Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ کتاب الدعاوى والبينات على فساد ذلك. * قال أحمد : وقال ابن أبي ليلى في هذه المسألة: يثبت من كل واحد منهما نصف نسبه، وهو قول شنيع(١)، لا نعلم أحداً سبقه إليه، ولو جاز ذلك لجاز أن يقول لعبده أو للقيط: نصفه ابني، فيعترف بثبوت نسب نصفه، فيثبت، وهذا لا خلاف في أنه لا يثبت، فكيف يجوز لنا إثبات نسب نصف كل واحد منهما، وهو لو ادعاه على هذا الوجه، ونصَّ علیه، لم يثبت؟ فإن قيل: فيجب أن يكون العتق على قول مَن لا يبعِّض العتق کالنسب. قيل له: لا خلاف في جواز تبعيض العتق، ألا ترى أنَّ رجلين لو أعتقا عبداً بينهما: كان المعتَقُ من جهة كل واحد منهما نصفَه، وأنَّ ولاءه بینھما. ولو أنَّ رجلين ادعيا ولد جارية بينهما: كان جميعه ولداً لهذا، وجميعه ولداً للآخر. وكذا قال علي رضي الله عنه: ((هو ابنكما يرثكما وترثانه، وهو للباقي منكما))(٢) (٢). مسألة: [إذا استولد رجل جارية، ومات قبل بيان أمر أولادها] قال أبو جعفر: (ومَن كانت في يده جارية، وثلاثة أولاد لها قد (١) في (م): ((شنيع بشع)). (٢) ينظر مصنف عبد الرزاق ٣٥٩/٧، موسوعة فقه على ص٣٩، ٥٨٤، مختصر اختلاف العلماء ٢٣٠/٤. ٢٤٢ کتاب الدعاوى والبينات ولدتهم في بطونٍ مختلفة، فقال: أحدُ هؤلاء ابني، ثم مات، ولم يُبيِّن: فإن الجارية تَعْتِقِ، ويَعْتِقِ مِن كل واحدٍ من الأولاد ثُلُته، ويسعى في ثلثي قیمته). قال أحمد: لما لم يثبت(١) نسب واحد منهم، استعمل أبو حنيفة رحمه الله فيهم حكم الإيقاع، كأنه قال لثلاثتهم: أحدكم حرٌّ، وأقرَّ مع ذلك للأم بالاستيلاد، فتعتق بعد الموت على ما تضمنه إقراره. ولم يستعمل الأحوال في إيجاب عتقهم بعتق أمهم، وذلك لأن مَن ثبت له حال حرية بنفسه، لم يجز استعمال حاله بعتق أمه، لاستحالة أن يستحق العتق بنفسه، وبأمه جميعاً، فلما صح لكل واحد منهم اعتبار حال نفسه في عتقه، انتفى اعتبار حال أمه في عتقه. * قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف: يَعتق الأصغر كله، ومِن كل واحدٍ من الباقيَيْن ثلثه، ويسعى في ثلثي قيمته). قال أحمد: الذي ذكره أبو جعفر عن أبي يوسف في حكم الأوسط(٢)، هو إحدى الروايتين عنه. وقد رُوي عنه أنَّ الأوسط يَعتق نصفُه؛ لأن له حالتي حرية، إما أن يعتق بنفسه أو بأمه، ويَرِقَّ في حالةٍ واحدة، وهي حال ثبوت نسب الأصغر، وحالتا الحرية حالةٌ واحدة، فكأنه استحق الحرية في حال، ولم يستحقها في أخرى، فيعتق نصفه. وأما الأول: فإنه إن أراده عَتَقَ، وإن أراد الثاني لم يَعتق، وإن أراد (١) في (ر.حـ): ((يبين نسب كل)). (٢) ينظر للبيان المختصر ص ٣٥٩، حيث اختصر الجصاص نص الطحاوي. ٢٤٣ كتاب الدعاوى والبينات الثالث لم يَعتق، فله حالتا رِقِّ، وحال حرية، فيعتق ثلثه، ويسعى في ثلثي قیمته. وأما الأصغر فهو حرٌّ كله؛ لأنه لا يخلو من أن يكون حراً بنفسه، أو بأمه، فهو حرٌّ في الحالین، وليس له حال رق. قال أحمد : وهذا الذي ذكرنا من حكم الأوسط، هو قول أبي يوسف ومحمد جميعاً، على ما في الجامع الكبير والأصول، في أنّ أحوال