Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب المأذون له
مسألة : [حکم بیع المولى للمأذون له المدیون]
قال أبو جعفر : (ومَن باع عبده وعليه دَيْنٌ: فلغرمائه إبطال بيعه).
وذلك لأن حقهم في سعايته وأكسابه، كحقّهم في ثمنه، فلهم أن
يختاروا منه ما شاؤوا، فيمنعوا المولى من البيع، ويستوفوا ديونهم من
سعايته، ألا ترى أنه يجوز أن لا يفيَ الثمن بالدين، أو يَتْوى على
المشتري، فلهم أن يقولوا: قد يمكننا استيفاء جميع ديوننا من كَسْبه،
فنحن نستوفیها منه.
مسألة : [بيع المولى للمأذون المديون، ثم غياب المولى]
قال: (وإن باعه، وسلَّمه إلى المشتري، ثم غاب: فلا خصومة بين
الغرماء وبين المشتري في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: هم
خصمٌ له، ويقضي لهم في بيع العبد بما كان يقضي به لهم لو كان مولاه
حاضراً)(١).
وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أنَّ الغرماء إنما يريدون فَسْخ ملك
و
المشتري، وإثباتَ ملك البائع؛ لأن حقهم استيفاءَ الدين من ملك البائع،
وليسوا خصماء في إثبات ملكه، فلم يكن لهم أن يخاصموا المشتري فيه.
وعلى هذا الأصل قالا في المشتري إذا باع الدار، ثم جاء الشفيع،
فوجدها في يدي المشتري الثاني، والمشتري الأول غائب: أنه لا خصومة
بينه وبين الذي هي في يده؛ للعلة التي وصفنا، وهي أنّ حق الشفيع
(١) الخلاف في هذه المسألة مقيد بحال إنكار المشتري للدين، وأما إذا أقر
المشتري بديونهم، وصدَّقهم في دعوى الدين: كان للغرماء أن يردوا البيع بلا
خلاف، ينظر الهداية والعناية والكفاية ٢٣٧/٨.

٥٠٢
کتاب المأذون له
بالعقد الأول إنما ثبت في ملك المشتري الأول، وقد حصل هناك ملكٌ
ثانٍ ليس الشفيع بخصم في فَسْخه لإثبات ملك المشتري الأول.
* وخالفهما أبو يوسف في هذه المسألة كمخالفته إياهما في مسألة بيع
المأذون، فشبهها (١) بمسألة الاستحقاق، أنَّ المستحق لما كان خصماً
للمشتري في استحقاق ملكه، لأنه مالك في الظاهر، كذلك الغرماء
والشفيع فيما وصفنا.
وفَصَل أبو حنيفة بينهما، من جهة أنَّ المستحق تبيّن أنه كان مالكاً
للأصل، وأن البائع والمشتري واحدٌ منهما ليس بمالك، فلذلك كان
خصماً للمشتري في استحقاق ملكه مع غيبة البائع، وأما مسألة المأذون
والشفعة، فإن المولى(٢) والشفيع إنما يريدان فسخ ملك المشتري، وردَّه
إلى ملك البائع، وليسا بخصم في إثبات ملك البائع، فلذلك اختلفا.
ولأبي حنيفة أيضاً: اتفاق الجميع على أنَّ الغرماء لا يستحقون بيعه إلا
بمحضر من المولى، فكيف يكون خصماً في فسخ بيع لا يستحقون معه
استيفاء الثمن منه في الحال إلا (٣) بعد حضور البائع؟
مسألة: [غياب المولىُ عن أصحاب الديون المؤجلة]
قال أبو جعفر: (فإن كانت ديونهم مؤجلة، فإن محمداً قال في
(١) في المخطوط: ((وأما أبو يوسف فشبهها)).
(٢) هكذا: ((المولى)): في نسخ المخطوط، ولكن الكلام لا يستقيم معها،
والصواب والله أعلم: ((فإن الغريم))، يؤكد هذا ويوضحه قوله بعده: ولأبي حنيفة أيضاً
اتفاق الجميع على أنَّ الغرماء.
(٣) في (د،م): بدون: ((إلا)).

