Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الإكراه
الحبس ليس بضرورة، وأكثر ما فيه عدم الرضا، ووجود الكُرْه، وذلك لا
يُسقط به ما يتعلق بالفعل من الضمان.
ألا ترى أنه لو أخطأ، فلبس ثوب غيره وهو لا يعلم: لم يختلف حكم
خطئه وعمده في باب ما يتعلق به من الضمان.
* وأما حبس يوم، وتقييد يوم، وضرب سوط أو سوطين: فإنما لم
يكن له تأثير في شيء مما ذكرنا؛ من قِبل أنه لو أوْعَدَه بلطمة، أو شتيمة،
أو ما جرى مجرى ذلك: لم يكن ذلك إكراهاً يتعلق به حكم، فكذلك ما
كان مثله وفي معناه (١).
مسألة : [الإكراه بالقتل أو بإتلاف بعض أعضائه]
قال أبو جعفر: (ومَن توعَّده لصوصٌ، أو مَن سواهم، بحيث لا
مغيثَ له، فقالوا له: لنقتلنّك، أو لتشربنَّ هذه الخمر، أو لتأكلنَّ هذه
الميتة، ففعل: كان في سعةٍ، وكذلك لو أَوْعَدُوه بقطع بعض أعضائه، أو
ضَرْبِ مائة سوط).
قال أحمد: وذلك لأن هذا نتيجة الضرورة، لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا
اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾(٢)، والضرورة هي ما تَخاف معها تلف النفس، أو تلف
بعض الأعضاء، ألا ترى أنه لو خاف إن لم يأكل الميتة أن يتلف بعض
أعضائه من الجوع الذي لحقه: كان له الإقدام على أكلها، وهو على
الأصل الذي قدَّمناه في أنَّ الوعيد بالتلف، يزيل حكم الفعل عن الفاعل،
(١) المبسوط ٣٩/٢٤، بدائع الصنائع ١٧٥/٧.
(٢) الأنعام: ١١٩.

٤٤٢
كتاب الإكراه
وينقله إلى المكرِهِ.
مسألة :
قال: (ولو أَوْعَدَه بضرب سوط أو نحوه: لم يسعه الإقدام عليه).
وذلك لأن هذا ليس بضرورة، ولا تأثير له في الحكم على ما بيَّنَّا.
مسألة : [التهديد بالحبس إن لم يتناول الخمر أو الميتة]
قال أبو جعفر : (ولو قالوا له: لتفعلنَّ ذلك أو لنحبسنَّك: لم ينبغ له أن
يفعل ذلك).
وذلك لما بيَّنَّا من أنَّ الحبس لا تأثير له في حكم الأفعال، وإنما يؤثر
في حكم الأقوال.
ولأن الميتة ونحوها لا يبيحها إلا الضرورة، وليس الحبس بإكراه
ضرورة؛ لأن الضرورة ما يخشى فيها تلف النفس، أو تلف بعض
الأعضاء.
مسألة : [الوعيد بالحبس إذا لم يقر بمال في يده لغيره]
قال: (ولو كان الوعيد بالتلف، أو بالحبس على أن يُقِرَّ بشيءٍ من مال
في يده لرجل، فأقرَّ به: كان إقراره باطلاً).
وذلك لما وصفنا من أنَّ الحبس يرفع حكم القول الذي شَرْطه الرضا
والطوع، وهذا شَرْطُ صحة الإقرار، كالبيع والهبة ونحوهما؛ لقول الله
تعالى: ﴿إِلَّ أَنْتَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾(١)، فَشَرَطَ في صحة البيع
(١) النساء: ٢٩.

٤٤٣
كتاب الإكراه
وجود الرضا(١).
مسألة : [الإكراه على الطلاق والعتق]
قال أبو جعفر: (ومَن أُكره على عِثْق عبده، أو طلاق زوجته، ففعل:
جاز عليه ما فعله، وكان له على المكرِه ضمان قيمة العبد، ونصف المهر
إن كان طلق قبل الدخول وقد سمَّى لها صداقاً، وإن لم يسمّ: فالمتعة).
قال أحمد : قد تقدم ذِكْر الحِجَاج لطلاق المكرَه فيما تقدم من هذا
الكتاب، فكرهتُ الإطالة بإعادته.
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((كل طلاق جائز،
إلا طلاق المعتوه))(٢).
* وأما ما ذكره من ضمان قيمة العبد، ونصف المهر على المكرِهِ: فإن
ذلك إنما يجب في الإكراه بالتلف، فأما الحبس، فلا يرجع به على
المكرِهِ، وذلك لأن الحبس لا ينقل حُكْم فِعْل المكرَه إلى المكرِهِ، فيُعلَّق
عليه ضمان ما أتلف، والقتل ينقله.
وإنما وجب له الرجوع بنصف المهر على المكرِهِ، من قِبَل أنَّ نصف
المهر الواجب بالطلاق قبل الدخول، وجوبُه عندنا على جهة الابتداء،
على ما بيَّنَّاه في الشهادات.
(١) المبسوط ٤٧/٢٤، ١٧٢/٨، بدائع الصنائع ١٧٦/٧، ١٨١.
(٢) جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٢١٨/٢، السنن الكبرى
٣٥٩/٧، قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن عجلان،
وعطاء بن عجلان ضعيف ذاهب الحديث. اهـ، وانظر تحفة الأحوذي، وفيه الاتفاق
على ضعفه.

