ، فيقيمُ بها فإذا زالتِ الشمسُ من اليومِ الثاني من أيام
النحر : رمى الجمارَ الثلاثَ، فَيَبدأُ بالتي تلي مسجدَ الخَيْفِ، فيرميها بِسَبْعِ
حَصَيَات، يُكبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ويقفُ عندها، ثم يرمي التي تليها مثل
ذلك، ويقفُ عندَها.
قال: (ويكره تأخيرُه عن هذه الأيام(١))؛ لِمَا بيَّنَا أنه(٢) مؤقّتٌ بها.
(وإن أخَّرَه عنها: لَزِمَه دمٌ عند أبي حنيفة رحمه الله)، وسنبينُه في باب
الجنایات إن شاء الله تعالى.
[العَوْد إلى منىَّ للمَبيت، وإتمامِ الرمي]
قال: (ثم يعودُ إلى منىَ، فيقيمُ بها )؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام
رجع إليها، كما رَوَیْنا.
ولأنه بقيَ عليه الرميُ، وموضعُه بمنىَ.
قال: (فإذا زالتِ الشمسُ من اليومِ الثاني من أيام النحر: رمىُ الحِمارَ
الثلاثَ، فَيَبدأُ بالتي تلي مسجدَ الخَيْفِ، فيرميها بسَبْعِ حَصَيَات، يُكبِّرُ مع
كلِّ حَصَاةٍ، ويقفُ عندها، ثم يرمي التي تليها مثل ذلك، ويقفُ عندَها.
(١) أي أيام النحر، وغير مؤقتٍ عند الصاحبين، ولا شيءَ في تأخيره.
(٢) أي طواف الزيارة.

٣٧٤
[العَوْد إلى منىَّ للمَبيت، وإتمامِ الرمي]
ثم يرمي جمرةَ العَقَبَةِ كذلك، ولا يقفُ عندَها.
ثم يرمي جمرةَ العَقَبَةِ كذلك، ولا يقفُ عندَها).
هكذا روى جابرٌ رضي الله عنه فيما روى من نُسُكِ رسول الله عليه
الصلاة والسلام مفسَّراً(١).
ويقفُ عند الجمرتَيْن في المَقامِ الذي يقفُ فيه الناسُ، فَيَحمَدُ اللهَ
تعالى، ويُثِنِي عليه، ويهلِّلُ، ويكبِّرُ، ويصلي على النبيِّ عليه الصلاة
والسلام، ويدعو بحاجته، ويرفعُ یدیه.
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تُرفَعُ الأيدي إلا في سبعة مواطن))(٢)،
وذَكَرَ من جملتها: عند الجمرتَيْن، والمرادُ به: رَفْعُ الأيدي بالدعاء.
وينبغي أن يستغفر للمؤمنين في دعائه في هذه المواقف.
لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((اللهم اغفِرْ للحاجٌّ، ولَمَن
۵,(٣)
استغفَرَ له الحاجُ))(٣).
ثم الأصلُ: أن كلَّ رميٍ بعدَه رميٌّ: يقفُ بعده؛ لأنه في وَسَطِ العبادة،
فیأتي بالدعاء فيه.
(١) سنن أبي داود (١٩٧٣)، صحيح ابن حبان (٣٨٦٨)، الدراية ٢٧/٢.
(٢) تقدم في صفة الصلاة.
(٣) المصنف لابن أبي شيبة (١٢٦٥٧)، مسند البزار (٩٧٢٦)، وصححه ابن
خزيمة (٢٥١٦)، والحاكم في المستدرك (١٦١٢)، الدراية ٢٨/٢.

