Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
باب سجود التلاوة
باب
سجود التلاوة
سجودُ التلاوةِ في القرآنِ أربعَ عشرةَ سجدةً :
في آخرِ الأعرافِ، وفي الرَّعْدِ، والنَّحْلِ، وبني إسرائيلَ، ومريمَ، والأُولى
في الحجِّ، والفرقانِ، والثَّمْلِ، و: ﴿الَرَّ تَنِلُ﴾، و﴿ص﴾، و: ﴿حَرّ﴾
السجدة، والنَّجْمِ، و: ﴿إِذَا السَّمَاءُ الشَقَّتْ﴾، و: ﴿اقْرَأْ بِأَسِْرَبِّكَ﴾ .
باب سجود التلاوة
قال: (سجودُ التلاوةِ في القُرآنِ أربعَ عشرةَ سجدةً:
في آخرِ الأعرافِ، وفي الرَّعْدِ، والنَّحْلِ، وبني إسرائيلَ، ومريمَ، والأُولى
من الحجِّ، والفُرقانِ، والنَّمْلِ، و: ﴿الَّ تَزِيِلُ﴾(١)، و﴿ص﴾، و: ﴿حمّ﴾
السجدة (٢)، والنَّجْم، و: ﴿إِذَا السَّمَاءُ اَنشَقَّتْ﴾، و: ﴿اقْرَأْ بِأَسِْرَبِّكَ﴾.
كذا كُتِبَ في مصحفِ عثمانَ(٣) رضي الله عنه، وهو المعتمدُ.
والسجدةُ الثانيةُ في الحجِّ: للصلاةُ(٤) عندنا.
(١) أي سورة السجدة.
(٢) أي سورة فُصِّلت.
(٣) ينظر التعريف والإخبار ٣٠٨/١.
(٤) أي للأمر بالصلاة، حيث قَرَنَ السجودَ بالركوع.

٦٢
باب سجود التلاوة
والسجدةُ واجبةٌ في هذه المواضعِ، على التالي والسامعِ، سواءٌ قَصَدَ
سماعَ القرآنِ، أو لم يَقْصِدْ.
وموضعُ السجدةِ في حم السجدة: عند قوله تعالى: ﴿وهم لا يَسْتَمُونَ﴾(١).
- فصلت / ٣٨ - في قول عمر رضي الله عنه(٢)، وهو المأخوذُ للاحتياط.
قال: (والسجدةُ واجبةٌ في هذه المواضعِ، على التالي والسامعِ، سواء
قَصَدَ سماعَ القُرآنِ، أو لم يَقْصِدْ).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((السجدةُ على مَن سَمِعَها، السجدةُ
علىُ مَن تلاها))(٤).
(٣)
وهي (٥) : كلمةُ إيجاب.
وهو (٦) غيرُ مقيَّدٍ بالقصد.
(١) وعند الشافعي رحمه الله: عند قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾.
البناية ٢١٨/٣.
(٢) قال في الدراية ١/ ٢١٠: لم أجده، ولابن أبي شيبة في المصنف (٤٢٤٦)،
لابن عباس رضي الله عنهما نحوه.
(٣) وفي نُسخ: على من سمعها، وعلىُ مَن تلاها.
(٤) لم يره مخرِّجو الهداية مرفوعاً، ولابن أبي شيبة في المصنف (٤٢٢٥)
موقوفاً عن ابن عمر رضي الله عنهما، وعن عثمان رضي الله عنه في المصنف
(٥٩٠٦) لعبد الرزاق، التعريف والإخبار ٣٠٨/١.
(٥) أي كلمة: على.
(٦) أي الحديث المذكور.