٤٤٤
کتاب الإكراه
ولما ذكرنا من أنَّ استحقاق البُضْع على الزوج قبل الدخول من غير
جهته: يُسقط عنه ضمان جميع المهر، كالردِّة، وتقبيلها ابنَ الزوج لشهوة،
فلما أكرهوه على الطلاق، ولزمه به في حقها نصف المهر، وكان المكرِه
هو المستحق للبضع عليه قبل الدخول، لأن حكم فِعْله انتقل إليه: وجب
أن يكون ضمان ذلك عليه(١).
مسألة : [ما يترتب على إكراه تزويج الرجل بمهرٍ كمهر المثل أو أكثر]
قال: (ومَن أُكره على تزويج امرأة على عشرة آلاف درهم، ومهرُ
مثلها كذلك، فتزوجها: كانت زوجته، ولم يرجع على المكرِه بشيء).
وذلك لأن البضع له قيمة في دخوله في ملك الزوج، ومَن أَخرج شيئاً
من ملك غيره، وعوَّضه بإزائه مثله: لم يكن عليه فيه ضمان، ألا ترى أنّ
مَن أتلف لرجل مالاً: لم يكن عليه أكثر من ضمان مثله.
* قال: (وإن كان صَدَاق مثلها دون عشرة آلاف: رَجَعَ على مَن
أكرهه بالفضل الذي في الصداق الذي تزوجها عليه على صداق مثلها).
قال أحمد: هذا الذي ذكره أبو جعفر من الرجوع بالفضل على
المكرِهِ: ليس بسديد، والجواب عن أصحابنا فيه بخلافه؛ لأن الزوج في
هذه الحال لم يلزمه إلا مقدار مهر المثل، وذلك لأن الإكراه في هذا العقد
تناول معنيين :
أحدهما: ملك البضع، ويستوي فيه جِدُه وهَزْله.
والآخر: التسمية، وشَرْطها الطَّوْعِ والرضا، فلم يلزم الزوج بها إلا
(١) المبسوط ٦٢/٢٤، بدائع الصنائع ١٨٢/٧، الهداية والعناية ١٧٨/٨.

٤٤٥
كتاب الإكراه
مهر المثل، ولم يلزمه الفضل بتةً، فكيف يرجع على المكرِه بما لا
یلزمە؟(١).
وعسى أن يكون أبو جعفر قاسه على شاهدين شهدا على رجل أنه
تزوج هذه المرأة على عشرة آلاف درهم، ومَهْرُ مثلها ألف درهم، فحكم
الحاكم بذلك، وهو جاحد، ثم رجعا عن الشهادة: فيغرمان الفضل عن
مهر المثل(٢).
وليست هذه من تلك في شيء؛ لأن الحاكم قد ألزمه العشرة الآلاف
كلها بشهادتهما، فلذلك لزمهما غُرْم الفضل، وفي مسألة الإكراه لم يلزمه
إلا مقدار مهر المثل(٣).
مسألة : [ما يترتب على إكراه المرأة على الزواج بمهر معين]
قال أبو جعفر: (وإن كانت المرأة هي المكرَهة على ذلك دون
الرجل، ومهرُ مثلها أكثر مما تزوجها عليه: جاز النكاح، ولم يكن لها على
مَن أكرهها على ذلك شيء، وكان الزوج بالخيار إن كان كفؤاً لها: إن شاء
تمّم لها صداق مثلها، وثَبَتَا على نكاحهما، وإن أبى ذلك: فُرِّق بينهما،
ولا شيء عليه لها).
وذلك لأن عقد النكاح يوجب لها مهر المثل، ما لم يكن هناك
تسمية، والتسمية في مسألتنا كانت على إكراه، فلا يجوز عليها ما حطَّته
من قيمة البضع، وهو مهر المثل، لأن شَرْط ذلك الطَّوْع والرضا.
(١) في (د، م): ((بما لم يضمنه)).
(٢) وقد تقدمت هذه المسألة في الشهادات.
(٣) بدائع الصنائع ١٨٤/٧، المبسوط ٦٤/٢٤.

