Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كتاب أدب القاضي قال أحمد : ولا يمنعه أصحابنا من لزومه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لصاحب الحق اليد واللسان))(١)، ولم يفرِّق بين الواجد وغيره. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾(٢). قيل له: معناه: أنظروهم (٣)، ولا دلالة فيه على أنه يصير منظَراً بنفس الإعسار. ويدل عليه: ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((مَن أنظر معسِراً، أو وَضَعَ عنه: أظلَّه الله في ظِلِّ عرشه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه))(٤). ولو كان منظَراً بنفس الإعسار، ما استحق الثواب على إنظاره؛ لأن مَن كان منظَراً: لا يُنْظَر. * قال أبو جعفر: (وسواء كان ذلك الدين من قرض، أو بيع، أو صَدَاق امرأة، أو مما سوى ذلك). قال أحمد: أما الديون التي مَلَكَ أبدالها كالقرض، وثمن المبيع ونحوهما، فإنما لم يُصدَّق فيها على دعوى الإعسار في بدء ما رفع إلى الحاكم من وجهين : أحدهما: أنه قد حصل له ملك البدل، وصار به مَلِيّاً واجداً لقضاء الدین. (١) سبق. (٢) البقرة: ٢٨٠. (٣) تفسير الطبري ٢٨/٦. (٤) صحيح مسلم ١٨/ ١٣٥. ١٢٢ كتاب أدب القاضي والوجه الآخر: أن دخوله في عقد المداينة اعترافٌ منه بلزومه، ووجوبٍ قضائه علیه. وأما ما لم يملك بدله، مثل صداق المرأة، والكفالة: فإنما لزمه من وجهٍ واحد، وهو أنَّ دخوله في التزام الدين: اعترافٌ منه بوجوب أدائه، ولزوم مطالبته به، فلا يُصدَّق على الإعسار، كما أنَّ دخوله في سائر العقود اعترافٌ منه بصحتها، ولزومٍ حكمها(١). مسألة : [حكم شهادة أحد الزوجين للآخر] قال أبو جعفر: (ولا يقبل شهادة الزوج لامرأته، ولا المرأة لزوجها). قال أحمد : وذلك أنَّ لكل واحد منهما تبسُّطاً في مال صاحبه بعقد النكاح، ألا ترى أنَّ مال الزوج تنتفع به المرأة في العادة، ومال المرأة ينتفع به الزوج بسبب العقد الذي بينهما، فصارت شهادة أحدهما لصاحبه کشهادته لنفسه، لأنه جارُ بها إلى نفسه. وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لا تجوز في الإسلام شهادة ظِنِين، ولا شهادةُ القانع لأهل البيت))(٢). فمَنَعَ شهادة القانع بغلبة الظن في مثله، أنه يَجُرُّ بها إلى نفسه، فالزوج والمرأة أحرى بذلك. وجهة أخرى: وهي أنه متى كثُر مال الزوج، لزمه من النفقة بمقدار يساره، وتستحق به عليه منها أكثر مما تستحقه في حال العسر، وذلك (١) أحكام القرآن ١٩٦/٢، ٢٠٠، أدب القاضي للخصاف بشرح الجصاص ص١٣٦، شرح أدب القاضي للصدر الشهيد ٣٧١/٢. (٢) سبق بمعناه، والقانع: هو الخادم والتابع. ١٢٣ كتاب أدب القاضي سبب متعلق بعقد النكاح، فصار لها نفعٌ في شهادتها، وإذا كثُر مالها، زاد ذلك في مهر مثلها، وقيمة بُضْعها، والبُضْع هو مِلْك الزوج، فكأنه شهد بزيادة قيمة ما يملكه. وأيضاً: فلما كان في العادة أنَّ مال الزوج في يد المرأة؛ لأنها وماله(١) في داره: صارت شهادتها له شهادةً بما تستحق به اليد عليه، فلا يجوز، ألا ترى أنهم قالوا: إن المودَع إذا دفع الوديعة إلى امرأته: لم يضمنها؛ لأنه لا يتوصل إلى حفظها في العادة إلا بها(٢)، وما في يد المرأة، فكأنه في يد الزوج؛ لأن المرأة أيضاً