Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
ثناءُ العلماء على كتاب الهداية
((كتابُ الهداية هو من أجَلِّ الكتب المصنَّفة في مذهب أبي حنيفة،
ومن أغزَرِها نفعاً، وأكثرِها فوائدَ، وأشهرِها بين الأصحاب، يعتمدون
عليه في الحُكم والإفتاء.
قد شَرَحَه جماعةٌ منهم، وكَتَبوا عليه الحواشي، وألقَوْا منه الدروسَ،
وحَفِظَه بعضُهم مع طوله على الحفظ، وما ذاك إلا لحُسن لفظِهِ، وصحةٍ
نَقْله للمذهب ... ، مع تعظيمي لشأن مصنِّفه رحمه الله تعالى)). اهـ
١٤ - وقال الإمام بدر الدين العيني محمود بن أحمد (ت٨٥٥هـ) في
مقدمة البناية شرح الهداية:
((إن كتابَ الهدايةِ قد تباهَجَ به علماءَ السلف، وتفاخَرَ به فضلاء
٩
ءُ
الخَلَف، حتى صار عُمدةَ المدرِّسين في مدارسهم، وفَخْرَةَ المتصدِّرين في
مجالسهم، فلم يزالوا مشتغِلِين به في كل زمان، ويتدارسونه في كل مكان.
وذلك لكونه حاوياً لكنز الدقائق، وجامعاً لرمز الحقائق، ومشتملاً
على مختار الفتوى، ووافياً بخلاصة أسرار الحاوي، وكافياً في إحاطة
الحادثات، وشافياً في أجوبة الواقعات.
مؤصَّلاً على قواعدَ عجيبةٍ، ومفصَّلاً على فوائدَ غريبةٍ، ومؤسَّساً على
أصولِ مُبِيْنةٍ، وفصولِ رَصِينةٍ، ومسائلَ غزيرةٍ، ودلائل كثيرةٍ، وترتیب
أنيقٍ، وتركيبٍ حقيقٍ)). اهـ
١٥ - وقال الإمام ابن الشِّحْنة الحلبي (ت ٨٩٠هـ) في أول الفصل الثاني
من مقدمة شرحه على الهداية: نهاية النهاية:
((إن كتابَ الهداية من الكتب المفردة المعجزة في مَنالها، التي لم

٤٢
ثناءُ العلماء على كتاب الهداية
يُصنَّف مثلها في بابها، ولم يُنسَج علىُ مِنوالها، ليس فيه فرعٌ في بابِ،
ولا فصلٍ إلا وهو يتنزّل من الأصول على أصل.
أخبرني شيخي العلامة بدر الدين بن سلامة رحمه الله تعالى أن العلامة
ظهير الدين الكشاني (الكسائي؟) لَمَّا أقدَمَه الملكُ الصالح من سمرقند
الدرس مدرسته التي أنشأها في ماردِين: خرج علماؤها للقائه بأمر السلطان،
فلم يَفُه مع أحدٍ منهم ببنتِ شَفَةٍ بحثاً، ولا جاراهم في شيءٍ من ذلك،
فظنَّوا قلةَ بضاعته، وعرَّفوا السلطان بذلك.
فحَضَرَ السلطانُ إليه يومَ إجلاسه للدرس، ولوَّح له بما قيل، فقال:
ليس من طريقتي المشاغبةُ والمماراة، ولكن هذه ((الهداية)) يقرؤها مَن شاء
من الفضلاء الأجلاء، فكلُّ فرعٍ فيها لم أُنزِلِه على أصلٍ من أصول البزدوي:
يُحكَم عليَّ بالعجز، وإلا: فمَن فَعَلَ ذلك من علماء ماردِين: أقررتُ له
وأذعنتُ، فاعترفوا أجمعین بعلمه)). اهـ
١٦ - وفي مخطوطةٍ قديمة للهداية في مكتبة مراد ملا (برقم ١٠٧٤)،
لم يُسجَّل عليها تاريخُ نَسْخِها، ويظهر أنه تمّ نَسْخها في أوائل القرن التاسع
الهجري، وقد كَتَبَ الناسخُ في آخرها، وهو علاء الدين قَرَجْحَصاري،
وكأنه هو المحشِّي عليها، ويظهرُ أنه من العلماء الكبار، ممن أتقن الهداية
وخبرها وعايشها.
وقد ذَكَرَ في آخرها إجازةً له بالهداية قراءةً وبحثاً في بعضها، من
شيخِه الإمام الشهير بشمس الدين ابن الصائغ محمد بن عبد الرحمن بن
علي، صاحب المصنفات، المتوفى سنة ٧٧٧هـ، وإجازةً أخرى في
الهداية من الإمام الكبير شيخ الحنفية نعمان الخوارزمي، بتاريخ ٨٠٦هـ،

