Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ كتاب الديات الركاب وغيرهم من أهلها الذين هم فيها)(١). لأنهم في هذه الحال أخص بالموضع وبنصرته(٢) من كل أحدٍ، فصاروا أَوْلى بالقسامة والدية، ألا ترى أنه لو وُجد قتيل على دابة يسوقها رجل: كانت الدية والقسامة على السائق(٣). مسألة : [وجود القتيل في نهر عظيم] قال: (وإن وُجد قتيل في نهر عظيم يجري فيه الماء: فلا شيء فيه)(٤). وذلك لأن ذلك الموضع لا يد عليه لأحدٍ، فهو بمنزلة القتيل الموجود في البحر، وفي المفازة. * قال: (وإن كان محتبساً إلى جانب الشط: فهو على أقرب الأرضين إليه، وفيهم القسامة). لأنه إذا كان واقفاً، فهو بمنزلة الموجود في الشط، لأن الموضع الذي احتُبس فيه القتيل مما يلي الشط: تثبت فيه اليد لأهل القرية، كالشارع، والمسْنيات ونحوها. مسألة : [وجود القتيل في نهر صغير] قال: (وإن كان في نهر صغير لقوم معروفين: فهو عليهم)(٥). (١) كتاب الأصل ٤ /٤٨١، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٨٦/١٠. (٢) وفي (ق.ج): ((والتصرف فيه)). (٣) كتاب الأصل ٤ / ٤٨٠. (٤) المصدر السابق. بدائع الصنائع ٤٧٤٤/١٠، وقال زفر رحمه الله: تجب على أقرب القرى من ذلك الموضع. (٥) المبسوط ١١٨/٢٦. ٦٢ كتاب الديات وذلك لأنهم أخص بالموضع من سائر الناس، ألا ترى أنهم يستحقون به الشفعة. مسألة : [وجود القتيل على عنق رجل أو على دابة] قال: (وإن وُجد علىُ عُنق رَجُل يحمله، أو على دابة هو سائقها، أو راكبها أو قائدها: فهو عليه)(١). لأن الدابة إذا كانت في يده، فهو أحق بها من غيره، فكأن القتيل في يده. * قال: (وإن كانت الدابة مخلّةً، ليس معها أحد: فهو على أهل المحلة الذين وُجد فيهم). لأنهم إذا لم يكن في يد أحد، فكأنه قتيل وُجد في الموضع. مسألة : [وجود قتيل في قبيلة اختلف في ادعاء قاتله] قال: (ومَن وَجَد قتيلاً في قبيلة، فزعم أهل القبيلة أنَّ رجلاً منهم قَتَلَه، وأنكر ذلك وليّ القتيل، ولم يدَّع قتلَه على واحدٍ منهم بعَيْنه: فإن فيه القسامة والدية على أهل تلك القبيلة. ويُحلِّفهم أبو يوسف بالله: ما قتلناه، ويرفع عنهم، ولا علمنا قاتلاً؛ لأنهم قد ذكروا أنهم علموا قاتلاً)(٢). قال أبو بكر: إنكار الولي لما ذكره أهل القبيلة، لا يسقط عنهم (١) بدائع الصنائع ١٠ /٤٧٤٨. (٢) بدائع الصنائع ٤٧٥٨/١٠. ٦٣ كتاب الديات القسامة والدیة، من قِبَل أنه لم یبرئهم من ذلك. وأما وجه قول أبي يوسف، في أنهم لا يُحلَّفون: ما علمنا قاتلاً، فمن قِبَل أنهم قد قالوا: نعرف القاتل، فلا يجوز أن يُحمَلوا على الحَلِف على الكذب في الظاهر عندنا، إذ قد قالوا: نعرف القاتل. قال: (وقال محمد: يُحلَّفون بالله: ما قتلناه، ولا علمنا قاتلاً غير فلان بن(١) فلان). وذلك لأن هذه اليمين ليست(٢) في الأصل إلا على هذا الوصف، فقد يمكننا أن نستوفي شرط اليمين من غير حمله على الكذب، باستثناء(٣) ذلك الغير من الجملة. فإن قال قائل: فما وجه إحلافهم: ((ما قتلناه، ولا علمنا قاتلاً))، وهم لو قالوا: ((قد علمنا قاتله)»: لم يلتفت إلى قولهم؟ قيل له: الأصل فيه ما وردت به السنة. * وأما فائدته: فإن من شيوخنا من قال: إنه قد كان جائزاً أن يكون القاتل عبداً لواحد منهم، فاستظهر عليهم بذلك؛ لأنه لو أقرَّ به: جاز إقراره، وقيل له: ادفعه أو افْدِهِ، فحلفوا في الأصل على هذا، ثم جرت اليمين عليه وإن لم يكن لواحد منهم عبد. كما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رَمَلَ في الطواف (٤) إظهاراً للجَلَد (١) وفي الأصل: ((فلان، وفلان)). (٢) وفي (ق.ج): ((لم يثبت في الشريعة)). (٣) وفي (ق.ج): ((باستيفاء)). (٤) صحيح مسلم ٨٨٧/٢. ٦٤ كتاب الديات والقوة مراءاةً للمشركين، وصار سنةً، مع عدم السبب الذي من أجله فُعِل(١). ووجهٌ آخر: وهو أنَّ وجود القتيل يوجب تهمة أهل المحلة في قتله، أو الأمر به، فحُلِّفوا: ما قتلوه ولا علموا قاتلاً، ليزيلوا التهمة عن أنفسهم في قتله أو الأمر به، ألا ترى أنَّ الشاهد الواحد في القتل يوجب الحبس عند أبي حنيفة للتهمة، فاستظهروا في إزالة التهمة عن أنفسهم بقولهم: ما قتلنا، ولا علمنا قاتله. وأيضاً: فغير ممتنع أن يكون واحد منهم قد أمر صبياً أو مجنوناً أو عبداً محجوراً عليه بذلك، فإذا أقرَّ به: لزمه في ماله، فحُلَّفوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً؛ لأنه لو قال: قد علمتُ قاتلاً، وهو الصبي الذي أمرتُه بقتله: كان حاصل الضمان عليه، والله أعلم. (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٤٥٤/٢. ٦٥ کتاب الدیات باب جناية الراكب والقائد والسائق ونحوهم مسألة (١) : [جناية الراكب وحكم ضمانها] قال أبو جعفر رحمه الله: (وإذا سار الرجل على دابةٍ في طريق، ضَمِنَ ما أصابت بيدها أو رجْلها، أو كَدَمَت(٢)، أو خَبَطَت(٣)، إلا النَّفْحَة(٤) بالرِّجْل، أو النَّفْحة بالذَّنَب: فإنه لا يضمنها)(٥). قال أبو بكر : الأصل فيه: ما روى عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرِّجْلِ جُبَار))(٦). وروى سفيان عن أبي قيس عن الهذيل عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. (١) مختصر الطحاوي ص ٢٥٠. (٢) الكَدْم أي العض، ينظر المصباح المنير (كدم) . (٣) الخبط: الضرب باليد. ينظر المغرب (خبط) . (٤) نفحت الدابة: أي ضربت بحافرها. ينظر المصباح المنير (نفح). (٥) كتاب الأصل ٥٥٣/٤، المبسوط ١٨٨/٢٦، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٢٥/١٠، بدائع الصنائع ٤٧٠٣/١٠، المغني والشرح الكبير ٣٥٨/١٠. (٦) شرح معاني الآثار ٢٠٤/٣، أبو داود ٧١٤/٤ ح ٤٥٩٢، واللفظ في كتب السنة: ((جرح العجماء جبار))، صحيح مسلم ١٣٣٤/٢، نصب الراية ٤/ ٣٨٧. ٦٦ كتاب الديات