٦٣
باب سجود التلاوة
وإذا تلا الإمامُ آيَةَ سجدةٍ : سَجَدَها، وسَجَدَ المأمومُ معه.
وإذا تلاها المأمومُ: لم يَسْجُدِ الإمامُ ولا المأمومُ في الصلاةِ، ولا بعدَ
الفراغ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله .
وقال محمدٌ رحمه الله : يسجدونَها إِذا فَرَغوا.
قال: (وإذا تلا الإمامُ آيَةَ سجدةٍ: سَجَدَها، وسَجَدَ (١) المأمومُ معه) تَبَعاً؛
لالتزامِهِ متابعته.
قال: (وإذا تلاها المأمومُ: لم يَسْجُدِ الإمامُ ولا المأمومُ في الصلاةِ،
ولا بعدَ الفراغ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ رحمه الله: يسجدونَها إذا فَرَغوا) من الصلاة؛ لأن السببَ
قد تقرَّر، ولا مانعَ، بخلافِ حالةِ الصلاة؛ لأنه يؤدِّي إلى خلافِ موضوعٍ
الإمامة، أو التلاوة(٢).
ولهما: أن المقتديَ محجورٌ عن القراءةِ؛ لنفاذِ تصرُّفِ الإمامِ عليه،
وتصرُّفُ المحجورِ علیه لا حکمَ له.
بخلاف الجنُب والحائض؛ لأنهما مَنهيَّان عن القراءة، إلا أنه (٣) لا
(١) وفي نُسخ: وسَجَدَها.
(٢) أي إن سجد التالي، وتابعه الإمام، وذا لا يجوز؛ بانقلاب المتبوع تابعاً، أو
يؤدي إلى خلاف موضوع التلاوة إن سجد الإمام، وتابَعَه التالي، فلا يجوز. البناية
٢٣٣/٣.
(٣) أي إلا أن الشأن.

٦٤
باب سجود التلاوة
ولو سَمِعَها رجلٌ خارجَ الصلاةِ: سَجَدَها، هو الصحيحُ.
وإن سَمِعُوا وهم في الصلاةِ سجدةً من رَجُلٍ ليس معهم في الصلاة :
لم يسجدوها في الصلاة، وسَجَدُوها بعدَ الصلاةِ.
ولو سَجدوها في الصلاة : لم تُجْزِهم، وأعادوها،
يجبُ على الحائض بتلاوتها، كما لا يجبُ بسماعها؛ لانعدام أهليةٍ
الصلاة، بخلاف الجُنُب(١).
قال: (ولو سَمِعَها رجلٌ خارجَ الصلاةِ: سَجَدَها، هو الصحيحُ)؛ لأن
الحَجْرَ ثَبَتَ في حقِّهِم (٢)، فلا يَعْدُوهم.
قال: (وإن سَمِعُوا وهم في الصلاةِ سجدةً من رَجُلٍ ليس معهم في
الصلاة: لم يسجدوها في الصلاة)؛ لأنها ليست بصلاتيَّةٍ؛ لأن سماعَهم
هذه السجدةَ ليس من أفعال الصلاة.
(وسَجَدُوها بعدَ الصلاةِ)؛ لتحقّق سببها.
قال: (ولو سَجدوها في الصلاة: لم تُجْزِهم)؛ لأنه (٣) ناقصٌ؛ لمكان
النهي، فلا يتأدَّى به الكاملُ.
(وأعادوها) بعدَها؛ لتقرُّرُ سبِها.
(١) لأن الصلاة تلزمه، فكذلك السجدة.
(٢) أي في حقِّ المقتدين والإمامِ.
(٣) أي السجود.

٦٥
باب سجود التلاوة
ولم يُعيدوا الصلاةَ، وفي ((النوادر)): أنها تفسُدُ صلاتُهم.
فإن قرأها الإمامُ، وسَمِعَها رجلٌ ليس معه في الصلاة، فدَخَلَ معه بعدَ
ما سَجَدَها الإمامُ: لم يكنْ عليه أن يُسجدَها.
وإن دَخَلَ معه قبلَ أن يسجدَها : سَجَدَها معه.
إن لم يَدخل معه : سَجَدَها وحدَه.
(ولم يُعيدوا الصلاةَ)؛ لأن مجردَ السجدةِ لا يُنافي إحرامَ الصلاة (١)،
كالسجدة الثالثة.
قال: (وفي ((النوادر(٢)): أنها تَفسُدُ صلاتُهم)؛ لأنهم زادوا فيها ما
ليسَ منها، وقيل: هو قولُ محمدٍ رحمه الله.
قال: (فإن قرأها الإمامُ، وسَمِعَها رجلٌ ليس معه في الصلاة، فدَخَلَ
معه بعدَ ما سَجَدَها الإمامُ: لم يكنْ عليه أن يُسجدَها)؛ لأنه صار مُدْركاً
لها معنىَ بإدراك تلك الركعة.
قال: (وإن دَخَلَ معه قبلَ أن يسجدَها: سَجَدَها معه)؛ لأنه لو لم يكن
سمعها منه: سجدها معه، فها هنا أُوْلئُ.
(وإن لم يَدخل معه: سَجَدَها وحدَه)؛ لتحقّقِ السبب.
93
(١) لأن سجدة التلاوة عبادةٌ، والصلاة لا تنافيها. البناية ٢٢٥/٣.
(٢) وفي بداية المبتدي ص١٠٦: قال أبو يوسف في النوادر. اهـ، وقال في
البناية ٢٢٥/٣: أي ذكر في النوادر روايةَ ابن سماعة عن أبي حنيفة وأبي يوسف.