الحرية حال واحدة. وجعل محمد في الزيادات أحوال الحرية أحوالاً يعتدُّ بها، فيجيء على قوله هذا: أن يعتق من الأوسط ثلثاه، ويسعى في ثلث قيمته؛ لأنه يعتق في حالین ویرق في حال. * وأما وجه قول مَن جَعَلَ أحوال الحرية حالة واحدة، فهو أنَّ العتق إذا وقع مرة، استحال وروده عليه في دار الإسلام مرة أخرى، وليس يمتنع ورود الملك عليه وعلى بعضه مرة أخرى، فلما كان كذلك، امتنع اعتبار أحوال العتق، إذ ليس له إلا حالة واحدة، ولم يمتنع اعتبار أحوال الرق. وأيضاً: فإن العتق نفي للملك، ومتى انتفى من وجه، فهو منتفٍ من سائر الوجوه، فلا معنى لاعتباره ثانياً، وأما الرق فهو إثبات ملك، وليس يمتنع حصول الملك من جهات كثيرة. * وأما وجه قول مَن اعتبر أحوال العتق: فهو اتفاقهم على اعتبار أحوال الرق وإن لم يكن رقاً مبتدأ، كذلك العتق. ٢٤٤ کتاب الدعاوى والبينات * قال: (ولا يثبت نسب واحد من الثلاثة)؛ لما بيَّنَّاه آنفاً (١). مسألة : [جارية بين اثنين ولدت بولدين فاختلفا في دعوتهما] قال أبو جعفر: (وإذا كانت الجارية بين رجلين، فجاءت بولدين في بطنين، فادعى أحدُهما الأكبر، والآخرُ الأصغر، وكانت الدِّعوة منهما معاً: جَعَلَ كلَّ واحد منهما ابنَ الذي ادَّعاه، والأمَّ أمَّ ولدٍ لمدعي الأكبر، وعليه نصفُ قيمتها، ونصف عُقْرها يوم علقت به لشريكه، وعلى مدَّعي الأصغر قيمتُه لشريكه، وجميع العُقْر، فيكون نصفه قصاصاً بما على الشريك من العُقْر، ويؤدي الباقي). قال أحمد : القياس عندهم أن لا يُصدَّق مدَّعي الأصغر، وذلك لأنا قد جعلناها أمَّ ولد لصاحب الأكبر بالعلوق المتقدم، فكان مدَّعي الأصغر في الحكم كمن ادعى ولدَ أمِّ ولدِ غيره، فلا يُصدَّق، إلا أنهم تركوا القياس، وصدَّقوه على الدِّعوة؛ لأنها صادفتها وهي ملكٌ لهما في الظاهر، ووقع الوطء وهي كذلك، فلا تكون أقلّ حالاً من المغرور في تصديقه على الدِّعوة، إذ كان وطؤه ودِعوته صادَفًا ملكه في الظاهر، فصُدِّق على الدِّعوة، وكون الولد حر الأصل وإن لم يثبت الاستيلاد في الأم. وعليه عُقْر الجارية كما يجب على المغرور؛ لأنا قد حكمنا أنها أم ولد لمدعي الأكبر يوم العلوق، ومن أجل ذلك لم يغرم من قيمة الولد شيئاً. (١) المختلف بين الأصحاب (خ) لوحة ٨٥ ب، المبسوط ١٤٢/١٧، بدائع الصنائع ٢٤٧/٦. ٢٤٥ کتاب الدعاوى والبینات وعلى مدعي الأكبر نصف عُقْرِها لأن وطأه صادفها وهي ملكٍ لهما جمیعاً، وعلیه نصف قيمتها؛ لأنا قد نقلنا نصیب شریکه إليه بالاستیلاد. * وقد روي عنهم أنَّ على مدعي الأصغر نصف العُقر: وليس ذلك بمخالفٍ للرواية التي توجب فيها جميع العُقْر؛ لأن مَن روى نصفَ العقر، فإنما ذكر ما يحصل عليه منه، ومَن روى جميعَ العقر، أخبر عما وجب بالوطء، ثم سقط نصفه بالقصاص(١). مسألة : [مَن اشترى جارية مُستَحقَّةً، فأولدها] قال أبو جعفر: (ومَن اشترى جارية، فأولدها، ثم استُحقَّت: كان للمستحق أن يأخذ منه عُقْرَها، وقيمةً ولدها يوم يختصمان، ويرجع المشتري على البائع بالثمن وبقيمة الولد، ولا يرجع عليه بالعُقْر). قال أحمد: لا خلاف بين السلف والخلف في ثبوت نسب ولد المغرور من المشتري، ولا خلاف أيضاً أنه حُرُّ الأصل، وأنه يغرم العُقْر للمستحِق، وهذه المعاني لا خلاف فيها بين الفقهاء. واتفق السلف أيضاً على ضمان الولد، وأن له الرجوع بما حصل عليه من ضمان قيمة الولد على البائع. واختلفوا فيما يضمن به الولد، فقال عمر رضي الله عنه: (يفك الجارية بجارية، والغلام بغلام)) (٢). يعني أنَّ الولد إن كان غلاماً: يغرم المشتري للمستحق غلاماً مثلَه، (١) بدائع الصنائع ٢٤٦/٦. (٢) المحلى ٥٧٠/٨، إعلاء السنن ٤٧٠/١٥، فقه عمر ص٨٩. ٢٤٦ كتاب الدعاوى والبينات وإن كانت جارية: غرم جارية مثلها. وقال علي رضي الله عنه: ((عليه قيمة الولد))(١). فحصل من اختلافهم أنَّ الولد مضمونٌ، بمنزلة مَن استهلك لرجل عبداً، والعبد يُضمَن بقيمته، لا بمثله، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه قضى على الشريك المعتق إذا كان موسراً بنصف القيمة))(٢)، فلم يلزمه ضمان نصف عبد مثله، فکان مذهب علي رضي الله عنه أولى. ثم رجع على البائع بما غرمه، وقد بيَّنَّا أنه لا خلاف في الرجوع بما غرمه، وإنما غرم المشتري قيمتَه يوم يختصمان؛ لأنه بمنزلة ولد المغصوبة، وهو غير مضمون عندهم إلا بالمنع، والمنع حصل في ولد المغرور عند المطالبة؛ لأنه لا يجوز أن يتعلق حكمه بحصول الحرية، لأنه حرُّ الأصل، لا يصح تقويمه قبل الولادة، ولا بعدها، لأجل الحرية، فوجب اعتبار حال الخصومة، كذلك ولد المغصوبة، لا يصير مضموناً إلا بحصول المنع عند المطالبة بالرد. من أجل ذلك قالوا: إن مَن مات من الأولاد قبل الخصومة: فلا ضمان على المشتري فيه؛ لأنه بمنزلة ولد المغصوبة إذا مات قبل مجيء المغصوب، فلا یضمنه عندهم. ولا يرجع المشتري بما غرم من العُقْر على البائع؛ لأنه تناول بَدَلَه، وهو الوطء لنفسه، فلا يجوز أن يرجع ببدل ما حصل له على غيره. وأيضاً: فإن الوطء بمنزلة إتلاف جزء منها، ألا ترى أنَّ مَن اشترى (١) المحلى ٥٧٠/٨، إعلاء السنن ٤٧٠/١٥، موسوعة فقه علي ص ٨٣. (٢) صحيح البخاري ١١٣/١٥، صحيح مسلم ١٣٧/١١. ٢٤٧ كتاب الدعاوى والبينات جارية فوطئها، لم يردَّها بعيبٍ يجده بها إلا برضا البائع، كما لو أتلف جزءاً منها، وعلى هذا المعنى أجراه السلف في الحكم: عمر وعلي رضي الله عنهما. وإذا كان كذلك، لم يرجع به على البائع، كما لو أتلف جزءاً منها، فغرمه، لم يرجع به على البائع. وليس ما غرمه عن الولد كالعُقْر؛ لأنه لم يحصل له بحرية الولد شيء استوفاه لنفسه، وقد لحقه ضمانه بالغرور، فيرجع به عليه، وصار البائع كضامن الدَّرَك(١) فيما لَحِقَ المشتري من ضمان الولد. * قال أبو جعفر: (ويرجع البائع أيضاً على بائعه بالثمن الذي كان ابتاعها به منه، ولا يرجع عليه بقيمة الولد التي غرمها في قول أبي حنيفة، ويرجع عليه بها في قول أبي يوسف ومحمد). وجه قول أبي حنيفة: أنَّ البائع الأول لم يوجب الملك للمشتري الثاني، وإنما أوجبه للأول، فلا يلزمه ضمان ما وقع من الغرور في ملكٍ لم يوجبه هو، وإنما وجب بعقد المشتري الأول للثاني، فلذلك لم پرجع به. وقال أبو يوسف ومحمد: لما لَحِقَ البائعَ الثاني ضمانُ الولد بالغرور، رجع به على بائعه، لأن ذلك ضمانٌ لَحقَه بغرور الأول إياه، لأنه هو الذي أو جب له البيع، فما لَحِقَه به من ضمان، رجع به علیه. (١) الدَّرَك: هو رجوع المشتري بالثمن على البائع عند استحقاق المبيع. وفي التعريفات: ضمان الدرك: هو الضمان بردِّ الثمن للمشتري عند استحقاق المبيع، بأن يقول تكلفت بما يدركك في هذا المبيع. ينظر: العناية على الهداية ٨٦/٩. ٢٤٨ کتاب الدعاوى والبينات مسألة : [اشترى داراً مستحقة فبناها] قال: (ولو كان المشترى داراً، فبناها المشتري، ثم استُحِقَّت، وأَمَرَ برفع البناء: فإنه يرجع بقيمة البناء على البائع). وذلك لأن البائع قد أوجب له البناء بغير ضمان يلحقه فيه، كما أوجب له الولد بغير ضمان إذا كان المشترى جارية، فلما كان له الرجوع بقيمة الولد، وجب أن يكون له الرجوع بقيمة البناء، لما لَحِقَه من الضرر بالغرور، وذلك لأن هذا المعنى من مقتضى الملك، وموجَبَه بأن يتصرف في ملكه من غير ضرر يلحقه، والبائع غارٌّ له به حين أخذ البدل منه على أن لا یلحقه ضرر في تصرفه. مسألة : قال: (ولو وهب له جارية والمسألة بحالها: لم يرجع الموهوب له بما غرم من قيمة الولد على الواهب). وذلك لأن عقد الهبة لا يوجب ضماناً على الواهب، كما لا يوجبه على الموهوب له، فلما لم يتعلق به ضمان الأصل، لم يضمن ما تولد منه بتصرفه، وليس كالبيع، لأنه يقتضي ضماناً من الجنبين(١)، فما يلحق به من الضرر من موجب الملك، رجع به على البائع. مسألة : قال: (ولو أنَّ وارث المشتري استولد الجارية المشتراة، ثم استُحِقت: رجع بما غرم من قيمة الولد على بائع الميت). (١) وفي د، م): ((الجنينين))، ولعل الصواب: ((الجانبين)). ٢٤٩ کتاب الدعاوى والبينات لأن الوارث يَخْلُف الميتَ في ملكه، ويقوم فيه مقامه، لا على جهة استئناف ملك، ألا ترى أنه يردها على بائع الميت بالعيب، فصار البائع موجباً له هذا الملك، فرجع عليه بقيمة الولد التي غرم(١). * قال أبو جعفر: (وحكى الحسن بن زياد عن أصحابه: أنَّ الوارث لا يرجع على بائع الميت بما غرم من قيمة الولد)(٢). قال أحمد : والصحيح هو القول الأول مسألة : [أخذ داراً بشفعة، ثم استُحِقَّت] قال : (ومَن أخذ من رجل داراً بشفعةٍ بقضاء قاضٍ، أو بغير قضاء قاضٍ، فبناها، ثم استُحقت: لم يرجع على الذي أخذها منه بقيمة البناء). وذلك لأنه هو الذي أدخل نفسه فيها، من غير أن أوجبها له الذي وجبت له الشفعة قبله. وقد بيَّنًا أنَّ إيجاب العقد بمنزلة ضمان الدَّرَك فيما يلحق به من الغرور، والبائع والمشتري فلم يقصدا إلى إيجاب ذلك للشفيع، فلا يكونان غارَّيْن(٣). (١) الهداية وفتح القدير ١٨٢/٦، مختصر اختلاف العلماء ١٦٩/٣. (٢) وافق أبو جعفر الحسنَ بن زياد في اختياره، بل قال: وهذا أجود من القول الأول، انظر المختصر ص٣٦٢. (٣) الهداية وشروحها ٢٩٣/٦، تبيين الحقائق ٣٣٤/٤، المبسوط ١٧٦/١٧ - ١٨٣، إعلاء السنن ٤٧٠/١٥، الاختيار ٤٩/٢. ٢٥٠ کتاب الدعاوى والبینات مسألة : [نفى المدعى عليه دعوى الدراهم لسبق قضائه لها] قال أبو جعفر: (ومَن ادعى