٤٤٦
كتاب الإكراه
ولا نلزمها أيضاً الزوجَ إلا أن تختار المقام عليها؛ لأن الزوج أيضاً لم
يوجد منه الرضا بالزيادة على المسمَّى، فنقول له: إن اخترتَ المقام معها:
فأتمم لها مهر المثل؛ لأن ذلك موجَب العقد، ما لم يكن المسمَّى دونه
برضاها، والتسمية منها كذلك كانت عن إكراه، فلا يجوز عليها هذا إذا لم
یکن دخل بها.
* ولا يلزم الزوج شيء من المهر إن أبى أن يزيد، ففُرِّق بينهما، من
قِبَل أنَّ الفرقة جاءت من قِبَلها، كما لو زَوَّجت نفسَها غير كفء، أو
قصَّرت في المهر، ففرَّق الأولياء بينهما قبل الدخول: لم يكن عليه شيء
من المهر.
* فإن كان دخل بها مكرَهةً: فلها كمال مهر المثل؛ لأن ذلك قيمة
البضع، وهو المستحَق بالعقد، ما لم يحطّ عنه، والحطيطة كانت عن
إكراه، فلا يثبت حكمها، ولا سبيل للزوج إلى إسقاط شيء منه؛ لأنه قد
استوفى البدل، بحيث لا سبيل له إلى رفعه(١).
مسألة : [الإكراه على الرجعة]
قال أبو جعفر : (ومن أُكره على الرجعة: صحت رجعته، ولا شيء له
على مَن أكرهه، وهو بمنزلة الطلاق، والعتق، والنكاح).
قال أحمد : ومما يستوي حكمه في وقوعه بالإكراه وغيره: الأيمان
والنذور.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((أربع مُقْفَلات مبهمات، ليس
(١) في (ر.ح): ((فسخه))، وانظر: المبسوط ٦٤/٢٤، بدائع الصنائع ١٨٥/٧.

٤٤٧
كتاب الإكراه
فيهن رديدٌ: الطلاق، والعَتّاق، والنكاح، والنذر))(١).
وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:
(«ثلاث جِدُّهن جِدٌّ، وهَزْلهنَّ جِدٌّ: الطلاق، والعَتَاق، والنكاح)»(٢).
ومعناه: أن جِدَّهن وهَزْلهن في الحكم سواء.
وأما الأَيْمان: فالأصل فيها: حديث حذيفة وأبيه حين أخذهما
المشركون، وحلَّفوهما أن لا يُعِينا النبيَّ عليه الصلاة والسلام عليهم، فلما
ذَكَرَا ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام؛ وهو يريد الخروج إلى بدر، وأرادا
الخروج معه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: («نَفِي لهم بعهدهم،
ونستعین الله علیهم)) (٣).
فأخبر عليه الصلاة والسلام بصحة لزوم حكم اليمين على وجه
الإكراه، فصار ذلك أصلاً في الأيمان والنذور؛ لأن النذر في حكم
اليمين، لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لا نذر في
معصية، و کفارته کفارة یمین)»(٤).
ولأنه حق لله تعالى، تعلَّق لزومه بقوله، كاليمين (6).
(١) السنن الكبرى ٣٤١/٧.
(٢) سنن أبي داود ٥٠٧/٢، المستدرك ٢١٦/٢، وقال صحيح ووثق
عبد الرحمن بن أردك، إلا أنَّ الذهبي قال عنه في تلخيصه: فيه لين، السنن الكبرى
٣٤٠/٧، شرح السنة ٢١٩/٩.
(٣) سبق.
(٤) سبق.
(٥) بدائع الصنائع ١٨٥/٧، المبسوط ٦٣/٢٤، ١٠٦، الهداية ١٨١/٨.

٤٤٨
كتاب الإكراه
مسألة : [الإكراه على بيع العبد]
قال أبو جعفر : (ومَن أُكره على بيع عبده، فباعه: لم يجُزُ بيعه).
قال أحمد : وذلك لأن شَرْط جوازه الرضا والطَّوْع، لقول الله تعالى:
﴿إِلَّ أَنْتَكُونَ تِحَرَةً عَنْ تَرَاضِ مِّنَكُمْ﴾(١).
ولأن ما أُوقع من ذلك بإكراهِ، فهو كالموقَع على شَرْط الخيار؛ لأن
شَرْط الخيار معناه: أن لا يجوز عليَّ في هذه المدة إلا برضاي واختياري،
فكذلك الواقع على الإكراه، وكذلك كل عقد يلحقه الفسخ بشرط الخيار،
مثل الكتابة، والإجارة، والقسمة ونحوها.
والعتق لا يصح بشرط الخيار فيه، بل يقع، ويبطل الخيار، وكذلك
النكاح، والطلاق، والرجعة، والأيمان، فلذلك نَفَذَت هذه الأشياء مع
الإكراه.
* قال أبو جعفر: (ولو أعتقه المشتري بعد ما قبضه، والبائع مكرَه:
جاز عتقه، وكان مولاه بالخيار: إن شاء ضمَّن المكرِه قيمته، وإن شاء
ضمَّنها المشتري، فإن ضمَّنْها المكرِهِ: رجع بها على المشتري، وإن
ضمَّنها المشتري: لم يرجع بها على المكرِهِ).
* قال : (ولو كان أعتقه قبل أن يقبضه: كان عتقه باطلاً).
قال أحمد: لما وقع العقد على إكراه: لم يصح لما وصفنا من أنَّ
شَرْطه الرضا والطَّوْع، وذلك معدومٌ مع الكُرْه، فهو من وجهٍ يُشبِه البيع
المشروط فيه خيار البيع، في باب امتناع جواز بيع المشتري، وهبته،
(١) النساء: ٢٩.