٦٦
باب سجود التلاوة
وكلّ سجدةٍ وَجَبَتْ في الصلاة، فلم يَسْجُدْها فيها : لم تُقْضَ خَارِجَ
الصلاة .
ومَن تلا آيةَ سجدةٍ، فلم يسجدْها حتى دخل في صلاةٍ، فأعادها
وسجد : أجزأَتْه السجدةُ عن التلاوتَیْن.
وإن تلاها، فسَجَدَ، ثم دَخَلَ في الصلاة، فتلاها: سَجَدَ لها، ولم
تُجزه السجدةُ الأُولى.
ومَن كرَّر تلاوةَ سجدةٍ واحدةٍ في مجلسٍ واحدٍ : أجزأتْه سجدةٌ.
قال: (وكلّ سجدةٍ وَجَبَتْ في الصلاة، فلم يَسْجُدْها فيها: لم تُقْضَ
ءِ
خارجَ الصلاة)؛ لأنها صلاتيّةٌ، ولها مزيَّةُ الصلاةِ، فلا تتأدَّى بالناقص.
قال: (ومَن تلا آيَةَ سجدةٍ، فلم يسجدْها حتى دخل في صلاةٍ، فأعادها
وسجد: أجزأَتْه السجدةُ عن التلاوتَيْن)؛ لأن الثانيةَ أقوى؛ لكونها صلاتيةً،
فاستنْبَعَتِ الأُولىُ.
وفي ((النوادر)): يسجدُ أخرى بعد الفراغ؛ لأن للأولىُ قوةَ السَّق، فاستوتا.
قلنا: للثانية قوةُ اتصال المقصودِ (١)، فترجَّحَتْ بها.
قال: (وإن تلاها، فسَجَدَ، ثم دَخَلَ في الصلاة، فتلاها: سَجَدَ لها،
ولم تُجْزِه السجدةُ الأُولىُ)؛ لأن الثانيةَ هي المستَتْبعة، ولا وجهَ إلى
إلحاقِها بالأُولى؛ لأنه يؤدِّي إلى سَبْق الحكم على السبب.
قال: (ومَن كرَّر تلاوةَ سجدةٍ واحدةٍ في مجلسٍ واحدٍ : أجزأتْه سجدةٌ
(١) وهو أداء السجدة. البناية ٢٢٨/٣.

٦٧
باب سجود التلاوة
واحدةٌ، فإن قَرَأَها في مجلسِهِ، فَسَجَدَها، ثم ذَهَبَ وَرَجَعَ فقرأها :
سَجَدَها ثانيةً، وإن لم يكن سَجَدَ للأولى : فعليه سجدتان.
ولو تبدَّل مجلسُ السامع، دون التالي: يتكرَّر الوجوبُ.
واحدةٌ، فإن قَرَأَها في مجلسه، فسَجَدَها، ثم ذَهَبَ ورَجَعَ فقرأها: سَجَدَها
ثانيةً، وإن لم يكن سَجَدَ للأولى: فعليه سجدتان).
والأصلُ أن مبنى السجدة على التداخل؛ دفعاً للحرج، وهو تداخل
في السبب، دون الحُكم، وهذا أَلْيَقُ بالعبادات، والثاني بالعقوبات.
وإمكانُ التداخل (١) عند اتحادِ المجلس: لكونه جامعاً للمتفرِّقات،
فإذا اختلف(٢): عاد الحكمُ إلى الأصل.
ولا يختلفُ بمجرد القيام، بخلاف المُخيَّرة(٣)؛ لأنه دليلُ الإعراض،
وهو المبطِلُ هنالك.
وفي تسديةِ الثوب (٤): يتكرَّر الوجوبُ.
وفي المُنتَقِل من غُصْنٍ إلى غُصنٍ: كذلك، في الأصح
وكذا في الدِّياسة؛ للاحتياط.
قال: (ولو تبدَّل مجلسُ السامع، دون التالي: يتكرَّر الوجوبُ)؛ لأن
(١) أراد به الإمكان الشرعي.
(٢) أي إذا اختلف المجلس: عاد وجوب التكرار.
(٣) التي قال لها زوجها: اختاري نفسَكِ، فقامت، فقالت: اخترتُ نفسي: لا
يقع الطلاق.
(٤) أي حين ينسجه ويتحرك بسبب ذلك من مكان لآخر.

