Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب المرتد وقال تعالى: ﴿لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾(١)، فأخبر أنَّ الردة تُحبط سائر أعماله المفعولة في حال إسلامه، ثم لم يجب عليه قضاء ما أحبطه بردته، لأجل كفره، كذلك ما تركه في حال الكفر، وقد بيًَّا هذه في كتاب الصلاة من هذا الكتاب. وأيضاً: قد اتفقوا أنه ليس عليه قضاء الصيام المتروك في حال الردة، كذلك الصلاة؛ لأنها عبادة تتعلق صحتها بوجود الإيمان ، فإذا أسلم بعد الردة، كان بمنزلة مَن لم يزل كافراً أسلم في الحال، فتلزمه صلاة الوقت والحج. مسألة : [حكم من سب الرسول صلى الله عليه وسلم أو تنقّصه] قال أبو جعفر: (ومَن سبَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أو تنقّصه: كان بذلك مرتداً)(٢). وذلك لقوله تعالى: ﴿لَّتُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾(٣). وقال تعالى: ﴿لَاتَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ وَلَا تَجْهَرُ واْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾(٤)، فلما جَعَل تعالى تعظيمَ الرسول من شرائط الإيمان، كان مَن لم يعظّمه كافراً. (١) الزمر: ٦٥. (٢) حاشية ابن عابدين ٢٣١/٤، هامش الفتاوى الهندية ٥٧٤/٣، المغني والشرح الكبير ١١٣/١٠، المحلى لابن حزم ٤٠٨/١١. (٣) الفتح: ٩. (٤) الحجرات: ٢. ١٤٢ كتاب المرتدِ وأحبط عملَ مَن جَهَرَ له بالقول، فكيف مَن سبَّه؟! ولمَا روي أنَّ رجلاً أغلظ لأبي بكر الصديق، فقال له أبو بردة: ((دعني أضرب عنقه، فقال: ما كان ذلك لأحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم))(١). وروي أنَّ رجلاً كانت له أمُّ وَلَدٍ، تشتم النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقتلها، فأهدر النبيُّ صلى الله عليه وسلم دمها (٢). فدل على أنَّ شَتْمَ النبي صلى الله عليه وسلم يوجب الردة. فصل : [حكم أهل الذمة في سب الرسول صلى الله عليه وسلم] قال أبو جعفر: (ومَن كان من ذلك من أهل الذمة: فإنه يؤدَّب ولا يُقتل)(٣). لأنهم قد أُقِرُّوا على دينهم، ومِن دينهم عبادة غير الله، وتكذيب الرسول. ويدل عليه: ما روي ((أنَّ اليهود دخلوا على النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: السام عليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعلیکم»(٤)، ولم یوجب علیھم قتلاً. (١) سنن أبي داود ٢٥٨/٤ ح ٤٣٦٣-٤٣٦١، المحلى لابن حزم ١١ /٤٠٩. (٢) المصادر السابقة. (٣) الهداية مع البناية ٨٤٢/٥، المحلى لابن حزم ١١ /٤١٥. (٤) صحيح البخاري ٥١/٨. ١٤٣ كتاب الحدود کتاب الحدود مسألة : [حد الزاني المحصن] قال أبو جعفر (١): (وإذا زنى المحصَن(٢) والمحصَنة رُجما حتى يموتا، ثم غُسِّلا، وكُفِّنا، وصُلِّي عليهما، ودُفِنا)(٣). قال أحمد : الذي في كتاب الله تعالى من حَدِّ الزانيَيْن ضربان (٤): أحدهما منسوخ الحكم، والآخر ثابت، فأما الأول، فهو قوله تعالى: ﴿وَالَِّ يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمٌّ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْثُ أَوْ يَجْعَلَ اَللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٥)، وقال: ﴿وَأَلَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا﴾ (٦)، فكان حد المرأة الحبس والتعيير، والسب، وحَدُّ الرجل الإيذاء بالتعيير والسب. (١) مختصر الطحاوي ص٢٦٢. (٢) سيأتي تعريف الإحصان