على رجل ألف درهم، فقال المدعى عليه للقاضي: ما كان له علي شيء قط، فأقام المدعي البينة على ما ادعى، فقضى له به القاضي، فأقام المدعى عليه البينة: أنه قد كان قضى هذا المدعي هذه الألف: قُبلت بيِّنْتُه، وبرىء مما كان قُضي به عليه). وذلك لأن قوله: ((ما كان له علي شيء قط)): لا يمنع صحة قضائه إياه على جهة قطع الخصومة، وافتداء اليمين، ونحو ذلك، والبينةُ أمرُها محمولٌ على الصحة حتى يظهر منه إكذابٌ. * قال: (فلو كان قال: ما كان له عليَّ شيءٌ قطُّ، ولا أعرفه، والمسألة بحالها: لم تُقبل بيِّنْتُه على القضاء). لأنه مستحيلٌ أن یقضیه وهو لا يعرفه؛ لأنه إذا قضاه فقد عَرَفَه، ولیس يريد بالمعرفة هاهنا معرفة الاسم والنسب، وإنما يريد معرفة اللقاء(١). مسألة: [ما يلزم المدَّعى عليه إن صَدَّق المدعي بأنه وكيلٌ بقبض ما علیه] قال : (ومَن قال لرجل: قد وكَّني فلانٌ بقبض مالَه عليك، فصدَّقه: لم یکن له أن يمتنع من دفع المال إلیه). وذلك لأن إقراره جائزٌ على نفسه، وقد اعترف أنَّ عليه تسليمَ ما أقرَّ به إليه(٢)، والذي يسلمه هو ماله، ولا ضرر فيه على الغائب، (١) الجامع الصغير مع شرحه النافع الكبير ص٣٨٧، مختصر اختلاف العلماء ٤٣٧/٤، شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي (خ) ٢ / لوحة ١٧٦ ب. (٢) في (ر.ح): ((عليه)). ٢٥١ کتاب الدعاوى والبينات فلذلك صُدِّق فیه. وليس هذا كعبد أو غيره من الأعيان، إذا كان للغائب في يده، فيجيء رجلٌ يدعي وكالةً من الغائب بالقبض، فيُصدِّقه الذي هو في يديه: فلا يؤمر بتسليمه إليه؛ لأن العين ملك الغائب، ولا يُصدَّق الذي في يديه على الغائب بالوكالة. [مسألة : ] قال: (وإن دفعه إليه، فضاع عنده، ثم خاصمه(١) صاحبُ المال، فأنكر الوكالة: كان له أن يأخذ المال مِن الذي كان له عليه، ولا يرجع الذي عليه على القابض بشيء). قال أحمد : هذه المسألة على أربعة أوجه: إما أن يصدِّقَه بالوكالة، ويدفعَه إليه على ذلك: فلا يرجع به إذا ضمن(٢). أو یکذِّبُه، ويدفعه إلیه: فيرجع به إذا ضمن. أو لا يصدِّقَه، ولا يكذِّبُه: فيرجع به أيضاً. أو يصدِّقَه ويضمَّنَه: فيرجع به عليه في ثلاثة أوجه، ولا يرجع في وجهِ واحد، وهو أن يصدِّقَه ولا يضمِّنْه. فأما إذا صدَّقه ولم يضمِّنه، فقد اعترف بأنه قَبَض ما كان له قَبْضه، (١) في (د، م): ((ثم جاء صاحب المال)). (٢) الهداية ونتائج الأفكار ١١٨/٧، تبيين الحقائق ٢٨٢/٤. ٢٥٢ کتاب الدعاوى والبینات وأنه غير (١) مضمون عليه، وأن الغائب ظالمٌ في أَخْذه ثانياً، فيُصدَّق على نفسه، ولا يرجع. وأما إذا كذَّبه، فلم يعترف بأنه غير مضمون، بل قال: هو ظالمٌ في قَبْضه، آخِذُ ما ليس له: فهو مضمون عليه، فمتى استحق الغائب مالَه قِبَلي، ولم يجز قبضه، فلي أن أرجع عليه. وإذا لم يُصدِّقه ولم يكذبه: فله أن يقول: أنا أكذَّبه الآن، وأرجع به. وإذا صدَّقه وضمنه، فإنه وإن كان قد صدَّقه، فإنه ضمَّنْه الدَّرَك في المقبوض: فيرجع به إذا لَحِقَه به ضمان، كما يرجع المشتري على البائع بالثمن عند الاستحقاق وإن صدَّقه بصحة ملکه(٢). مسألة: [مَن دَفَعَ مال شخص إلى آخر من غير وكالة] قال أبو جعفر: (ومَن قال لرجل: ادفَعْ إليَّ ما عندك لفلان، وعليَّ ضمانه لك، ليس لأنه وكُّلني، ولكنه يستجيز قبضي، فدفعه إليه، فضاع عنده، ثم جاء فلانٌ: كان له أن يضمِّن الذي كان عنده ماله، ولم يرجع الذي کان عنده المال على الذي كان دفعه إليه). وذلك لأنه لم يدفعه إليه على ضمان، بل على جهة الرسالة والأمانة، فلا يضمنه له(٣). (١) ((غير)): ساقطة من (ر.د). (٢) الجامع الصغير مع شرحه النافع الكبير ص٤٠٢، الهداية وشروحها ١١٧/٧، تبيين الحقائق ٢٨١/٤. (٣) مختصر اختلاف العلماء ٢٦١/٤. ٢٥٣ کتاب الدعاوى والبينات باب کیفیة الاستحلاف على الدعوى مسألة : [كيفية الاستحلاف على الدعوى] قال أبو جعفر: (روي عن أبي حنيفة أنه قال: لا أستحلف المدَّعى عليه إذا ذكر المدعي أنَّ له بينةً حاضرة). قال : (ولم نجد هذه الرواية عند محمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: أستحلفه، فإن نَّكَلَ: لزمه الحق، وإن حلف: برى). وجه قول أبي حنيفة: أنَّ اليمين لا حكم لها مع البينة، والدليل عليه أنه لو أحضر بينته، وأراد اليمين معها: لم يُجَبْ إلى ذلك، كذلك إذا قال: لي بینةٌ حاضرة. ويدل عليه: ما روي في حديث الأشعث بن قيس، ووائل بن حُجْر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك»(١). ووجه قول أبي يوسف: أنَّ اليمين حقٌّ للمدعي إذا لم يُحضِر بينته، كما أنَّ البينة حقه، فله أن يطالب بأيهما شاء. والدليل على أنَّ اليمين حقه: قوله عليه الصلاة والسلام: ((واليمين (١) سبق. ٢٥٤ كتاب الدعاوى والبينات على المدعى عليه))(١)، فجعل اليمين حقاً عليه، فله أن يطالبه بها. وأيضاً: فإن القاضي يُحضره، ويُعْدي عليه لليمين، فدل على أنَّ اليمين حقٌّ عليه للمدعي. مسألة : قال أبو جعفر: (ولا يستحلف بالله: ما أقرضك، ولا أودعك، وإنما يستحلفه في الديون بالله: ما له عليك هذا المال الذي ادعاه، وهو كذا وكذا ديناراً، ولا شيء منه). وذلك لأنه يجوز أن يكون قد أقرضه وقضاه، أو أبرأه، ويجوز أن يكون أودعه، وردّه إليه، ويكون فيه حَيْفٌ على المدعى عليه؛ لأنك تستحلفه على ما لا يجب عليه فيه اليمين. ويقول: ((ولا شيء منه)): لأنه جائز أن يكون قد برئ من بعضه، وبقي البعض، فيكون باراً في قوله: ما له علي هذا المال، يعني جميعه، فيكون قد بخسنا حق المدعي فيما استحقه من اليمين. مسألة : قال: (يُستحلَف في الوديعة: ما له قِبَلك هذا الكذا كذا الذي ادعاه، ولا شيء منه، ولا له قِبَلك حقٌّ منه؛ لأنه يجوز أن يكون قد استهلكه، فضمنه). وجملة الأمر في هذا الباب: أن يراعى ما كان فيه إيفاء حق الفريقين من غير بَخْسٍ لحقِّ واحدٍ منهما. (١) سبق. ٢٥٥ كتاب الدعاوى والبينات مسألة : [الاستحلاف لمن ادعى شراء أرض بعينها] قال: (وإن ادعى شراء أرض بعينها، فإن أبا يوسف قال: إن قال المدعى عليه: ما بعتُه: استحلفه القاضي بالله: ما بعتُه هذه الأرض بهذا الثمن، لتكون يمين المدعى عليه مواطئة لدعوى المدعي، فإن عرَّض(١) البائع، وقال: قد يبيع، ثم(٢) ينفسخ، استحلفه