٦٨
باب سجود التلاوة
وكذا إذا تبدَّلَ مجلسُ التالي، دون السامعِ.
ومَن أراد السجودَ : كَبَّرَ، ولم يَرْفَعْ يدَيْه، وسَجَدَ، ثم كَبَّر، ورَفَعَ
رأسَه، ولا تَشهُّدَ عليه، ولا سلامَ.
ويكره أن يقرأ السورةَ في الصلاة أو غيرِها ويَدَعَ آيةَ السجدة.
السببَ في حقِّه السماعُ.
قال: (وكذا إذا تبدَّلَ مجلسُ التالي، دون السامعِ)، على ما قيل،
والأصح أنه لا يتكررُ الوجوبُ على السامع؛ لِمَا قلنا.
[كيفية سجود التلاوة :]
قال: (ومَن أراد السجودَ: كَبَّرَ، ولم يَرْفَعْ يدَيْه، وسَجَدَ، ثم كَبَّر،
ورَفَعَ رأسَه)؛ اعتباراً بسجدة الصلاة، وهو المَرويُّ عن ابن مسعودٍ رضي
الله عنه(١).
(ولا تَشهُّدَ عليه، ولا سلامَ)؛ لأن ذلك للتحلّل، وهو يستدعي سَبْقَ
التحريمة، وهي منعدِمَةٌ.
قال: (ويكره أن يقرأ السورةَ في الصلاة أو غيرِها ويَدَعَ آيَةَ السجدة)؛
لأنه يُشبه الاستنكافَ عنها.
(١) قال في الدراية ٢١٠/١: لم أجده، ولابن أبي شيبة والطبراني في الكبير
(٨٧٤٢) عن الحسن وعطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير أنهم كانوا لا يسلّمون، وأما
التكبير فأخرجه أبو داود (١٤١٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً.

٦٩
باب سجود التلاوة
ولا بأسَ بأنْ يقرأ آيةَ السجدةِ، ويَدَعَ ما سواها.
قال محمدٌ رحمه الله: وأَحَبُّ إليَّ أن يقرأ قبلَها آيةً أو آيتَيْن؛ دفعاً
لوَهْم التفضيل.
قال: (ولا بأسَ بأنْ يقرأ آيةَ السجدةِ، ويَدَعَ ما سواها)؛ لأنه مبادَرةٌ (١)
إلیھا.
(قال محمدٌ رحمه الله: وأَحَبُّ إليَّ أن يقرأ قبلَها آيةً أو آيَتَيْن؛ دفعاً
لتوَهُّم التفضيل).
واستحسنوا(٢) إخفاءَها؛ شَفَقَةً على السامعِيْن، والله تعالى أعلم.
(١) وفي نُسخ: مبادرٌ.
(٢) أي علماء المذهب ومشايخُه.

٧٠
باب
باب
صلاة المسافر
السفرُ الذي تتغيَّرُ به الأحكامُ: أن يَقْصِدَ الإنسانُ موضعاً بينه وبين
ذلك الموضعِ مَسِيْرةَ ثلاثةِ أيامٍ ولياليها بسَيْرِ الإبلِ، ومشي الأقدامِ.
باب
صلاة المسافر
قال: (السفرُ الذي تتغيَّرُ به الأحكامُ: أن يَقْصِدَ الإنسانُ موضعاً بينه
وبين ذلك الموضعِ مَسِيْرةَ ثلاثةِ أيامٍ ولياليها (١) بسَيْرِ الإبلِ، ومشي
الأقدام).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((يَمسحُ المقيمُ كمالَ يومٍ وليلة، والمسافرُ
ثلاثةَ أيامٍ ولياليها)(٢).
عمَّتِ الرخصةُ الجنسَ، ومِن ضرورتِهِ (٣): عمومُ التقدير.
وقدَّر أبو يوسف رحمه الله بيومَيْن وأكثرِ اليومِ الثالث.
(١) أي مع الاستراحات التي تكون في خلال ذلك.
(٢) بلفظ قريب في صحيح مسلم (٢٧٦)، وينظر لدراية ١/ ٧٢.
(٣) أي ضرورة الجنس. البناية ٢٤٣/٣.