٤٤٩
كتاب الإكراه
ونحو ذلك من التصرف الذي يجوز أن يلحقه الفسخ.
ومن وجهٍ يُشبِه العقدَ الفاسد، في باب جواز عتق المشتري فيه بعد
القبض، وامتناع جوازه قبل القبض.
ومن وجهٍ يفارقهما جميعاً، وهو أنَّ المشتري في مسألة الإكراه لو باعه
بعد القبض: لم يجز بيعه، فإن أجاز البائع المكرَه البيعَ: جاز بيع
المشتري، وفي شَرْط خيار البائع لا يجوز بيع المشتري وإن أبطل البائع
خياره، بل هو من هذا الوجه يشبه المشتري شراء صحيحاً بتاتاً إذا قبضه
بغير أمر البائع قبل نقد الثمن، وباعه: فللبائع نَقْض بيعه، فإن نَقَده
المشتري الثمن: جاز بيعه.
* وإنما كان حُكْم البيع الواقع على الإكراه ما وصفنا، من قبَل أنَّ
العقد وَقَع بغير رضاه، وله الخيار في إجازته وفسخه من جهة الحكم، لا
لأن هناك فساداً في نفس العقد، لكن من جهة عدم رضاه، ولا من جهة
شرط الخيار؛ لأنه لم يكن هناك خيار مشروط.
* وإنما كان له الخيار: من طريق الحكم، مع وقوع تسليط البائع
للمشتري على التصرف على وجه الإكراه، كما أنّ البيع الصحيح يوجب
من البائع تسليط المشتري على التصرف.
* وإنما امتنع جواز تصرفه فيه قبل القبض: من طريق الحكم، فمتى
قَبَض وتصرف، ثم أجاز المكرَه البيع: صح تصرفه، وإن لم يجزه: لم يجز
تصرف المشتري فيه إلا في العتق؛ لأن تسليطه إياه وقع عن إكراه، فلا
حُكْم له في جواز تصرفه.
* وإنما نفذ عتقه بعد القبض: من قِبَل وجود التسليط من جهة البائع
عليه مع وجود القبض، والإكراهُ لا يمنع صحة التسليط على العتق، كما

٤٥٠
كتاب الإكراه
لو أُكره حتى أمر رجلاً بعتق عبده، فأعتقه: نَفَذ عتْقه، فالتسليط على العتق
وإن وقع عن إكراه، فهو كالعتق الموقع على الإكراه، فينفذ، ويصح،
والبيع وسائر وجوه التصرف، لا يصح مع الإكراه، فكذلك التسليط عليه.
* وأما إذا أعتقه المشتري قبل القبض: فإنما لم يجز عتْقه من قِبَل أنَّ
العقد فاسد، لعدم رضا البائع، وشبَّهه محمد برجل اشترى عبداً بألف
درهم إلى الحصاد أو الدِّيّاس، فإن أعتقه المشتري قبل القبض: لم ينفذ
عتْقه، وإن أعتقه بعد القبض: جاز عتقه.
وإن أبطل المشتري الأجل قبل حلوله: تمّ البيع، كذلك البائع إذا كان
مكرَهاً: لم يجز البيع، وله الخيار في إجازته، ولا يجوز عِثْق المشتري قبل
القبض، ويجوز بعده على ما بيًَّا.
* وحكى أبو جعفر (عن محمد أنه قال في غير كتاب الإكراه: إن عتْق
المشتري جائز قبل القبض وبعده).
ووجهه: أنَّ التسليط على العتق قد وُجِد من جهة البائع؛ لأن البيع
البَتَات يوجب جواز عِثْق المشتري.
* وأما وجه قوله: إن البائع بالخيار: إن شاء ضمَّن المكرِه قيمة عبده،
وإن شاء ضمّنها المشتري إذا أعتقه المشتري بعد القبض: فهو أن فِعْل
المكرَه ينتقل حُكْمه إلى المكرِه فيما يتعلق به من حكم الإتلاف، فلما
أكرهه على التسليط على العتق، وقد نفذ عِثْق المشتري، كان له أن يضمِّنْه
القيمة، كما لو أكرهه على العتق، فأعتقه: ضمن قيمته.
فإن ضمَّنَها المكرِهَ: رجع بها على المشتري، كما بيَّنًا أنَّ الشهود إذا
شهدوا أنه باعه عبده بألف درهم إلى سنة، ثم رجعوا: فيضمنهم البائع
القيمة حالَةَ أنهم يرجعون على المشتري بالثمن إلى أجله، ويقومون فيه

