Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب القصاص والديات في الجراحات
الأخرى بمِسْطحٍ، فقتلتها وجنينَها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
في الجنين بغُرَّة، وأن تُقْتَل مكانها))(١).
قال أبو بكر : وليس هذا مضاداً للحديث الأول، لأنا نصحِّحهما
جميعاً، فنقول إنهما خبران كل واحد منهما في امرأة على حِدَة.
فأما الأُولى فإنها قَتَلت بعمود الخشب، فلم يوجب النبي صلى الله
عليه وسلم فيه القَوَد، وأما الأخرى فإن من الأعمدة ما يكون في رأسها
حديدة، فجائز أن تكون قتلتها بحديد العمود، فأوجب النبي صلى الله
عليه وسلم فيه القود، وکذلك قولنا.
ويحتمل أن يكون كان في رأس العمود حِدَّة، فَبَعَجَتْها به، كالرمح،
فهذا عندنا فيه القود.
وإن كان الخبران وَرَدَا في قصةٍ واحدة، فجائز أن يكونوا أخبروا النبيَّ
صلى الله عليه وسلم أنها قتلتها بالعمود ضرباً، فلم يوجب فيه قَوَداً، ثم
أُخبر أنها بَعَجَتْها به، فأوجب فيه القود، فكان جواب النبي صلى الله عليه
وسلم على حسب ما ظهر من سؤال القوم.
وأيضاً: روى سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث(٢) عن علي رضي
الله عنه قال: ((شِبْه العمد الضربة بالخشبة، والقَذْفة بالحَجَر العظيم، وفيه
الدية أثلاثاً)(٣).
(١) أبو داود ٦٩٨/٤ ح٤٥٧٢، نصب الراية ٣٣٣/٤ وقال: هذا حديث حسن
صحيح.
(٢) وفي (ق.ج): ((عن الحسن)).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٣٨/٩، ومصنف عبد الرزاق ٢٨٠/٩، المحلى
=

٤٢٢
كتاب القصاص والديات في الجراحات
ورواه أيضاً سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي
رضي الله تعالى عنه.
ومعلوم أنَّ شبه العمد اسمٌ شرعيٌّ مفهوم(١) المعنى من جهة اللغة قبل
مجيء الشرع، وأسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفاً، فعلمنا أنَّ علياً إنما قال
ذلك توقيفاً.
فإن قال قائل: إذا كان مثله يُقتل، فهو عمد محض، وليس شبه عمد.
قيل له: لا يجوز فيه غير ما قلنا؛ لأنه لو كان مثله لا يُقتل، مثل
اللطمة ونحوها، لسقطت فيه جهة العمد، وكان خطأ محضاً، إذ هو غير
عامد به إلى القتل، وما قلناه صحيح موافق لمعنى الخبر؛ لأنه جَمَعَ فيه
العمد والخطأ، فهو عمد في الفعل، خطأ في الحكم.
ويدل على ذلك: أنَّ العمد والخطأ إنما هو صفة الفعل؛ لأنه قال:
((قتيل خطأ العمد))، فينبغي أن يكون القصد إلى القتل موجوداً مع الفعل،
حتى يصح وصفه بأنه عمد، ويكون خطأ مع ذلك من طريق الحكم، حتى
يسقط القود عنه.
ومما يدل على أنَّ للآلة تأثيراً في وجوب القود وسقوطه، وأن الحكم
متعلق به دون القصد إلى القتل: اتفاق الجميع على أنّ السكين الصغيرة
التي لا تقتل مثلها في الغالب، والكبيرة التي تقتل، لا يختلفان في وجوب
القود بهما، وأن السوط واللطمة ونحوهما لا يجب بهما القود وإن عَمَدَ
بهما إلى الضرب.
١٠/ ٣٨٤.
(١) وفي (ق.ج): ((غير مفهوم)).