٥٠٣
کتاب المأذون له
المأذون الكبير: إنه لا سبيل للغرماء إلى إبطال بيع المولى بدينهم الآجل).
وذلك لأنهم ليس لهم حق الاستيفاء في الحال، فكيف يفسخون بيعاً
إذا فسخوه لم يستحقوا به شيئاً؟ ولكن إذا حلَّت ديونهم: كان لهم أن
يضمِّنوا المولى قيمة العبد إذا كان دينهم يبلغها، وذلك لأنهم في هذه
الحال كانوا يستحقون بيع العبد، وأَخْذَ ثمنه ولو كان قائماً، والمولى هو
المستهلك له عليهم، فيغرم القيمة كما يغرمها لو أعتقه.
قال أبو جعفر: (وقال محمد بعد ذلك في نوادره: إن للغرماء إبطالَ
بيعه بدينهم الآجل، كما يكون لهم إبطاله بدينهم العاجل).
ووجه ذلك: أنَّ حق الغرماء ثابت وإن كان مؤجلاً، إذ كان التأجيل
غيرَ مانعٍ صحة ثبوت الدين في ذمته، وفي جواز بيعه إبطال حقهم من
السعي، وليس له(١) ذلك(٢).
مسألة : [حکم إقرار المأذون بالدين والغصب]
قال أبو جعفر: (وإقرار المأذون له بالدين، والغُصوبِ، واستهلاكِ
الأموال جائزٌ).
وذلك لأن ذلك كله ضمانه ضمان الأموال، وليس يجري مجرى
التبرع والمعروف، ألا ترى أنه لو أقرَّ بأخذ شيءٍ على وجه السَّوْم، أو
البيع الفاسد: جاز إقراره، وضمانُ الغصب كضمان ما وصفنا، فوجب أن
یکون مصدّقاً فيه.
(١) في (د، م): (لهم)).
(٢) بدائع الصنائع ٢٠٤/٧، الهداية ٢٣٥/٨، تبيين الحقائق ٢١٧/٥.

٥٠٤
کتاب المأذون له
وجهةٌ أخرى: وهي أنه لما كان مطلق الحَجْر في التجارات، وجب أن
يُصدَّق في ضمان المستهلكات کالحرِّ.
مسألة : [جناية المأذون المديون بالقتل الخطأ]
قال أبو جعفر: (وإن قَتَل المأذون له في التجارة رجلاً خطأ: قيل
لمولاه: اِدْفَعْه إلى وليّ الجناية، أو افدِه بالدية، فأَيَّ هذين فَعَل: اتَّبعه
غرماؤه بدَيْنهم، فباعوه فيه).
قال أحمد : لا يقع بين أصحاب الدين وأصحاب الجناية مزاحمةٌ في
استحقاق العبد، وذلك لأن تعلَّق كل واحد منهما بالعبد على غير وجه
تعلُّق الآخر، وذلك لأن الدَّيْن في الذمة، ويُسْتوفى من الرق والمَكْسب،
والجنايةُ متعلُّقةٌ بالرقبة على شرط اختيار المولى تسليمها، وغير متعلِّقة
بالذمة.
يدل على هذا: أنَّ المولى لو أعتقه: بطلت الجناية من الرقبة، ولم
يبطل الدين.
وأيضاً: فإن الجنايات يُسْتَحق بها الرقاب في الأصول، ولا تُستحق
الرقاب بالديون، ألا ترى أنَّ قَتْل العمد تُسْتَحق به رقبة الحرّ(١)، ولا
تُستَحق رقبته بالدين، فتثبت الجناية في رقبة العبد، حسب ثبوتها في رقبة
الحرِّ، ويثبت الخطأ في الموضع الذي يثبت فيه العمد فيما يصح استحقاق
تسليمه بالخطأ.
فلما كانت رقبة العبد مما يصح أن تُستَحق، وتُملَك بالجناية الخطأ،
خوطب فيه المولى بالدفع، أو الفداء حسب ما استحق رقبته في العمد،
(١) في (د، م): ((أن مَن قتل العبد، يستحق به رقبة الحر)).

٥٠٥
کتاب المأذون له
إلا أنَّ له الخيار في الخطأ؛ لأن حق الولي في هذا الوجه في المال، فإذا
استوفى بدل جنايته من المال، لم يكن له حق في الرقبة، وفي العمد حقه
في القود، فليس للمولىُ نَقْله إلى المال إلا برضا الولي، وهما وإن اختلفا
من هذا الوجه، لم يختلفا من حيث ثبوت كل واحد منهما في الموضع
الذي يثبت فيه الآخر.
وأما الديون فإنها تثبت في الذمم، ولا تُستَحق بها الرقاب في
الأصول، فلذلك لم يخاطَب المولى فيها بالدفع أو الفداء، وبِيْع العبد
فيه، واستُوفي دَيْنه من ثمنه، إلا أن يؤدِّيَ المولىُ عنه دَیْنَه.
فثبت بما وصفنا امتناعُ وقوع المزاحمة بين أصحاب الدين، وأصحاب
الجناية، ولكنا نقول للمولى: إن لم تختر أن تفديَه من الجناية حتى يُفرِّغ
رقبته منها، فادفعه إلى أصحاب الجناية؛ لأنهم لا حقَّ لهم إلا في الرقبة
في هذه الحال.
فإذا أخذوها، قيل لهم: إن هذه الرقبة لم تجب لكم إلا معيبة بالدين،
فليس لكم أن تستحقوها صحيحة غير معيبة، فبيْعوها الآن لأصحاب
الديون؛ لأنا لم ندفعها إليكم إلا على شريطة بقاء الدين فيها.
مسألة : [بَيْع المأذون الجاني للغرماء حال غياب ولي الجناية]
قال أبو جعفر : (فإن حضر غرماؤه، وغاب وليّ الجناية: بِيْع للغرماء
في دينهم، وبطل بذلك حق صاحب الجناية إذا كان القاضي هو الذي
باعه).
قال أحمد : لو كان أصحاب الجناية حضوراً، كان أصحاب الدين
أَوْلى ببيع رقبته بعد دفعها إليهم، فلا تَمْنع غيبتهم بقاء حق الغرماء في
بيعه، فإذا بيع لهم، ثم حضر أصحاب الجناية: بطل حقهم، من قِبَل أنا لو