٤٥١
كتاب الإكراه
مقام البائع ، وكالغاصب الأول إذا ضُمِّن: رجع بالقيمة على الغاصب
الثاني، وذلك لأن مِلْك المشتري قد صح بالعتق، فيرجع عليه المكرِهِ
على ما بيَّنَّا.
وإن شاء البائع ضمَّن المشتري؛ لأنه هو المتلف له بالعتق،
والمضمون عليه بالقبض (١).
مسألة : (مَن أُكره على قتل شخص ففعل]
قال أبو جعفر: (ومَن أُكره على قَتْل رجل، فقتله بالسيف، فإن أبا
حنيفة رحمه الله كان يقول: يُقتَل المكرِهِ، ولا يُقتل المأمور المكرَه، وقال
أبو يوسف (٢): علىُ الآمِرِ المكرِه ضمان(٣) دية المقتول في ماله، ولا شيء
على المأمور، وقال زفر: يُقْتَل المأمور).
قال أحمد : محمدٌ مع أبي حنيفة في هذه المسألة، وأبو يوسف وحده
في جواب المسألة.
وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أنَّ حُكْم فِعْل المكرَه منتقلٌ إلى المكرِهِ،
بدلالة ما اتفقوا عليه من وجوب ضمان ما أتلفه المأمور من المال على
وجه الإكراه على المكرِهِ، وكذلك العتق، والطلاق، وما جرى مجراه، لا
(١) انظر: المبسوط ٥٤/٢٤ -٥٦، ٥٩-٦٠، ٩٣ -٩٤، ٩٩، بدائع الصنائع
١٨٦/٧، الهداية ٨/ ١٦٧.
(٢) في (ر.حـ): ((وقال أبو يوسف ومحمد)، وفي المختصر ص٤١١ بدون ذكر
محمد، والصواب أن رأي محمد مع أبي حنيفة، كما ذكر الشارح بعد قليل، وكما هو
في الهداية والبدائع والمبسوط.
(٣) في (د، م): ((ليس على المكرِه إلا ضمان)).

٤٥٢
كتاب الإكراه
خلاف بينهم في هذه المعاني، فدلَّ على أنَّ حُكْم فِعْل المكرَه المأمور
متعلِّق بالمكرِهِ.
ألا ترى أنه إذا أظهر الكفر على وجه الإكراه: لم يتعلق حُكْمه
بالمكرَه، لوقوعه على وجه الإكراه، كذلك سائر الأفعال التي يختلف فيها
حُكْم العمد والسهو.
ومن الدليل على ذلك: اتفاق الجميع على أنَّ للمكرَه والمأمور بقتله
أن يجتمعا على قتل المكرِهِ، كما لو قَصَدَه بالسيف ليقتله: كان لكل واحد
أن يقتله، فدلَّ على أنَّ حُكْم فعله متعلَّق به، وراجع إليه، ومِن أجله أباح
دمه بإكراهه، كما يبيحه بحَمْله عليه بالسيف، فصار المكرَه في هذا الوجه
كالآلة له في قَتْله، كأنه قد شدَّ السيف على يده؛ ثم أخذ يده، فضرب
المقتول به، فیکون القصاص علیه، دون المكره.
فإن قيل: يلزمكم على هذا الاعتلال إبطالُ عتق المكرَه، وطلاقه؛ لأن
حُكْم فِعْله منتقل إلى المكرِهِ، فكان المكرِه هو المعتق والمطلِّق.
قيل له: لا يجب ذلك؛ لأنا قد قيَّدنا العلة بدءاً بما يُسقط هذا
السؤال، وهو أنَّ ذلك مما يَختلف فيه حكم السهو والعمد، والعتق
ونظائره مما يستوي فيه حكم السهو والعمد، ففارق ما وصفنا بالدلائل
الموجبة لذلك.
فإن قيل: فهلاّ جعلتَ المكرَه كالفاعل لسبب القتل من غير مباشرة،
مثل حافرِ البئر في الطريق، والشهودِ إذا شهدوا بما يوجب القصاص، ثم
رجعوا.
قيل له: لو كان كذلك، كان لا يجوز استباحة دمه بإكراهه، فلما جاز
استباحة دمه بالإكراه، دلّ على أنه في معنى فاعل القتل مباشرة، ألا ترى

