Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية وشَرَحَه في ثمانين مجلداً في كفاية المنتهي. ووجدتُ في نسخةٍ خطية من نهاية الكفاية شرح الهداية لتاج الشريعة، في آخِرِ المجلد الأول منها آخِر كتاب الوقف: قال تاج الشريعة: كَتَبَ المصنّفُ رحمه الله - أي المرغيناني - في آخر كتاب الوقف: وقد تمّ بتوفيق الله الوهاب في ذي الحجة سنة خمسٍ وسبعين وخمسمائة. اهـ وأعود لأذكر عادات صاحب الهداية ومصطلحاته فيها في الفقرات التالية: ١ - من عادة صاحب الهداية أنه يذكر لفظَ: قال: في أول كل مسألة إذا كانت مسألةَ القدوري، أو الجامع الصغير، أو كانت مذكورةً في بداية المبتدي، وإن كانت مذكورةً في غيرها: لا يذكر لفظ: قال. اهـ، نقلاً عن غاية البيان للإتقاني(١)، وهي أيضاً في مفتاح السعادة ٢٣٩/٢، وغيرهما. قلت: وإثبات لفظ: قال: مما تفاوتَتْ فيه النُّسخُ الخطية كثيراً، فبعضُ النُّسَّاخِ أَوْلى ذلك بالاهتمام، فأثبتَها، وكثيرٌ منهم أغفلها، ولم يُثبتها. ٢- ومن عادة صاحب الهداية: أنه يَذكر مسائلَ القدوري أوَّلاً، ويذكر مسائلَ الجامع الصغير في آخِرِ الأبواب، وإن كان هناك نوعُ مخالفةٍ بين رواية القدوري والجامع الصغير: يُصرِّحُ بلفظ الجامع الصغير. ٣- ومنها: أنه إذا قال: الحديثُ محمولٌ على المعنى الفلاني: يريدُ به حملَ أئمة الحديث، وإذا قال: نحمِلُه: يريد حَمْلَ نفسِه عليه، دون الأئمة. (١) ومع هذا فقد قال العيني في البناية ٢٥١/١٤، وهو يناقش الإتقاني: ((ذَكَرَ المرغيناني في مواضع كثيرةٍ من الهداية لفظة: ((قال)): بإضمار الفاعل، وأراد به نفسَه، ولا يَلزمُ تعيينُ الفاعل، ألا ترى أنه عند إسناد القول إلى القدوري أو محمد بن الحسن لم یصرِّح بفاعله، و کذلك عند إسناده إلى نفسه. اهـ ٦٢ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية ٤- ومنها: أنه يُعبِّرُ عن الآية الكريمة المستَدَلَّ بها فيما سبق بـ: ما تلونا، وعن الحديث المستدلَّ به من قبل بـ: ما روينا، وعن الدليل العقلي الذي ذكره من قبل بـ: ما ذكرنا، و: ما بيَّنَّا. وأحياناً يقول: لِمَا بَيَّنًا، مشيراً إلى الكتاب والسنة والمعقول، و: لِمَا ذكرنا: فيما هو أعمُّ. ويعبِّر عن قول الصحابي: بـ: الأثر، وقد لا يُفرِّق بين الخبر والأثر. ٥- ويعبِّر بلفظ: المشايخ، ويريد بهم مشايخ الحنفية ممَّن لم يُدرك الإمامَ أبا حنيفة رحمه الله، كما نقل هذا في وقف النهر الفائق. ٦- وأيضاً مما لاحظتُه أن المؤلف رحمه الله يصف الحكمَ الشرعي للمسألة بأنه سُنَّةٌ، وهو في الواقع واجبٌ أو فرضٌ، ويأتي الشُّرَّاح ليعللوا وصفه بأنه سنةٌ، فيقولون: لأنه ثبت بالسُّنَّة، ومن المعلوم أن كثيراً من الواجبات أو الفرائض ثبتت بالسنة، وعليه فلا بد من التنبه. ٧- ومنها: أنه لا يذكر الفاء في جواب لفظ: ((أما))؛ اعتماداً على ظهور المعنى. قلت: وهنا تختلف النُّسَخُ الخطية المُتَقَنَةُ المصحَّحة، وتتباين في ذلك، فمن مُثبتٍ للفاء في نُسخ، وغير مثبتٍ لها في نُسخِ أخرى. ٨- ومنها: أنه إذا أورد النظيرَ في مسألة، ثم أراد أن يشير إليهما، فيشير إلى النظير باسم الإشارة الذي يُستعمل للبعيد، ويشير إلى تلك المسألة التي أورد لها النظيرَ بالذي يُستعمل للقريب. كذا في مفتاح السعادة. ٩- ومنها: أنه إذا قال: عن فلانٍ: يريد أنه روايةً عنه، وإذا قال: عند فلانٍ: یرید به أنه مذهبه. ٦٣ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية ١٠ - ومنها: أنه إذا ذَكَرَ خاصَّتَه، وتصرُّفَه لا يقول: قلتُ: احترازاً عما فيه من الافتيات والأنانيَّة، بل يقول: قال العبدُ الضعيف عُفِيَ عنه. وما وَقَعَ في نُسخٍ كثيرةٍ من قولهم: قال رحمه الله، أو: قال رضي الله عنه، أو: قال شيخ الإسلام، أو: قال