٤٣
ثناءُ العلماء على كتاب الهداية
وإجازاتٍ أخرى من غيره من كبار أئمة الحنفية.
يقول ناسخُها في آخرها مبيِّناً قيمةَ كتاب الهداية، وعُلُوَّ مكانته:
((هذا آخِرُ كتاب الهداية، حَرَّكَتْ فأقلَعَتْ ریاحُ معانيه أرواحَ الماهِرِین،
وصيَّرت عقائلُه عقولَ الباهرين كعقول السَّادِرِين - أي المتحيِّرِين -، وتَركَتِ
الفقهاءَ قيودُهُ حَيَارىُ أُسارىُ، لا صُحَةً ولا سَّكَارى، ومَن عَثَرَ عليه: فقد
حَلَّتُ عليه الأسرار، والتحَقَ بالأبرار.
نعم! كتابٌ لا يَبلُغْ كُنْهَ دقائقِهِ إلا مَن ألهَمَه الله، وشَرَحَ صدرَه
وتولاَه، وهو كاسمه: هدايةٌ إلى سواء السبيل ... )). اهـ
١٧ - وذَكَرَ العلامةُ طاش كُبْري زادَه أحمد بن مصطفى في مفتاح
السعادة ومصباح الزيادة ٢٣٨/٢، المتوفى سنة ٩٦٨هـ، وهو يتكلّم عن
الكتب المعتبرة عند الحنفية، وذَكَرَ منها کتاب الهداية، فقال:
((كتاب الهداية - كما قال صاحب الوقاية -: كتابٌ فاخرٌ، لم تكتحل
عينُ الزمان بثانيه، ومن لطائف أحواله: أنه مع اشتماله الدقائق، وحُسن
الإيجاز في التحرير، وقع سهلاً بظاهره على كل طالب، فهو بالحقيقة
سهلٌ ممتنعٌ، والأَوْلى ألا يُبَالِغَ أحدٌ في وصفه، فإن السكوتَ عن مَدْحِهِ:
مَدْحُه.
١٨- وذكر الشيخ يوسف البَنُوري (ت١٣٩٧ هـ) في تقدمته لنصب
الراية عن الشيخ محمد أنور شاه الكِشْميري (ت١٣٥٢ هـ) أنه قال:
((ليس في أسفار المذاهب الأربعة كتابٌ بمثابة كتاب الهداية، في
193
تلخيص كلام القوم، وحُسن تعبيره الرائق، والجمع للمهمات، في تفقه

٤٤
ثناءُ العلماء على كتاب الهداية
نفسٍ، بكلماتٍ كلُّها دُرَرٌ وغُرَرَ)). اهـ
١٩ - وقال الكشميري أيضاً عن صاحب الهداية: ((عنده براعةُ الإنشاء،
وفضلُ الأدب يظهر في إفصاح التعبير الأدبي في غوامض الأبحاث،
ومشكلات المسائل، وليست المزيةُ في فصاحة عبارات الحدائق والأزهار،
ءِ
وذِكر النسائم، وخَرِير الأنهار، فإنه بابٌ طَرَقَه كلّ شاعرٍ وكاتب)). اهـ
٢٠ - وقال أيضاً: ((سألني بعضُ الفضلاء: هل تقدِرُ على أن تؤلِّف
كتاباً مثل فتح القدير، وهو شرح الهداية، في الدقة والتعبير؟ قلت: نعم،
قال: ومثل الهداية؟ قلت: كلا، ولو عدةَ أسطر)). اهـ
٢١ - وقال أيضاً: ((لا يُدرِكُ شأوَ صاحبِ الهداية في فقهه ألفُ فقيهٍ مثلُ
صاحب الدرِّ المختار، فإن صاحب الهداية فقيهُ النفس، علمُهُ علمُ الصدر،
وعلمُ صاحبِ الدر المختار علمُ الصحف والأسفار، وإن البَوْن بينهما لبعيدٌ)).
ثم قال العلامة البنوري معقباً: وناهيكَ بهذه الكلمات من هذا الأستاذ
الإمام، إمام العصر في منزلة هذا الكتاب الجليل، وإنها ليست مجازفةً
وإطراء، بل خَرَجَتْ من فكرةٍ دقيقةٍ صائبةٍ، غاصت في دَرَك الكتاب،
بمكابدة العَناء والتعب، فقدَّم دُرَرَ تحقيقه للقوم، التي أخرجها عن دَرَكه
بعد برهة من الدهر. اهـ
٢٢ - وقال العلامةُ الشيخ يوسف البَنُوري (ت١٣٩٧ هـ) في مقدمة
خدمته لنصب الراية، ونَقَلَ كلامَه المفتي الشيخ محمد عاشق إلهي البَرْني
(ت١٤٢٢ هـ)، فيما كتبه من مقدمةٍ لكتاب البناية للعيني، طبعة ملتان
باكستان، بتحقيق فيض أحمد الملتاني، قال:

٤٥
ثناءُ العلماء على كتاب الهداية
((لم يُخدَم كتابٌ في الفقه من المذاهب الأربعة مثل كتاب الهداية،
ولم يتَّفِقْ على شرح كتابٍ في الفقه من الفقهاء والمحدِّثين، والحفَّاظ
المتقنين، مثل ما اتفقوا على كتاب الهداية، وناهيكَ بهذا الإقبال العظیم،
وتلقِّي القومِ إياه بالقبول.
فمِن شُرَّاحه من الفقهاء المحدِّثين: أعلامُ العصر، وأعيانُ القوم، مثلُ:
الحافظِ العيني، وقِوامِ الدين الإتقاني، وقِوامِ الدين الكاكي، وابنِ الهمام
السيواسي، ومن مخرِّجيه من جهابذة الحفاظ مثلُ: الماردينيِّ، والزيلعيِّ،
والقرشي، وابنِ حجرٍ، والقاسمٍ بن قُطْلوبغا الحنفي.
فكفى لكتابه فضلاً وشَرَفاً أمثال هؤلاء الأعيان في شارحیه ومخرِّجيه،
فهل هذه المزيَّةُ تُساجَل، أو تُجارى؟!
وما كلّ مَخضوب البَنان بُثَيْنَةٌ ولا كلَّ مصقولِ الحديدِ يَمَاني)). اهـ
٢٣- وقال الشيخ محمد عاشق إلهي البرني المدني (ت١٤٢٢ هـ) في
تقدمته لطبعة البناية، ملتان، بتحقيق الشيخ مسعود أحمد قال:
((مِن أشهر كُتُب المرغيناني: كتابُ الهداية، المعروفُ شرقاً وغرباً،
ولا تخلو منه مدرسةً، تجلو به بصيرةُ العالم النِّحرير الفقيه، وتحلو به ثمرةٌ
التحصیل للطالب النبیه». اهـ
٢٤ - ومن الثناءات الجميلة على الهداية، والتي صيغت في بيتين رائعين
من الشعر، وجدتُهما على غُرَّة نُسخةٍ خطيةٍ نفيسةٍ نادرة، منسوخةٍ بتاريخ
٧٣٢هـ، في ٧٩٤ ورقة، مودَعة في متحف طوب قابو بإسطنبول (برقم
٩٠١)، كانت مِلك أحد كبار علماء الحنفية، ومليئة بالحواشي، وهما:

٤٦
ثناءُ العلماء على كتاب الهداية
هدايتُنا هذه قد غَدَتْ طِرَازاً لمَذهِبِنا المُذْهَبِ
فألفاظُها دُرَرٌ كلُّها وما مِثْلُها قطُ في مَذْهبٍ
٢٥ - وأختم هذه الثناءات ببيتَيْن أيضاً من الشعر في مدح كتاب الهداية،
تراهما على الصفحة الأولى في كثيرٍ من النُّسَخ الخطية القديمة للهداية،
ونَقَلَهما كلَّ مَن كَتَبَ عن الهداية، ولم أقف على اسمٍ ناظِمِهما، فيُقال هكذا:
(وقيل في مدحها كذا))، وسأذكرهما لشهرتهما مع أني أرى فيهما مبالغةً
الشعراء، وهما:
ما أَّقُوا قبلَها في الشرع من كُبِ
إن الهدايةَ كالقُرآن قد نَسَخَتْ
يَسْلَمْ مَقالُكَ من زَيْغِ ومن كذبٍ)).
فاحفَظْ قواعِدَها واسلُكْ مَسالكَها
وهكذا أتمثَّل أخيراً في حقِّ الهداية بقول شاعرِ الغزل الرقيق أبي
الفضل العباسِ بن الأحنف اليمامي البغدادي، (ت ١٩٢ هـ):
جنوناً فزِدْني من حديثِكَ يا سعدُ
وحدَّثْتُني يا سعدُ عنها فزِدْتَني

٤٧
حُقَّاظُ كتاب الهداية غَيْباً
حُفَّاظ كتاب الهداية غَيْباً
لقد كتب الله تعالى القبول التامّ لكتاب الهداية، وغَدَت العنايةُ به كبيرةً
جداً، حتى كان مِن بالِغِ اهتمامِ العلماءِ وطلبة العلم به، ومن صور احتفائهم
به: أنهم حفظوه غيباً، واستحضروه في ذاكرتهم، وأملَوْه في دروسِهم من
حفظ صدورهم، مع طُولِه وكِبَر حَجْمِه، فكانوا يحفظون كتابَ الهداية كما
يحفظون المتونَ المعتبرة.
وممن وقفتُ عليه ممن نصُّوا على أنه كان يحفظ كتابَ الهداية:
١ - جاء في الجواهر المضية ٤٥٧/٣، في ترجمة محمود بن أبي بكر
بن عبد القاهر، الملقب شهاب الدين، والد سراج الدين عمر، وكان ممن
تفقه على الإمام الحصيري بدمشق، وحَفِظَ كتابَ الهداية، المتوفى سنة
٦٨٠ هـ، رحمه الله تعالى.
٢- وفي الدرر الكامنة للحافظ ابن حجر ٣٢٦/٢، في ترجمة عبد
الرحمن بن أبي بكر بن أبي بكر - مكرراً - بن محمد بن محمود
البسطامي، ثم الحلبي، نزيل القاهرة، وكان فاضلاً عارفاً بمذهب الحنفية،
وكان يحفظ الهدايةَ، المتوفى سنة ٧٢٨هـ، رحمه الله تعالى.
وسيأتي برقم (١٠) أن ابنَه عمر كان يحفظ الهداية أيضاً.
٣- وممن يحفظ الهداية شمس الدين محمد بن عثمان بن أبي الحسن
الأنصاري الحنفي، المعروف بابن الحريري، المتوفى سنة ٧٢٨هـ، رحمه
الله تعالى، وكانت له عدة محفوظات، منها الهداية، ومَھَرَ حتى علَّق على