في يده، فصارت شهادته لها، موجبة لاستحقاق يد نفسه على المشهود به، ولا تجوز شهادة الإنسان بما يوجب له استحقاق اليد عليه(٣). مسألة : (عدم قبول شهادة الأصول للفروع والعكس] قال أبو جعفر: (ولا تجوز شهادة أحدٍ لولده وإن سَفَلوا، ولا لوالديه وإن عَلَوا). قال أحمد: أما شهادة الأب للابن، فإن وجه بطلانها: أنَّ مال الابن منسوبٌ إلى الأب بقوله عليه الصلاة والسلام: ((أنت ومالك لأبيك))(٤). (١) في جميع النسخ: (ومالها)، لكن السياق يقتضي ما أثبته. (٢) الكتاب مع شرحه اللباب ١٩٦/٢. (٣) أدب القاضي للخصاف بشرح الجصاص ص٤٩٦، شرح أدب القاضي ٤ /٤١١، الهداية وشروحها ٤٧٩/٦، المبسوط ١٢٢/١٦. (٤) صحيح ابن حبان ١٤٢/٢، وانظر تصحيحه في فتح الباري ٢١١/٥، عمدة القاري ١٤٢/١٣، سنن ابن ماجه (٢٣١٢) ٣٤/٢، وفي الزوائد: إسناده صحيح. ١٢٤ كتاب أدب القاضي وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إنما أولادكم من كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم))(١). ورُوي في التفسير في قوله تعالى: ﴿مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ, وَمَا كَسَبَ﴾(٢): أنه يعني وما ولد(٣). * وإنما لم تجز شهادة الابن للأب؛ لأنه منسوب إليه بالولادة، فصارت كشهادة الأب للابن، من حيث كانت النسبة بينهما من طريق الولادة. ولهذه العلة بعينها لم تجز شهادته لآبائه وإن عَلَوْا، ولا لأولاده وإن سَفَلوا، إذ كان بعضهم منسوباً إلى بعض بالولادة(٤). مسألة : [المعاصي التي تُرَدُّ بها الشهادة] قال أبو جعفر: (ومَن وُقِف على أنَّ فيه كبيرةً من الكبائر التي أوعد الله عليها بالنار: لم تُقبل شهادته). وذلك لأنه مستحق في هذه الحال تسميةَ الفسق، وقال الله تعالى: (١) سبق. (٢) المسد: ٢. (٣) جامع البيان للطبري ٢١٨/٣٠. (٤) أدب القاضي للخصاف بشرح الجصاص ص٤٩٦، شرح أدب القاضي للصدر الشهيد ٤١٠/٤، الهداية وفتح القدير عليها ٤٧٧/٦، المبسوط ١٢٢/١٦، بدائع الصنائع ٢٧٢/٦. ١٢٥ كتاب أدب القاضي ﴿إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاٍ فَتَبَيَّنُواْ﴾(١). * قال أبو جعفر: (وإن لم يُقَفْ على ذلك، ووُقِفَ على مساوئ ومحاسن فيه: حُمِل أمره على الأغلب). وذلك لأن أحداً من دون الأنبياء لا يخلو من زَلَّةِ، ومن خطيئة، كما قال القائل(٢): وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا إن تَغْفِرِ اللهمَّ تَغْفِرْ جَمّاً ولو لم تُقبل إلا شهادة مَن لا ذنب له رأساً، لبَعُدَ وجود واحدٍ في الدنيا محكومٍ له بذلك، وذلك يؤدي إلى بطلان ما نَدَبَ الله إليه من استشهاد العدول ومَن نرضىُ من الشهداء(٣). مسألة : [ما تتحقق به الشهادة على الشهادة] قال أبو جعفر: (ولا يُقبل في الشهادة على الشهادة إلا مثل ما يقبل على الشهادة على الحقوق). وذلك لأن الشاهد على شهادة غيره، ناقل لشهادة شهود الأصل إلى القاضي، كما ينقل إليه إقرار المقر، فلا تنتقل تلك الشهادة إلى القاضي إلا بشاهدين، كما لا ينتقل إقرار المقر بالحق إليه إلا بشاهدين(٤). (١) الحجرات: ٦. (٢) القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في سنن الترمذي ٣٩٧/٥ (٣٢٨٤)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، و