الشيخ الإمام: فمن تصرُّف بعضِ تلامذته، أو من تصرُّف بعضِ النُّسَّاخِ. ١١- ومنها: أنه يجيب عن السؤال المقدَّر، ولا يصرِّح بالسؤال، إلا في مواضع معدودة، فيقول: فإن قيل: قلنا، وقد جاء ذلك صريحاً في آخر باب الاستثناء من كتاب الإقرار، حيث قال: فإن قال قائل: الإعطاء ... ، و فنقول :.... ، وكذلك في أول كتاب الحجر، وفي آخر كتاب الأضحية، وفي کتاب الرهن في آخر باب الرهن الذي يوضع على يد العدل. قلتُ: وإيرادُ المصنّفِ الجوابَ عن سؤالٍ مقدَّرٍ لم يصرِّح به: هو أمرٌ دقيقٌ صعبٌ، لا يَتَنَبَّه له إلا المتيقظ من قرَّاء الهداية، إلا إذا عَرَفَ القارئ له هذه العادة، وتنبَّه لها، مع التدقيق التام الشديد في مراقبتها والوقوف علیها؛ ليفهم كلامه ومراده. وهذا الأمر هو من الأسباب العديدة التي جعلت الصعوبةَ واضحةً في فهم نصوصِ الهداية، وإدراكها تماماً، وبخاصةٍ في معرفة مراد المصنِّف رحمه الله من إيراد هذه الأجوبة الدقيقة عن أسئلةٍ مضمَرةٍ غيرِ ظاهرة، وفهمها وتصوّرها. ١٢- ومن دأب صاحب الهداية: أنه إذا ذَكَرَ لفظ: ((الأصل)): في موضعٍ لم يُذكر فيه اسم الكتاب: يريد به كتابَ المبسوط، للإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله. ٦٤ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية ١٣ - ومن عادته أنه إذا ذَكَرَ لفظ: ((الكتاب)): يريد به مختصرَ القدوري، وهو الأكثر الأشهر، وقد يريد به المبسوطَ للسرخسي، أو كتابَ الجامع الصغیر، للإمام محمد، وقد يُراد به على ندرةٍ كتاب بداية المبتدي، كما فسَّرَه بذلك ابن الهمام في فتح القدير ٥١٩/٥، في شرح باب خيار الشرط، في مسألة: مَن باع عبدين بألف، وقال: والأظهر أنه يريد بالكتاب: البداية؛ لأن الهداية شرحها. اهـ ومعرفة هذا يحتاج إلى دقةٍ شديدة، واستعانةٍ بشُرَّاح الهداية، مع مراجعة الأصول؛ لينكشف الأمر، وقد يختلف الشرَّاح وأصحاب الحواشي أحياناً في المراد. ١٤ - ومن دأب المصنف رحمه الله: أنه إذا ذكر لفظ: ((المختصر)): يريد به مختصر القدوري. ١٥ - ومن دأبه: أنه إذا قال بعد قول أو مسألةٍ: ((روايةً)): بالنصب: يريد بها أن المذكورَ قبل هذا اللفظ: قولٌ واحدٌ، وروايةٌ واحدةٌ، وليس فيها اختلافُ الروايات. ١٦ - ومن دأبه: أنه يستعمل لفظ: ((المَحكي)): في الفعل، و: ((المَروي)): في القول. ١٧ - ومن دأبه رحمه الله: أنه إذا قال: ((ذَكَرَ محمدٌ)): لا يريد به مذهبَ محمدٍ، بل يريد ذلك إذا قال: ((قال محمدٌ)). ١٨- ومن دأبه: أنه يستعمل لفظ: ((قالوا)): فيما فيه اختلاف مشايخ الحنفية من غير أئمة المذهب، أبي حنيفة وصاحبيه وزفر رحمهم الله، ممن جاء بعدهم، ولم يُدرِکھم. ٦٥ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية ١٩- ومن دأبه: أنه إذا قال: ((والتخريج كذا)): يريد به تخريجَ نفسه، ويَنسب تخريجَ غيره إلى صاحبه. كذا في الفتاوى الخيرية. ٢٠ - ومن منهجه في طريقة شرحه في الهداية: أن الهداية ليس بشرحٍ مزجي متصلٍ بكتاب بداية المبتدي، بل هو شرحٌ بالقول، فيذكر المصنِّف مسألةً من بداية المبتدي، ويبتدأ بقوله: ((قال))، ثم يذكر نصَّ المسألة من بداية المبتدي، ثم يتلوها بالشرح والتعليل والتدليل، ونحو هذا، مع ذِكر أقوال أئمة المذهب، سواء اتفقوا أم اختلفوا، ويذكر في مسائل كثيرة أيضاً خلاف الإمام مالك، ويذكر خلاف الشافعي أكثر من خلاف مالك، مع ذكر الأدلةِ لهم، وإيراد المناقشات لها، مع الترجيح أو بدونه. وهكذا كثيراً ما يُعقِب ذلك بفروعٍ للمسألة وزيادات، ثم يبدأ بمسألة أخرى، إلى أن تتم مسائل الباب. ٢١ - ومن عاداته رحمه الله التي جرى عليها: أنه يُكثِرِ من الإحالة لِمَا سَبَق، أو لما سيأتي، وذلك في حالٍ أنه سَبَقَ وعَرَضَ المسألةَ من قبل، فإنه يعزو