والمراد به: النفحة بالرِّجل، لاتفاق الجميع(١) على أنها إذا وطئت برِجْلها: ضَمِن، والمعنى فيه: أنه مباحٌ له السير في الطريق، ولا يستطيع التحفظ من النَّفْحة بالرِّجْل. فكل ما كان بمثابتها: فحكمه حكمها، وهو النَّفْحة بالذنب، ونظيره الدابة إذا أثارت غباراً أو نواة أو نحوها، فأفسدت متاعاً، أو فقأت عيناً: أنه لا يضمن، لهذه العلة بعينها، وكذلك إذا سقط منه إزاره في الطريق، فعطب به إنسان، فهو في معنى ذلك. * ولا خلاف بين الفقهاء في تضمين الراكب ما أصابت بيدها، أو وطئت برِجْلها، والمعنى في ذلك: أنه إنما أبيح له السير في الطريق على شرط السلامة، على أن لا يعطب به إنسان؛ لأنه وإن كان له حق استطراق في الموضع، فإن سائر الناس يساوونه في الحق، فلما كان سائراً في حق الغير، كان من شرط ذلك: أن لا يضرَّ بإنسانٍ فيما يمكنه التحفظ منه على ما وصفنا. [مسألة : ] قال: (والسائق والقائد كذلك، إلا أنَّ الكفارة على الراكب، دون السائق والقائد)(٢). وذلك لأنه قد أصابه من ثقل الراكب، ومن حَمْله عليه أيضاً، فصارت الدابة كالآلة في قتله، نحو أن يرميَ بها عليه، فيكون ذلك قتل مباشرة، فتلزمه الكفارة. (١) المغني والشرح الكبير ٣٥٨/١٠. (٢) كتاب الأصل ٥٥٧/٤، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٢٨/١٠. ٦٧ کتاب الدیات وأما السائق فلم يباشر القتل، وإنما فَعل السبب، فصار كحافر البئر في الطريق، ولا تلزمه الكفارة. [مسألة : ] قال: (وإن راثَتْ أو بالت، فعطب به إنسان: لم يضمن)(١). وذلك لأن مثل هذا لا يمكنه التحفظ منه، فصار كالنَّفْحة بالرِّجْل. مسألة : [سقوط سَرْج الدابة على إنسان] (وإن سقط سَرْج الدابة، فعطب به إنسان: فالدية على السائق أو القائد)(٢) . وذلك لأنه يمكن التحفظ من وقوع السرج، ومن أجل ذلك شُدَّ على الدابة. وكذلك في حامل المتاع إذا وقع منه، فعطب به إنسان: ضمنه؛ لأن حامل المتاع لا يحمله إلا وهو متحفظ من سقوطه، ومن أجله يشدُّه بالحبل. [مسألة : ] قال: (وإن أثارت الدابة حجراً كبيراً: ضمن الراكب)(٣). لأن ذلك غير معتاد حدوثه إلا من حَمْل شديد على الدابة، وعُنْف عليها في السير، فصار ذلك من جنايته، ولأنه يمكن التحفظ منه، بأن (١) كتاب الأصل ٥٥٦/٤، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٣٠/١٠. (٢) المصادر السابقة. (٣) المصادر السابقة. ٦٨ كتاب الديات یسیر بها على مهل. مسألة : [من قعد في مسجد فعطب به إنسان] قال : (ومن قعد في مسجد في غير صلاة، فعطب به إنسان: ضمن، وإن كان في صلاة: لم يضمن)(١). وذلك لأن المسجد مبنيٌّ للصلاة دون الجلوس فيه لغير الصلاة، ألا ترى أنه إذا احتيج إلى موضعه للصلاة: لم يجز له القعود، فقعوده فيه مباح على شرط السلامة؛ لأنه في حق الغير، فصار كالقعود في الطريق للاستراحة، فيضمن ما يعطب به، لأنه جالسٌ في حق الغير، وأما