٤٢٣
كتاب القصاص والديات في الجراحات
وليس هاهنا معنىُ يُفرَّق بينهما غير اختلاف الآلة، فوجب أن يكون
الحكم متعلقاً بها، ولزم اعتبارها فيما اختلفنا فيه، وأن لا يعتبر ما يقتل
مثله أو لا يقتل، إذ كان الحكم لا يتعلق به، ولا تأثير له فيه، وبمثل هذا
المعنى يعتبر تصحيح العلل، وهو ما يوجد من تأثيرها في الأصول،
وتُعَلَّق الأحكام بها.
فإن قال قائل: فأنت تَقِيد بالحجر والعصا إذا كان لهما حَدٌّ.
قيل له: لأنه قد صار في معنى السلاح والحديد، فلأجل أنَّ الآلة
نفسها قد صارت في معنى الحديد: وجب القود بها، فلم يتعلق الحكم في
هذه الحال أيضاً إلا بالآلة.
فإن احتجوا بعموم الآيات الموجبة للقود، نحو قوله: ﴿گُنِبَعَلَيْكُم
اُلْقِصَاصُ فِ الْقَنْلَى﴾(١)، وقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ
قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ، سُلْطَانًا﴾(٣).
قيل له: قد اتفق الجميع على أنَّ هذه الآيات واردة في حكم العمد
دون الخطأ، وما ذكرناه خطأ لا يطلق عليه اسم العمد؛ لأن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ((ألا إن قتيل الخطأ العمد))(٤).
وأيضاً خَبَرُنا متأخرٌ عن الآيات؛ لأن فيه بيان حكم القود، والخطأ،
(١) البقرة: ١٧٨.
(٢) المائدة: ٤٥.
(٣) الإسراء: ٣٣.
(٤) سبق تخريجه.

٤٢٤
كتاب القصاص والديات في الجراحات
وشبه العمد، وذلك بعد استقرار حكم وجوب القود في العمد والخطأ،
فذَكَر شِبْهَ العمد، وهو قَتْلٌ بينهما، لا عمدٌ محض، ولا خطأ محض.
فإن احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن قتل
قتيلاً فأهله بين خِيرتين: إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا العَقْل)) (١).
وهو عامٌّ في سائر وجوه القتل إلا ما قام دليله.
وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((العمد قود))(٢).
قيل لهم: أما قوله: ((العمد قَوَد): فإنما يتناول عمداً محضاً، ولم
يدخل فيه ما لا يسمى عمداً على الإطلاق، وفي هذا الخبر بعينه، وهو
خبر ابن عباس - الذي تقدم ذِكْر سنده ومتنه ــ وذَكَرَ القتل بالعصا
والحجر، وأن فيه الدية، فعلمنا أنَّ العمد المطلق المذكور في هذا الخبر،
غیر داخل في شبه العمد.
وأما قوله: ((مَن قتل قتيلاً فأهله بين خِيرتَيْن)): فإنما ذكر فيه حكم ما
يجب عن القتل العمد، وليس فيه ذكر السبب الذي يقع به القتل.
وفي خبرنا ذِكْر الآلة التي يقع بها القتل، وكل واحد من الخبرين واردٌ
في معنى غير ما ورد فيه الآخر، فلا يتعارضان؛ لأن التعارض إنما يقع إذا
وردا في معنى واحد.
وهذا أصلٌ صحيح يعتبره أصحابنا في اختلاف الأخبار، ونظيره ما
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن نام عن صلاةٍ أو نسيها
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.

٤٢٥
كتاب القصاص والديات في الجراحات
فليصلِّها إذا ذَكَرها))(١).
فهذا حكمٌ وارد في إيجاب القضاء على تارك الصلاة في وقتها، وليس
فيه بيان حكم الأوقات التي تجوز فيها الصلاة، من التي تُحظر فيها.
ثم روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «نهى عن الصلاة عند طلوع
الشمس، وعند الغروب))(٢)، فكان ذلك وارداً في بيان حكم الأوقات التي
تُحظر فيها الصلاة، فلم يكن قوله: «فليصلُّها إذا ذكرها)»: معارضاً له،
لورود كل واحد منهما في معنى، غير ما ورد فيه الخبر الآخر.
وأيضاً: قد اتفقنا جميعاً أنَّ قوله: ((مَن قُتِل له قتيل، فأهله بين
خِيرتين)): في العمد، وكذلك قوله: ((العمد قود)): فلا يدخل فيه ما سماه
النبي صلى الله عليه وسلم خطأ.
فإن احتجوا بحديث أنس: ((أنَّ يهودياً قتل جارية من الأنصار على
أوضاحٍ لها بحجر، فأقاده النبي صلى الله عليه وسلم منها))(٣).
قيل له: ليس فيه بيان موضع الخلاف؛ لأنه لم ينقل إلينا صفة الحَجَر
الذي به قتلها، وجائز أن یکون كان له حَدٌّ.
وليس فيه عموم لفظٍ من النبي صلى الله عليه وسلم فُيُجرى علىُ
ظاهره، وإنما فيه حكاية فِعلٍ من القاتل وقع على وصف لا يُدرى كيف
(١) صحيح البخاري ١٤٨/١، صحيح مسلم ٤٧٧/١، ح ٦٨٤ بلفظ: من نسي
صلاة فليصلها إذا ذكرها، وينظر نصب الراية ٢/ ١٦٢.
(٢) صحيح البخاري ١ /١٤٥.
(٣) صحيح مسلم ٢٩٩/٣ ح ١٦٧٢، سنن أبي داود ٦٦٦/٤ ح٤٥٢٩، وينظر
فتح الباري ١٢ / ٢٠٠.