للنظر فيها لما سبق؛ دفعاً للتكرار، فيقول: لِمَا مَرَّ، ولا يعيِّن باباً، وفي حال أنه سيأتي عرض المسألة المذكورة فيما بعد بشكل أوسع: فيعزو لِمَا سيأتي، ويبيِّن أنه سيجيء الكلامُ عليها، ولا يحدده. وهكذا أحياناً يصرح باسم الباب أو الكتاب الذي يُحيل إليه، فيقول مثلاً: تقدم في البيوع، أو: في الإجارة. وأحياناً يعزو بقوله: على ما عُرف في موضعه، ويريد مَثَلاً في علم أصول الفقه، ونحو هذا. ٦٦ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية وأحياناً يحيل للاستزادة من الأدلة أو الفروع إلى شرحه الكبير على بداية المبتدي: كفاية المنتهي، وهذا في نحو عشرين موضعاً، أو إلى كتاب آخر له، ککتاب الزيادات. ٢٢ - ومن دأبه رحمه الله: أنه يذكر في مواضع كثيرةٍ فوارق نُسخ کتاب الأصل، وكذلك مختصر القدوري، وهذا يؤكّد تماماً أن الاختلافَ في نُسخ القدوري واقعٌ منذ قديمٍ، بل من زمن المؤلف وتلاميذه. وينظر عن اختلاف نُسخ القدوري ما كتبتُه في مقدمة تحقيقي لكتاب اللباب شرح القدوري، للميداني. ٢٣ - من عاداته في أبوابٍ كثيرةٍ من الهداية أنه يزيد مسائلَ عديدةٍ على بداية المبتدي الذي ألَّفه أولاً، بحيث تغيَّر كتاب بداية المبتدي الذي ألَّفه أولاً، وهذه الزيادات تمّ تمييزها في نُسخٍ كثيرة من الهداية، ولم تُميَّز في نُسخ أخرى، وذلك بحسب اهتمام الناسخ بالتمييز، وبحسب النسخة المنسوخ منها. وكمثال على ذلك تنظر المسائلُ في أحكام سترة المصلي في باب ما يُفسد الصلاة. بل إنه زاد في الهداية فصولاً كاملةً لم يأت لها ذكرٌ في بداية المبتدي أصلاً، وقد ذكرها على طريقة بداية المبتدي، ثم يُعقبها بالشرح، مثل ما جاء في كتاب الدعوى، في: فصل في الدعوى والاختلاف والتصرف فيه. وكذلك في كتاب إحياء الموات، فصل في كَرْي الأنهار، وفصولٌ في مسائل الشِّرْب، وفصلٌ في المياه. ٦٧ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية وكذلك فصل في المهايأة بعد كتاب القسمة قبل كتاب المزارعة، وكذلك في كتاب المزارعة والمساقاة، وغيرها من المواضع. ٢٤- ومن منهجه رحمه الله في مواضع كثيرة: أنه يغيِّر في صياغة عبارات بداية المبتدي التي ألفها أولاً، وهذا واضحٌ جداً. بل أحياناً يغيِّر رأيَه وترجيحَه عما اعتمده في بداية المبتدي أولاً، وينظر كمثال على ذلك: أول كتاب الحوالة، وبيان هل يُشترط رضا المحيل؟ ففي بداية المبتدي قال: يُشترط، وفي الهداية نَقَلَ عن الزيادات معتمداً أنه لا يُشترط. ٢٥- ومن منهجه رحمه الله في عرض الأحكام: أنه أحياناً كثيرةً يقرِّر الحكمَ الفقهي الذي رجَّحه معتمداً فيه على أحد أقوال أئمة المذهب، ولكنه لا يُشير إلى الخلاف في هذا الحكم بين أئمة المذهب، وذلك مثل مسألة متروك التسمية عمداً، حيث رجَّح حرمة أَكْله، وكذلك مسألة حكم الماء المستعمل، حیث قرَّر نجاسته. وهكذا تراه في مسائل كثيرة يسكتُ عن ذِكْر الخلافِ بين أئمة المذهب وأصحابه، فيتوهَّمُ القارئُ الاتفاقَ مع أن الاختلافَ فيها موجودٌ. ٢٦- ومما لاحظتُه في منهجه في اللفظ الذي يستعملُه عند بيان الحكم الشرعي في عدة مسائل فقهية حالَ وجود اختلافِ مشايخ الحنفية وعلمائهم فيها: أنه يقول: ينبغي أن يكون كذا. وهناك عدة أمثلة، منها: مسألةُ إن تنحنَحَ القارئ بغير عذر، وحصلت به الحروف: قال: ينبغي أن يُفسِدَ عندهما، وإن كان بعذر: فهو عفوٌ. ٦٨ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية وكذلك في مسألة: إن أكل وهو صائمٌ، وتبيَّن له أن الشمس لم تغرب: قال: ينبغي أن تجب الكفارة، وذلك لاختلاف المشايخ، وغير هذا من المسائل. وهذه العلة: اختلاف المشايخ: قد ذكرها العيني في البناية وغيرُه من الشرَّاح حين عللوا لقول المرغيناني في هذه المسائل: ينبغي