٥٠٦
کتاب المأذون له
رددناه إليهم، لكان بيعه مستَحقاً للغرماء، فلا معنى لفسخ بيع يُحتاج إلى
إعادته(١).
مسألة : [حكم الكفالة والمكاتبة من المأذون]
قال أبو جعفر: ((وليس للمأذون له أن يكفل بنفسٍ ولا بمال).
لأنه تبرّعٌ ومعروف.
مسألة :
قال: (وله أن يأذن لعبده في التجارة).
لأن ذلك من التجارة، كما له أن يُوكَّل بالبيع والشراء.
مسألة :
قال : (وليس له أن يكاتب).
لأن الكتابة ليست من التجارة، وتصرفه مقصورٌ على التجارة.
وليس كالمكاتب في هذا؛ لأن تصرُّف المكاتَب ليس بمقصورٍ على
التجارة، بل هو جائز في كل ما يستعين به على أداء المكاتبة، ما لم يكن
فیه إتلاف.
مسألة :
قال: (وليس له أن يزوِّج عبدَه ولا أمته، في قول أبي حنيفة ومحمد).
أما العبد: فلأنه يلزمه المهر والنفقة، فلا منفعة تحصل له، وأما
الأمة، فلأن تصرفه مقصورٌ على التجارة، وليس التزويج من التجارة، ألا
(١) بدائع الصنائع ١٩٥/٧، ٢٠٥، الهداية والعناية ٢٢٠/٨.

٥٠٧
کتاب المأذون له
ترى أنَّ الأمة المأذون لها في التجارة لا تزوِّج نفسَها، ويجوز أن تؤاجر
نفسها، فجعلوا منفعةَ البضع غير داخلة في التجارة، وسائرَ المنافع داخلة
فيها.
وقال أبو يوسف: له أن يزوِّج أمته؛ لأنه يجعل ما ليس بمال، وهو
البضع مالاً بعقد النكاح، كالأجرة(١).
مسألة : [إقرار المأذون بالدين بعد الحَجْر عليه]
قال أبو جعفر: (ومَن حَجَر على عبده المأذون له في التجارة، ثم أقرَّ
العبد بعد ذلك بدَيْن، وفي يده شيء من كَسْبه في حال التجارة، فإن أبا
حنيفة قال: إقراره جائزٌ فيما في يده، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز
إقراره على حال).
لأبي حنيفة: أنَّ بقاء يده عليه على ما كان، يوجب جواز إقراره؛ لأن
الحَجْر لا يصح فيه مع بقاء اليد الموجبة(٢)؛ لجواز الإقرار به بدءاً.
والدليل على ذلك: أنَّ المولى لو أخذ من يده شيئاً في حال الإذن،
صار محجوراً عليه فيما تناوله المولى بزوال يده وإن كان في نفسه باقياً
على حال الإذن.
ولهما: أنه لو تصرَّف فيه بعد الحجر بالبيع والشراء: لم يصح
بالاتفاق، فدل على ثبوت الحَجْر فیه.
ولأبي حنيفة: أنا إنما قلنا إن حكم الإذن باقٍ فيما في يده، لا في أن
(١) بدائع الصنائع ١٩٧/٧، الهداية والعناية ٢٢٠/٨، المبسوط ١٨/٢٥.
(٢) في المخطوط: ((الموجبة كانت لجواز)).