٤٢٦
كتاب القصاص والديات في الجراحات
هو ، وإيجاب قَوَدٍ من النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا احتمل أن يكون
كما قلنا، واحتمل غيره: سقط الاحتجاج به.
وأيضاً: يحتمل أن يكون اليهودي نقض العهد، فقتله النبي صلى الله
عليه وسلم من أجل ذلك، ويدل عليه ما روي أنّ النبي صلى الله عليه
وسلم رَجَمَه(١)، وليس هذا حكم مَن يقتل قوداً.
فإن قال قائل: عندكم ذا العهد لا ينتقض عهده لقتل المسلم، حتى
يرجع إلى دار الحرب.
قيل له: قد كانت حول المدينة قرى اليهود، وهي كانت دار حَرْب،
فليس يمتنع أن يكون اليهودي لما قَتَلَ الجارية هرب، فأُخذ في حدود دار
الحرب، ومَن كان كذلك، فهو ناقض للعهد، يجب قتله إذا ظَفِرِ به.
فإن قيل: فأنتَ تقتل الخانق إذا كَثُر منه ذلك(٢)، وقاطع الطريق إذا
قتل بعصا(٣).
قيل له: إنما أقتُلهم حدًّاً، لا قوداً، وقد يقتل قاطع الطريق وإن لم
يقتل إذا كان رِدءاً لمن قَتَل.
قال أبو بكر: وقد أقاد أبو حنيفة ممن أحرق رجلاً بالنار؛ لأن تأثيرها
في تفريق الأجزاء أكثر من تأثير السلاح، فكان حكمُها حكمه (٤).
(١) صحيح مسلم ١٢٩٩/٣ ، ح١٦٧٢، سنن أبي داود ٦٦٥/٤ ح٤٥٢٨.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ /١١٧-١١٨.
(٣) تبيين الحقائق ٢٣٨/٣.
(٤) رد المختار ٥٢٨/٦.

٤٢٧
كتاب القصاص والديات في الجراحات
ووجه آخر: وهو أنَّ القود لما كان مما يَسقط بالشبهة، وجب أن
يكون اختلاف الناس في نفس القتل: هل هو عمد أو غير عمد؟ شبهة في
سقوطه، كما كان اختلافهم في الوطء: هل هو زنى أو ليس بزنى؟ شبهة
في سقوط الحد، ألا ترى أنَّ عمر بن الخطاب لما قال في المتعة: ((إنها
زنى، وإني لو تقدمتُ فيها لَرَجَمْتُ))(١).
وقال غيره: ليس بزنى: كان اختلافهم في الفعل على هذا الوجه شبهة
في سقوط الحد عن الواطىء على وجه المتعة.
فصل :
قال أبو بكر : ويُحكى عن بعض أهل المدينة أنَّ القتل خطأ، أو
عمد، وأنه لا يُعرف شبه العمد(٢): وفيما روي عن النبي صلى الله عليه
وسلم في حكم خطأ العمد، واختلاف الصحابة بعده في كيفية أسباب شبه
العمد، ووجوب تغليظها على دية الخطأ، ما يقضي بفساد قول مَن أباه.
فصل : [وجوب الكفارة في قتل شبه العمد]
قال أبو جعفر: (وفي شبه العمد الكفارة)(٣).
قال أبو بكر : وذلك لأن الدية وجبت فيه بنفس القتل، كقتل الخطأ،
وليس ذلك كالعمد إذا دخلت فيه شبهة، فأوجبت الدية؛ لأن الدية هاهنا
لم تجب بنفس القتل، وإنما وجبت لدخول الشبهة.
(١) الموطأ ٥٤١/٢، مصنف عبد الرزاق ٥٠١/٧، السنن الكبرى ٢٠٦/٧.
(٢) كتاب الحجة ٣٩٦/٤.
(٣) بدائع الصنائع ١٠/ ٤٦٥٧.