كذا. ٢٧ - ومن عاداته رحمه الله: أنه يذكر الروايات المتعددة عن أئمة المذهب، فيذكر الرواية الظاهرة في المذهب، ثم يُعقِبها بذكر غيرها إن وُجدت، أو يذكر غير الظاهرة، كرواية النوادر، ورواية الحسن بن زياد عن الإمام أبي حنيفة. كذلك يذكر مثلاً قول الإمام أبي يوسف، ثم يُعقبها بأنه روي عنه أيضاً قولٌ آخر، وهكذا عن الإمام محمد رحمه الله. ٢٨- من عادة المصنف رحمه الله: أنه حين يذكر الخلاف بين أئمة المذهب، ويدلِّل لكل منهم، فإن الراجح عنده منها هو ما أخَّرِ ذِکر دليله. ٢٩ - ذكر العلامة شاه ولي الله الدهلوي في كتابه: عِقْد الحِيْد في أحكام الاجتهاد والتقليد ص١٩، وهو يتكلم عن منهج صاحب الهداية في ترجيحه بين الأقوال بالدليل، وعن كتب ظاهر الرواية وغير الظاهرة، وما فيها من روايات شاذة، وهل يُفتى بها؟ قال: ((وكم في الهداية ونحوها من تصحیح لبعض الروايات الشاذة، بحال الدليل». اهـ قلت: وهذا واضحٌ جداً لكل مَن طالع في الهداية، فإنه يرى كأن المرغيناني جَعَلَ نفسَه حَكَماً بين الإمام وأصحابه الثلاثة في أقوالهم، وذلك بنظره فيما يُستدلّ لكلّ منهم وإن كان باختصارٍ وعدم استيعاب، ثم ٦٩ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية يصدر بالراجح منها تصريحاً بحسب قوة الدليل في وجهة نظره ولو لم يكن هذا الراجحُ هو ظاهر الرواية في المذهب. وأحياناً يُشيرُ المرغيناني إلى الراجح بتأخير دليله، إذ من عادته رحمه الله - كما تقدم قبل قليل - أنَّ ما أخَّر دليلَه عند ذكر الأدلة: فهو الراجح عنده، وأحياناً لا يبيِّن، ويترك القارىءَ في سعة من الأمر. ٣٠- يذكر الإمام المرغيناني في الهداية قولَ الإمام مالك رحمه الله وخلافه، وكذلك خلافَ الإمام الشافعي رحمه الله، بل ينقل أحياناً قولاً ثانیاً يُروی عنهما. ومن الظاهر الواضح أن ذِكْرَه لخلاف الشافعي كان أكثرَ من ذِكْره الخلاف مالك، فقد ذكر الإمامَ الشافعي في ٦٤٠ موضعاً، وذكر الإمامَ مالك في ١٠٣ موضعاً. وأيضاً كان ذكرُه لخلافهما في أول الهداية أكثرَ من ذِكره لهما في أواخر الهداية. ٣١- ومن عادته رحمه الله: أنه كان يذكر أدلةً مختصرة لقولهما، ثم يقوم بمناقشتها، والإجابة عنها. والسؤال الوارد: ما مقصد صاحب الهداية من ذكر خلاف مالك والشافعي؟ هل هو ذِكرٌ للفقه المقارن، وتعريفٌ للقارئ عليه، أم لمناقشتهما، والرد عليهما؛ لزيادة إقناع الحنفي بمذهبه، وأنه هو المذهب الأقوى؟ ٧٠ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية أو أنه من باب الثراء الفقهي، وفيه من السعة على القارئ ما لا يخفى، وأن خلاف الفقهاء رحمة ويُسرٌ ورَفْع مشقة؟ والجواب والله أعلم: أن مقصده هو الأول، بحسب ما يُشَمُّ من طريقة العرض والمناقشة. ٣٢- أما عن ذِكْره للخلاف العالي بين الصحابة ومَن بعدهم: فكان قليلاً جداً، فمثلاً ذَكَرَ في كتاب الحَجر خلاف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وسمَّاه في كتاب الذبائح: مذهبَ ابن عمر، وكذلك سمَّى: مذهبَ عليٍّ، ومذهب ابنِ عباسٍ رضي الله عنهم. وعن ذِكْره لخلاف أقوال الأئمة من غير أئمة المذاهب الأربعة، أو غير المشهورين من أئمة المذاهب الأربعة: فهو قليلٌ جداً أيضاً، وأعرض فيما يلي مَن ذَكَرَ خلافَه منهم، مرتباً لهم بالترتيب الزمني لوفياتهم: فإنه ذَكَرَ خلافَ الإمام ابنِ شُبرمة (ت١٤٤ هـ)، في موضعٍ واحدٍ. وذكر خلافَ الإمامِ ابنِ أبي ليلى (ت١٤٨ هـ)، في موضعين اثنين. وذكر خلافَ الإمام الأوزاعي (ت١٥٧ هـ)، في موضعين من الهداية، في الصيام، وفي الأشربة. وكذلك ذَكَرَ خلافَ الإمام شريكِ بن عبد الله النخعي الكوفي، من أصحاب الإمام أبي حنيفة (١٧٧ هـ)، في موضع واحد في الأشربة. وخلافَ الإمام أبي عصمة البلخيِّ عصام بن يوسف (ت٢١٥هـ)، من أئمة فقهاء الحنفية، في موضع واحدٍ، في كتاب الكراهية. ٧١ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية وذَكَرَ خلافَ الإمام عيسى بنِ أَبَان تلميذٍ محمد بن الحسن، (ت٢٢١ هـ)، مرةً واحدةً، في تعارض البينات. كما ذكر خلاف الإمام محمد بن مقاتل الرازي، قاضي الرَّيِّ، من أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، (ت٢٤٨هـ)، مرة واحدة، في كتاب الكراهية. وهكذا ذكر بعضَ اختيارات الإمام الخَصَّاف (ت٢٦١هـ)، في خمس مواضع، كما يَنقل رواياتٍ في المذهب من طريقه. وذكر خلاف الإمام أبي منصور الماتريدي (ت٣٣٣هـ)، في موضعين، في باب الوكالة في البيع والشراء، وفي كتاب القضاء، في شروط مَن يُقبل قولُه. كما أنه نقل في موضعٍ واحدٍ عن الظاهرية، فقال: خلافاً لأهل الظواهر. أما ذكره لخلاف الإمام الطحاوي (ت٣٢١هـ) فقد ذكره في عشرة مواضع من الهداية. وهكذا ذَكَرَ خلافَ الإمام الكرخي (٣٤٠هـ) في مقابل قول المذهب المعتمد، في نحو عشرين موضعاً. وذكر اختيارات الإمام أبي الليث (ت ٣٧٠هـ) وأقواله في ستة مواضع من الهداية. كما ذكر مرةً واحدةً خلاف الإمام أبي بكر محمد بن الفضل الكُمَاري البخاري (ت٣٨١هـ)، وهو ممن رَحَلَ إليه الأئمة العلماء. ٧٢ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية ٣٣- ومن منهجه رحمه الله: أنه إذا لم يجد في حكم المسألة نصاً، أو روايةً عن أئمة المذهب أبي حنيفة وصاحبيه: يذكر رأيَ علماء المذهب ممن جاء بعدهم، ولكن لا يُصرِّح بأسمائهم، ويعبِّر عن ذلك بقوله: قيل: كذا، وقيل: كذا، ونحو هذا، وهذا في مواطن كثيرة ظاهرة في الكتاب، وقد نبَّه إلى هذا العيني في البناية. ثم يأتي الشُّرَّاح مثل العيني في البناية، فيبيِّنون أن القول الأول قال به مثلاً الأقطع والسرخسي وصاحب التحفة، وأن القول الثاني قال به مثلاً البزدوي والكاساني، وهكذا، وينظر كنماذج لهذا: البناية ٥٦/٦، ٨٣/٨، ١٦٦/٨، ٢١١/٨، ٢١٤/٨. وتراه أحياناً يستعمل لفظ: قيل، مرةً واحدة، دون أن يورد القيل الآخر. ٣٤- ومن منهجه رحمه الله: أن هناك مسائلَ قليلةً جداً ذَكَرَها باللغة الفارسية، وكأنها كانت من اللغات السائدة يومئذٍ في بلاده، كما جاء ذلك في بعض مسائل كتاب الطلاق، والأيمان، والوكالة وغيرها، وتقدم أن مثله جاء في بداية المبتدي. ٣٥- ومن عاداته رحمه الله في الهداية أنه يذكر في بعض المسائل الفقهية الحال التي كانت عليه بلاده بخارى وسمرقند وفرغانة وغيرها في زمانه، كما جاء في كتاب الطهارة حين تكلم عن طين بخارى، وهل هو نجس، أم معفوٌ عنه؟ وما جاء في البيوع، حين تكلم عن نوع العملة المتداولة في أيامه، وسماها: الثنائي والثلاثي والنُّصرتي بسمرقند، وكذلك الاختلاف في قيمة العَدَالي والغَطَارفة بفرغانة، وهكذا أيضاً كلامه في البيوع والجهالة فيها والنسبة للخُمْشراني ببخارئ، والبساخي بفرغانة، وکذلك کان یتكلم عن عُرف بلاده، وزمانه. ٧٣ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية ٣٦- ومن عاداته في الهداية أنه إذا ذكر مسألتين متتاليتين، وفيهما خلافٌ بين أئمة المذهب، ويريد المصنف أن يبيِّن الفرقَ بينهما: فيسمي المسألة الأولى: الفصلَ الأول، والثانية: الفصلَ الثاني. ٣٧- ومما لاحظتُه خلال خدمتي للهداية أن المرغيناني في مسائلَ كثيرةٍ يذكر قولين اثنين، أو روايتين، ولا يُرجِّح بينهما، كأنه يقول لقارئ الهداية: أنتَ في سعةٍ من الأمر، کحال القدوري في مختصره حین یورد أقوالَ أئمةِ المذهب في المسألة بدون ترجيحِ بينها، وتقدَّم أن هذا من منهجه أيضاً في بداية المبتدي. وكمثال يؤكّد أنه كان من منهجه التوسيع، وعدم التضييق: ما جاء في مسألةٍ من كتاب السَّلَم: قال: وقولُ محمدٍ رحمه الله أنظرُ للجانبين، وقولٌ أبي يوسف رحمه الله أيسرُ. اهـ ٣٨- ومن منهجه في ألفاظ الترجيح والتصحيح بين الأقوال الصريحة عنده: قوله: وهو الأصح، أو: وهو الصحيح، أو: في الصحيح، أو: وهو المختار، أو يقول: وكلام أبي حنيفة رحمه الله فيه أظهر. وهناك اختيارات للإمام المرغيناني وترجيحات غيرُ مصرَّحِ بها في بداية المبتدي، وقد ضمَّنها في شرح الهداية. ٣٩- ومن منهجه رحمه الله أنه أفاد في أوائل الشفعة بقاعدةٍ في الترجيح، وهي: أن الترجيح بقوة الدليل، لا بكثرة الأدلة. وقال في كتاب الدعوى: والترجيح لا يقع بكثرة العِلل، بل بقوةٍ فيها. ٤٠- ومن قواعد الترجيح التي كان يسير عليها أحياناً: الأخذُ بالأحوط، كما جاء في كتاب الطلاق، حيث يقول: والأَولى أن يُؤْخَذ ٧٤ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية بالثنتين؛ تنزُّهاً واحتياطاً. وهكذا تحتاج ترجيحاته واختياراته إلى دراسة خاصة، وذلك بجمعها، وتصنيفها، والنظر في مدى خروجه عن أقوال أئمة المذهب، ومنهجه فیھا. وعلى سبيل المثال: ففي مسألة: مَسِّ الأمة عند الشراء مع الشهوة: تراه يختار غيرَ القول المعتمد في الجامع الصغير والقدوري، وهكذا. ٤١- وعن منهجه في ألفاظ الحكم الشرعي التي يستعملها في وصف حكم المسألة: أنه يستعمل غالباً الألفاظ المشهورة من أقسام الحكم التكليفي، كالواجب والمندوب ونحوها، ولكني رأيتُ له استعمالاً نادراً مرةً واحدة، أحببتُ أن أشير إليه، وهو ما جاء في كتاب الأشربة، حيث يقول عن حكم مسألة: حرامٌ مكروهٌ، فقد دمج وصفين في وصف واحد. وأيضاً له استعمالٌ لألفاظ في الحكم التكليفي ليس منصوصاً عليها في كتب أصول الفقه، كما تقدم عنه هذا في منهجه في بداية المبتدي، كقوله: ينبغي، أو حَسَن، ونحو هذا مما يحسن تتُّعه ودراسته في بحث مستقل. ومن نوادر ما استعمله في الهداية: قولُه في الجمع بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة: إنه شنيعٌ، ويريد: أنه مكروه. ٤٢- ومن منهجه العلمي أنه نَثَرَ في مسائل الهداية كثيراً من القواعد الفقهية، وألمع بذكر الضوابط الفقهية في كل باب، وأولى ذلك اهتماماً واضحاً. ٤٣- ومما صرَّح به في مقدمته عن شيءٍ من منهجه الذي سار عليه بشكلٍ مجمل، حيث قال: ((وأجمعُ فيه بين عيونِ الرواية، ومتونِ الدراية)). قال في البناية ٤٨/١ في شرح هذه العبارة: عينُ الشيء: خيارُه، ومتنُ ٧٥ من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية الشيء: قوّتُه، ثم قال: والحاصل أنه - حوى - عيونَ الرواية التي اختارها العلماء، ومتونَ الدراية، وهي: المعاني المؤثّرة، والنِّكات اللطيفة. اهـ ٤٤- ثم ذَكَرَ المرغيناني شيئاً آخر من منهجه في الهداية حين اختصره من كفاية المنتهي قال: ((تاركاً للزوائد في كل باب من كفاية المنتهي)). اهـ، وأراد بالزوائد: أي الفروع التي توسع في ذكرها في كفاية المنتهي. ٤٥- وقال بعد ذلك مبيِّناً منهجه في ذِكْر أصولٍ في الهداية تُخرَّجُ وتُقاس عليها فروعٌ أخرى قال: ((مع ما أنه يشتمل على أصولِ تنسحبُ عليها فصولٌ)). أي مع شمول الذي أجمعه من المسائل شيء مهم آخَرُ وهو: شمول الهداية على أصولِ تُبنى عليها فروعٌ كثيرةٌ، وتنسحب عليها فصولٌ من المسائل المخرّجة عليها. فيقول مثلاً في آخر كتاب المعاقل: ((والأصلُ الذي تُخرَّج عليه أن يُقال ... ، فمَن أحكم هذا الأصلَ متأمِّلاً: يُمكنُه التخريجُ فيما وَرَدَ عليه من النظائر والأضداد)». اهـ ويقول في كتاب الوصايا: ((وعلى هذا يُخرَّج كثيرٌ من المسائل)). اهـ ٤٦- وأختم ما جمعتُه عن منهجه بكلامٍ مجمَلٍ رائع للعيني، حيث قال في مقدمة البناية وهو يصفُ كتابَ الهدايةَ بأنه كان: ((مؤصَّلاً على قواعدَ عجيبةٍ، ومفصَّلاً على فوائدَ غريبةٍ، ومؤسَّساً على