جلوسه فيه للصلاة، فهو جلوس في حقه، كالجالس في منزله وفي ملكه، فلا یضمن ما عطب به. * (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمن في الوجهين جميعاً). لأن له أن يجلس فيه منتظِراً للصلاة ولغيرها، وليس ذلك بمنزلة جلوسه في الطريق؛ لأن الطريق إنما هو للمرور فيه لا للجلوس، فهو بجلوسه مانعٌ لغيره من الاستطراق، فأبيح له ذلك على شرط السلامة. ولأبي حنيفة: أنَّ المسجد كذلك؛ لأنه بجلوسه فيه مانع لغيره من الصلاة في موضعه، فصار كالجلوس في الطريق. فصل : [تعليق القنديل في المسجد] قال: (وإن علَّق فيه قنديلاً، وهو من العشيرة (٢): لم يضمن ما عطب (١) المبسوط ٢٥/٢٧. (٢) أي كان معلّقُ القنديل من العشيرة التي ذلك المسجد فيها. ينظر مختصر الطحاوي ص٢٥١. ٦٩ كتاب الديات به، وإن كان من غيرهم: ضمن في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمن)(١). لأبي حنيفة: أنَّ أهل المسجد أَوْلى بعمارته، كما أنهم أَوْلى بالإمامة فيه، ولهم أن يمنعوا غيره من عمارته، ويعمروه هم، فأما الأجنبي فإنما يفعل ذلك في حق الغير على شرط السلامة، كالجلوس في الطريق للاستراحة، فإذا عطب به إنسان: ضمن، وأما أهل المسجد، فلأنهم فعلوا ذلك في حقهم، كفعلهم في أملاكهم. وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يضمن؛ لأن في ذلك قربة إلى الله عز وجل، وله فعله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ (٢) الآية، وقال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾(٣). ولأبي حنيفة: أنَّ كونه قربة لا يُسقط حق الآدمي، إذ كان شرطه أن يفعله على شرط السلامة؛ لأن مَن رمى المشركين، فهو متقرِّب إلى الله برميه إياهم، ويضمن مع ذلك إن أصاب مسلماً. مسألة : [إرسال البهيمة وضمان جنايتها] قال: (ومَن أرسل بهيمة فأصابت في فورها: ضمن) (٤). (١) المبسوط ٢٤/٢٧. (٢) التوبة: ١٨. (٣) التوبة: ٩١. (٤) كتاب الأصل ٥٥٧/٤، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٣١/١٠. ٧٠ كتاب الدیات لأنه سائق لها، بمنزلة سائق الدابة، وتصير البهيمة حينئذٍ كالآلة له في الإتلاف. * قال: (وإن أرسلها وزال عنها، فلم يكن لها سائقاً ولا قائداً، ولا زاجراً، فما أصابت: كان ضامناً، إلا أن تعدل عن الطريق التي أمامها إلى طريق غيرها: فلا يضمن بعد ذلك ما حدث منها). قال أبو بكر أيده الله: ما أصابت من فَوْر الإرسال، فهو بمنزلة ما أصابت الحَجَر والسهم في ذهابه بالرمي، فإذا عدل عن ذلك السَّنَن، فقد انقطع حكم الإرسال، كما لو ردَّ إنسان السهمَ عن سَنَنه إلى جهة أخرى: بریء الرامي من ضمانه. * قال : (فإن لم يكن لها طريق إلا ما عدلت إليه: كان ضامناً). لأن ذهابها في ذلك الطريق كان كالإرسال، إذ ليس في عدولها إليه دلالة على ترك السَّنَن الذي أرسل فيه. [مسألة : ] قال: (ومن أرسل طائراً، فأصاب