٣٧٥
[العَوْدِ إلى منىَّ للمَبيت، وإتمامِ الرمي]
وإذا كان مِن الغَدِ : رمى الجمار الثلاثَ بعدَ زوالِ الشمسِ كذلك،
وإن أراد أن يتعجَّلَ النَّفْرَ : نَفَرَ إلى مكةَ.
وإن أراد أن يُقيمَ : رمى الجمارَ الثلاثَ في اليومِ الرابعِ بعد زوال
الشمس، والأفضلُ أن يُقيمَ.
وكلّ رمي ليس بعده رميٌّ: لا يقفُ؛ لأن العبادةَ قد انتهت، ولهذا لا
يقفُ بعد جمرة العقبة في يومِ النحرِ أيضاً.
قال: (وإذا كان مِن الغَدِ: رمى الجمارَ الثلاثَ بعدَ زوالِ الشمسِ
كذلك، وإن أراد أن يتعجَّلَ النَّفْرَ: نَفَرَ إلى مكةَ.
وإن أراد أن يُقيمَ: رمى الجمارَ الثلاثَ في اليومِ الرابعِ بعد زوال
الشمس)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِىِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخََّ فَلاَ إِثْمَ
عَلَيْهٍ لِمَنِ اتَّقَى﴾. البقرة/ ٢٠٣.
(والأفضلُ أن يُقيمَ)؛ لِمَا رُوي أن النبي عليه الصلاة والسلام صَبَرَ
حتى رمى الجمار الثلاثَ في اليوم الرابع (١).
وله أن يَنْفِرَ ما لم يَطلُعِ الفجرُ من اليوم الرابع، فإذا طَلَعَ الفجرُ من
اليوم الرابع: لم يكن له أن يَنْفِرَ؛ لدخول وقتِ الرمي.
وفيه خلافُ الشافعي(٢) رحمه الله.
(١) سنن أبي داود (١٩٦٧)، قال المنذري في مختصر السنن ٤١٦/٢: حديث
حسنٌ، كما في نصب الراية ٨٤/٣.
(٢) فإن عنده: لا يجوز له النفر إذا غربتِ الشمسُ من اليوم الثاني عشر حتى
يرمي الجمار الثلاث في اليوم الرابع. مغني المحتاج ٥٠٦/١.

٣٧٦
[العَوْد إلى منىَّ للمَبيت، وإتمامِ الرمي]
وإن قدَّم الرميَ في هذا اليومِ قبلَ الزوالِ بعدَ طلوع الفجر : جاز عند
أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : لا يجوزُ.
قال: (وإن قدَّمَ الرميَ في هذا اليومِ)، يعني اليومَ الرابعَ، (قبل الزوال
بعدَ طلوع الفجر: جاز عند أبي حنيفة رحمه الله)، وهذا استحسان.
(وقالا: لا يجوزُ)؛ اعتباراً بسائر الأيام، وإنما التفاوتُ في رُخصة
النفر، فإذا لم يُترخَّص: التحق بها.
ومذهبُهُ(١) مَرويٌ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما (٢).
ولأنه لَمَّا ظَهَرَ أثرُ التخفيفِ في هذا اليوم في حَقِّ التَّرْك: فلأن يَظهَرَ
في جوازه في الأوقات كلِّها أولى.
بخلاف اليومِ الأولِ والثاني، حيثُ لا يجوزُ الرميُ فيهما إلا بعد
الزوال، في المشهورِ من الرواية، لأنه لا يجوزُ تَرْكُه فيهما، فبقيَ على
الأصل المَرْويِّ.
فأمَّا يومُ النَّحْرِ: فأولُ وقتِ الرمي فيه: من وقتِ طلوع الفجر الثاني.
وقال الشافعي(٣) رحمه الله: أوَّلُه: بعد نصفِ الليل.
(١) أي مذهب أبي حنيفة رحمه الله.
(٢) سنن البيهقي (٩٦٨٧)، وإسناده ضعيف، الدراية ٢٨/٢.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٥٠٧.