٥٠٨
كتاب المأذون له
يثبت في رقبته ضماناً أو دَيْناً من غيره، وفي جواز شرائه وبيعه إثبات
ضمان في غير ما في يده، فلذلك لم يجز(١).
مسألة : [ثبوت حق الشفعة للمأذون له المدیون]
قال: (والعبد المأذون له في التجارة: في الشفعة بينه وبين مولاه،
وبينه وبين غيره كالحرِّ).
قال أحمد : يعني فيما بينه وبين مولاه إذا كان عليه دَيْن؛ لأنه إذا لم
يكن عليه دينٌ: فمالُه لمولاه، لا حقَّ لأحدٍ فيه، فلا يصح فيما بينهما
حكم العقد(٢).
مسألة : [مصالحة المأذون له عن عبده من القتل العمد]
قال أبو جعفر: (وللمأذون له أن يصالح عن عبده من القتل العمد،
ولیس له أن یصالح من ذلك عن نفسه).
وذلك لجواز تصرفه في عبده، وامتناعه في نفسه(٣).
مسألة : (مَن حَجَرَ على عبده وقد كان عبده اشترى عبداً وأذن له]
قال أبو جعفر : (ومن حجر على عبده وقد كان عبده قبل ذلك اشترى
عبداً، فأذن له في التجارة، فإن أبا حنيفة كان يقول: إن كان على الأول
دَيْن: فالحجر عليه حَجْرٌ على عبده، وإن كان لا دَيْن عليه: كان عبده
مأذوناً له في التجارة على حاله.
(١) بدائع الصنائع ٢٠٧/٧، المبسوط ٨٦/٢٥.
(٢) بدائع الصنائع ١٩٥/٧، الهداية ٣٤٦/٨.
(٣) الفتاوى الهندية ٥ /١٠٧.

٥٠٩
كتاب المأذون له
وقال أبو يوسف ومحمد: العبد الثاني محجورٌ عليه: كان على العبد
الأول دَیْنٌ أو لم يكن).
قال أحمد : الذي ذكره من قول أبي يوسف ومحمد لا أعرفه.
ووجه المسألة: أنَّ الأول إذا كان عليه دين، فليس للمولى سبيل إلى
ما في يده، فهو في هذه الحال إنما استفاد الإذن من جهة العبد الأول، لا
من جهة المولى، فلما حَجَر المولى على الأول، صار الثاني محجوراً
عليه، إذ كانت صحة إذنه متعلقة بإذن الأول، والأول قد بطل إذنه
بالحجر، كما لو مات، صار محجوراً عليه.
وأما إذا لم يكن على الأول دين، فإذن الثاني غير متعلق بالأول؛ لأن
تصرف المولى جائز فيه، فصار كرجل وكّل رجلاً بشيء، وأمره أن يوكل
به غيره إن شاء، ففعل، ثم عَزَل الأول، فلا يكون عزلاً للثاني؛ لأن الثاني
استفاد التصرف من جهة الموكّل، لا من جهة الوكيل(١) الأول، فلا يبطله
عَزْل الأول(٢).
مسألة : [إباق المأذون له يُعَدُّ حجراً عليه]
قال أبو جعفر: (وإذا أبق العبد المأذون له في التجارة: صار محجوراً
عليه بالإباق).
وذلك لأنه لو كان باقياً على الإذن، لما كان آبقاً؛ لأن للمأذون له أن
يتصرف في البلدان، فلما حصل آبقاً بمسيره إلى ذلك الموضع، عَلِمتَ أنه
غير مأذون.
(١) في (ر.جـ): ((من جهة الوكيل، لا من جهة الموكل)).
(٢) بدائع الصنائع ٢٠٦/٧، الفتاوى الهندية ٨٨/٥.

٥١٠
کتاب المأذون له
ألا ترى أنَّ المكاتب لا يكون آبقاً بخروجه إلى موضع؛ لأن له
الخروج إليه، وليس للمولىُ مَنْعه منه، وذلك مستَحَقُّ له بعقد الكتابة، فلا
يحصل له به حكم الإباق، فلما حصل العبد آبقاً، عَلِمْنا أنه خارجٌ عن
الإذن، فصار محجوراً عليه.
وأيضاً: فإن الإذن ضَرْبٌ من التصرف في العبد، والإباق يمنع
التصرف فيه بالبيع والهبة ونحوهما، فيبطل الإذن أيضاً (١).
مسألة : [الإذن بالتجارة للمدبَّر وأم الولد]
قال : (وجائزٌ للرجل أن يأذن لمدبَّره وأمّ ولده في التجارة).
لأنه يملك رقبتهما وأكسابهما، ألا ترى أنه لو أقرَّ عليهما بدين: جاز
إقراره، ويستوفى من كسبهما (٢).
مسألة :
قال أبو جعفر: (ومَن قال للناس: هذا عبدي، وقد أذنتُ له في
التجارة ، فبايعوه، ففعلوا، ثم استُحِقَّ، أو كان حرَّاً: فلأصحاب الديون
أن يضمِّنوا المولى الأقلَّ من قيمته، ومن ديونهم).
قال أحمد : لا يكون غارَّاً إلا أن يقول: هو عبدي فبايعوه، فإن قال:
هو عبدي، قد أذنتُ له في التجارة، ولم يقل: بايعوه: لم يكن غارًّاً، ولم
يكن عليه شيء إذا استُحِقَّ، أو وُجِدَ حرَّاً.
(١) بدائع الصنائع ٢٠٧/٧، الهداية والعناية ٢٢٧/٨، الفتاوى الهندية ٨٧/٥،
المبسوط ٣٢/٢٥.
(٢) الجامع الصغير مع شرحه النافع الكبير ص٤٦٣، العناية على الهداية
٢٢٧/٨، البحر الرائق ٩٨/٨.