في فوره شيئاً: لم يضمن)(١). وذلك أنَّ الطير يخرج عن تصرفه ويده بالإرسال، ويكون متصرِّفاً لنفسه، ولا يكون المرسِل سائقاً له ولا قائداً، فصار كالعجماء، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((جَرْح العجماء جُبَار))(٢). (١) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٧٠٦. (٢) سبق تخريجه. ٧١ كتاب الديات مسألة : [إغراء الكلب] قال أبو جعفر: (ومَن أغرى كلباً، فأصاب شيئاً من إنسان: لم يضمنه). قال أبو بكر : المشهور من قولهم: أنه بمنزلة الدابة، يضمن المرسِل ما أصاب من فوره، ولا أدري من أين وقعت إليه هذه الرواية؟! قال: (وقال أبو يوسف: عليه ضمانه، وقال محمد: يضمن إن كان سائقاً له، ولا يضمن إن لم يكن سائقاً له). مسألة : [سقوط الإنسان على الإنسان] قال: (ومَن سقط علىُ رَجُلٍ فقتله: كانت ديته على عاقلته)(١). لأن سقوطه عليه فعله، وهو بمنزلة قتل الخطأ. * قال: (وإن مات الساقط، فإن كان المسقوط عليه في دار نفسه: کان ھَدَراً). لأنه متصرِّف في ملكه، بحيث لا حقَّ للغير فيه، ألا ترى أنه لو وضع حَجَراً في ملكه، فعثر به إنسان، فعطب: لم يضمن. قال : (وإن كان في موضع جلوسُه فيه جناية: كانت دية الساقط على عاقلته). بمنزلة حَجرِ وضعه في ملك غيره(٢)، فعطب به إنسان. (١) بدائع الصنائع ١٠/ ٤٧٠٣. (٢) وفي (ق.ج): ((الطريق)). ٧٢ كتاب الديات مسألة : [ضَرَبَ دابته فأصابت أحداً] قال : (ومَن كان راكباً فضرب دابته، أو كَبَحَها باللجام، فأصابت برِجْلها أو بذَنَبها: فلا شيء عليه)(١). لأنه غير متعدٍّ في ضربها، ولا يمكنه التحفظ من الرِّجْل، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الرِّجْلِ جُبَار))(٢). مسألة : (ولو نَخَسها إنسان، فنفحت رَجُلاً، فقتلته: فالدية على الناخِس دون الراكب)(٣)، لأنه متعدِّفي نَخْسها، فیضمن ما تولد منه. * (وكذلك لو ألقت راكبها: كان ضمانه على الناخِس). مسألة : [حكم ضمان قائد قطار الإبل] قال : (ومَن قاد قطاراً(٤) في طريق، فما أوطأ أول القطار أو آخره بيدٍ أو برِجْل، أو صَدَم إنساناً: كان ضامناً لذلك، ولا كفارة عليه، وكذلك إن کان معه سائق)(٥). وذلك لأنه فاعلٌ للسبب الذي به وقع التلف، كواضع الحجر في الطريق، وحافر البئر. (١) المبسوط ١٩٣/٢٦. (٢) سبق تخريجه. (٣) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ١٠/ ٣٣٤. (٤) القطار: عدد من الإبل تقطّر على نسق واحد. ينظر المغرب (قطر)، المصباح المنير (قطر). (٥) المصدر السابق ٣٣٠/١٠. ٧٣ كتاب الديات وليست النفحة بالرِّجْل كالوطء؛ لأنه إن كان سائقاً أو قائداً، فقد يمكنه التحفظ من أن يوطئها إنساناً، وليس يملك من النفحة بالرِّجْل شيئاً، ولا سبب له فيها. وأيضاً: فإن قَوْده في ذلك الموضع الذي فيه الإنسان، أو سَوْقه إياها هو الموجب للوطء، فيضمن، وليس قَوْده