قريباً. (٣) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٢٤/٥-٢٢٨. (٤) أحكام القرآن للجصاص ١٠٥/٢، ٢٥٥/٣. (٥) النساء: ١٥-١٦. (٦) النساء: ١٥ -١٦. ١٤٤ كتاب الحدود وكذلك روي في التفسير عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم(١)، فكان ذلك حد الزانيَيْن في بدء الأمر، محصنَيْن كانا أو غير محصنَيْن، ثم نُسخ ذلك في غير المحصنَيْن بالجلد المذكور في قوله تعالى: ﴿ الَِّيَةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُ واْكُلّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَدَةٍ﴾(٢)، وبقي حكمه في المحصنين، فُنُسخ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رَجْم المحصَن. روى ابنُ عباس وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وأبو ذر وأبو هريرة ونعيم بن هزال وبريدة وأبو بردة ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رَجَمَ ماعز بن مالك))(٣). وروى مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر قال: ((فيما أنزل إلينا الرجم، ووعيناه، وأن الرجم في كتاب الله على (٤) من زنی))(٤). ومعناه: عندنا فيما أنزل الله من وحي الله، وقوله: في كتاب الله: يعني في فرضه، كقوله: ﴿كُنِبَ عَلَيْكُمْ﴾: يعني فُرِض عليكم، وقال: ﴿كِنَبَ اُللهِ عَلَيْكُمْ﴾ : يعني فرضه عليكم. (١) أحكام القرآن ١٠٥/٢، ٢٥٥/٣. (٢) النور: ٢. (٣) انظر صحيح البخاري ٢١/٨ -٢٤، فتح الباري ١٢٠/١٢، صحيح مسلم ١٣١٨/٢، سنن الترمذي ٢٧/٤، شرح معاني الآثار ١٤٣/٣. (٤) صحيح البخاري ٢٦/٨، صحيح مسلم ١٣١٧/٢ ح ١٦٩١، سنن الترمذي ٣٠/٤. ١٤٥ كتاب الحدود وثبوت الرجم واردٌ من طريق الاستفاضة والتواتر، وبمثله يجوز عندنا نسخ القرآن. * فإذا رُجم: غُسِّل وكُفِّن، وصُلِّي عليه. * وأما الغسل والتكفين: فلما في حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بَرَجْم رجلٍ، فجاء أبوه فأعانه على غسله وتکفینه ودفنه))(١). * وأما الصلاة عليه: فلما في حديث أبي بريدة عن أبيه ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى على الجهنية بعد ما رجمها))(٢). وقد قيل في بعض أخبار ماعز: ((إنه لم يصلِّ عليه))(٣). وجائز أن يكون أمر غيره بالصلاة عليه؛ لأنه لم يُرجم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضاً: فإن المرجوم بمنزلة سائر الأموات، باقٍ على حكم الإسلام، فوجب أن يكون حكمُه في دفنه والصلاة عليه حُكْمَ سائر المسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الجهنية: ((لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكْس، لغُفِر له))(٤). وفي حديث أبي هريرة ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في ماعز (١) السنن الكبرى ٢١٨/٨. (٢) فتح الباري ١٣٠/١٢، صحيح مسلم ١٣٢٤/٢ ح ١٦٩٦. (٣) صحيح البخاري ٢٢/٨، سنن أبي داود ٥٧٧/٤، سنن الترمذي ٢٨/٤ ح١٤٢٩. (٤) صحيح مسلم ١٣٢٤/٢ ح ١٦٩٥، أبو داود ٤ /٥٧٧. ١٤٦ كتاب الحدود بعد رَجْمه: إنه لفي أنهار الجنة ينغمس فيها))(١). [الجلد مع الرجم] قال أبو جعفر رحمه الله: (ولا جَلْدَ عليه مع الرجم)(٢). قال أحمد : والحجة فيه: ما روي في قصة ماعز ((أنّ النبي صلى الله علیه وسلم رجمه، ولم يجلده))(٣). وكذلك في قصة الجهنية، ذُكِر الرجم، ولم يذكر فيها الجلد(٤)، ولو كان قد جلدها مع الرجم لنُقِل. وكذلك في حديث خالد بن اللَّجْلاج عن أبيه في الرجل الذي اعترف عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنى، فرجمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر جلداً (٥)، ولو كان قد جلده لنُقِل كما نُقِل ما دون الجلد من الغُسل والتكفين والصلاة. وأيضاً: لو كان الجلد واجباً مع الرجم، لكانا جميعاً حَدَّ، وكان أحدهما بعضَ الحدِّ دون کماله. وغير جائز للراوي الاقتصار على نقل بعض الحد دون جميعه؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون المنقول هو جميع الحد، كما أنه لو رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقد جلد رجلاً من الزنى مائة، لم يجز له الاقتصار في (١) أبو داود ٤ /٥٨٠ ح ٤٤٢٨. (٢) بدائع الصنائع ٩/ ٤١٦٢، نيل الأوطار ١٠٢/٧. (٣) صحيح مسلم ١٣١٨/٢ -١٣٢٣. (٤) صحيح مسلم ١٣١٨/٢ -١٣٢٣. (٥) أبو داود ٥٨٤/٤ ح ٤٤٣٥، شرح معاني الآثار ١٣٩/٣. ١٤٧ كتاب الحدود النقل على ما دونها، وكما أنَّ مَن رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر أربعاً، فغير جائزٌ له أن ينقل أنه صلى ثلاثاً، وإن كان صادقاً في قوله: صلى ثلاثاً؛ لأن ذلك يوجب أن يكون الفرض هو الثلاث، كذلك نقلهم للرجم دون الجلد يقتضي کمال الحد في نفسه. ويدل عليه أيضاً: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ((في قصة العَسيف، فقال أبو الزاني للنبي صلى الله عليه وسلم: وإني سألت أهل العلم، فأخبروني أنَّ على ابني جلد مائة، وتغريب عام، وإنما الرجم على المرأة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غَنَمُك وجاريتك فردٌّ عليك، وجَلَدَ ابنَه مائةً، وغرَّبِه عاماً، وأمر أُنيساً الأسلمي أن يأتيَ امرأة الآخر، فإن اعترفت رَجَمَها، فاعترفت فرجمها)»(١)،. سمعناه في سنن أبي داود حدثنا القعنبي عن مالك عن الزهري. ودلالة هذا الخبر على صحة قولنا من وجوه ثلاثة: أحدها: قول الرجل: ((إني سألت أهل العلم، فقالوا: على امرأته الرجم))، ولم يذكروا الجلد، ولم يُنكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم اقتصاره على ذِكْر الرجم دون الجلد، ولو كان الجلد حداً معه، لأعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. (١) صحيح البخاري ٣٠/٨، صحيح مسلم ١٣٢٤/٢ ح ١٦٩٧ -١٦٩٨، سنن أبي داود ٥٩١/٤ ح ٤٤٤٥، شرح معاني الآثار ١٣٤/٣. ١٤٨ كتاب الحدود والوجه الآخر: قوله لأنيس: ((أُغد على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))، فاقتصر في أمره إياه على ذِكْر الرجم دون الجلد. والثالث: ما ذكر فيه أنه رَجَمها، ولم يذكر فيه جلداً. * فإن احتجوا بحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خُذُوا عني: قد جعل الله لهن سبيلاً، البكْر بالبكْر جَلْدُ مائة وتغريبُ عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم))(١). فإن الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أنَّ الثيب قد يكون مَن حدُّ الرجم تارة، والجلد تارة، لا على جهة الجمع بينهما، كقول القائل: الدراهم والدنانير أثمان الأشياء، وبهما تُقوَّم المستهلكات، والمراد كل واحد على الانفراد، لا على وجه الجمع. وكقوله تعالى: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾(٢)، وليس المراد جمع الأمرين في الوقتين جميعاً، كذلك ما ذكر في البِكْرِين والثيبَيْن. والوجه الآخر: أنه منسوخٌ بقصة ماعز والجهنية، وحديثٍ أبي هريرة في قصة العسيف؛ لأن هذه القصص متأخرة لا محالة عن خبر عبادة. والدليل عليه: أنَّ حد الزانيين في بدء الأمر كان الحبس والأذى، (١) صحيح