٤٥٣
کتاب الإكراه
أنَّ حافرَ البئر، والشهودَ لا يستحقون بفعلهم السبب استباحة دمائهم.
فإن قيل: هلاً أوجبتَ على المکرِه القصاص، کما قال زفر، إذ لم يُبح
له الإكراه قتلَه، فكان حالُه بعد الإكراه كهي قبله في باب حَظْر دمه، ومن
هذا الوجه فارق إتلافَ الأموال؛ لأن الإكراه بالضرورة يُتيح له إتلافها
لإحياء نفسه، ولا يجوز له إتلاف نفسٍ غيره لإحياء نفسه؛ لأن الله تعالى
قد سوَّى بينهما في حرمة الدم.
قيل له: ما قدَّمناه من الدلائل كافٍ في إسقاط هذا السؤال؛ لأن ما
ذكرتَ من بقاء دمه على الحظر في حق المأمور، لم يمنع إباحة دم المكرِهِ
له على ذلك، لأجل إكراهه، فدل على أنّ حكم هذا الفعل متعلق به دون
المأمور.
وأما الحظر: فلا يوجب كون دمه مضموناً عليه بالقصاص والمال، ألا
ترى أنَّ رجلاً لو دخل دار الحرب بأمان: لم يجز له قَتْل أحدٍ منهم، لما
أعطاهم من الأمان؛ فإن قَتَلهم: لم تكن دماؤهم مضمونة.
وكذلك مَن أسلم من أهل الحرب، قد حُظِر دمه، وحَقَتَه بإسلامه،
ولو قَتَلَه مسلم قبل أن يخرج إلى دار الإسلام: لم يكن دمه مضموناً عليه،
فغير جائز أن نجعل الحظر علةً في ضمان الدم.
ولو أنَّ رجلاً وَجَبَ له قَتْل رجل في قصاص: كان الذي يجب له من
ذلك: قَتْله بالسيف، فلو أحرقه بالنار: كان مسيئاً، ولم يجب عليه شيء.
فإن قال قائل: هلاَّ أوجبتَ عليهما جميعاً القصاص.
قيل له: لما وافَقْتنا على وجوب القصاص على المكرِهِ، فقد ثبت
انتقال حُكْم فِعله إليه، فإذا حُكْمه ساقطٌ عن المأمور، إذ غير جائز انتقال
حُكْم فعله إلى الآمر، وبقاء حُكْمه على الفاعل، لاستحالة كون فِعله

٤٥٤
کتاب الإكراه
منتقلاً عن الفاعل إليه، وباقياً على الفاعل من الوجه الذي ثبت حكمه على
الآمر.
ولأن نظير ذلك معدومٌ في الأصول، ومتى خرج جواب مسألة الفرع
من أن يكون له نظير في الأصول: سَقَط.
فإن قيل: فأنتَ تجيز انتقال حكمه إلى المكرِهِ، مع بقائه على المأمور،
لأنه لو أكرهه على العتق، تعلَّق حكمه بالآمر فيما يلزمه من الضمان،
وحكمه ثابت أيضاً على المأمور، في باب نفاذ عتقه، وثبوت ولائه منه.
قيل له: لم ننكر ما أنكرناه من هذا الوجه؛ لأن حكم الفعل تعلق
بالآمر في هذا الموضع، من غير الوجه الذي تعلق بالمأمور، وفيما وصفنا
يتعلق بالآمر، من حيث تعلق بالمأمور، من حيث أوجبتَ عليهما جميعاً
القصاص.
وقد يمكن أن يُحتج في سقوط القصاص عن المكرَه بعموم ما روي
عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما
استكرهوا عليه))(١)؛ حين لم يفرِّق بين القتل وبين غيره(٢).
مسألة : [الإكراه على الزنى]
قال أبو جعفر: (ومن أُكره على أن يزنيَ بامرأة، فزنى بها، فإن أبا
حنيفة كان يقول: يُحَدُّ في ذلك، كما يُحَدُّ لو أتاه على غير إكراه، ثم رجع
عن ذلك فقال: إن كان الذي أكرهه سلطاناً: لم يُحَدَّ، وإن كان غير
سلطان: حُدَّ، وهو قول أبي يوسف.
(١) سبق.
(٢) انظر: المبسوط ٦٩/٢٤، بدائع الصنائع ١٧٩/٧، الهداية ١٧٧/٨.

٤٥٥
كتاب الإكراه
وقال محمد: إذا أكرهه غيرُ سلطانٍ ممن إكراهه كإكراه السلطان: لم
يُحَدَّ، وقياس قول زفر في ذلك أنه يُحَدُّ).
قال أحمد : المشهور من قول أبي يوسف أنه مع محمد في هذه
المسألة(١).
وجه قول أبي حنيفة في وجوب الحد إذا أكرهه غير السلطان: أنَّ
الزنى لا يكون إلا بالشهوة والانتشار، وظهور ذلك منه ينافي الكراهة،
ويدل علىُ الطَّوْعِ والرضا، فصار الفعل واقعاً على جهة الطّوْع، فوجب
الحد.
فإن قيل: الشهوة والانتشار قد يقارنهما تَرْك الفعل، فإذاً ليس في
وجودهما ما يزيل الإكراه على الفعل.
قيل له: معلومٌ مِن حال الكارِهِ والخائف انتفاء الانتشار منه،
والانبعاثِ للجِمَاع، فإذا وجدناهما على حالٍ ينافي حال المكرَه، علمنا
أنه أتاه طوعاً غيرَ مكرَه، وليس يمتنع أن يظهر من المكرَه إكراهٌ له على
الفعل، وهو مع ذلك يفعله طائعاً غير مكرَه، كما لو أُكره على الكفر،
فقصد إلى إظهاره طائعاً غير مكرَه: لَزِمه حكم الكفر، ولم يزل عنه ظهور
الإكراه من غيره عليه.
وأما إذا أكرهه سلطان: فإنه لا حدَّ عليه استحساناً.
وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول: يحتمل أن يكون المراد:
الخليفة، فإن كان هذا مراده: فإن وَجْه زوال الحد عنه: أنَّ السلطان زالت
إمامته بإكراهه له على الزنى؛ لأنه صار فاسقاً، فحصل الزنى وليس هناك
(١) انظر المبسوط ٨٨/٢٤.