٧١
صلاة المسافر
والسَّيْرُ المَذْكورُ: هو الوَسَط، ولا يُعتبرُ السَّيْرُ في الماءِ.
وفَرْضُ المسافرِ في الرباعية : ركعتان، لا يزيدُ عليهما.
والشافعيّ(١) رحمه الله: بيومٍ وليلةٍ في قولٍ.
وكفى بالسُّنَّة حُجَّةً عليهما.
قال: (والسَّيْرُ المَذْكورُ: هو الوَسَط).
وعن أبي حنيفة رحمه الله: التقديرُ بالمراحِلِ، وهو قريبٌ من الأول.
ولا معتبرَ بالفراسخ، هو الصحيحُ.
قال: (ولا يُعتبرُ السَّيْرُ في الماءِ)، معناه: لا يُعتبرُ به(٢) السَّيْرُ في البرِّ،
فأما المعتبرُ في البحر: فما يليقُ بحاله، كما في الجبل.
قال: (وفَرْضُ المسافرِ في الرباعية: ركعتان، لا يزيدُ عليهما).
وقال الشافعي (٢) رحمه الله: فرضُهُ الأربعُ، والقصرُ رخصةٌ؛ اعتباراً
بالصوم.
ولنا: أن الشفعَ الثاني لا يُقضىُ، ولا يُؤْثَّمُ على تَرْكِه، وهذا آيَةٌ
النافلة، بخلاف الصوم؛ لأنه يُقضىُ.
(١) المجموع ٣٢٣/٤.
(٢) الضمير يرجع إلى السير في الماء. ٢٤٦/٣.
(٣) المجموع ٣٣٦/٤.

٧٢
صلاة المسافر
وإن صلى أربعاً، وقَعَدَ في الثانية قَدْرَ التشهُّدِ : أجزأتْه الركعتان
الأُوْلَان عن الفرض، والأُخْريان له نافلةٌ.
وإن لم يَقْعُدْ في الثانيةِ قَدْرَ التشهُّدِ : بَطَلَتْ صلاتُه.
وإِذا فارَقَ المسافرُ بيوتَ المصرِ : صلى ركعتين.
ولا يَزالُ على حُكْمِ السفرِ حتى ينويَ الإقامةَ في بلدةٍ أو قريةٍ خمسةً
عشر يوماً، أو أكثرَ، وإن نوىُ أقلّ من ذلك: قَصَرَ.
قال: (وإن صلى أربعاً، وقَعَدَ في الثانية قَدْرَ التشهُّدِ: أجزأتْه الركعتان
الأُوْلَيَان عن الفرض، والأُخْرِيان له نافلةٌ)؛ اعتباراً بالفجر، ويصيرُ مسيئاً
التأخير السلام.
قال: (وإن لم يَقْعُدْ في الثانيةِ قَدْرَ التشهُّدِ: بَطَلَتْ صلاتُه)؛ لاختلاطِ
النافلةِ بها قبلَ إكمال أركانها.
قال: (وإذا فارَقَ المسافرُ بيوتَ المصرِ: صلى ركعتين)؛ لأنَّ حُكمَ
الإقامةِ يتعلَّقُ بدخولها، فيتعلَّقُ السفرُ بالخروج عنها.
وفيه الأثرُ عن عليٍّ رضي الله عنه: ((لو جاوزنا هذا الخُصَّ(١): لقَصَرْنا))(٢).
قال: (ولا يَزالُ على حُكْمِ السفرِ حتى ينويَ الإقامةَ في بلدةٍ أو قريةٍ
خمسةَ عشر يوماً، أو أكثرَ، وإن نوى أقلّ من ذلك: قَصَرَ).
(١) بيتٌ من القَصَب.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٨١٦٩)، مصنف عبد الرزاق (٤٣١٩).

٧٣
صلاة المسافر
ولو دَخَلَ مصراً علىٌ عَزْمِ أن يَخرُجَ غداً أو بعدَ غدٍ، ولم ينوِ مدةً
الإقامةِ، حتى بقيَ على ذلك سنينَ : قَصَرَ.
لأنه لا بدَّ من اعتبار مدةٍ؛ لأن السفرَ يُجامِعُه اللَّبْثُ، فقدَّرْناها بمدةٍ
الطُّهْر؛ لأنهما مدتان موجبتان(١).
وهو مأثورٌ عن ابن عباسٍ وابنِ عمر (٢) رضي الله عنهم، والأثرُ في
مثله: كالخبر(٣).
والتقييدُ بالبلدة والقرية: يشيرُ إلى أنه لا تصحُّ نيةُ الإقامةِ في المَفازة،
وهو الظاهر.
قال: (ولو دَخَلَ مصراً على عَزْمِ أن يَخرُجَ غداً أو بعدَ غدٍ، ولم ينوِ
مدةَ الإقامةِ، حتى بقيَ على ذلك سنينَ: قَصَرَ).
لأن ابنَ عمر رضي الله عنهما أقام بأَذْرَبِيجان ستةَ أشهر، وكان يَقصُرُ(٤
.
(١) فإن مدةَ الطُّهْرِ توجبُ إعادةَ ما سقط من الصوم والصلاة بحكم الحيض،
ومدةَ الإقامة توجبُ ما سقط بحكم السفر، فكما قُدِّر أدنى مدة الطهر بخمسة عشر
يوماً: فكذلك يُقدَّر أدنى مدة الإقامة. البناية ٢٥٦/٣. فتح القدير ١٠/٢.
(٢) شرح معاني الآثار (٢٣٩٦، ٢٤٢٥)، الآثار لمحمد (١٨٨)، مصنف ابن
أبي شيبة (٨٢١٧).
(٣) أي كالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا مدخلَ للرأي في
المقدَّرات الشرعية.
(٤) مسند أحمد (٥٥٥٢)، سنن البيهقي (٦١٤٨)، بسندٍ صحيح، كما في
التعريف والإخبار ٣١٩/١.

٧٤
صلاة المسافر
وإذا دخل العسكرُ أرضَ الحرب، فَتَوَوُا الإقامةَ بها خمسةَ عشر يوماً:
قَصَروا، وكذا إذا حاصروا فيها مدينةً، أو حِصْناً.
وكذا إذا حاصروا أهلَ البغيِ في دارِ الإسلامِ في غيرِ مصرٍ، أو
حاصروهم في البحر، فتَوَوُا الإقامةَ خمسةَ عشرَ يوماً: فإنهم يقصرون.
وعن جماعةٍ من الصحابة رضي الله عنهم مثلُ ذلك(١).
قال: (وإذا دخل العسكرُ أرضَ الحرب، فَنَوَوُا الإقامةَ بها خمسةَ عشر
يوماً: قَصَروا، وكذا إذا حاصروا فيها مدينةً، أو حِصْناً).
لأن الداخلَ بين أن يَهْزِمَ: فَيَقِرَّ، وبين أن يُهْزَمَ: فَيَفِرَّ، فلم تكنْ دَارَ إقامةٍ.
قال: (وكذا إذا حاصروا أهلَ البغيِ في دارِ الإسلامِ في غيرِ مصرٍ، أو
حاصروهم في البحر، فَنَوَوُا الإقامةَ خمسةَ عشرَ يوماً: فإنهم يقصُرون)؛
لأن حالَهم مُبطِلٌ عزيمتَهم.
وعند زفر رحمه الله: يصح في الوجهَيْن إذا كانت الشوكةُ لهم؛
للتمكُّن من القَرار ظاهراً.
وعند أبي يوسف رحمه الله: يصح في الوجهَيْن إذا كانوا في بيوت
المَدَر(٢)؛ لأنه(٣) موضعُ إقامةٍ.
(١) مسند أحمد (١٤١٣٩)، سنن أبي داود (١٢٣٥)، ورواته ثقات، وقال
النووي: صحيح الإسناد، ينظر التعريف والإخبار ٣١٩/٢، سنن البيهقي (٥٤٨٠)،
بإسناد صحيح.
(٢) المَدَر: هو التراب المتلبِّد. المصباح المنير (مدر).
(٣) أي بيت المَدَر.

٧٥
صلاة المسافر
وإن اقتدى المسافرُ بالمقيم في الوقت : أتمّ أربعاً.
وإن دَخَلَ معه في فائتةٍ : لم تُجْزِه.
وإن صلى المسافرُ بالمقيمِيْن ركعتين : سلَّم، وأتمَّ المقيمون صلاتَهم.
ونيةُ الإقامةِ من أهلِ الكلاِ، وهم أهلُ الأَخْبِيَة: قيل: لا تصح،
والأصحُ أنهم مقيمون.
يُروى ذلك عن أبي يوسف رحمه الله؛ لأن الإقامة أصلٌ، فلا تبطلُ
بالانتقال من مَرعىَ إلى مرعىَ.
قال: (وإن اقتدى المسافرُ بالمقيم في الوقت: أتمّ أربعاً)؛ لأنه يتغيَّرُ
فرضُهُ إلى أربع؛ للتَّبَعِيَّةِ؛ كما يتغيَّرُ بنيّة الإقامة؛ لاتصالِ المُغيِّرِ بالسَّبَبِ،
وهو الوقتُ.
قال: (وإن دَخَلَ معه في فائتةٍ: لم تُجْزِهِ)؛ لأنه لا يتغيَّرُ بعدَ الوقت؛
لانقضاء السبب، كما لا يَتغيَّرُ بنيَّة الإقامة، فيكون اقتداءً المفترض بالمتنفّل
في حقِّ القعدةِ الأُولىُ، أو القراءة.
قال: (وإن صلىُ المسافرُ بالمقيمِيْن ركعتين: سلَّم، وأتمّ المقيمون
صلاتَهم)؛ لأن المقتديَ التَزَمَ الموافقةَ في الركعتين، فَيَنفرِدُ في الباقي،
كالمسبوق، إلا أنه لا يقرأُ، في الأصح(١)؛ لأنه مقتدٍ تحريمةً، لا فعلاً،
والفرضُ صار مؤدَّىَّ، فيترُكُها؛ احتياطاً.
(١) احترز به عن قول بعض المشايخ من وجوب القراءة فيما يتمُّون. البناية
٢٧٨/٣.