إياها سبباً للنفحة. * ويستوي القائد والسائق في الضمان، لتساويهما في فعل السبب الموجب للإتلاف، ولا كفارة عليهما لأنهما لم يباشرا فعل القتل. * قال : (فإن كان السائق من وسط القطار: كان ضمان الجميع عليهما أيضاً). لأن القائد يقود الجميع؛ لأن بعضها مربوط ببعض، وأما السائق فإنه سائق لما بين يديه، قائد لما خلفه. * قال: (فإن كان السائق على بعيرِ وَسْط القطار، راكبٌ لا يسوق منه شيئاً: كان ضمان ما بين يديه على القائد، وضمان ما خلفه عليهما جميعاً). وذلك لأنه غير سائق لما بين يديه؛ لأن ركوبه لهذا البعير لا يكون به سائقاً لما بين يديه، كما أنَّ مشيه إلى جانب البعير، لا يوجب أن يكون سائقاً له إذا لم يسقه، وكذلك كونه خلفه، ولكنه لا محالة سائق لما هو راكبه؛ لأن البعير يسير بركوب الراكب وحثُّه، وإذا كان سائقاً له، فهو قائد لما خلفه، فلذلك کان ضمانه عليهما. مسألة : [من دخل دار قوم فعقره كلبُ حراستهم] قال: (ومَن دخل دار قوم بإذنهم أو بغير إذنهم، فعَقَره كلبهم: فلا ٧٤ كتاب الديات ضمان عليهم) (١). وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((العجماء جبار)) (٢). مسألة : [إيقاف الدابة في الطريق] قال: (ومَن أوقف دابة في الطريق، مربوطة أو غير مربوطة: ضمن ما أصابت بأي وجهِ أصابت)(٣). وذلك لأنه متعدِّ في إيقافه إياها في الطريق، فهو بمنزلة واضع الحجر في الطريق، وحافر البئر فيها. وليست هذه بمنزلة النفحة بالرِّجل للسائق؛ لأنه غير متعدٍّ في السير. * قال: (وإن كانت مربوطة، فجالت في رباطها: فهو كذلك)؛ لأن التعدِّي باق. * قال : (وإن كانت غير مربوطة، فزالت عن موضعها: لم يضمن ما أصابت بعد ذلك)(٤). لأنها صارت منفلتة بزوالها عن الموضع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((العجماء جبار))(٥)، والعجماء هي البهيمة المنفلتة. * وكذلك جميع الهوام وغيرها، إذا ألقاها رجل في الطريق، فهي (١) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٧٠٧. (٢) صحيح مسلم ١٣٣٤/٢ ح ١٧١٠، نصب الراية ٤ /٣٨٧، وتقدم. (٣) كتاب الأصل ٥٦٣/٤، الهداية مع تكملة شرح فتح القدير ٣٢٦/١٠. (٤) كتاب الأصل ٤ / ٥٦٤، بدائع الصنائع ١٠ /٤٧٠٥. (٥) سبق تخريجه. ٧٥ كتاب الديات کالدابة فيما وصفنا. مسألة : (وإذا بنى في الطريق، أو وضع فيها حجراً: ضمن ما عطب به). لأنه متعدٍّ فيه، ولا نعلم فيه خلافاً بين الفقهاء. مسألة : [خروج الميزاب إلى الطريق] قال: (ومن أخرج من داره ميزاباً إلى الطريق، فسقط علىُ رَجُلِ، فقتله، فإن أصابه ما كان في الحائط منه: لم يضمن)(١). لأنه غير متعدّ فيه؛ لأنه وضعه في ملكه. * (وإن أصابه ما كان خارج الحائط: ضمن). لأنه في غير ملكه، كحجر وضعه في الطريق. * (وإن لم يعلم ما أصابه منهما: لم يضمن في القياس، ويضمن في الاستحسان النصف). لأنا إذا لم نعلم