کتبه د /سائد بكداش. (٣) الهداية وفتح القدير ٤٨٤/٦، ٤٩٠، بدائع الصنائع ٢٦٨/٦. (٤) الهداية وفتح القدير ٥٢٢/٦، بدائع الصنائع ٢٨٢/٦. ١٢٦ كتاب أدب القاضي مسألة : [متى تقبل الشهادة على الشهادة] قال أبو جعفر : (ولا تقبل الشهادة على الشهادة إلا على شهادة ميت، أو غائب بينه وبين القاضي المسافة التي تُقصر في مثلها الصلاة، أو مريضٍ لا يستطيع إتيان القاضي). وذلك لأن الشهادة على الشهادة قائمة مقام شهادة الأصل، وبدل منها، وشهود الأصل إذا كانوا حضوراً، يمكنهم إتيان القاضي، فعليهم إقامتها، فلا يصح لبدلها حكمٌ مع وجود المبدل عنه، كما لا يصح للتيمم حكمٌ مع وجود الماء المفروض به الطهارة، ولا يصح صوم الكفارة مع وجود الرقبة، في نظائرها من المسائل. وأيضاً: فالقياس يمنع جواز الشهادة على الشهادة، وذلك لأن الشاهد إنما تصح شهادته إذا نَقَلَ حقاً على المشهود عليه يطالب به عند القاضي، فأما نَقْله ما ليس بحق على إنسان: فليس يصح، ولا يثبت له حكم. وليست الشهادة التي عند شهود الأصل حقاً عليهم للمشهود عليه، بدلالة أنه لا تصح الخصومة فيها، ولا المطالبة بها، والجبر عليها، فكان القياس أن لا تصح الشهادة على الشهادة بحال، إلا أنّ الفقهاء قد اتفقوا على جوازها إذا كان وَصْفُها على ما ذكرنا، فسلَّمناه للاتفاق، وما عداه فمحمولٌ على القیاس. * ولهذه العلة بعينها قالوا: لا تصح الشهادة على الشهادة، إلا أن يُحمِّلهم إياها شهودُ الأصل بلفظِ تحميل الشهادة، والأمرِ بها على وجه التوكيل. ولا يصح نقلهم لها إذا كان بخلاف ذلك. ولا تجوز إذا شهد رجلان على شهادتهما لغيرهما أن يشهدا؛ لأنهما ١٢٧ كتاب أدب القاضي لا يُحمِّلاهما إياها. ويحتاج في صحة تحميل الشهادة أن يقول له: اشهَد على شهادتي أني أشهد: أنَّ لفلانٍ على فلان كذا. ولامتناع جواز الشهادة على الشهادة إذا سَمِعَاهما يُشهدان غيرَهما، طا یشهداهما. ولم ووجهٌ آخر: وهو أنَّ الشهادة ليس لها حكم بنفسها حتى يقضي بها القاضي، فلا يجوز لغيرهما أن يَشهد على شهادتهما، حتى يُشهداهما. وليست الشهادة على الشهادة في هذا، كالشهادة على العقود والإقرارات؛ لأن هذه الأشياء حكمها ثابت بنفسها، ولا تحتاج في ثبوتها إلى قضاء القاضي بها، فأشبه في هذا الوجه: القتل، والغصب، يَسَعُ مَن شاهد ذلك وعاينه: أن يشهد به وإن لم يأمره الغاصب بالشهادة عليه. ويُشبه ذلك قضاء القاضي إذا قال: حكمتُ لفلان على فلان بألف درهم، فَيَسَعُ مَن شهد من الشهود أن يشهد على قضائه وإن لم يشهده؛ لأن حكمه ثابت لازم كإقرار المقرِّ، والقتل والغصب(١). مسألة : [حكم الشهادة على شهادة غير العدل] قال أبو جعفر : (ولا ينبغي للرجل أن يشهد على شهادة مَن ليس عنده بعدل). قال أحمد: وذلك لأن من الفقهاء مَن يحمل أمر الشهود على (١) ينظر مختصر الطحاوي ص٣٣٦، شرح أدب القضاء للجصاص ص٥١٥، الهداية وفتح القدير ٥٢٢/٦، تبيين الحقائق ٣٨/٤، بدائع الصنائع ٢٨٢/٦. ١٢٨ كتاب أدب القاضي العدالة، حتى يتبيَّن غيره، ولا يسأل عنهم حتى يظهر له غيره، فلا يأمن الشاهد عنده على شهادة مَن ليس بعدل أن يُمضيَ القاضي الحكم بشهادته، فیکون قد قضى بشهادة غير العدول. مسألة : [سؤال القاضي عن المشهود على