٣٧٧
[العَوْد إلى منىّ للمَبيت، وإتمامِ الرمي]
لِمَا رُوي أن النبي عليه الصلاة والسلام رخَّص للرِّعاءِ(١) أن يرموا
ليلاً(٢).
ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا تَرموا جمرة العقبةَ إلا مُصبحِيْن))(٣).
ويُروى: ((حتى تطلعَ الشمسُ))(٤).
فيثبتُ أصلُ الوقتِ بالأول، والأفضليةُ بالثاني.
وتأويلُ ما روى (٥) : الليلةُ الثانيةُ، والثالثةُ.
ولأن ليلةَ النحر: وقتُ الوقوف، والرميُ يترتبُ عليه، فيكونُ وقتُه
بعده ضرورةً.
ثم عند أبي حنيفة رحمه الله: يمتدُّ هذا الوقتُ إلى غروب الشمس؛
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن أوَّل نُسُكِنا في هذا اليوم: الرميُ)) (٦).
(١) أي للرعاة، جَمْعُ: راع.
(٢) مسند البزار (٥٧٤٨)، وفيه: مسلم بن خالد الزنجي: مختَلَفٌ فيه، سنن
الدار قطني (٢٦٨٥)، وفيه ضعفٌ، ينظر التعريف والإخبار ١٩٨/٢، الدراية (٢٨).
(٣) شرح معاني الآثار ٢١٧/٢، سنن البيهقي (٩٥٦٧)، الدراية ٢٩/٢.
(٤) سنن أبي داود (١٩٤٠)، سنن الترمذي (٨٩٣)، وصححه ابن حبان
(٣٨٦٩)، الدراية ٢٩/٢.
(٥) أي الإمام الشافعي رحمه الله.
(٦) تقدم قريباً.

٣٧٨
[العَوْد إلى منىَّ للمَبيت، وإتمامِ الرمي]
فإن رماها راكباً : أجزأه.
وكلُّ رميٍ بعدَه رميٌ: فالأفضلُ أن يرميَه ماشياً، وإلا: فيرمِيْه راكباً.
جَعَلَ اليومَ وقتاً له، وذهابُه بغروب الشمس.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يمتدُّ إلى وقت الزوال.
والحُجَّةُ علیه ما روینا.
وإن أخَّر إلى الليل: رماه، ولا شيء عليه؛ لحديث الرِّعاء.
وإن أخَّر إلى الغَدِ: رماه؛ لأنه وقتُ جنسِ الرمي، وعليه دمٌ عند أبي
حنيفة رحمه الله؛ لتأخيره عن وقتِه، كما هو مذهبه.
قال: (فإن رماها راكباً: أجزأه)؛ لحصول فِعْل الرمي.
قال: (وكلُّ رميٍ بعدَه رميٌّ: فالأفضلُ أن يرميَه ماشياً، وإلا: فيرمِيْه
راكباً)؛ لأن الأولَ: بعدَه وقوفٌ ودعاء، على ما ذكرنا، فيرمِيْه ماشياً؛
ليكونَ أقربَ إلى التضرع.
وبيانُ الأفضل مرويٌ عن أبي يوسف رحمه الله.
ويكره أن لا يَبَيْتَ بمِنِىّ لياليَ الرمي(١)؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام
بات بها(٢).
(١) نقل الشرنبلالي في حاشيته علىُ دُرَر الحُكَّام شرح غُرَر الأحكام ٢٣١/١
عن ابن الهمام - في فتح القدير ٣٩٥/٢ - قال: ويكون مسيئاً؛ لتركه السُنّة، ثم نقل
عن الكافي أنه يكره، ثم قال: فليُنظَر التوفيق ليُدفع التعارض. اهـ، وفي مناسك الإمام
علي القاري ص ٣٣٢: ولو بات أكثرَ ليلِها في غير منىًّ: كُره، أي تنزيهاً. اهـ
(٢) تقدم قريباً.