٤٨
حُفَّاظُ كتاب الهداية غَيْباً
الهداية شرحاً، كما في الدرر الكامنة ٣٩/٤.
٤- وفي نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر للحسني، في ترجمة
عثمان بن داود المُلتاني، وكان عالماً كبيراً في مذهب الحنفية، بارعاً في
الفقه والأصول والتصوف، كان يحفظ الهدايةَ، وأصولَ البزدويِّ في أصول
الفقه، وقوتَ القلوب لمكي، والإحياءَ للغزالي، المتوفى بكُجُرات، سنة
٧٣٦هـ، رحمه الله تعالى.
٥- وفي الجواهر المضية ١٣٧/٣، في ترجمة محمد بن الحسن
الحلبي، من فقهاء مدينة حلب، ذَكَرَ القرشيُّ أن المترجَمَ حَفِظَ الهدايةَ في
صغره، وعَرَضَه على جماعةٍ من مشايخه، منهم العلامة أبو حفص عمر
ابن الوَرْدي، وكَتَبَ له إجازةً لطيفةً بذلك بعد أن اختبره فيه من مواضع
متوافرة، من أوائله وأواسطه وأواخِرِه، وأنه جَرَیُ فیه بلسانٍ رَطْبٍ فصيحِ،
جَرْيَ مَن جَمَعْ طَرَفَيْهِ، وكان تاريخ الإجازة سنةَ ١٤٤هـ، رحمه الله.
٦- وفي الدرر الكامنة ٤٦٠/٣ في ترجمة ملك الهند محمد بن طغلق
شاه، وكان عالماً في فقه الحنفية، كان يحفظ الهدايةَ، المتوفى في حدود
سنة ٧٥٢هـ، رحمه الله تعالى.
٧- وفي الجواهر المضية ٤ /٣٨٢، في ترجمة الإمام نور الدين علي -
هكذا -، أنه كان يحفظ الهدايةَ، المتوفى سنة ٧٦٢هـ، رحمه الله تعالى.
٨- وفي الجواهر المضية ٢٩٢/٣، في ترجمة محمد بن عمر بن
محمود بن أبي بكر، المعروف بابن السرَّاج، المتوفى سنة ٧٦٦هـ، ذكر
أنه عَرَضَ الهداية في صباه، وألقاها في دروسه إلقاء حسناً، وهو سِبْط

٤٩
حُقَّاظُ كتاب الهداية غَيْباً
قاضي القضاة أبي العباس أحمد السَّروجي، صاحب الغاية في شرح
الهداية، وفي النجوم الزاهرة ٩٩/١١: أنه كان يحفظ الهدايةَ.
٩- وفي النجوم الزاهرة ٩٩/١١، في وفيات سنة ٧٦٩هـ، ذكر أنه
توفي فيها العلامة قاضي القضاة عماد الدين عبد الله بن قاضي القضاة علاء
الدين علي بن عثمان المارديني التركماني، وذكر أن من جملة محفوظاته
كتاب الهداية للمرغیناني، حتى إنه كان يُمليها في دروسه من صدره.
١٠- وفي الدرر الكامنة ١٦٩/٣ في ترجمة عمر بن عبد الرحمن بن
أبي بكر البسطامي الحنفي زين الدين، سبط القاضي شمس الدين
السَّروجي، المتوفى سنة ٧٧١هـ، ذكر أنه كان يحفظ الهدايةَ.
١١ - وممن اشتُهر بتدريس الهداية مرات كثيرة، حتى سُمِّي: قارئ
الهداية: شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن علي بن فارس الكناني، وكان
يستحضر الهدايةَ، المتوفى سنة ٨٢٩هـ، وله عليها تعليقٌ. ينظر الضوء
اللامع ١٠٩/٦، وكشف الظنون ٢٠٣٤/٢.
١٢- وفي الجواهر المضية ٣٣٨/٣، في ترجمة محمد بن محمد بن
أبي العز صالح بن أبي العز وهيب الأَذْرَعي، قاضي القضاة، المتوفى سنة
٧٢٢هـ، رحمه الله تعالى، ذَكَرَ أنه كان إماماً فقيهاً مفتياً، وأنه كان يعرف
الهدايةَ معرفةً تامةً جيدةً.
وسبحان الفتّاح الوهاب، يهب ما شاء لمن يشاء، اللهم اقسم لنا
ولأهلينا أوفر حظًّ ونصيب مما تقسمه لكُمَّل عبادك العلماء الصالحين.

٥٠
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب بداية المبتدي
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب بداية المبتدي
١ - جَمَعَ الإمامُ المرغينانيّ في كتابه ((بداية المبتدي)) بين كتاب ((مختصر
القدوري))، للإمام أبي الحسين أحمد بن محمد القدوريِّ (ت٤٢٨ هـ)،
وكتاب ((الجامع الصغير))، للإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت١٨٩ هـ).
وقد جاء هذا الجمعُ والبناءَ عند هذا الإمام الجليل بمنهجيةٍ دقيقة،
و
ونظرٍ مقصودٍ، وحكمةٍ فقهيةٍ عالية، لا تَظهرُ للقارئ إلا بالتأمل والتدقيق
وإمعان النظر، مع صياغةٍ جديدةٍ للكتابَيْن، ودمجٍ دقيقٍ بينهما، ومع ترتيبٍ
بديعٍ لمسائلهما ونصوصهما، وذلك بإدخال بعضِهما في بعض، مع التحرُّز
عن إيراد المعاد.
هذا مع تفريع للمسألة الواحدة إلى أكثر من مسألةٍ، يوردها في موضعٍ
واحدٍ من الباب نفسه، أو يوزِّعها على أبواب متفرِّقة، وكذلك مع تقديمٍ
وتأخيرٍ ضمن الباب الواحد، بل ضمن أبواب الكتاب كله.
كل هذا مع زيادات على مختصر القدوري والجامع الصغير، جَمَعَها
من كتاب (الأصل)) للإمام محمد رحمه الله(١)، ومِن مصادر أخرى، دَعَتْه
الضرورة لإضافتها، لكثرة وقوعها.
كما ضمَّن كتابَ بداية المبتدي ترجيحاتٍ واختياراتٍ له بثها فيه، وهي
(١) ينظر البناية ٢٢٤/٧، وكذلك آخر كتاب أدب القاضي في مسائل شتى.