٤٥٦
كتاب الإكراه
إمامٌ يقيم الحد فيه، فيسقط.
كمَن زنى، وليس إمام، ثم وَلِيَ إمامٌ: فلا يُحدُّ، وكمَن زنى في دار
الحرب، ثم خَرَج إلينا، فلا يُحَدُّ؛ لأن إقامة الحد إلى الإمام، فإذا لم يكن
في حال الفعل مَن يقيمه: لم يجب في تلك الحال، وإذا لم يجب في حال
الفعل: لم يجب بعد ذلك.
ألا ترى أنهم قالوا: إن الإمام نفسَه لو أتى ما يجب عليه فيه الحد: لم
يُحدَّ؛ لأنه زال بفعله هذا عن الإمامة، فلم يكن هناك مَن يقيم الحد،
فيسقط، كالزنى في دار الحرب.
قال أبو الحسن: فإن كان أراد به سلطاناً، وفوقَه غيرُه، نحو الأمراء
والعُمَّال: فإن وجه سقوط الحدِّ فيه: أنَّ هذا قائمٌ مَقام الإمام، ومِن شأنه
أن يتوصل إلى إسقاط الحدود، فلما أراد أن يتوصل إلى إثبات الحد
وإيجابه: لم يجب، ولم يثبت، وهذا استحسانٌ من قوله(١).
(١) المبسوط ٨٨/٢٤، الهداية والعناية ١٨٢/٨، بدائع الصنائع ١٨٠/٧.

٤٥٧
كتاب القسمة
كتاب القسمة
[أنواع القسمة(١)]:
قال أحمد : القسمة على وجهين:
أحدهما: تمييز الحقوق، وهو ما تقع القسمة فيه على الأجزاء، نحو
المكيل والموزون إذا كان بين رجلَيْن، ألا ترى أنَّ كل واحدٍ منهما يحصل
له بالقسمة القَدْر الذي كان يملكه قبل القسمة.
فما كان منها على هذا الوجه: فليس فيها معنى البيع؛ لأن كل واحدٍ
منهما آخذٌ لحقُّه، ومن أجله قالوا: إن رجلين لو اشتريا كُرَّ حنطة، ثم
اقتسماه: كان لكل واحدٍ منهما أن يبيع ما حَصَل له مرابحةً على نصف
الثمن.
والوجه الثاني: هو بمنزلة البيع، وهو ما تَقَعُ القسمة فيه على القيمة،
فما حَصَلَ لكل واحد منهما بالقسمة: فنصفُه ما كان له قَبْل القسمة،
والنصفُ الآخر كأنه اشتراه بما سلَّمه إلى شريكه.
ألا ترى أنَّ كل واحد منهما قد يجوز أن يحصل له بالقسمة أكثر مما
(١) جاء في بدائع الصنائع ١٧/٧: القسمة في الشريعة: عبارة عن إفراز بعض
الأنصباء عن بعض، ومبادلة بعض ببعض، وينظر: أنيس الفقهاء ص ٢٧٢، الهداية
وشروحها ٣٤٧/٨.

٤٥٨
كتاب القسمة
كان له في الأصل من الآخر(١)، نحو أربعين شاة بين رجلين، اقتسماها
على القيمة: قد يجوز أن يحصل لأحدهما خمسة وعشرون شاة، وللآخر
خمسة عشرة شاة، ومن أجل ذلك قالوا: إن ما حصل لكل واحد منهما
بالقسمة: لا يجوز له بَيْعه مرابحةً على الثمن الذي اشتراه به قبل القسمة (٢).
مسألة : [قسمة الدار التي يملكها شخصين إذا طلب ذلك أحدهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الدار بين رجلين، فطلب أحدُهما
قسمتها، وأبى الآخر، فارتفعا إلى القاضي: نَظَرَ القاضي في ذلك، فإن
كانت مما يقع لكل واحد منهما بالقسمة ما ينتفع به: قَسَمَها بينهما).
وذلك لأن القسمة مستحقَّةٌ لكل واحد منهما بالملك إذا كان له في
القسمة منفعة، أو لم يكن عليه فيها ضرر؛ لأن كل جزء من الدار إذا كان
بينهما، فكل واحد منهما منتفع بنصيبه، ونصیب غيره، وله أن يمنع غيره
من الانتفاع بملكه، فصارت القسمة من حقوق الملك في هذه الحال،
فلكل واحد منهما المطالبة بحق ملکه.
* قال: (وإن لم ينتفع واحد منهما بما يقع له بالقسمة: لم يقسمها
بينهما، حتى يرضيا بذلك).
وذلك لأن كل واحدٍ منهما إذا لم ينتفع بنصيبه بعد القسمة، وينتفعان
به قبل القسمة: فهذه قسمةً على ضرر، ولا يجوز للقاضي إيقاع القسمة
على ذلك؛ لأن المطالِب بالقسمة في هذا الوجه، إنما يقصد الإضرار
بنفسه وبشريكه، وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لا
(١) في (د،م): ((الأجزاء)).
(٢) المبسوط ٢/١٥، العناية والكفاية ٣٤٧/٨، بدائع الصنائع ١٧/٧.