مسلم ١٣١٦/٢ ح ١٦٩٠، أبو داود ٥٦٩/٤ ح٤٤١٥، سنن الترمذي ٣٢/٤ ح ١٤٣٤، شرح معاني الآثار ١٣٤/٣. (٢) القصص: ٧٣. ١٤٩ كتاب الحدود بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ فِ الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْثُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (٥) وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَقَاذُوهُمَّاً فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَابًا رَحِيمًا﴾(١)، فكانت هذه الآية منذرة بسبيلٍ يكون لهن، حُكْمه موقوف على ورود البيان فيه، فقال في حديث عبادة مخبراً عن السبيل المذكور في الآية: ((خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر: جلد مائة، وتغریب عام))(٢). فعلم أنه لم يكن بين الآية وبين هذا الخبر واسطة حكم غير ما ذكر فيه، والدلالة على صحة ذلك من وجهين: أحدهما: قوله: ((خذوا عني))، وأخبر أنَّ الجلد الذي ذكره مأخوذ عنه، ودل على أنه لم یکن الجلد المذکور في سورة النور قد نزل. والثاني: إخباره بأن السبيل هو الذي قصد إلى بيانه، فعلمنا أنه لم يكن هناك حدٌّ قبله غير الحبس والأذى اللذين في الآية، فثبت أنَّ رجم ماعز والجهنية وقصة أنیس لم یکن حدث بعد؛ لأنها لو كانت قد حدثت، لكان السبيل معلوماً قبل قوله: ((خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلاً)). ومما يدل على أنَّ حديث أبي هريرة في قصة العَسيف متأخر عن حديث عبادة أيضاً: أنه ذُكر فيه الفرق بين البكر والثيب، فيما أخبر به عن أهل العلم، وخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم، مع ترك النبي عليه الصلاة والسلام النكير عليه، فعلمت الصحابة قبل حدوث هذه الحادثة (١) النساء: ١٥ -١٦. (٢) سبق تخريجه. ١٥٠ كتاب الحدود الحكم المذكور في حديث عبادة، ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام أُنيساً بالرجم دون الجلد، فثبت به نسخ ما في حديث عبادة. فإن قيل: روي عن علي رضي الله عنه أنه جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله علیه وسلم(١). قيل له: يحتمل أن يكون جلدها لأنه لم يكن ثبت عنده إحصائها، ثم لما ثبت إحصائها رجمها، وقال: ((جلدتها بكتاب الله))، وهو قوله: ﴿الَّنِيَةُ وَالَّفِ فَأَجْلِدُ واْ كُلّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِأْتَةَ جَلْدَةٍ﴾(٢)، ورجمتُها بالسنة(٣)، حين ثبت الإحصان. وجائز أن لا یکون قد استكمل الجلد مائة، ثم رجمها، وهو قولنا إذا لم یستکمل الجلد حتى ثبت الإحصان. وقد روی نحو ذلك جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر فيه مقدار الجلد، وأنه لما أُخبر بإحصانه رَجَمه(٤)، وذلك محمول عندنا على أنه لم يستكمل الجلد. وقد روي عن عمر أنه رَجَمَ، ولم يجلد(٥). (١) شرح معاني الآثار ١٤٠/٣، مصنف عبد الرزاق ٣٢٨/٧، نيل الأوطار ١٠٢/٧، نصب الراية ٣١٩/٣. (٢) النور: ٢. (٣) صحيح البخاري ٢١/٨. (٤) السنن الكبرى ٢١٧/٨. (٥) شرح معاني الآثار ١٤١/٣، مصنف عبد الرزاق ٣٢٨/٧. ١٥١ كتاب الحدود مسألة : [شروط الإحصان] قال أبو جعفر : (ولا يكون الرجل محصَناً بامرأته، ولا المرأة محصنة بزوجها حتى يكونا حُرَّيْن مسلمَيْن بالغَيْن عاقلَيْن، قد جامعها وهما كذلك(١). وقد روي عن أبي يوسف: أنَّ النصارىُ يحصِّن بعضُهم بعضاً، وأن المسلم يُحصِّن النصرانية، وأنها لا تُحصِّنْه). قال أحمد : الإحصان اسم شرعي، وهو على وجهين: أحدهما: يتعلق بوجوب الحد على القاذف بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾(٢)، ومن شَرْطه العفة(٣) والحرية والإسلام، لاتفاق أهل العلم أنَّ قاذف العبد والكافر ومَن ثبت زناه مرة لا حدَّ عليه (٤). والضرب الآخر من الإحصان: هو ما يتعلق به وجوب الرجم على الزاني، ومن شرائطه: الحرية والإسلام والعقل والبلوغ والدخول بالزوجة بنكاح صحيح، وأن يكونا جميعاً على صفة الإحصان في حال الدخول في قول أبي حنيفة ومحمد. وأبو يوسف لم يجعل الإسلام من شرائط الإحصان، وأوجب الرجم على الذمیین. (١) المبسوط ٣٩/٩، شرح فتح القدير ٢٣٦/٥، بدائع الصنائع ٤١٥٩/٩، المغني والشرح الكبير ١٢٨/٩. (٢) النور: ٤. (٣) وفي الأصل: ((العقل))، محل: ((العفة)). (٤) المبسوط ١١٦/٩-١١٨. ١٥٢ كتاب الحدود فأما الحرية والبلوغ والعقل والنكاح والدخول، فلا خلاف فيها بين الفقهاء أنها من شرائط الإحصان. وقد روي في تأويل قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾(١) وجهان: قيل: إذا أسلمن، وقيل: إذا تزوجن، وأيهما كان، فقد ثبت أنَّ اسم الإحصان يتناولهما، إما من طريق الشرع أو اللغة، لولا ذلك لما ساغ تأويل الآية علیه. وقد روى الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أشرك بالله فليس بمحصن)). قال أبو بكر الجعابي رواه إسحاق بن راهويه عن الدراوردي بهذا الإسناد مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم(٣). وقد رواه غير عبيد الله أيضاً عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً. ورواه أيضاً موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر موقوفاً عليه(٣). ولیس بممتنع أن يكون قد رَفَعَه تارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أفتى به، فهذا مما يقوي الرفع؛ لأن الراوي إذا روى حديثاً(٤) عن النبي صلی الله علیه وسلم، ثم استعمله وأفتى به، فهو دلیل صحته. (١) النساء: ٢٥. (٢) ينظر سنن الدار قطني ١٤٧/٣. (٣) سنن الدارقطني ١٤٧/٣، السنن الكبرى ٢١٦/٨، نصب الراية ٣٢٧/٣. (٤) وفي (ق.ج): ((إذا رفع حديثاً)). ١٥٣ كتاب الحدود وروي أنَّ كعب بن مالك أراد أن يتزوج يهودية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنها لا تُحْصنك))(١). فثبت بما ذكرنا أنَّ الإسلام من شرائط الإحصان، وأن عدمه يمنع من صحة إطلاق لفظ الإحصان عليه من جهة الشرع، لقوله: ((مَن أشرك بالله فليس بمحصن))، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك في اليهودية: «إنها لا تحصنك)). رواه ابن أبي شيبة(٢) عن عيسى بن أبي يونس عن أبي بكر بن عبيد الله ابن أبي مريم عن علي بن أبي طلحة عن كعب بن مالك بذلك. فإن قيل: في حديث كعب بن مالك أنه مرسل، وحديث ابن عمر موقوف علیه. قيل له: إرساله لا يضره عندنا، وقد بيَّنًا أنَّ فتوى الراوي بما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يبطل رفعه، بل يؤكده ويقويه. وعلى أنه لو كان موقوفاً على ابن عمر، كانت دلالته قائمة على ما ذكرنا، من قِبَل أنَّ هذا لما كان اسماً شرعياً، ومن شأن الأسماء الشرعية أنها لا تؤخذ إلا توقيفاً، علمنا أنه أخذه تلقيناً وسماعاً من النبي صلى الله علیه وسلم. وإذا ثبت ما وصفنا من انتفاء اسم الإحصان عن الكافر على الإطلاق، وشرط النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب الرجم الإحصان بقوله لماعز: (١) سنن الدارقطني ١٤٨/٣، وقال: أبو بكر بن أبي مريم: ضعيف، وعلي بن أبي طلحة: لم يدرك كعباً، السنن الكبرى ٢١٦/٨، نصب الراية ٣٢٨/٣. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ٦٧. ١٥٤ كتاب الحدود ((أحصنت))، وقال عمر بن الخطاب: ((إن فيما أنزل الله الرجم على مَن زنىُ من الرجال والنساء إذا كان محصناً))(١)، واتفقت الأمة أنَّ من شرائط الرجم الإحصان (٢): وجب أن يكون انتفاء اسم الإحصان عنه بالكفر مانعاً من رجمه. فإن قال قائل: بل الواجب إيجاب الرجم بوجود ما يتناوله اسم الإحصان بحال، وهو وإن كان كافراً فلم يمنعه كفره من كونه محصناً بالبلوغ والعقل والحرية والنكاح والدخول، وسِمَةُ الكفر لم تسلبه اسم الإحصان من هذه الوجوه، فالواجب عليه الرجم لوجوده على صفة الإحصان، ولا يُجعل الإسلام شرطاً إلا بدلالة. قيل له: لما ثبت بما وصفنا انتفاء اسم الإحصان عنه على الإطلاق، امتنع إطلاقه عليه بوجود ما وصفت، لاستحالة أن يكون مستحقاً لاسم الإحصان على الإطلاق، وغير مستحق له في حال واحدة، فغير جائز إطلاق اسم الإحصان عليه بما وصفت، مع نفي النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عنه على الإطلاق. ووجه آخر: وهو أنَّ الإحصان لما كان اسماً شرعياً يتناول معاني مختلفة على حسب ما وصفنا، وكان وجوب الرجم متعلقاً به، لم يجز لنا إيجاب الرجم إلا في الموضع الذي حصل الاتفاق بإيجابه. * وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((في رَجْم اليهودي (١) صحيح البخاري ٢٥/٨، صحيح مسلم ١٣١٧/٢ ح ١٦٩١. (٢) المغني والشرح الكبير ١٢٠/٨. ١٥٥ كتاب الحدود واليهودية)) (١)، فغير معارض لما قلنا، من قِبَل أنه لما ثبت أنَّ من شرائط الرجم حينئذٍ كان الإحصان على الأوصاف التي قدَّمنا، ولأن الإحصان لما كان اسماً شرعياً حادثاً بعد ورود الشرع على الحد الذي وصفنا، ولم يكن معنا تاريخ في شرط ذلك الإحصان حين رَجَمَ اليهوديين، لم يجز لنا إيجاب الرجم عليهما مع انتفاء اسم الإحصان عنهما لأجل خبر رجم اليهوديين، لما في ذلك من إسقاط حكم ما تضمنه قوله: ((مَن أشرك بالله فليس بمحصن))(٢)، وقوله لكعب بن مالك: ((إنها لا تحصنك))(٣). وليس يمتنع أن يكون قد كان الإحصان بالإسلام والحرية والنكاح والدخول غير مشروط بدءاً في إيجاب الرجم، ثم شُرِط فيه. ويدل عليه أنَّ الحبس والأذى اللذَيْن كانا حد الزانيين بدءاً، لم يفرق فیه بین المحصن وغيره. ويدل عليه حديث عبادة في قوله: ((الثيب بالثيب الجلد والرجم))(٤)، ليس فيه ذكر الإحصان؛ لأن الثيوبة ليست عبارة عن الحرية والنكاح والدخول، إذ ليس يمتنع أن تكون ثيباً بزنى، ويكونا عبدين أيضاً. ويدل عليه ما روي: ((إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة))(٥)، (١) صحيح البخاري ٢٢/٨، صحيح مسلم ١٣٢٦/٢ ح ١٦٩٩، نصب الراية ٣٢٦/٣. (٢) سبق تخريجه. (٣) سبق تخريجه. (٤) سبق تخريجه. (٥) السنن الكبرى ٢١٣/٨، مصنف عبد الرزاق ٣٣٠/٧. ١٥٦ كتاب الحدود وليست الشيخوخة عبارة عن شيء من شرائط الإحصان، فدل ذلك على أنه لم يكن الإحصان شرطاً في إيجاب الرجم بدءاً، وأن هذا الشرط إنما زید فيه بعد ذلك. ويدل عليه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رَجَمَ اليهوديين بحكم التوراة، لما روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم إني أول مَن أحيا أمرك إذ أماتوه))(١)، فأخبر أنه رجمهما بما كان في التوراة من إيجاب الرجم. قال الزهري: وبلغنا أنَّ هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّآ أَنَزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾(٢): كان النبي صلى الله علیه وسلم منهم. فدلت هذه الآية على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أقام عليهما الرجم بحكم التوراة، وأنه لم يكن صار شريعة له إذ فعله قبل ذلك. فإن قيل: إقامته الرجم عليهما بحكم التوراة، لا يمنع أن يصير شريعةً له إذا فعله. قيل له: ليس كذلك؛ لأنه جائز أن يقيمه على أنه من شريعة التوراة، وأن حكمه قائم على اليهود مع بعثته، من غير أن يبتدئه شريعةً لنفسه. ويدل عليه: أنه لا يخلو من أن یکون قد کان شریعة له قبل رجمهما، أو في حال رَجْمهما، ولو كان شريعة له قبل الرجم، لما أخبر أنه اتَّبع فيه (١) سنن أبي داود ٤ /٥٩٥، ٥٩٨ ح ٤٤٧-٤٤٥٠. (٢) المائدة: ٤٤. ١٥٧ كتاب الحدود حكم التوراة، وكان ذلك يؤدي إلى بطلان دلالة الآية، وهو قوله: ﴿يَحْكُمُ ◌ِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾، فصح أنه لم يكن له شريعة قبل ذلك. ولا يجوز أيضاً أن يكون قد صار شريعة له بفعله الرجم؛ لأنه لو كان كذلك، لانتفى به الحبس والأذى اللذان كانا حد الزانيين، وقد بينًا فيما سلف أنَّ ذلك إنما نُسخ بما في حديث عبادة بن الصامت في قوله: ((خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلاً))(١). وأنه لم يكن بَيْن حكم الآية الموجبة للحبس والأذى، وبَيْن حديث عبادة واسطة حكم، فثبت أنّ رَجْمه إياهما كان بحكم التوراة؛ لأنهم كانوا معتقدین للزومه، مقرِّین بصحته، فأجرى عليهم حكمه. وأن حكمه عليه الصلاة والسلام في الزانيين، لم يَخْل في ذلك الوقت من أحد وجهين: إما أن يكون الحبس والأذى المذكور في الآية، أو لم يكن قد تُعُبِّد فيهما بشيء. وإذا ثبت له رجمهما بحكم التوراة، وأن الرجم لم يكن حينئذٍ قد صار من شريعته، ولم يثبت أنّ الإحصان حينئذٍ كان من شرط الرجم، ثم حين أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الرجم أوجبه مقروناً بشرط الإحصان، وجب أن يكون الإسلام من شرائطه، إذ كان الاسم يتناوله من جهة الشرع. فإن قيل: ليس في رجمه إياهما بحكم التوراة ما ينفي وجوبه علينا؛ لأن من أصلك: أنَّ شريعة مَن كان قبلنا من الأنبياء لازمة لنا، حتى يثبت (١) سبق تخريجه. ١٥٨ كتاب الحدود نسخها على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام. قيل له: هو كذلك، إلا أنه لم يثبت أنَّ الإحصان كان شرطاً في شريعة التوراة، وقد ثبت شرطاً في شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد صار ذلك الحكم منسوخاً بشريعتنا. فإن قيل: قد كان الإحصَان شرطاً في الرجم في شريعة التوراة، بدلالة ما روى الزهري عن رجل من مُزينة عن أبي هريرة ((أنَّ اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنه زنى صاحبٌ لنا قد أُحصن، فما ترى عليه من العقوبة؟ وأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: ((ما تجدون في التوراة على من زنى، وقد أُحصن من العقوبة؟))