٥١
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب بداية المبتدي
ظاهرة في كتاب الهداية بشكل أوضح حين ذَكَرَ الأدلة فيه لكل قول.
وبهذا كله امتاز كتابُ بداية المبتدي عن الكتابَيْن اللذين ضمَّنَهما فيه،
وأصبح بمجموعه وزياداته قلباً وقالباً كتاباً آخَر تماماً.
٢- ومن منهجه رحمه الله في بداية المبتدي ما قاله في مقدمته:
((وتَكلَّفتُ فيه الجَمْعَ بين الأجناس؛ تحرِّياً لتسهيل الاقتباس)). اهـ، فقد
جَمَعَ النظيرَ إلى النظير، متحرِّزاً فيه عن إيراد المُعاد.
٣- ذكر المؤلف رحمه الله أنه أراد أن يجعل في بداية المبتدي باباً لكل
نوعٍ من أنواع الفقه، وأن يشتمل على كل أبواب الفقه.
ولكن الشيء المستغربَ من الإمام المرغيناني أنه لم يذكر فيه كتابَ
المواريث مع وجوده كاملاً في مختصر القدوري، ولم أجدْ تفسيراً لذلك،
والله أعلم بالحال.
٤- أما بالنسبة لترتيب بداية المبتدي، فقد جعله على ترتيب كتاب
الجامع الصغير، حيث قال في مقدمته: ((ورأيتُ ترتيبَ ((الجامع الصغير))
هو الأحسنُ، فاقتفيتُه تبرُّكاً بما اختاره محمد بن الحسن رحمه الله، وما
لا ذِكْرَ له فيه: فمَوْضِعُهُ قُبيلَ البيوع، وبعده في أثناء هذا المجموع)). اهـ
ءِ
قلتُ: ويأتي محلّ كتاب البيوع عنده في غير المحلِّ الذي وَضَعَه
القدوريُّ في مختصره، ففي مختصر القدوري يأتي كتاب البيوع وتوابعُه
بعد كتاب الحج، أما في بداية المبتدي فيأتي بعد كتاب الحج كتابُ النكاح
وتوابعُه، ثم أحكام العبيد، ثم الأيمان، ثم الحدود والجهاد والسِّيَر، ثم
يأتي كتاب البيوع، وهكذا.

٥٢
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب بداية المبتدي
٥- ومن منهج المؤلف رحمه الله في بداية المبتدي أنه كان يعلِّق أحياناً
تعليقاً لطيفاً على مسائلَ معينةٍ مما أخذه عن القدوري أو الجامع الصغير،
فيقول: ((قال رحمه الله))، أو: ((قال رضي الله عنه))، بحسب كتابة النُّسَّاخ،
ثم يعلّق بما شاء، من تصحيح نسبة قول، أو إيضاح معنىً، ونحو هذا،
وقد بلغت هذه المواضع نحو اثني عشر موضعاً.
قال الإمام اللكنوي في مقدمة حاشيته على الهداية ص٣، نقلاً عن
العلامة أبي السعود: إن صاحب الهداية إذا ذَكَرَ خاصةً تصرُّفه يقول: ((قال
العبد الضعيفُ عفا الله عنه))، إلا أن بعض تلامذته بعد وفاته قُدِّس سرُّه
غيَّر هذه العبارة إلى: ((قال رضي الله عنه)). اهـ
٦- ومن منهج المؤلف رحمه الله في بداية المبتدي أنه لم يذكر أدلةً
للأحكام مثل أصلَيْه؛ وذلك باعتباره مختصراً ومتناً يَجمع المسائلَ فقط،
فلا يوجد فيه إلا ستة أحاديث فقط، وفي مواضع كثيرةٍ يذكر أن حكم هذه
المسألة يجوز استحساناً، لا قياساً، أو أنه يجوز قياساً، لا استحساناً،
وأحياناً قليلةً يذكر تعليلاً لطيفاً للحُكم.
٧- يستعمل المؤلّف رحمه الله في بداية المبتدي اللغة الفارسيةَ أحياناً
قليلةً في جزئياتٍ من بعض المسائل، كما هو في باب التولية والمرابحة،
وكتاب الوكالة.
٨- يورِدُ المؤلفُ في بعض أحكامِ المسائل ألفاظاً ليست مذكورةً فى
أقسام الحكم الشرعي المشهورة المنثورة في كتب أصول الفقه، مما يجعل
الحكمَ يَحتاج لبيانٍ وإيضاحٍ، ولا يُعرَف هذا إلا من الشروح والحواشي،
وهذا الأمر موجودٌ أيضاً في مؤلفات غيرِه من فقهاء الحنفية.

٥٣
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب بداية المبتدي
ومن هذه الألفاظ التي يستعملها لبيان الحكم على سبيل المثال: لفظ:
((لا خيرَ))، ويريد به أنه لا يجوز، فقد قال في كتاب السَّلَم: ((ولا خيرَ في
السَّلَم في السمك الطَّرِيِّ إلا في حِينِهِ، وزناً معلوماً، وضرباً معلوماً.
ولا خيرَ في السَّلَم في اللحم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقالا:
إذا وَصَفَ من اللحمِ موضعاً معلوماً، بصفةٍ معلومةٍ: جاز)». اهـ
وقال أيضاً في السَّلَمِ: ((ولا بأس بالسلم في طَسْت أو قُمقُمةٍ أو خُفَّيْن
أو نحو ذلك إذا کان یُعرف، وإن کان لا يُعرف: فلا خیر فیہ)). اهـ
وكذلك استعمل مصطلح: ((لا خير)): في أول كتاب الصيد.
ثم وجدتُ وأنا أشتغل على الهداية تعليلَ هذا فيما نقله العيني في
البناية ١٠٣/١٣ عن تاج الشريعة أن مصطلح: ((لا خير)): معناه: لا يجوز
أصلاً، فقال: ((أي لا يجوز أصلاً، هكذا فسَّرَه غالبُ الشُّرَّاح، ولم يُبيِّن
أحدٌ منهم وجهَ العدول عن لفظة: لا يجوز، أو: يَفسدُ: إلى هذه اللفظة،
إلا تاجُ الشريعة - قلت: ورأيتُ نصَّه في شرحه: نهاية الكفاية لدراية
الهداية. مخطوط -، فإنه قال:
مِن دَأْب محمدٍ رحمه الله تعالى أنه يَذكر لفظ: ((لا خيرَ)): فيما
لم يجد نصاً صريحاً في فساده؛ ليكون بيانُ الفسادِ بطريق الاقتضاء،
لا بالإفصاح.
ووجهُ تفسير: ((لا خيرَ)): بـ: لا يجوز أصلاً: لأنّ: ((لا)): لنفي الجنس،
فإذا انتفت الخيريةُ من كل وجه: انتفى الجواز أصلاً. اهـ من البناية.
كما استعمل المرغيناني اصطلاح: ((ينبغي)): في كتاب القسمة، وهذا

٥٤
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب بداية المبتدي
اللفظ ليس من أقسام الحكم الشرعي، وينظر أيضاً في كتاب الإجارة، ففيه
أمثلة عديدة.
٩ - من منهج المؤلف رحمه الله في بداية المبتدي أنه في مسائل كثيرة
جداً يذكر قولَ الإمام أبي حنيفة فقط، دون ذِكْر قول الصاحبين، وأحياناً
يذكر الخلاف بين الإمام وصاحبیه أبي يوسف ومحمد.
وفي مراتٍ يذكر قولَ أبي يوسف وخلافَه مع محمد، دون ذكر قول
الإمام أبي حنيفة.
وهكذا أحياناً لا يذكر في المسألة إلا قولَ أبي يوسف، ولم يظهر لي
سبب ذلك.
أما ذِكْره لخلاف زفر فكان نادراً، وبالتحديد في أربعة مواضع فقط.
١٠- ومن منهجه رحمه الله أنه حين يَعرض الخلافَ بين الإمام
وصاحبيه: لا يرجِّح بين الأقوال، ولا يُبيِّن المفتى به، وذلك على طريقة
القدوري في مختصره.
١١- وهكذا كان من منهجه رحمه الله أنه إن كان هناك اختلافٌ بين
قول القدوري وقول محمد في الجامع الصغير: يذكر أولاً قولَ القدوري،
ثم يقول: وفي الجامع الصغير كذا، دون أن يرجح بينهما، وهذا كثيرٌ.
١٢- لم يذكر المؤلف رحمه الله خلافَ غيرِ أئمة الحنفية، إلا في
موضعين فقط: أحدهما في بيان كيفية صلاة العيدين، حيث ذَكَرَ قولَ ابنِ
مسعود وقولَ ابنِ عباس رضي الله عنهم، والموضع الثاني في ميراث
الخنثى، حيث ذَكَرَ قولَ الإمام الشعبي.

٥٥
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب بداية المبتدي
١٣ - ومما لاحَظتُه من خلال خدمتي للكتاب أنه توجد مسائلُ ليست
بالكثيرة موجودةٌ في بداية المبتدي لكنها غير موجودة في الهداية، مع أن
الهداية شرحٌ لبداية المبتدي.
وكذلك لاحظتُ أن صياغةَ عبارة مسائل بداية المبتدي تختلف أحياناً
كثيرةً عن صياغة المسائل نفسها التي ذَكَرَها المؤلف في الهداية.
وأيضاً فهناك مسائل كثيرةٌ موجودة في الهداية على أنها من بداية
المبتدي، وثابتةً في النسخ الخطية التي تميِّز بداية المبتدي، لكنك لا تجدها
في البداية في نُسخها الخطية التي حققت عليها الكتاب أولاً، بل هناك زيادة
لبعض الفصول.
ويرجع هذا الاختلاف بين البداية والهداية إلى الصَقّل الأخير من
المؤلف لبداية المبتدي، وتحريره لها، وتنقيحه لنصِّها، وزياداته فيها،
حيث إنه شَرَحَه أولاً في الشرح الكبير كفاية المنتهي، ثم بعد سنين طويلة
اختصره في الهداية.
وهذا الأمرُ: الزيادة والنقصان والاختلاف بين بداية المبتدي الذي ألَّفه
أولاً وبين بداية المبتدي المضمَّن في الهداية يحتاج إلى تتبّع خاصٍّ، ودراسةٍ
مقارنةٍ؛ لتتضح الفوارق.
١٤ - وأمرٌ مهمٌّ آخَرُ في منهج المؤلّف رحمه الله: أنه غيَّر رأيَه
واجتهاده، وترجيحَه واختيارَه في بعض المسائل في الهداية عما رآه هو
واختاره في بداية المبتدي، وهذا أيضاً يحتاج لدراسةٍ خاصة وتتبُّع لذلك.
ومن الأمثلة على ذلك: ما جاء في مسألة عدد الدلاءِ في النزح من
البئر، وأن المعتبر هو الدلو الوسط المستعمل للآبار في البلدان، هذا ما