بالله: ما بينك وبينه هذا البيع قائماً الساعة في هذه الأرض، ليوفي حق البائع أيضاً فيما عرَّض به. وقال محمد: يستحلفه: ما بينك وبينه هذا البيع قائماً الساعة، ولا يستحلفه على أصل البيع). وهذا كما قالوا: جميعاً في القرض والوديعة: أنه يستحلفه: ما له عليك هذا المال. مسألة : [الاستحلاف في دعوى الطلاق] (ويستحلف في دعوى الطلاق الثلاث بالله: ما طلقها ثلاثاً في هذا النكاح الذي تدعي أنه مقيم معها عليه، وكذلك في عتق الأمة إذا ادعته)(٣). (١) التعريض: تضمين الكلام دلالة ليس لها فيه ذكر، كقولك: ما أقبح البخل، تعرض بأنه بخيل، وفي التعريفات: التعريض في الكلام ما يفهم به السامع مراده من غير تصريح، وأما التصريح خلاف التعريض، كقولك: أنت بخيل ممن يعتقد أنه بخيل، ينظر: أنيس الفقهاء ص ١٧٥، التعريفات الفقهية ص٢٣١. (٢) في (د،م): لم ينفسخ، ونص عبارة المختصر ص ٣٦٥ ((وإن كان المدعى عليه قال للقاضي: ((قد يبيع الرجل الشيء ثم يرجع إليه بإقالة أو بفسخ بيع .. )). (٣) هذا مختصرٌ لكلام أبي جعفر في المختصر ص٣٦٥. ٢٥٦ كتاب الدعاوى والبينات مسألة : قال: (وإن كان المدَّعي لذلك غلاماً مسلماً، والمسألة على حالها: استحلفه بالله: ما أعتقه هذا العتاق الذي ادعاه، وإن كان الغلام ذمياً: استحلفه بالله: ما أعتقه هذا الإعتاق في هذا الملك الذي يدعي أنه مقيم عليه). وذلك أنَّ الأمة والعبد الذمي: قد يجوز ورود الرق عليهما بعد العتق، فلذلك احتاج أن يشترط في اليمين هذا الملك، ولم يحتج إلى شَرْط ذلك في الغلام المسلم؛ لأنه لا يجوز ورود الرق عليه بعد (١) العتق(١). مسألة : [كيفية الاستحلاف في دعوى المرأة النكاح وإنكار الزوج] قال أبو جعفر: (وإذا ادعت عليه امرأةٌ نكاحاً، فأنكر ذلك، وطلبت استحلافه علیه. في قول أبي يوسف ومحمد: فإنه يستحلف لها بالله: ما هي زوجتك بهذا النكاح الذي تدعیه علیك. وكذلك إذا كانت هي الجاحدة، والزوج مدَّع: استحلفها بالله: ما هذا زوجك كما يدعي). وذلك لأن فيه إيفاء حق المدعي من يمينه(٢). (١) شرح أدب القاضي للخصاف للصدر الشهيد ١١٨/٢، بدائع الصنائع ٢٢٦/٦، الهداية وشروحها ١٦٠/٧. (٢) بدائع الصنائع ٢٢٩/٦، ونبّه العلامة الشيخ أبو الوفا الأفغاني في تحقيقه للمختصر ص٣٦١ أنه لا يستحلف على قول أبي حنيفة. ٢٥٧ كتاب الدعاوى والبينات مسألة : [الاستحلاف في دعوى القتل الخطأ] قال أبو جعفر: (ومَن ادعى على رجل أنه قتل وليَّه خطأ، وأنكر ذلك المدَّعى عليه، وطلب يمينه على ذلك، فإنه قد روي عن أبي يوسف أنه يستحلف في ذلك على أصل الجناية بالله: ما قتلت فلاناً هذا. قال: لأني لا آمن أن يُتأول أنَّ الحق الواجب في قتله إياه، إنما هو على عاقلته، دونه). فيكون باراً في يمينه، وإذا احتمل ذلك، لم يكن فيه إيفاء حق المدعي من الیمین. قال: (أما في قياس قول محمد: فيستحلف بالله: ما له قِبَلك، ولا قِبَل عاقلتك الواجب بما يدعيه عليك من قتلك فلاناً، فإن حلف: برئ، وإن نكل عن اليمين: لزمته الدية في ماله). ووجهه أنَّ القاتل(١) مدعى عليه، إلا أنَّ الذي يلزم به، هو على العاقلة إذا