أصولٍ مُبِيْنةٍ، وفصول رَصِينةٍ، ومسائلَ غزيرةٍ، ودلائل كثيرةٍ، وترتیبِ أنيقٍ، وترکیب حقیقٍ)). اهـ ٧٦ من منهج الإمام المرغيناني في الاستدلال في الهداية من منهج الإمام المرغيناني في الاستدلال في الهداية ١- مما هو واضحٌ لكل مَن طالَعَ في الهداية أن الإمام المرغيناني رحمه الله كان يستدل كغيره من الأئمة الفقهاء بأدلةٍ متعددةٍ متنوعة، من الكتاب والسّنّة وآثارِ الصحابة رضي الله عنهم، مع الإجماع والقياسِ والاستحسان، وكذلك يستدل بالأدلة العقلية المتنوعة، ويقتصر في الغالب على بعض الأدلة، وعلى نوعٍ دون آخَر، وفي كل ذلك يختصر ولا يطيل، ومن باب أولى أنه لا يستقصي، وكان يُحيل في مواضع عديدةٍ للاستزادة إلى شرحه الكبير كفاية المنتهي، ويسمي الهداية شرحاً مختصراً. وعلى هذا فمَن أراد معرفةَ أدلةِ الحنفية في مسألةٍ ما، أو أدلة قول ما من أقوال أئمة المذهب: فلا بد له من متابعة كُتُب الحنفية المبسوطة المطوَّلة كلها، المطبوعةِ والمخطوطةِ، التي تعتني بذكر الأدلة وبيان وجه دلالتها، وألا يقتصر على بعضها، بل عليه أن يبحث في كتب الفقه المقارن، وكُتُب المذاهب الأخرى التي وافق قولُها قولَ الحنفية، ويجمع أدلتهم كلها، فلعله بذلك كله يَصِلُ إلى مراده أو بعض مراده. ٢- وكان من دأب الإمام المرغيناني رحمه الله أنه كان كثيراً ما يجعل علةَ النص دليلاً عقلياً مستقلاً على أصل المسألة؛ إفادةً للفائدتَيْن. كما قال قاضي زاده في نتائج الأفكار ٦٣/١٠. ٧٧ من منهج الإمام المرغيناني في الاستدلال في الهداية ٣- كما لاحظتُ أنه كان كثيراً ما يربط المسألة وحكمها بأقوال مشايخ الحنفية، وكأنَّ قولَهم هو الدليل، ولا يُصرِّح باسمهم في الغالب، ثم يأتي الشرَّاح فيُبيِّنون أحياناً أسماءهم، ومَن المراد بهم. ومن الألفاظ التي كان يستعملها في ذلك: قولُه: ومشايخُنا قالوا كذا، وفعلوا كذا، وأفتَوْا بكذا، وقال بعضُ مشايخنا، وعليه مشايخنا، ولم يجوِّزه مشايخنا، وذَكَرَ مشايخُنا، وعليه عامة مشايخنا، ومن مشايخنا مَن يمنع ذلك، ونحو هذا. ويقول أحياناً: واستحسن المشايخُ، وبه قال عامةُ المشايخ، أو أكثرُ المشايخ، أو مشایخ بلخ، أو مشايخ سمرقند. ٤۔ ومن منهجه في الاستدلال: أنه کان یَصِفُ الدليل الذي يستدل به من السُّنَّة النبوية بالصحة، وذلك في مواضع كثيرةٍ بلغت عشرين موضعاً في الهداية، فيقول مستعملاً التعبيرَ التالي: وقد صحَّ أن النبي صلى الله علیه وسلم فعل كذا، أو قال كذا. ومن خلال تتبعي لتخريج ما يصفُه بالصحة: رأيتُ كأنه يستعمل المعنى الاصطلاحيَّ الحديثي العامَّ للفظ: (الصحة)، فقد يكون صحيحاً أو حسناً، وأحياناً يعتمد هو الصحة، ويكون في تصحيحه اختلافٌ، ومعلومٌ أن المرغيناني كان محدّثاً حافظاً جامعاً للعلوم الثمانية التي يُستفاد بها منصبُ الاجتهاد. وأيضاً ففي مناقشة أدلة الآخرين تراه يحكم أحياناً على أحاديثهم بالضعف، ففي كتاب الوصية يقول مثلاً: وما يُروى فيه: ضعيفٌ. ٧٨ من منهج الإمام المرغيناني في الاستدلال في الهداية ٥- ومن منهجه في الاستدلال: أنه كان لا يدلِّل لكل المسائل الفرعية التي يوردها مفرَّعةً على أصل المسألة، فكثيراً ما يذكر فروعاً بدون ذكر أي دليلٍ لها. بل لاحظتُه أحياناً يذكر المسألةَ الأساسية من بداية المبتدي، ويذكر ما فيها من أقوال بدون ذِكْر أدلة، مثل مسألة سؤر سباع البهائم، وقد نصَّ العيني في البناية ٣٦٩/١ أن المؤلف لم يذكر مستند الحنفية ولا مستند الشافعية، لا من حيث النقل، ولا من حيث العقل، ثم أتى العينيُّ بذكرها، ويمكن تتبع هذا الأمر وملاحظته واستدراكه من كُتُّب الشرَّاح. وهكذا كان حاله في الاستدلال لأقوال الشافعية والمالكية، فتراه في كثير من الأحيان لا يذكر لهم أي دليل. ٦- ومن الأمور المهمة الغريبة التي وقفتُ عليها في منهجية المرغيناني في استدلاله، أنه كان يستدل على مَنْع شيءٍ وتحريمه أو كراهته بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك الأمر، وقد جاء ذلك في أربع مسائل فقط في الهداية كلها والله أعلم، وجاءت في الربع الأول من كتاب الهداية. وهذا الاستدلال أمرٌ غريبٌ عن قواعد أصول الفقه في استنباط الأحكام، فمن المعلوم أنه لا بدَّ في التحريم من ثبوت دليلٍ في النهي أو التحريم، وأما الترك وعدم الفعل: فلا يدل على التحريم، وقد بيَّنَتُ ذلك 311 في الحاشية في موضع كلّ من هذه المسائل. ٧٩ من منهج الإمام المرغيناني في الاستدلال في الهداية ومما يزيد الأمر غرابةً أنه يستدل أحياناً على النهي والتحريم بعدم الفعل، مع أنه ثبت فيها نهيٌ صريحٌ في السنة النبوية، لكنه لم يذكره، وقد بَيَّتُه في الحاشية، ولله الحمد. وهذه المسائل الأربع التي سلك فيها هذا المنهج هي: ١ - مسألة الصلاة نافلةً بعد سنة الفجر قبل الفرض. ٢- مسألة الزيادة في صلاة النافلة في باب النوافل. ٣- التنفل في المصلَّى قبل صلاة العيد. ٤ - مسألةٌ في المزارعة، وأنها لا تجوز؛ لعدم ورود الشرع بها. ٧- ومما لاحظتُه في استدلاله أنه أحياناً يُعلِّل النهي عن الشيء والمنعَ منه: بأنه بدعة، مع أنه لا يوجد بعد استقرار علم أصول الفقه وَصْفٌ للحكم الشرعي التكليفي بأنه بدعةٌ، وهذا يستدعي التفصيلَ في بيان هذا اللفظ؛ لمعرفة المراد منه، وهو في الغالب - كما لاحظتُ - يريد به الكراهة. ٨- ويحسن هنا التنبيه إلى أن الأدلة التي يذكرها صاحب الهداية ومَن قبلَه من أئمة المذهب لا يُستطاع الجزمُ بأنها هي أدلةُ الإمام أبي حنيفة إمام المذهب أو هي أدلة أصحابه، مع احتمال ذلك، ويمكن القول بأنه يُستدل لهم بذلك، والله أعلم. ٩ - ومما هو ملحوظٌ أيضاً أن المرغيناني لا يذكر مصادرَه حين ينقلَ و أدلةَ الأقوال في المسائل، وكذلك الحال حين يبيِّن وجه الدلالة من الدليل، فهل هو ناقلٌ في ذلك عن غيره، أم هو منشىءٌ له؟ ٨٠ من منهج الإمام المرغيناني في الاستدلال في الهداية وأتوقع أن من مصادره في الأدلة ودلالاتها: كُتُبَ الإمامِ محمد، وكُتُبَ أبي يوسف، وكُتُبَ الطحاوي المتعددة، كشرح معاني الآثار ومشكل الآثار واختلافِ العلماء وغيرها، وكتبَ الكرخيِّ المتعددة، وكتبَ القدوريِّ المطوَّلة، كالتجريد وشرح مختصر الكرخي. وهكذا كتاب المبسوط شرح الكافي للسرخسي، وبدائع الصنائع شرح تحفة الفقهاء للكاساني، وكذلك شروحُ أئمة الحنفية للجامعِ الصغير، وشروحهم للجامع الكبير، وشروح مختصر الكرخي والقدوري. ١٠- ومن منهجه في الاستدلال: أنه كان يعتمد في مواضع كثيرة على الاستدلال بقول الصحابي، ومن الأمثلة: استدلاله في مسألة حكم الجراد بقول علي رضي الله عنه: کُلْه کُلَّه، وأنه يدل على إباحته. وكذلك استدلاله في مسألة أن الأضحية لا تجب على المسافر، فقد استدل بفعل أبي بكر وعمر، وكذلك بقول علي رضي الله عنهم أجمعين. والأمثلة على استدلاله بأقوال الصحابة رضي الله عنهم كثيرةٌ جداً. وهذا المنهج قد روي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله نفسه صاحب المذهب، حيث نُقل عنه أنه قال في معرض كلامه عن أصول استدلاله: ((فإذا لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخذتُ بقول أصحابه مَن شئتُ، وأَدَعُ قولَ مَن شئتُ، ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم)). اهـ كما في أخبار أبي حنيفة للصيمري ص١٠. وفي روايةٍ في عقود الجُمَان للصالحي ص ١٧٢ قال أبو حنيفة: ((وأما ما اختلفوا فيه: فنتخيَّر من أقوالهم أقربَه إلى كتاب الله عزَّ وجلَّ، والسُّنَّةِ، ونجتهدُ)). اهـ، وينظر كتاب العلامة أبي زهرة: أبو حنيفة، ص ٢٦٧.