٥١١
كتاب المأذون له
ولو قال: بايعوه، ولم يقل: هو عبدي: لم يلزمه أيضاً شيء، حتى
يقول: هو عبدي، وذلك لأنه إذا قال: هو عبدي فبايعوه: فقد غرَّهم من
رقبته، وألزم نفسه بيعه فيما يلزمه لهم؛ لأنه قد أمرهم بدفع أموالهم إليه
بقوله: بايعوه، فصار ذلك كضمان رقبته لهم متى لم يصلوا إلى حقوقهم.
* ولا يغرم من الكسب شيئاً؛ لأنه جائزٌ أن يكون، وجائزٌ أن لا
يكون.
وإذا لم يُقل: بايعوه: فلم يوجد منه أمرٌ بدفع أموالهم إليه، وإذا لم
يقل: هو عبدي، لم يضمن لهم تسليم رقبته بدينهم.
* وقد روى ابنُ سماعة عن محمد بن الحسن: أنه يكون غارًّاً بقوله:
هو عبدي، قد أذنتُ له في التجارة: لأن الإذن له في التجارة، يتضمن
أمرهم بمبايعته (١).
مسألة : [هدية المأذون له وإطعامه الطعام]
قال: (ولا بأس بقبول هدية المأذون له في التجارة، وأَكْل طعامه،
وركوب دابته للعارية).
قال أحمد : كان القياس عندهم أن لا يجوز شيء من ذلك؛ لأنه ليس
من التجارة، وهو تبرُّعٌ ومعروفٌ، إلا أنهم تركوا القياس فيه، لما روي
عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((أنه كان يجيب دعوة المملوك))(٢).
((وأن سلمان أهدى له رطباً، وهو مملوك، فقَبِله وأَكَلَ منه، وأَمَرَ
(١) بدائع الصنائع ٢٠١/٧، البحر الرائق ١٠٦/٨.
(٢) صحيح البخاري، مع فتح الباري ٤٥٩/٩.

٥١٢
كتاب المأذون له
أصحابه فأكلوا))(١).
وأيضاً: فإن الناس لا يتمانعون في العادة من مثله، فصار مأذوناً
فيه من طريق العادة، كما تتصدق المرأة من بيت زوجها بالكِسَر من
الخبز ونحوها، فيجوز بغير إذن الزوج، إذ ليس في العادة مَنْع
مثله(٢).
مسألة : [حكم الهبة وكسوة المأذون غيره]
قال: (ولا يجوز قبول هبته ولا كِسْوته)؛ لما ذكرنا من القياس(٣).
مسألة : [ثبوت نسب ولد المأذون له إذا ادعاه المولى]
قال: (وما ولدت أمةُ المأذون له في التجارة مِن وَلَدٍ، فادعاه المولى:
ثبت نسبه منه)، وذلك لأنها ملك يمينه(٤).
مسألة :
قال أبو جعفر: (وإذا أذن للعبد أحدُ موليَيْه في التجارة، ولم يأذن له
الآخر فيها، فادَّان دَيْناً: قيل لمولاه الذي أذن له في التجارة: أَدِّ دَيْنَه، وإلا
بِعْنا نصيبك فيه).
وذلك لأن إذن الآذن منهما يجوز في نصيبه خاصة، دون نصيب
شريكه، كما يجوز بيعه وهبته وإقراره في نصيبه خاصة، دون نصيب
(١) تاريخ الإسلام (السيرة البنوية) ص ١٠٠- ١٠١.
(٢) مجمع الأنهر ٤٤٩/٢، البحر الرائق ٩٣/٨.
(٣) بدائع الصنائع ١٩٧/٧.
(٤) بدائع الصنائع ١٩٩/٧، البحر الرائق ٩٨/٨.
۔۔