٧٦
صلاة المسافر
ويُستحبُّ للإمامِ إذا سلَّمَ أن يقولَ لهم: أتمُّوا صلاتكم فإنا قومٌ سَفْرٌ.
وإذا دَخَلَ المسافرُ مِصْرَه : أتمَّ الصلاةَ وإن لم يَنْوِ الإقامةَ فيه .
ومَن كان له وطنٌ، فانتقل عنه، واستوطَنَ غيرَه، ثم سافر، فدَخَلَ
وطنَه الأولَ : قَصَرَ.
بخلاف المسبوق؛ لأنه أدرك قراءةً نافلةً، فلم يتأدَّ الفرضُ، فكان
الإتيان(١) أَوْلی.
قال: (ويُستحبُّ للإمامِ إذا سلَّمَ أن يقول لهم: أتمُّوا صلاتكم فإنا قومٌ
سَفْرٌ).
لأنه عليه الصلاة والسلام قاله حين صلى بأهل مكة وهو مسافرٌ(٢).
قال: (وإذا دَخَلَ المسافرُ مِصْرَه(٣): أتمَّ الصلاةَ وإن لم يَنْوِ الإقامةَ
فيه)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضوان الله عليهم كانوا
يسافرون، ويعودون إلى أوطانهم مقيمين من غير عَزْمٍ جديدٍ (٤).
قال: (ومَن كان له وطنٌ، فانتقل عنه، واستوطَنَ غيرَه، ثم سافر،
فدَخَلَ وطنَه الأولَ: قَصَرَ).
لأنه لم يَبْقَ وطناً له، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام بعد الهجرة عَدَّ
(١) أي الإتيان بالقراءة.
(٢) سنن أبي داود (١٢٢٩)، سنن الترمذي (٥٤٥)، وصححه.
(٣) أي الوطن الأصلي.
(٤) قال في الدراية ٢١٣/١: لم أجده.

٧٧
صلاة المسافر
وإذا نوى المسافرُ أن يُقيمَ بمكةً ومنىِّ خمسةَ عشر يوماً: لم يُتِمَّ
الصلاةَ.
ومَن فاتَتْه صلاةٌ في السفر : قضاها في الحَضَرِ ركعتَيْن، ومَن فاتَتْه
صلاةٌ في الحَضَرِ : قضاها في السفر أربعاً.
نفسَه بمكة من المسافرين(١).
وهذا لأن الأصلَ: أنَّ الوطنَ الأصليَّ يَبطلُ بمثله، دونَ السفر، ووطنَ
الإقامةِ يبطلُ بمثله، وبالسفر، وبالأصليِّ.
قال: (وإذا نوىُ المسافرُ أن يُقيمَ بمكةَ ومنىَّ خمسةَ عشر يوماً: لم يُتِمَّ
الصلاةَ)؛ لأن اعتبارَ النَّة في موضعَيْن: يقتضي اعتبارها في مواضع، وهو
ممتنعٌ؛ لأن السفرَ لا يَعرَىُ عنه، إلا إذا نوى المسافرُ أن يقيمَ بالليل في
أحدهما: فيصيرُ مقيماً بدخوله فيه؛ لأن إقامةَ المرءِ مضافٌ إلى مَبِيْته(٢).
قال: (ومَن فاتَتْه صلاةٌ في السفر: قضاها في الحَضَرِ ركعتَيْن، ومَن
فاتَتْه صلاةٌ في الحَضَرِ: قضاها في السفر أربعاً)؛ لأن القضاءَ بحسب
الأداء، والمعتبرُ في ذلك: آخِرُ الوقت؛ لأنه المعتبرُ في السَّبَبِيَّة عند عدمِ
الأداءِ في الوقت.
(١) كما هو في الحديث السابق: إنا قومٌ سَفْرٌ، وفي صحيح البخاري (١٠٨١)
((عن أنس رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى
مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قال: وأقمنا بمكة عشراً).
(٢) وفي نُسخ: نيته.