٤٥٩
كتاب القسمة
ضرر ولا إضرار في الإسلام))(١).
وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لا تعضية (٢) على أهل
الميراث، إلا فيما احتمل القسمة))(٣).
ولأن ما لا نَفْع فيه، فليس بحقٍّ له، وإذا لم يكن حقّاً له، لم يُجبِر
القاضي الآخرَ عليه؛ لأن القاضي إنما يُجبر الناسَ على أداء الحقوق التي
تلزمهم لغيرهم، فأما ما ليس بحقِّ للطالب، فإن القاضي لا يُجبِر عليه.
مسألة : [قسمة الدار إذا كان فيها نفع كبير لأحدهما دون الآخر]
قال: (وإن كان الذي يصيب الطالبَ بالقسمة ينتفع به لكثرته، ولا
ينتفع الآخر بنصيبه لقلته: قَسَمَها بينهما).
وذلك لأن للطالب حقاً في هذه القسمة، وهو الانتفاع بملكه متميزاً
عن ملك غيره، ومَنْع غيره من الانتفاع بملكه، والذي أباها إنما يريد
(١) مسند أحمد (٢٨٦٢) ٥١٥/١، المراسيل لأبي داود ٢٩٤، السنن الكبرى
١٣٣/١٠، وفي هامش المراسيل: حديث حسن بطرقه وشواهده. الهداية على البداية
١٠/٨. وبيَّن طرقه، ومعظم الروايات لم تذكر لفظة: ((في الإسلام))، إلا في مراسيل
أبي داود، وفيما رواه الطبراني في الأوسط، وقال عنه: إن سنده حسن وصحيح.
(٢) التعضية: التفريق، وعضَّ الشيء: وزَّعه وفرَّقه، والذي لا يحتمل القسم مثل
الحبة من الجوهر، وأراد بعض الورثة القسم: لم يُجَبْ إليه، ولكن يباع، ثم يقسم
ثمنه. لسان العرب ٦٨/١٥.
(٣) السنن الكبرى ١٣٣/١٠، المراسيل ٢٧٠، سنن الدارقطني، وفي التعليق
المغني: في إسناده صديق بن موسى بن عبد الله بن الزبير، وهو ليس بالحجة. الهداية
على البداية ١٤/٨.

٤٦٠
كتاب القسمة
الانتفاع بملك غيره، فيُجبر على القسمة(١).
مسألة : [مطالبة الورثة الكبار بقسمة دار أقروا أنها ميراث أبيهم]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الدار بين ورثة كبار أصحَّاء، فأقروا عند
القاضي أنها ميراث بينهم عن أبيهم، وأرادوا منه قسمتها بينهم: فإنه لا
يُجيبهم إلى ذلك، حتى يقيموا البينة على ميراثهم إياها في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمهم إقرارهم، ويقضي به عليهم،
ويقسمها بينهم على ذلك، ويشهد أنه لم يقض في ذلك بشيء على أحد
سواهم).
قال أحمد : وجه قول أبي حنيفة: أنهم إذا اعترفوا بالميراث، فقد
أقروا ببقائها على حكم ملك الميت؛ لأن الورثة يخلفون الميت في ملكه.
ألا ترى أنهم يردُّون بالعيب على بائع الميت، والقاضي جائز التصرف
على الأموات، فلو قَسَمَها بينهم بغير بينة، وكانت القسمة فيها على معنى
(١) أدب القاضي للخصاف بشرح الجصاص ص ٤٠٩، شرح أدب القاضي
للصدر الشهيد ١١١/٤، تبيين الحقائق ٢٦٨/٥، الهداية والعناية ٣٥٧/٨.
وفي التبيين والهداية أنَّ كلام الجصاص على خلافه، وأنهما وافقا الخصاف فيما
ذهب إليه، وكذا قال الصدر الشهيد في شرح أدب القاضي.
وهذا الخلاف الذي ذكروه ليس في شرحه للمختصر، كما جاء عنهم، وإنما
أورده الجصاص في كتاب مختصر اختلاف العلماء فقط ٣٢٢/٤، حيث قال: (( ...
وطلب صاحب النصيب الكثير القسمة: قسمتُه، وكذلك إن طلبها الآخر، وإن كان
واحداً منهما لا ينتفع بنصيبه: لم أقسمه حتى يجتمعا، وما كان في قسمته ضرر:
كالثوب والحمام والحائط: لم أقسمه حتى يجتمعا)). ينظر بدائع الصنائع ٢٠/٧،
المبسوط ١٥/ ١٢.