من أيهما مات، وقد عُلم وقوعه عليه، حكمنا بموته منهما جميعاً، وهو متعدٍّ في البعض، غير متعد في البعض، فيضمن النصف. مسألة : [حكم الأجير في الضمان] (وإذا استأجر رَجُلاً على شيء يُحدِثه في فِنائه، فعطب به إنسان: ضمن المستأجر). (١) المبسوط ٦/٢٧، بدائع الصنائع ٤٧٢٠/١٠. ٧٦ كتاب الديات وذلك لأن له أن ينتفع بفِنائه على شرط السلامة، كالقعود في الطريق للاستراحة على شرط السلامة ، فلم يكن الأجير متعدياً، وكان أمر المستأجر إياه بذلك أمراً صحيحاً، فانتقل حكم فعل الأجير إليه؛ لأنه قد استحق عليه البدل، فصار كأن المؤجر فَعَلَه، فالضمان عليه خاصة. وليس هذا كأمره إياه بالحفر ونحوه في غير فِنائه، فيضمن الأجير؛ لأن أمره فيه كلا أمر، إذ ليس له أن يُحدث في غير ملكه وفِنائه شيئاً. مسألة : [عدم وجوب الكفارة في قتل الخطأ على الصبي والمجنون] قال: (ولا كفارة على الصبي والمجنون في شيء مما أوجبنا فيه الكفارة على العاقل البالغ). وذلك لأن الكفارة عبادة لله تعالى، والصغار والمجانين لا تلزمهم العبادات، كالصوم والصلاة والحج، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم))(١). مسألة : [عدم توريث من وجبت عليه الكفارة] قال: (وكل مَن أوجبنا عليه الكفارة: حُرِم الميراث، ومَن لم نوجب عليه الكفارة في غير العمد: لم يُحْرَم الميراث)(٢). قال أبو بكر: وذلك لأن واضع الحجر في الطريق لمَّا لم تلزمه الكفارة: لم يُحْرَم الميراث، والقاتل بيده لمَّا لزمته الكفارة: حُرِم الميراث، (١) أبو داود ٥٥٨/٤ ح٤٣٩٨-٤٤٠٣، سنن الترمذي ٣٢/٤ وقال: حديث حسن غريب، شرح السنة للبغوي ١٠ / ٤٧٠٢. (٢) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٧٠٢. كتاب الديات فعلمنا أنَّ حرمان الميراث في غير العمد متعلق بوجوب الكفارة. مسألة : [حرمان الميراث يوجب حرمان الوصية] قال: (ومن حُرِم الميراث لأجل القتل: حُرِم الوصية)(١). وذلك لأن الميراث آكد في وجوبه من الوصية، بدلالة أنه يدخل في ملك الوارث بغير قبوله، والوصية لا يصح دخولها في ملكه إلا بقبوله، فلما حُرِم الميراث لأجل القتل، كان حرمان الوصية أوْلى. * (١) المصدر السابق. ٧٨ كتاب الديات باب حكم الحائط المائل مسألة : [الحائط المائل وضمان ما يحدث عنه] قال أبو جعفر (١): (ومَن مال حائطه إلى الطريق، أو إلى دار رَجُلٍ، فعطب به عاطب: فلا ضمان عليه)(٢). وذلك لأن مَيْل الحائط ليس من فعله، ولم يكن متعدياً ببنائه في ملكه، فلم يضمن ما عطب به، ألا ترى أنَّ الريح لو طرحت حائطاً لرجل إلى الطريق، فوقع على إنسان، أو عطب بترابه: لم يضمنه؛ لأنه لم يكن الوقوع من فعله، ولم يكن متعدياً في بنائه. * قال: (فإن أشهد عليه في نقضه، فأمكنه، ولم يفعل: ضمن ما عطب به). لأنه قد صار في هواء الطريق، فشغله، فلما تقدم إليه في رفعه، فلم يرفعه: كان متعدياً، كما