٧٨
صلاة المسافر
والعاصي والمطيعُ في سفرِهما في الرخصة : سواء.
قال: (والعاصي والمطيعُ في سفرِهما في الرخصة: سواءً).
وقال الشافعي (١) رحمه الله: سفرُ المعصيةِ لا يُفيدُ الرُّخصةَ؛ لأنها
تثبتُ تخفيفاً، فلا تتعلَّقُ بما يوجبُ التغليظ.
ولنا: إطلاقُ النصوص.
ولأن نفسَ السفرِ ليس بمعصيةٍ، وإنما المعصيةُ ما يكون بعدَه، أو
يجاورُه، فصَلُحَ(٢) متعلَّقَ الرخصة، والله تعالى أعلم.
٦
(١) مغني المحتاج ٢٦٣/١.
(٢) أي السفر.

٧٩
ـاب
باب
صلاة الجمعة
لا تصحُّ الجمعةُ إلا في مصرِ جامِعٍ، أو في مصلّى المصرِ، ولا تجوزُ
في القرى.
ءُ
باب
صلاة الجمعة
قال: (لا تصحُّ الجمعةُ إلا في مصرٍ جامِعٍ، أو في مصلَّى المصرِ، ولا
تجوزُ في القُرى).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا جمعةَ، ولا تشريقَ(١)، ولا فِطْرَ، ولا
أضحىَ، إلا في مصرِ جامع))(٢).
(١) المراد بالتشريق هنا: رفع الصوت بالتكبير. المبسوط ٤٤/٢، بدائع الصنائع
١٩٨/١.
(٢) قال في نصب الراية ١٩٥/٢: غريب مرفوعاً. اهـ أما العلامة قاسم في
التعريف والإخبار ٣٢٣/١ فقال: أخرجه مرفوعاً محمد في الأصل ٤١٣/٥، في باب
من تجب عليه الأضحية، قال: للأثر الذي بلغنا عن رسول الله صلی الله عليه وسلم،
وهو أيضاً في الآثار لأبي يوسف ص ٦٠ (٢٩٧) أن أبا حنيفة بَلَغَه عن النبي صلى الله
عليه وسلم، وروي موقوفاً من قول علي رضي الله عنه، بإسناد صحيح، ينظر مصنف
عبد الرزاق (١٥٧٥)، مصنف ابن أبي شيبة (٥٠٩٨).
وضعَّه ابن الملقن في البدر المنير ٣٧٧/١١، والنووي في المجموع ٤٨٨/٤.

٨٠
صلاة الجمعة
وتجوزُ بمِنِىَّ إن كان الإمامُ أميرَ الحجازِ، أو كان الخليفةُ مسافراً عند
أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
والمصرُ الجامعُ: كلُّ موضعٍ له أميرٌ وقاضٍ يُنَفِّدُ الأحكامَ، ويقيمُ
الحدودَ.
هذا عند أبي حنيفة (١) وأبي يوسف رحمهما الله.
وعنه(٢): أنهم إذا اجتمعوا في أكبرِ مساجدِهم: لم يسَعْهم.
والأولُ: اختيارُ الكرخِيِّ رحمه الله، وهو الظاهرُ(٣)، والثاني: اختيارُ
الثَّلْجِيّ(٤) رحمه الله.
والحكمُ غيرُ مقصورٍ على المصلَّى، بل تجوزُ في جميعِ أفنية
المصر(٥)؛ لأنها بمنزلته في حوائجِ أهلِه.
قال: (وتجوزُ بمِنِىَ إن كان الإمامُ (٦) أميرَ الحجاز، أو كان الخليفةُ
مسافراً عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
(١) وفي نُسخ بدون ذكر أبي حنيفة رحمه الله.
(٢) أي عن أبي يوسف رحمه الله.
(٣) أي ظاهر المذهب. البناية ٢٩٣/٣.
(٤) وفي نُسخ: البلخي. قلت: أما الثلجي فهو الإمام محمد بن شجاع الثلجي،
من أصحاب الحسن بن زياد، ت ٢٦٦هـ، وأما البلخي فهو لقبٌ لكثيرين.
(٥) وإن لم تكن في مصلىَ فيها. حاشية سعدي.
(٦) وفي نُسخ: إن كان الأميرُ أميرَ الحجاز.