٥٦
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب بداية المبتدي
ذكره في بداية المبتدي أولاً، لكنه في الهداية لم يذكر هذا، بل قال:
والمعتبر في کل بئر: دلوُها الذي يُستقى به منها.
وفي مسألة وجوب الأضحية على الأب عن نفسه وعن أولاده
الصغار، اعتمد هذا في بداية المبتدي الأولى، وهذا القولُ هو رواية
الحسن عن الإمام أبي حنيفة، في حين أنه في الهداية قرَّر أنه لا يجب عليه
أن يضحِّيَ عن أولاده الصغار، بل يستحب ذلك، وهذا هو ظاهر الرواية.
وهذا الأمر شيء طبيعيٌّ جداً عند كل الأئمة المجتهدين المرجِّحين،
كما هو معلومٌ لكل مَن كَثُرت معايشتُه لكتب كبار الأئمة الفقهاء، فيُغيِّر
الإمام المجتهد المرجِّح رأيَه بحسب ما يستجدُّ له من الأدلة، وما يَنقدحُ
في ذهنه من فُهوم جدیدة واستنباطات.
ولو قامت دراساتٌ عن تغيُّر آراء الفقهاء المجتهدين من كتابٍ لهم إلى
كتابٍ آخر من تصنيفهم، وجُمعت تلك المسائل، مع بيان أسباب تغيُّر
رأيه وترجيحه: لبلَغَتْ مَبَلَغاً كبيراً، وهذا كله من ثَراء الفقه الإسلامي
ونمائه وتحريره وتنقيحه.
١٥ - كان من أهداف المؤلف في بداية المبتدي أنه كما جعله للمبتدئين
في العلم، فقد جعله أيضاً للمتقدمين فيه، كما يظهر هذا من خلال ما سار
عليه في أسلوبٍ وَضْعُه للكتاب وصياغته له، وما صرَّح به في مقدمته بقوله:
(يتحفّظُه الشادي المُبتدي، ويتأمَّلُه الهادي المُهتدي)). اهـ
فهو كتابٌ للمبتدئين في العلم ليحفظوه بإيجازه واختصاره، وليفهموه
ويدركوا معناه، وللعلماء الكبار المتقدمين؛ ليتأمَّلوا فيه، وليغوصوا في
شرحه وبيان معانيه، مع ذكر تعليلات أحكامه وأدلتها.

٥٧
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب بداية المبتدي
١٦ - ومن منهجه رحمه الله ما قاله في مقدمة كتاب ((الهداية)): ((وقد
جرى عليَّ الوعدُ في مبدأ ((بداية المبتدي)) أن أشرحها بتوفيق الله تعالى
شرحاً أرسمُهُ بـ: ((كفاية المنتهي))، فشرعتُ فيه، والوعدُ يُسوِّغُ بعض
المساغ، ... )). اهـ
ومن هنا ترى أن المؤلفَ كان يشعر بدءاً أن كتاب بداية المبتدي
يحتاج إلى شرحٍ طويلٍ بيِّن حالَه وأدلته وغير هذا.
١٧- وأما عن مصادر المؤلف في بداية المبتدي التي صرَّح بالنقل
عنها، فأولها: ((الجامع الصغير))، للإمام محمد، وقد ذَكَرَه صريحاً تسعين
مرةً، وثانيهما: ((مختصر القدوري))، وقد ذكره صريحاً نحو خمسين مرة.
كما نقل عن ((الأصل))، للإمام محمد في نحو عشر مرات.
ونقل عن ((النوادر))، لأبي يوسف أربع مرات.
وعن ((الأمالي))، ولكنه أطلقها، ولم يُعيِّن مُمْليها.
كما نَقَل عن الطحاوي، ولم يسمِّ مصدرَه، ووجدتُ نصَّه في مختصر
الطحاوي، ونَقَلَ عن الكرخي، ولم يُسمِّ مصدره، ولعله في مختصره
الذي لم يُعثَر علیه بعد.

٥٨
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية
وعاداته ومصطلحاتُه فيها
لم يتحدَّث الإمامُ المرغيناني رحمه الله في مقدمة كتابه الهداية عن
منهجه الذي سار عليه في شَرْح ما جَمَعَه من مادة كتاب بداية المبتدي،
المكوّنة من نص الجامع الصغير ومختصر القدوري والزيادات عليهما،
ولم يبيِّن ما الذي سيقدِّمه في هذا الشرح.
كذلك لم يَذكرْ مصادرَه من كُتُب الحنفية لِمَا يُورِدُه من الزيادات في
مسائل الحنفية والفروع التي زادها على القدوري والجامع الصغير، مع أن
قدراً كبيراً منها كان من كتاب الأصل للإمام محمد رحمه الله.
وأيضاً لم يعرِّفنا بمصادره التي نَقَلَ منها أدلةَ أقوال أئمةِ الحنفية، أبي
حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله، ولم يتبيَّن لنا هل ما ذَكَرَه
لهم من أدلةٍ هي مما استدلوا هم بها، أم أنه استُدلّ لهم بها؟
وكذلك الحال في وجوهٍ دلالة تلك الأدلة، هل هي من إنشائه، أم هو
ناقلٌ لها؟
وهكذا لم يَذكر مصادرَه عند عَرْضه لخلاف الإمام مالكٍ والشافعي
رحمهما الله تعالى، ونَقْلِ أقوالهما ومذهبهما، وكذلك مصدر خلافٍ
غيرهما وإن كان نادراً.