أنَّ ثوباً لو ألقته الريح في دار رجل، وأمره صاحب الدار برَفْعه، فلم يرفعه ضمن ما عطب به، فكذلك لو وقع الحائط إلى الطريق، فأُمِر برفع التراب، فلم يرفعه: ضمن ما يعطب به؛ لأنه ليس له أن یشغل حق الغير بحائطه. (١) مختصر الطحاوي ص٢٥٣. (٢) كتاب الأصل ٥٦٧/٤، المبسوط ٨/٢٧، الهداية مع البناية ٢٢٥/١٠، بدائع الصنائع ١٠/ ٤٧٣١. ٧٩ كتاب الديات وما لم يتقدم إليه، فلم یکن من جنايته. والواحد من الناس إذا تقدم إليه: لزمه رَفْعه؛ لأن ذلك حق للكافة، فإذا قام به بعضهم، صار خصماً عن الباقين. * قال: (فإن كان ما عطب به نفسٌ: فهي على العاقلة، وما كان من مالٍ: فهو في ماله). ے وذلك لأنه بمنزلة واضع الحجر في الطريق. مسألة : [الإشهاد على ميل الحائط] قال: (ويصح الإشهاد من المستأجر، والمستعير، أو مِن مالكٍ إذا كان المَیْل إلى داره)(١). وذلك لأن الميل قد شغل ذلك القدر من الدار، فله أن يأمره برفعه، كما لو وضع شيئاً في الدار: كان له أن يأمره برفعه. * قال: (وإن كان الحائط لجماعة، فتقدم إلى بعضهم، فلم يهدمه حتى سقط، فعطب به عاطب: فإنه لا يضمن أحد منهم شيئاً). لأنه لا يستطيع بعضهم هدمه دون بقیتهم. ((ولكن أبا حنيفة استحسن، فجعل على المتقدَّم إليه من الدية بمقدار حصته من الحائط)(٢). ووجه الاستحسان فيه: ما حكاه أبو الحسن الكرخي رحمه الله عن محمد أنه قال: إذا أشهد عليه، ينبغي له أن يرفعه إلى الحاكم حتى يأمره (١) كتاب الأصل ٥٦٧/٤، المبسوط ٨/٢٧، الهداية مع البناية ٢٢٥/١٠. (٢) كتاب الأصل ٥٦٩/٤، المبسوط ١٠/٢٧، بدائع الصنائع ٤٧٣٣/١٠. ٨٠ كتاب الديات الحاكم بالنقض، وإن كان شركاؤه غائبين، من قِبَل أنَّ فيه حقاً لجماعة المسلمين، والإمام يتولى ذلك لهم، فيأمر الحاضرَ بنقض نصيبه ونصيب الغائبين. وإذا أمكن المُشْهَد عليه نقض نصيبه من هذا الوجه، فلم يفعل: كان مفرطاً فیه، ولحقه ضمان ما حدث منه. * وإنما ضمن بمقدار حصته من الحائط؛ لأن الموت هاهنا حادث من الثقل، وليس ذلك معنى مختلفاً في نفسه، فوجب أن يضمن مقدار نصيبه، كما أنَّ رجلاً لو استأجر دابة ليحمل عليها قفيزين من حنطة إلى موضعٍ معلوم، فحمل عليها ثلاثة أقفزة: ضمن ثلث قيمتها، وهو مقدار الزيادة؛ لأنها عطبت من الثقل، فضمن بقسطه. * (وفي قول أبي يوسف ومحمد: عليه ضمان النصف). وذلك لأن أنصباء الآخرين كنصيب واحد؛ لأنه لم یجب به ضمان، فهو مثل أن يجرح رجلاً، ويعقره سبع، وتنهشه حيةٌ، فيموت من جميع ذلك: فعلى الجارح النصف؛ لأن عَقْرَ السبع، ونَهْشَ الحية لمَّا لم يتعلق بهما ضمان، صار كالشيء الواحد، كذلك أنصباء الآخرين(١). [مسألة : ] * قال: (وإذا خرج الحائط المائل من ملكه بعد الإشهاد: لم يضمن ما عطب به)(٢). لأن مَيْل الحائط لمَّا لم يكن من فعله، ولم تكن جنايةٌ من جهته، (١) بدائع الصنائع ٤٧٣٣/١٠. (٢) كتاب الأصل ٤ /٥٦٨ - ٥٦٦.