٣٧٩
[النَّفْرُ إلى مكة المكرمة]
ويكره أن يُقدِّمَ الرَّجُلُ ثَقَلَه إلى مكةَ، ويقيمَ حتى يرميَ.
فإذا نَفَرَ إلى مكةَ : نَزَلَ بالمُحَصَّب.
وعمرُ رضي الله عنه كان يؤدِّبُ على تَرْك المُقَام بها(١).
ولو باتَ في غيرِها متعمّداً: لا يلزمُه شيء عندنا.
خلافاً للشافعي(٢) رحمه الله.
لأنه (٣) وَجَبَ(٤): لَيَسهُلَ عليه الرميُّ في أيامِهِ، فلم يكنْ من أفعال
الحج، فتَرْكُه لا يوجبُ الجابِرَ.
قال: (ويكره أن يُقدِّمَ الرَّجُلُ ثَقَلَه إلى مكةَ، ويقيمَ (٥) حتى يرمي)؛ لِمَا
روي أن عمرَ رضي الله عنه كان يمنعُ منه، ويؤدِّبُ عليه (٦).
ولأنه يوجبُ شَغْل قلبِه.
[النَّغْرُ إلى مكة المكرمة]
قال: (فإذا نَفَرَ إلى مكةَ: نَزَلَ بالمُحَصَّب)، وهو الأبطحُ، وهو اسمُ
موضعٍ قد نَزَلَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم(٧).
(١) قال في الدراية ٢٩/٢: لم أجده، وقال في البناية ١٥٤/٥: غريب.
(٢) الحاوي الكبير ١٧٨/٤ .
(٣) أي المبيتُ، وهذا تعليلٌ لقول الحنفية. البناية ٥ /١٥٤.
(٤) أي ثبت، إذ هو سُنَّةٌ عندنا. فتح القدير لابن الهمام ٣٩٥/٢.
(٥) أي يكره أن يقدمَ تَقَلَه إلى مكة ويقيمَ هو نفسُه بمنىَ.
(٦) قال في الدراية ٢٩/٢: لم أجده.
(٧) صحيح البخاري (١٦٧٤)، صحيح مسلم (١٣٠٩).

٣٨٠
[التَّغْرُ إلى مكة المكرمة]
ثم دخل مكةَ، وطافَ بالبيتِ سبعةَ أشواطٍ، لا يرمُلُ فيها، وهذا طوافُ
الصَّدَر، وهو واجبٌ.
وكان نزولُهُ قَصْداً (١)، هو الأصحُّ، حتى يكونَ النزولُ به سُنَّةً، على ما
رُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: ((إنا نازلون غداً بخَيْفٍ بني
كِنَانة (٢)، حيث تقاسَمَ المشركون فيه على شِرْكِهم(٣)(٤).
يُشير إلى عهدِهم علىُ هِجْرانِ بني هاشم(٥)، فعَرَفْنا أنه نَزَلَ به إراءةً
للمشركين لطيفَ صُنْع الله تعالى به(٦)، فصار سُنَّةً، كالرَّمَل في الطواف.
قال: (ثم دخل مكةَ، وطافَ بالبيتِ سبعة أشواطٍ، لا يرمُلُ فيها، وهذا
طوافُ الصَّدَرَ)، ويسمىُ: طواف الوداع، وطوافٌ آخِرِ العهدِ(٧) بالبيت؛
لأنه یودِّعُ البيتَ، ويصدُرُ عنه به.
قال: (وهو واجبٌ) عندنا.
(١) أي كان نزوله بالمحصَّب قصداً، وهو احترازٌ عن قول الشافعي إن نزوله
كان اتفاقاً. حاشية نسخة السليمانية برقم ٦٤٤.
(٢) هو المُحَصَّب، وسمي خَيْفُ بني كنانة: لأنهم تحالفوا مع قريش في ذلك
الموضع على بني هاشم.
(٣) أي مع شِرْكهم، إذ لفظ: على: هنا، بمعنى: مع.
(٤) صحيح البخاري (١٥٩٠)، صحيح مسلم (١٣١٤).
(٥) يشير إلى ما روي أنهم حَبَسوا بني هاشم في وادٍ سبعَ سنين. البناية ١٥٦/٥.
(٦) حيث فَتَحَ له مكة، ونَصَرَه عليهم.
(٧) وفي نُسخ: عهدٍ.