شهادته] قال أبو جعفر : (وإن شهد عند القاضي على شهادة رجل ولم يعدِّله عنده، سأل القاضي عن المشهود (١) على شهادته، كما يسأل عنه لو كان شهد عنده بنفسه). قال أحمد : وهذا على قول مَن يرى المسألة عن الشهود، فأما مَن يجعلهم عدولاً في الظاهر، حتى يتبين غيره، فإنه لا يسأل عنهم على ما تقدم بيانه فیما سلف(٢). * قال أبو جعفر : (فإن عدَّله عنده الشاهد على شهادته: قَبلَ تعديله إن كان ممن يَصلح للتعديل ويُحْسنه). وذلك لأن نقله لشهادته، لا يمنع صحة تعديله، إذ لا فرق بين تعديله وتعدیل غيره. فإن قيل: يريد أن يصحح بتعديله شهادة نفسه، فينبغي أن لا يقبل تعدیله. قيل له: وما عليه في تصحيح شهادة نفسه؟ أليس إنما تصح شهادته بعدالته؟ فواجب على قضيتك أن لا تصح لأحدٍ شهادة؛ لأنه لولا صلاحه (١) في (ر.ح): ((الشهود)). (٢) ينظر بدائع الصنائع ٢٧٠/٦، وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة خلافاً لهما، ثم ذكر الكاساني: بأن هذا ليس بخلافٍ حقيقة، إنما هو اختلاف زمان. ١٢٩ كتاب أدب القاضي وعدالته في نفسه، لم تقبل شهادته. ويدل على سقوط هذا الاعتبار: أنَّ شاهدين لو شهدا عند القاضي على رجل بحق، وعدَّل أحدُهما صاحبَه: قَبل تعديله إن كان أهلاً لذلك وإن كان تعديله يصحح شهادته، إذ لا تجوز شهادته إلا بصحة شهادة صاحبه(١). مسألة : [العدد المشترط في الشهادة على الشهادة] قال أبو جعفر : (ويَقبل القاضي شهادة شاهدين على شهادة شاهدين، إذا كان كل واحد منهما يشهد على شهادة كل واحد من ذينك الشاهدين). قال أحمد: وذلك لأنهما ناقلان لكلامهما؛ كما ينقلان إقرار المقر، ولو شهدا على شهادة أحدهما: جازت شهادتهما فلا تمنع شهادتهما على شهادة الآخر من نقل شهادة صاحبه. فإن قيل: تريد أن تُصحِّح شهادة أنفسهما بنقل شهادة الآخر. قيل له: ويجوز لهما تصحيح شهادة أنفسهما، ألا ترى أنَّ الفاسق غير مقبول الشهادة، وإذا تاب وأصلح: قُبِلت شهادته، وإنما صحَّح شهادة نفسه بفعله، وكل شاهدين يشهدان عند قاض، فهما قاصدان إلى تصحيح شهادتهما. أرأيت لو شهد رجل وابنه بشهادة، أمَا كانت تجوز شهادتهما من أجل أنّ كل واحد منهما يقصد تصحيح شهادة ابنه، أو أبيه بإقامته الشهادة معه؟ فلما جاز ذلك بالاتفاق، مع وجود ما ذكرت من الاعتلال، دلَّ ذلك (١) الهداية وفتح القدير ٥٢٩/٦، تبيين الحقائق ٢٤٠/٤. ١٣٠ كتاب أدب القاضي على سقط هذا السؤال(١). مسألة : [عدم أخذ القاضي كفيلاً من وارث دُفع إليه الميراث] قال أبو جعفر: (ولا يأخذ القاضي من وارثٍ لميتٍ دُفع إليه ميراثه، ولا مِن غريمه، ومِن موصى له، كفيلاً بشيء مما دُفع إليهم، وقال أبو حنيفة: هذا شيء احتاطت به القضاة، وهو ظلمٌ). قال أحمد : وذلك لأن الوارث، والغريم، والموصى له قد استحقوا أخذ المال، لا نعلم هناك مستحقاً غيرهم، فلا معنى لمطالبتهم بإقامة كفيلٍ لغير مستحق. قال أحمد: وأبو يوسف ومحمد: يأخذان منه كفيلاً؛ احتياطاً للميت(٢). مسألة : [الاستخلاف على العلم] قال أبو جعفر: (ومَن ورث داراً أو عبداً، فادعاه رجل، وطلب يمينه عليه: استُحلف له على علمه). وذلك لأنه يدعي استحقاق ملك الميت، وهو خصم عنه، فكأنه مستحلَف على فعل غيره، فتكون يمينه على العلم. والأصل فيه: ((استحلاف النبي عليه الصلاة والسلام في القسامة: بالله (١) ينظر الهداية وفتح القدير ٥٢٣/٦، ٤٧٥، تبيين الحقائق ٢٣٨/٤. (٢) شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي، (خ) ٢ / لوحة ١٦٠ أ، بدائع الصنائع ٢٧٦/٦. ١٣١ كتاب أدب القاضي ما قتلناه، ولا علمنا قاتلاً)) (١). فما كان على فعل الحالف: كان على البتات(٢)، وعلى فعل غيره: على العلم. ویدل علیه: ما حدثنا محمد بن بکر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمود بن خالد قال: حدثنا الفريابي قال: حدثنا الحارث بن سليمان قال: حدثني كردوس عن الأشعث بن قيس ((أنَّ رجلاً من كندة، ورجلاً من حضرموت، اختصما إلى النبي عليه الصلاة والسلام في أرض من اليمن، فقال الحضرمي: يا رسول الله! أرضي اغتصبنيها أبو هذا، وهي في يده. قال: هل لك بينة؟ قال: لا، ولكن حلِّفه: والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين))(٣)، وساق الحديث. فقد سأله الحضرمي استحلافَه على العلم، ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، فصار ذلك أصلاً في نظائره مما يُستحلف فيه على العلم، إذا كانت اليمين فيه على فعل الغير (٤). مسألة : [نسيان القاضي لما قضى به، وللمدعي بينة على ذلك] قال أبو جعفر: (ومَن ادعى عند القاضي قضاءَه به، وهو لا يَذکر (١) سنن أبي داود ٤٨٦/٢، سنن النسائي ١٢/٨، نصب الراية ٣٩٢/٤. قال الزيلعي: وفيه نظر، ثم قال: أعني أنه يحتاج إلى تأمل. (٢) أي على القطع. لسان العرب (ت - ب) ٦/٢. (٣) سنن أبي داود ٢/ ٢٨٠، السنن الكبرى ١٠/ ٢٥٤. (٤) أدب القاضي للخصاف بشرح الجصاص ص٩٨، شرح أدب القاضي للصدر الشهيد ٢٣٣/٢، ٢٤٧. ١٣٢ كتاب أدب القاضي ذلك، وسأله المدِّعي إحضار بينة تشهد له على ذلك، فإن أبا يوسف قال: لا يسمع من بينته إن شهدت عنده على ذلك، وقال محمد: يسمع من بينته عليه، ويقضي به). وجه قول أبي يوسف: أنَّ الشهادة تُسقطها الشبهة والتهمة، ولا شبهة أكثر من شهادتهم على فعله، وهو لا يذكره، فصار ذلك شبهة في سقوطها. ويدل عليه: أنه لو شهد عنده شاهدان بحق، فلم يقض بشهادتهما حتى تطاول الزمان، وشهد عنده شاهدان أنَّ الأولَيْن قد كانا أقاما الشهادة عنده بذلك، وهو لا یذکره: لم يلتفت إليه. وكذلك لو أنَّ شاهدين عدلين قالا لرجل: قد كنتَ أشهدتنا على شهادتك: أنَّ لفلان على فلان ألف درهم، وهو لا يذكر ذلك: لم يسعه أن يشهد عند القاضي بما قالا. وكذلك لو رأى خطه ولم يذكر الشهادة: لم يسعه إقامتها. ويدل عليه ((حديث عمار حين قال لعمر في شأن التيمم: أما تذكر يا أمير المؤمنين أنا كنا في الإبل، فأجنبتُ، فتمعَّكتُ في التراب كما يتمعَّك الحمار، ثم سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، وتمسح بهما وجهك وذراعیك)). فلم يُقْنع عمرَ قولُ عمار(١)، إذ لم يكن ذاكراً لما ادعى مشاهدته، ولم (١) صحيح البخاري ٣٥١/١. ١٣٣ كتاب أدب القاضي يَنْزِل على قوله، في أنَّ الجنب يتيمم(١)، وقد كان من مذهب عمر قبول أخبار الآحاد، إلا أنه لما ذَكَرَ حالاً شاهدها عمر، ولم يذكرها: لم يقبله. * وفرَّق أبو يوسف بين ذلك، وبين ما يجد في ديوانه مما لم يذكره، قال: لأن ذلك كان تحت خاتمه، وفي يده، وها هنا إنما يريد الحكم بقول غيره فيما لا يذكره من قضیته. * وجه قول محمد: أنه یسمع مِن بینته على قضاء غيره، فكذلك على قضاء نفسه، إذ لا يمتنع جواز النسيان عليه، وقد قَبِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قولَ أبي بكر وعمر حين صدَّقا ذا اليدين في قوله: ((قَصِرَت الصلاة، أم نسيت؟))