٥٩
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية
وأيضاً لم يبيِّن منهجَه الذي سار عليه في اختياراته وترجيحاته بين
أقوال أئمة المذهب، وما هو الأساسَ الذي جرى عليه في ذلك، مع أنه
يصرِّح أحياناً أن الترجيح هو بالأدلة، وهذا ظاهرٌ من مسلكه في
الهداية.
وبالجملة فلم يُفْصِحِ الإمام المرغيناني عن أمورٍ كثيرةٍ مهمةٍ يتطلّع
قارئُ الهداية بشوقٍ لمعرفتها، مما يحتاجه لفهم الهداية وإدراكها، ولمعرفةٍ
جواباته ومناقشاته لأدلة الغير، وما هو مراده من مصطلحاته وإشاراته
وعباراته، ونحو هذا.
* ومن هنا ذَهَبَ شُرَّحُ الهداية وقرَّاؤها يتلمَّسون ذلك كله وغيرَه،
ويرصدونه ويتتبعونه من خلال ممارستهم الشديدة للهداية، وقراءتهم
الطويلة لها، ومعايشتهم وخدمتهم لها حقَّ الخدمة، وكذلك ما لاحظوه
أثناء تقريرهم وتدريسِهم للهداية.
وهكذا غَدَتْ هذه الخصائصُ والأساليبُ التي توصَّل لها العلماء،
وعَرَفوا باجتهادهم أن صاحب الهداية قد سار عليها، مما لاحظوه وخَبَروه
ودوَّنِوه، غدت هذه الخصائص وأصبحت بمثابة عاداتٍ ومصطلحاتٍ
اختصَّ بها الإمامُ المرغيناني في الهداية.
ولا شك أن معرفتها والوقوفَ عليها، والتنبيهَ إليها، ولَفْتَ الأنظارِ
إليها: فيه نفعٌ كبيرٌ لقُرَّاء الهداية ومطالعيها ودارسيها؛ ليفهموا كلام
المرغيناني، ويدركوا مرادَه، بل ذلك مما ينبغي ويلزم الاطلاعُ عليه.
93
وقد ذَكَرَ عدداً كبيراً من هذه العادات والاصطلاحات الإمامُ الإتقانيّ
في شرحه العظيم النادر: غاية البيان، الذي بقيَ فيه سبعاً وعشرين سنةً،

٦٠
من منهج الإمام المرغيناني في كتاب الهداية
ويأتي حجمه في عشرين مجلداً مطبوعاً، وقد وجدتُ هذه المصطلحات
منقولةً عنه على صفحات غلاف عدةٍ نُسخ خطيةٍ نفيسةٍ للهداية، في مكتبة
السليمانية بإسطنبول.
وهكذا ذَكَرَ بعضاً آخَرَ منها الإمامُ طاش كُبرِي زاده في مفتاح السعادة
٢٣٩/٢، وجَمَعَها أيضاً وزاد عليها العلامة اللكنوي في مقدمة حاشيته
على الهداية ١٩/١، ونَقَلَها مؤخَّراً المفتي الشيخ محمد عاشق إلهي رحمه
الله فيما كتبه في مقدمته لطبعة البناية في ملتان، بتحقيق الشيخ مسعود
الملتاني، وسُجِّلت أيضاً هذه العادات في مقدمة أكثر من طبعةٍ صدرت
للهداية، وبخاصة في باكستان.
وقد ذكر بعضها أيضاً مفتي دمشق الشام العلامة الشيخ محمود بن محمد
الحمزاوي (ت١٣٠٥ هـ)، في رسالة لطيفة صغيرة مطبوعة سمَّاها: مصباح
الدراية في اصطلاح الهداية.
وأسوق هنا ما وقفتُ عليه منها، مما ذكره المهتمُّون بالهداية، وما
أشار إليه السابقون واللاحقون، وأُضيفُ إليها ما وفَّقني الله إليه من زيادةٍ
عليها من خلال ملاحظاتي أثناء خدمتي للهداية، وبالله المستعان.
* وقبل عَرْضِها أذكر فائدةً تتعلق بزمن ابتداء المرغيناني في تأليفه
للهداية، وهي مما يتصل بمنهجه في الهداية.
ذَكَرَ الإمام اللكنوي في مقدمة حاشيته على الهداية (السِّقاية لعطشان
الهداية) ٢/٢ أن الإمامَ المرغيناني افتتح تأليفه للهداية ظُهْرَ يوم الأربعاء من
ذي القعدة، سنة ٥٧٣هـ، أي قبل وفاته بعشرين سنة، وكان عمره آنذاك
٦٢ سنة، أي في تمام نضجه العلمي، وقد سبق له تأليف بداية المبتدي،