٥١٣
کتاب المأذون له
صاحبه، فيستحق بالدين نصيبه خاصة، دون نصيب الآخر(١).
مسألة : [الرهن والارتهان من المأذون]
قال أبو جعفر : (وللعبد المأذون له في التجارة أن يرهن ويرتهن).
وذلك لأنه يملك الاستيفاء والإيفاء، والرهن للإيفاء، والارتهان
للاستيفاء، وهو يملك ذلك بنفسه في مبايعته وعقوده(٢).
مسألة : [إقرار المأذون له بدين في مرض موته]
قال أبو جعفر: (وما أقرَّ به المأذون له من دَيْن في مرض موته: جاز
عليه، غير أنه يُبدَأ بدين الصحة، كالحرِّ إذا أقرَّ في مرضه وعليه دينٌ في
الصحة).
وذلك لأن حق غرماء الصحة قد تعلَّق بالعين في مرضه، فلا يُصدَّق
على أن يجعلها بإقراره لغيرهم(٣).
مسألة :
قال أبو جعفر: (وشهادة النصارى على العبد النصراني المأذون له
جائزةً في الدَّيْن وإن كان مولاه مسلماً).
وذلك لأن الخصم في هذه الحال هو العبد، والشهادة واقعةٌ عليه،
دون المولى، فاعتبر هو في نفسه في حکم الشهادة، دون مولاه.
فإن قيل: لما كان في هذه الشهادة ضررٌ على المولىُ، وجب أن لا
(١) مختصر اختلاف العلماء ٢٣٥/٥، المبسوط ٤٢/٢٥.
(٢) الهداية والعناية ٢١٧/٨، بدائع الصنائع ١٩٥/٧.
(٣) البحر الرائق ٩٢/٨، مجمع الأنهر ٤٤٧/٢، الفتاوى الهندية ٩٢/٥.

٥١٤
کتاب المأذون له
تُقْبل؛ لأنه مسلم، ولا تجوز شهادة النصراني فيما يضر بالمسلم.
قيل له: إذا كان هو الخصم دون المولى، لم يُعتبر ما يلحق المولى من
الضرر، ألا ترى أنَّ نصرانيَّيْن لو شَهِدا على امرأة نصرانية بقتل العمد:
جازت شهادتهما وإن كان زوجُها مسلماً يلحقه بقتلها ضرر؛ لأنها هي
الخصم فیه دونه، فکذلك ما وصفنا.
مسألة : (ما يبطل الإذن، وما لا يبطله]
قال أبو جعفر : (ومَن أذن لعبده في التجارة، ثم أغمي عليه: لم يخرج
العبد من الإذن).
وذلك لأن الإغماء لا يستحق به الولاية، وهو بمنزلة النوم في هذا
الوجه.
* قال: (ولو جُنَّ جنوناً مُطْبقاً، أو صار معتوهاً: خرج بذلك العبد
من الإذن).
وذلك لأنه قد استحق الولاية عليه بجنونه، وصار بحيث لا يصح منه
تصرف، فبطل إذنه لعبده، وكيف يتصرف العبد في هذه الحال من جهته،
وهو لا يملك الولاية على نفسه وفي ماله.
[مسألة : إذن الرجل لولده الصغير في التجارة]
* قال أبو جعفر : (وللرجل(١) أن يأذن لابنه الصغير في التجارة).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَأَبْلُوْ اُلْيَنَ حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾(٢)،
(١) في مختصر الطحاوي ص٤٢٨: ((وللعبد)).
(٢) النساء: ٦.

٥١٥
كتاب المأذون له
والابتلاء لا يكون إلا بالإذن في التجارة.
ويدل عليه أيضاً: قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ
وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾(١).
وهو عمومٌ في سائر وجوه المخالطة، ويدخل فيها التجارات(٢).
مسألة : [التغرير بأهل السوق بالإذن لصبي بأنه ابن الآذن]
قال أبو جعفر: (وإذا قال الرجل لقوم: هذا ابني، وقد أذِنتُ له في
التجارة، فبايعوه، ثم ثبت أنه ابنٌ لغيره: كان عليه ضمان ما صار عليه من
الدين لغرمائه، بالغاً ما بلغ).
وذلك لما بيَّنَّا في العبد؛ لأنه قد غَرَّهم في إثبات ديونهم في ذمته،
ووجوب استيفائها من ماله؛ لأنه يملك ذلك من ابنه، كما يملكه من عبده
على الوجه الذي بيَّنَّا، إلا أنه يلزمه ضمان جميع الدين في هذه الحال، إذ
ليست رقبته مما تُستَحق بالدين، فيكون غارًّاً لهم من رقبته، وصار بمنزلة
مَن قال الرجل: بايع فلاناً، فما بايعتَه به من شيء فهو علي: فيلزمه ضمان
ما بایعه به(٣).
مسألة: [عدم ثبوت دَيْن على المأذون لمولاه]
قال أبو جعفر : (ولا يكون للمولى على عبده دَيْنٌ بمال).
(١) البقرة: ٢٢٠.
(٢) بدائع الصنائع ٢٠٧/٧، مختصر اختلاف العلماء ٢٣٨/٥، البحر الرائق
٩٨/٨.
(٣) البحر الرائق ١٠٦/٨.