(٢). وقَبِلَ عمرُ قولَ أنسٍ وغيره في أمانة الهُرْمُزان(٣) حين قال له: أتكلم بكلام حي، أو كلام ميت؟ فقال: تكلّم بكلام حي (٤). * ولأبي يوسف: أنه لم يكن جرى هناك من النبي عليه الصلاة والسلام قضية، فأنسيَها، ثم قضى بها بقول غيره، وإنما نسي عليه الصلاة والسلام ركعتين من الصلاة، وليس يمتنع أن يكون حين أخبروه: ذَكَرَ، (١) ((لا يتيمم): هكذا في النسخ، ولكن من مذهب عمر رضي الله عنه أنَّ الجنب: لا يتيمم، كما في الفتح ٤٥٥/١، موسوعة فقه عمر ص٢٢٨، وعليه فصواب العبارة: (أن الجنب يتيمم)، وينظر فتح الباري ١ / ٤٥٧. (٢) صحيح البخاري ١٦٣/٢. (٣) الهُرْمُزَان صاحب: تستر، وهو من جملة الملوك الذين تحت ید یزدجرد، وأسلم الهرمزان، وفرض له عمر، وأقام بالمدينة. تاريخ الإسلام ((عهد الخلفاء الراشدین» ص ٢٠٠، ٢٩٤. (٤) تاريخ الإسلام ((عهد الخلفاء الراشدين)) ص ٢٠٠، ٢٤٩-٢٩٥. ١٣٤ كتاب أدب القاضي فعمل على علمه بعد الذكر، وكذلك خبر عمر(١). مسألة : [حكم قبول خبر القاضي لتنفيذ ما أَمَرَ به] قال أبو جعفر: (وإذا قال القاضي لرجل: اقطع يد هذا، فإنه قد سرق ما یجب فيه القطع، وقد حکمتُ به علیه، أو قال: فارجمه؛ لأنه زنى، أو قال: قد قضيتُ عليه لهذا بألف درهم: فإن قول القاضي مقبولٌ في ذلك كله، في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد بأَخَرةٍ: لا يسعه حتى يَشهد مع القاضي عدلٌ آخر، ويكون القاضي عدلاً، وفي الزنى: يشهد معه ثلاثة). وجه قول أبي حنيفة: أنَّ القاضي مسلَّط على ذلك، أمينٌ فيه، يملك القضاء به، فقُبِل قوله فيه، كما يُقبل قول الوكيل بالبيع والطلاق، وسائر العقود التي تتعلّق صحتها بفعله وحده إذا قال: قد أمضيتُه وعقدتُه. والمعنى في جميع ذلك: أنه يملك إيقاعَه في الحال، كذلك القاضي لما كان يملك القضاء بهذه الحقوق عليه في الحال، وجب أن يكون مصدَّقاً فيها. ولذلك قالوا: إنه لو عُزِل، ثم أخبر بذلك: لم يُلتفت إلى قوله؛ لأنه لا يملك القضاء بها في الحال، كما أنَّ الوكيل إذا عُزِل، ثم قال: قد كنتُ عقدت: لم يلتفت إلى قوله. وكما أنَّ المطلِّق لامرأته طلاقاً رجعياً، إذا قال قَبْل مضيِّ ثلاث حِيَض: قد كنتُ راجعتُها أمس: كان مصدَّقاً؛ لأنه يملك الرجعة في (١) مختصر اختلاف العلماء ٣٥٥/٣، أدب القاضي بشرح الجصاص ص١٨٦، شرح أدب القاضي للصدر الشهيد ٩٦/٣-١٠١. ١٣٥ كتاب أدب القاضي الحال، ولو مضت ثلاث حِيَض، ثم قال: قد كنتُ راجعتُها قَبْل انقضاء العدة: لم يُصدَّق، إذ كان غيرَ مالكٍ لها في الحال. ويدل عليه أيضاً: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((واغْدُ يا أُنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجُمْها))(١). ومعلومٌ أنَّ الرجم لا يكون به وحده، بل به وبجماعةٍ غيره، لقول الله تعالى: ﴿وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٢)، فقد تضمَّن الخبرُ جوازَ قبول قوله عليها في صحة إقرارها بما يوجب رَجْمها، إذ قد أجاز لهم أن يرجموها بقوله، لأنه لم يقل له: ارجمها إلا وقد أجاز له أن يُجيز غيرَه بما یوجب عليها من الرجم، لیرجمها معه. ويدل عليه أيضاً: قول علي رضي الله عنه: ((الرجم رجمان: رجم سِرُّ، ورجم علانية))(٣). فرَجْم السِّرِّ هو الذي يبدأ الإمام، ثم الناس، فقد أجاز لهم رجمها بقوله. * وقال محمد: لم يكن هذا لأحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أن يُصدَّق على غيره بغير بينة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان مأمون الغيب، وقد اتفقنا على أنه لا يقول إلا حقاً، ومَن سواه جائزٌ عليه السهو والغلط والكذب في إخباره. (١) سبق. (٢) النور: ٢. (٣) مصنف عبد الرزاق (١٣٣٥٣) ٣٢٧/٧، السنن الكبرى بمعناه ٢٢٠/٨. ١٣٦ كتاب أدب القاضي ويدلك على ذلك: حديث أبي برزة الأسلمي ((أنَّ أبا بكر غضب على رجل من المسلمين، واشتد غضبه. قلت: يا خليفة رسول الله! اضرِبْ عنقه، فقال: أو کنتَ فاعلاً؟ قال: قلت: نعم، ولئن أمرتَني لفعلت. قال: ويحك! إنَّ ذلك - والله - ما بقيَ لأحدٍ بعد محمد عليه الصلاة والسلام))(١). (١) تاريخ الخلفاء ص٩٧، قال السيوطي: أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وينظر مختصر اختلاف العلماء ٣٧٠/٣، شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد (خ) لوحة ١٦٠ ب، شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي (خ) ٢ / لوحة ١٦٠أ. ١٣٧ كتاب الشهادات کتاب الشهادات مسألة : [الشهادة على الخبر المستفيض] قال أبو جعفر: (وجائزٌ للرجل أن يشهد على موت رجل ممن قد اشتهر موته، أو أخبره بذلك مَن يثق به، ممن ذَكَر له أنه قد عاينه، من رجل أو امرأة). قال أحمد: الموت، والنكاح، والدخول، والنسب، لا خلاف بين أصحابنا في جواز إقامة الشهادة عليها بالخبر المستفيض، ذلك لأن طريق إثباتها الخبر والاشتهار، ألا ترى أنك تشهد على نسب أبي بكر وعمر وعامة السلف وموتهم، وتعلم أنَّ عائشة كانت زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان دخل بها، فهذه أمور يصير الخبر المستفيض فيها کالمعاينة. فإن لم تكن معاينة، وأخبره بذلك مَن يثق به، أنه عاينه ميتاً: جاز للشاهد أن يشهد بموته أيضاً؛ لأنه لما كان طريقه الخبر: سقط فيه اعتبار العدد، كسائر أخبار الآحاد. [مسألة : ] قال : (ولا يجوز للرجل أن يشهد على الولاء المشهور في قول أبي 1 ١٣٨ كتاب الشهادات حنيفة، وجائزٌ له ذلك في قول أبي يوسف(١) ومحمد). لأبي حنيفة: في إثبات الولاء: إثباتُ العتق؛ لأنه من أحكامه، وبه تتعلق صحته، والعتق لا يثبت بالخبر المستفيض، فكذلك ما يتعلق به من الولاء. وليس كالنسب؛ لأن النسب يتعلق بالفراش، والفراش يصح ثبوته من جهة الاستفاضة. وأيضاً: فالولادة قد تثبت بقول امرأة واحدة، فهي أولى بأن تثبت بالاستفاضة. قال أحمد : وأما أبو يوسف: فإنه قد حُکي عنه أنه كان لا يُثْبِت الولاء في رجل أو امرأة بعينها بالخبر المشهور؛ لما فيه من إثبات عثْقهما. وإنما يَقْبل فيه خبر الاستفاضة إذا كان له أبوان أو ثلاثة في الإسلام في الولاء، ويكون مشهوراً، فيصير حينئذ بمنزلة