(١). ففي هذا الحديث أنَّ الإحصان كان شرطاً في الرجم. قيل له: لم يذكر لفظ الإحصان إلا في هذا الحديث، وراويه رجل من مُزينة مجهول(٢) لا يُدرئ من هو. ولو ثبت كان معناه: النكاح والدخول، دون الإسلام، واسم الإحصان صار يتناول الإسلام في شريعتنا بما قدَّمنا، فوجب أن يكون شرطاً فيه. : وإنما قالوا: إنه لا يكون محصناً حتى يقع الوطء، وهما على صفة الإحصان: من قِبَل أنّ الوطء في النكاح لما كان من شرائط الإحصان، واستحال وجوده إلا بهما، ولم يكن معنى يتبعض، وجب أن لا يقع به إحصان إلا بوطء منهما جميعاً موجب لذلك، ألا ترى أنه لو وطىء أمة (١) بمعناه أبو داود ٥٩٨/٤ ح ٤٤٥٠، مصنف عبد الرزاق ٣١٦/٧. (٢) قال المنذري: فيه رجل من مزينة، وهو مجهول: عون المعبود ١٢ /١٤١. ١٥٩ كتاب الحدود بملك اليمين، لم يكن به محصناً(١)، لأن الأمة لا تكون محصنة بهذا الوطء، كذلك كل وطء لا يصير أحدهما به محصناً، كذلك الآخر. وأيضاً: لما كان الأصل في حد الزنى هو الجلد، لقول الله تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالَّفِ فَأَجْلِدُ واْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَ جَلْدَةٍ﴾(٢)، واختلفوا في صفات الإحصان، لم ننقله عن حكم الجلد إلى الرجم إلا بالاتفاق، والاتفاق إنما حصل فيما ذكرنا، وما عداه مختلفٌ فيه، فهو على الأصل. مسألة : [حكم التغريب في حدِّ الزاني غير المحصن] قال: (وإذا زنى الحر البكر: جُلِد مائة جلدة، ولا تغريب عليه)(٣). قال أحمد: الأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿الَّانِيَةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُ واْكُلّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، فجعل حدَّهما الجلد المذكور في الآية، فعلمنا بذلك أنَّ هذا هو كمال الحد، فانتفى بذلك أن يكون من حكمه التغريب. فإن قيل: إن الذي في الآية إنما هو إيجاب الجلد، وليس فيها نفيٌ لغيره، فكيف حَكَمتَ بإسقاط التغريب لأجل ذكر الجلد؟ قيل له: لأنا قد عقلنا من الآية كمال الحد، وأنه متى أوقعناه كنا مستوفين للحدِّ، وإيجابنا التغريب معه حداً، يقتضي أن يكون الجلد بعضَ حده، وأنه غير واقع موقع الجواز، كما أنه إذا قيل لنا: صلوا الظهر أربعاً، (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٤٠/٥. (٢) النور: ٢. (٣) المبسوط ٤٤/٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٤١/٥، وذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ التغريب يجب مع الجلد. المغني والشرح الكبير ١٣٣/٨. ١٦٠ كتاب الحدود عقلنا أنَّ هذا الفعل (١) هو الذي يقع أداء الفرض بفعله (٢)، فلو قيل لنا بعد ذلك: صلوا الظهر خمساً، لم تكن الأربع المتقدمة فريضة؛ لأن وجودها لا يوجب سقوط الفرض. وهذا هو عندنا حقيقة النسخ؛ لأن الآية إذا كانت مقتضية لوقوع الجلد حداً، سقط به الفرض الذي لزمنا إقامته عليه، ثم قلنا إنه بعضُ الحد، كان غير واقع موقع الجواز، فقد نسخنا به حكم الآية. فمن أجل ذلك أبينا أن نثبت ما ذُكر في حديث عبادة بن الصامت: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام))(٣): حدّاً مع الجلد المذكور في الآية؛ لأنه من أخبار الآحاد، ولا يجوز عندنا الزيادة في نص القرآن بخبر الواحد، كما لا يجوز نسخه بخبر الواحد. فإن قيل: لا تكون الزيادة في النص نسخاً؛ لأن كل شيئين يصح اجتماعهما في الإيجاب، لا يكون أحدهما ناسخاً للآخر، وليس يمتنع اجتماع الجلد والنفي في كونهما حداً، وكما أنَّ ورود عبارة أخرى وإيجابها، لا يكون نسخاً لفرض قد تُعبِّدنا به قبلها، مثل إيجاب الزكاة بعد الصلاة والحج والصوم ونحو ذلك، كذلك الزيادة فيما ذكرنا. قيل له: ليس وقوع النسخ مقصوراً على ما لا يصح اجتماعهما؛ لأنه كان يصح اجتماع الجلد مع الحبس والأذى. ثم قد قيل: إن الحبس والأذى منسوخان بالجلد، وقيل: إن صوم (١) وفي (ق.ج): ((الفرض)). (٢) وفي (ق.ج): ((بمثله)). (٣) سبق تخريجه.