٥١٦
كتاب المأذون له
وذلك لأنه ملكه، كما لا يثبت له على نفسه؛ لأن ما يثبت على
نفسه، إنما بطل لأنه يستوفي(١) من ملكه، فلم يصح.
مسألة : [مبايعة المأذون لمولاه]
قال أبو جعفر : (وجائزٌ لمولاه بيعه، والابتياع منه).
قال أحمد : وهذا إذا كان عليه دَيْنٌ؛ لأن العبد يثبت له في هذه الحال
دَيْنٌ على المولى، والمولى لا سبيل له على ما في يده، فيجوز أن يأخذه
منه ببدل.
وإن كان المولى هو البائع منه: لم يثبت له في ذمة عبده دَيْن، ولكن له
أن يحبس السلعة حتى يستوفيَ ثمنها، فإن سلَّمها قبل قبض الثمن: بطل
حقه؛ لأن حقه قد سقط من العین، ولا يثبت له على عبده دَیْن.
ولو لم يكن على العبد دَيْنٌ: لم يصح البيع بينهما؛ لأنه مال مولاه، لا
حقَّ لغيره فیه.
وليس كالمضارب في جواز بيعه من رب المال، وشرائه منه؛ لأن
المضارِب له حقٌّ في المال، فهو في ذلك كالأجنبي(٢).
(١) في (د، م): ((لا يستوفي)).
(٢) بدائع الصنائع ١٩٥/٧، مجمع الأنهر ٤٥٢/٢.

٥١٧
كتاب الكراهية
كتاب الكراهية
مسألة : [كراهية صلاة الإمام في المحراب الذي لا يُرئُ منه ]
قال أبو جعفر: (ويكره (١) للإمام أن يكون مَقامُه في الصلاة في
الطاق، ولا نرى بأساً أن يكون مَقامُه في المسجد، وسجودُه في الطاق).
قال أحمد : يعني بالطاق: المحراب إذا كان طاعناً في الحائط يمكن
أن يَغِيب فيه الإمام ببدنه، حتى لا يُبْصِرِه مَن على جنبتيه، وكذا كانت
محاريب الكوفة قديماً.
وقد روي كراهة ذلك عن بعض السلف(٢).
ووجه ذلك: أنه إذا كان مَقَامُه في الطاق: لم يُصِره مَن عن جانبيه
فیقتدوا به.
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إنما جُعِل
(١) الكراهية في الاصطلاح: فيما روي عن محمد رحمه الله نصّاً: أنَّ كل مكروه
حرام، إلا أنه لما لم يجد نصّاً قاطعاً في الحرمة فلم يُطلِقِ عليها لفظ الحرام، بل أطلق
لفظ الكراهية، وفي الحِلِّ قال: لا بأس به، وعندهما: الكراهية أقرب إلى الحرام،
وروي عنهما أيضاً: أن المراد هو التحريم كقول محمد. ينظر الهداية ٨ / ٤٤٠، أنيس
الفقهاء ص٢٧٩، البحر الرائق ٨ /١٨٠.
(٢) ينظر مصنف ابن أبي شيبة ٤٠٨/١، الآثار لمحمد بن الحسن ص٢١.

٥١٨
كتاب الكراهية
الإمام ليُؤْتمَّ به))(١).
وقال: ((لِيَلِنِي منكم أولوا الأحلام والنُّهىُ))(٢).
وقال: ((ائتمُّوا بي، ولْيأتمّ بكم مَن بعدكم، ولا يزال قومٌ يتأخرون
حتى يؤخِّرهم الله))(٣).
فكلّ هذا يوجب الاقتداء بالإمام، والقُرْبَ منه، وفي مَقامه في
الطاق، ما يمنع أكثر أهل الصف من ذلك.
فإن قيل: فأهلُ الصف الثاني ومَن بعده لا يرونه، وليس يكره للمأموم
القيام في الصف الثاني.
قيل له: لأنه يَرى بين يديه مَن يقتدي بالإمام فيتبعه، والذين عن
جانبي الطاق بينهم الحائط، فلا يَصِلُون إلى الاقتداء به.
* وأما إذا كان مَقَامُه في المسجد، وسجودُه في الطاق: فلا بأس؛
لأنه قد حصل لهم ما ينبغي من معنى الاقتداء(٤).
مسألة : [كراهة إعادة الجماعة في مسجدٍ جامع صلىُ فيه إمامه]
قال أبو جعفر: (ويكره أن تُعاد الجماعة في مسجدٍ قد صلى فيه
إِمامُه، إذا كان ذلك المسجد من المساجد التي يؤذّن فيها، ويقام، وتُجمع
(١) صحيح البخاري ١٣٨/٢، صحيح مسلم ١٣١/٤.
(٢) صحيح مسلم ٤ / ١٥٤.
(٣) صحيح مسلم ١٥٨/٤.
(٤) كتاب الآثار لمحمد بن الحسن ص٢١، شرح الجامع الصغير للصدر
الشهيد خ لوحة ١١ أ، الهداية وشروحها ٣٥٩/١ - ٣٦٠، تبيين الحقائق ١٦٥/١.