كان ببينة، وإن كان بإقرار، فهو عليه في ماله، فيذكر ذلك في یمینه، لکن إن نکل عن اليمين: لزمه في ماله. ولا يحلفه على أصل القتل؛ لأن مِن أصله: أنه يستحلف على نفي الحق في الحال، لا على نفي السبب، على ما تقدَّم من قوله في دعوى البيع، ويكون بذلك مستوفياً لحق المدعي بلا تأويل. (١) في نسخة (د،م): ((القئل)). ٢٥٨ کتاب الدعاوى والبينات ولا يلزمه لما قال أبو يوسف في احتمال أن يكون نافياً للحق؛ لأنه على العاقلة؛ لأن محمداً يجمع عليه في يمينه الأمرين جميعاً، فيسقط معه الاحتمال(١). (١) شرح أدب القاضي للخصاف للصدر الشهيد ١٣٦/٢، بدائع الصنائع ٢٢٩/٦. ٢٥٩ كتاب العتّق كتاب العِثْق مسألة: [تبعيض العتق] قال أبو جعفر: (ومَن أعتق من عبده جزءاً، فإن أبا حنيفة كان يقول: يَعتق منه ذلك الجزء، ويسعى له في بقية قيمته، وقال أبو يوسف ومحمد: هو حُرٌّ كلُّه، ولا سعاية(١) عليه). قال أحمد: الدليل على جواز تبعيض العتق: حديث ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام ((فيمن أعتق نصيباً له من عبد، كُلَّف عتق ما (٢) بقي))(٢). وفي لفظ آخر: ((كُلَّف أن يُتَمَّ عِتْقه))(٣)، وفي لفظِ آخر: ((فقد وَجَبَ (١) في (ر.ج): تأتي هذه اللفظة دائماً بلفظ: ((سعي))، ودوَّنتها دائماً كما هي عليه فى (د، م): ((سعاية))، دون الإشارة إلى ذلك. والسعاية: استسعاء العبد إذا عَتَق بعضُهُ ورقَّ بعضه: أي أن يسعى في فكاك ما بقي من رِقِّه، فيعمل ويكسب، ويصرف ثمنه إلى مولاه، فسمي تصرفه في كسبه سعاية. النهاية لابن الأثير ٢/ ٣٧٠. (٢) الفتح الرباني ١٥٦/١٤ مصنف عبد الرزاق (١٦٧١٥) ١٥١/٩، السنن الكبرى ٢٧٧/١٠، ومعناه في الصحاح. (٣) صحيح البخاري بمعناه ١١٦/٥، السنن الكبرى ٢٧٥/١٠، ٢٧٧. ٢٦٠ كتاب العِثْق عليه أن يُعتق ما بقي))(١). وذَكَرَ عليُّ بن المديني عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان العبد بين اثنين، فأعتق أحدُهما نصيبه، فإن كان موسِراً: قُوِّم قيمة عَدْل، لا وكْس، ولا شطط(٢)، ثم يعطي صاحبه، ثم يَعتق))(٣). وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وعن عروة عن عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام نحوه، وقال فيه: ((ثم يعتق العبد))(٤). فهذه الألفاظ كلها توجب تبعيض العتق، ووقوعَه في بعض الرقبة دون بعض؛ لأن قوله: كُلَّف عِثْق ما بقي: فيه بيان أنّ العتق لم يقع في الجميع بالقول المتقدم، وكذلك قوله: كُلَّف أن يُتمّ عِتْقه، وكذلك قوله: فقد وجب عليه أن يعتق ما بقي، وقوله: ثم يعتق العبد؛ لأن: ثم: تقتضي الترتيب لا محالة، وذلك خلاف قول مَن يقول يعتق العبد كله بعتق البعض. وأيضاً: فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا عِثْق فيما لا يملك ابن آدم»(٥). (١) سنن البيهقي ٢٧٧/١٠. (٢) الوكس: النقص، والشطط: الجَوْر، النهاية ٢١٩/٥، ٤٧٥/٢. (٣) الفتح الرباني بمعناه ١٥٦/١٤، شرح مشكل الآثار للطحاوي ٤٠٨/١٣، سنن أبي داود ٣٥٠/٢، السنن الكبرى ٢٧٥/١٠، وفي القول المسدد: أخرجه خ وغيره. (٤) ينظر الحاشية السابقة. (٥) سبق.