النسب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((مولى القوم من أنفسهم))(٢). وقوله: ((الولاء لُحْمةٌ كلُحْمة النسب))(٣). (١) لأبي يوسف قولان في المسألة. ينظر بدائع الصنائع ٢٦٧/٦. (٢) سبق. (٣) المستدرك (٤٣/٧٩٩٠) ٣٧٩/٤. قال الحاكم: صحيح الإسناد، السنن الكبرى ٢٩٣/١٠، وفي نصب الراية ١٥١/٤ قال الزيلعي: وهو حديث غير محفوظ، وقد رواه جماعة عن عبد الله بن دينار، ... إلخ، وذكر البيهقي أنَّ صوابه ما روي مرسلاً عن الحسن، واعترضه ابن التركماني وبيَّن روايته مسندةً، وتصحيح الحاكم، وينظر التلخيص الحبير ٢١٣/٤. ١٣٩ كتاب الشهادات فإذا لم يحتج فيه إلى إثبات عتق شخص بعينه: صار كالنسب(١). مسألة : [الشهادة على دارٍ بأنها لفلان الميت] قال أبو جعفر: (فإذا شهد شاهدان أنَّ فلاناً مات، وهذه الدار في ملكه، وتركها ميراثاً لابنه هذا، لا يعلمان له وارثاً غيره: فهو جائز، ولا يكلَّفان أكثر من هذا). قال أحمد: وذلك لأنهما قد أثبتا ملك الميت إلى وقت الموت، وأثبتا نَقْلَها إلى الابن بالموت، وهو المستحق للميراث، ما لم يثبت مَن یزاحمه فیه. وقولهما: إنهما لا يعلمان له وارثاً غيره: ليس بشهادة في الحقيقة، لأنه نفي، والشهادة لا تصح على النفي. وأيضاً: فإنما شهدا على نفي العلم، والشهادة إنما تصح على العلم، قال الله تعالى: ﴿إِلَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(٢). ولو لم يقولا: لا نعلم له وارثاً غيره: تلوَّم(٣) القاضي في ذلك، ثم دفع إليه المال، فإنما أسقط التلوم عن القاضي بقولهما: لا نعلم له وارثاً غيره؛ لأن القاضي إنما يَرجع إلى مثلهما في المسألة عن عدد الورثة، فإذا قالا له: لا نعلم له وارثاً غیره دفع إلیه. وإنما دفع إليه الميراث بعد التلوم وإن لم يشهدا أنهما لا يعلمان له (١) بدائع الصنائع ٢٦٦/٦، الهداية وفتح القدير ٤٦٦/٦. (٢) الزخرف: ٨٦. (٣) تلوَّم في الأمر: تمكث وانتظر. لسان العرب (م.ل) ١٢ /٥٥٧. ١٤٠ كتاب الشهادات وارثاً غيره؛ لأن الابن يستحق جميع الميراث ما لم يكن له مَن يزاحمه فيه، فلما وُجد سبب الاستحقاق، وهو النسب، وجب أن يستحق تسليمه إليه، إلا أنَّ القاضي ينبغي له أن يحتاط للميت في المسألة عن عدد ورثته، لئلا يأخذ ماله غير مستحقه (١). مسألة : قال أبو جعفر: (ويأخذ منه كفيلاً ثقة). قال أحمد: وذلك لأن البينة لم تقم على عدد الورثة، ولا يأمن أن یکون هناك وارثٌ غیره، فيُحتاط فيه. مسألة : [شهدا ألا وارث له غير مَن ذكرا] قال أبو جعفر: (لو شهدا أنه لا وارث له غيره، فإن القياس في ذلك أن لا يقبل القاضي شهادتهما على ذلك؛ لأنهما شهدا على غيب، وعلى ما لا يجوز لهما الشهادة عليه، إلا أنه استَحْسَن، فَقَبِل الشهادة، وحمل ذلك على معنى العلم). قال أبو جعفر: (وكذلك لو شهدوا أنه أبوه: كان هذا والأول سواء، وسواء في هذا شهدوا أنه وارث الميت، أو لم يشهدوا بذلك، وكذلك إذا قالوا: هي زوج فلان، أو هذا زوج فلانة)(٢). وذلك لأن هؤلاء يستحقون الميراث بأنفسهم، ولا يُحجبَون بغيرهم (١) شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد (خ)، لوحة ١٥٨ ب-١٥٩ أ، بدائع الصنائع ٢٧٤/٦، الهداية وفتح القدير ٥١٨/٦. (٢) ذكر الجصاص هذه المسائل بصيغة مختصرة عما في مختصر الطحاوي ص٣٣٩.