٥١٩
كتاب الكراهية
فيها الصلوات، ولا بأس به في المساجد التي لا يؤذّن فيها، ولا يقام، ولا
تجمع فيها الصلوات).
وجه الكراهة فيما ذكر: اتفاق الفقهاء على تَرْك إعادة الأذان والإقامة،
فوجب أن تكون الجماعة مثله؛ لأن الجماعات لا تُصلىُ بغير أذانٍ، ولا
إقامة.
وأيضاً: قد رُوي ((أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان غاب عن
المسجد، فصلى أصحابُه في المسجد، فلما رَجَعَ عَدَلَ إلى أهله، فجَمَعَ
(١)
بهم)) (١).
ولو كانت إعادة الجماعة سائغةً في المسجد، لما تركها؛ لأن فعْلها
في المسجد أفضل منه في غيره.
وأيضاً: لو جازت إعادة الجماعة، لما احتيج إلى إمامٍ راتب لإقامة
الصلوات، ولكان لكل طائفة أن تجيء، فتؤذّن وتقيم، وفي هذا دليل على
أنها لا تعاد.
فإن قيل: روي ((أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يصلي وحده
في المسجد، فقال: مَن يَتصدَّق على هذا، فيصلي معه))(٢).
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٦٠١)، وقال في مجمع الزوائد ٤٥/٢:
رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات، وينظر ماكتبه محقق حاشية ابن
عابدين (طبعة د / حسام فرفور) ٢/ ٦١٤.
(٢) سنن أبي داود ١٣٥/١، مسند أحمد (١١٠١٦) ٤٣٩/٣، السنن الكبرى
٦٩/٣، شرح السنة ٤٣٦/٣، وفي هامشه: صححه ابن حبان والحاكم ووافقه
الذهبي.

٥٢٠
كتاب الكراهية
وذلك بعدما صلى النبي عليه الصلاة والسلام فيه جماعة.
قيل له: لمَّا كان ما ذكرنا مَن تَرْكه الجماعة في المسجد، وفِعْلِها في
أهله دلالةً على النهي عن الإعادة: كان استعماله أَوْلىُ؛ لأن الحظر
والإباحة متى وَرَدا: كان خبر الحظر أولى عندنا.
* وأما المساجد التي ليس لها إمامٌ راتب يقيم فيها الصلوات، فجائز
فيها إعادةُ الجماعة، وذلك لأنها بمنزلة البقعة من الأرض إذا صلى فيها
جماعةٌ، لا يمتنع إعادتها لغيرها (١).
مسألة : [كراهة الأذان جنباً]
قال أبو جعفر: (ويكره للرجل أن يؤذن جُنُباً، ولا يكره أن يؤذِّن على
غير وضوء).
وذلك لأن الأذان مسنونٌ لصلاة الجماعة، كحضور المسجد مسنونٌ
لصلاة الجماعة، فلما نُهي عن دخول المسجد جُنُباً: كان الأذان كذلك؛
لمشارکته دخول المسجد فیما وصفنا.
وكما لم يُكره دخول المسجد على غير وضوء: لم يكره الأذان(٢).
مسألة : [استقبال القبلة عند قضاء الحاجة في البنيان والعمران]
قال أبو جعفر: (ويكره استقبال القبلة بالفَرْج في الخلاء في المنازل
(١) الأصل لمحمد بن الحسن ١٣٤/١، بدائع الصنائع ١٥٣/١، الدر المختار
وحاشية رد المحتار ٥٥٢/١.
(٢) شرح الجامع الصغير (خ)، لوحة ١٠ ب، بدائع الصنائع ١٥١/١، الكتاب
مع اللباب ٦٠/١، الهداية وشروحها ٢٢٠/١.