٤٢٨
كتاب القصاص والديات في الجراحات
فصل : [صفة الدية في شبه العمد]
قال : (والدية في شبه العمد مغلَّظةٌ إذا كانت من الإبل - دون سائر
الأصناف - أرباعاً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف: خمس وعشرون بنت
مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حِقّة، وخمس
وعشرون جَذَعة(١).
وفي قول محمد: أثلاثاً: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون ما
بين ثنية إلى باذل عامها، كلها خَلِفَة في بطونها أولادُها)(٢).
قال أبو بكر : اختلف السلف من الصدر الأول في دية شبه العمد، مع
اتفاقهم على تغليظها على دية الخطأ في الأسنان:
فروي عن عبد الله بن مسعود(٣) أرباعاً، نحو ما حكيناه عن أبي حنيفة.
وقال عمر، وعلي وأبو موسى والمغيرة بن شعبة نحو ما حكيناه من
قول محمد (٤).
ويُروى عن علي أيضاً في شبه العمد رواية أخرى: ثلاث وثلاثون
حقة، وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ما بين ثنية إلى باذل عامها في
بطونها أولادها(٥).
(١) كتاب الأصل ٤ / ٤٤٤.
(٢) كتاب الأصل ٤ /٤٥٠.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٢٨٥/٩، مصنف ابن أبي شيبة ١٣٦/٩.
(٤) المصادر السابق.
(٥) مصنف عبد الرزاق ٢٨٤/٩، مصنف ابن أبي شيبة ١٣٦/٩.

٤٢٩
كتاب القصاص والديات في الجراحات
وجه قول أبي حنيفة: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الدية
مائة من الإبل))(١).
اقتضى عمومه كل ما يقع عليه الاسم، فأوجبناها أرباعاً، لاتفاق
الجميع على وجوب هذا القدر، ولم نوجب الزيادة(٢)؛ لأن العموم ينفيها.
ومن جهة النظر: أنَّ الأسنان لما كانت متساوية في الخطأ، وجب مثله
في شبه العمد، وإذا كانت الأسنان متساوية: وجبت أرباعاً، لأن كل مَن
قال بتساوي الأسنان أوجبها أرباعاً.
وأما ما روي: ((في قتيل خطأ العمد: أربعون منها خَلِفة، في بطونها
أولادُها))(٣): فإن أَمْر الدية كان مشهوراً، والحاجة إلى معرفتها ماسة لعموم
البلوى بها، فلو كان ذلك محفوظاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في مثل
ذلك المشهد الذي حكوا فيه، وهو فتح مكة، لما اختلف الصحابة في
أسنانها هذا الاختلاف، كما لم يختلف في عددها.
فلما لم نجد النقل فيه مستفيضاً، وكان رواية القاسم بن ربيعة عن ابن
عمر(٤)، وإسناده مع ذلك مضطرب؛ لأن خالداً الحذاء يرويه عن القاسم
بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه
(١) سبق تخريجه.
(٢) وفي هامش نسخة قونية: ((أي زيادة السن)).
(٣) نصب الراية ٣٣١/٤، وعزاه لأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان.
(٤) أبو داود ٦٨٤/٤ ح٤٥٤٩ قال ابن القطان: وهو حديث لا يصح، لضعف
علي بن زيد. نصب الراية ٣٣١/٤.

٤٣٠
كتاب القصاص والديات في الجراحات
وسلم، ولا نعلمه(١) رُوي من غير هذا الوجه: دلَّ ذلك على أنه غير
محفوظ عنه على حسب ما رواه.
وأيضاً: فإن ما كان هذا سبيله، فإنه لا يقبل فيه أخبار الآحاد، ولا
سبيلَ إليه من طريق الاجتهاد، فأثبتنا منه ما اتفقوا عليه، وأسقطنا الزيادة
المختلَف فيها، إذ لا دليل عليها.
مسألة : [شبه العمد فيما دون النفس]
قال أبو جعفر: (وكل ما ذكرنا في النفس أنه شبه العمد، فهو فيما
دون النفس عمد)(٢).
قال أبو بكر : وهذا الذي ذكره في نفي حكم شبه العمد عما دون
النفس، فإنما هو في حكم القصاص خاصة؛ لأن رجلاً لو ضرب رجلاً
بعصا أو بحجر، فأوضح عن رأسه، أو لَطَمَه، فكَسَر سِنَّه: كان القصاص
قائماً بينهما.
والأصل فيه: ما روى أنس ((أنَّ الرُّبَيِّع لطمت جارية، فكسرت ثَنَيَّتَها،
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص.
فقال أنس بن النضر: أتُكسر ثنية الربيِّع !! لا، والذي بعثك بالحق نبياً.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كتاب الله: القصاص.
(١) أبو داود ٦٨٢/٤ ح ٤٥٤٧، وقال: عن عبد الله بن عمرو، سنن ابن ماجه
٨٧٧/٢، نصب الراية ٣٣١/٤.
(٢) بدائع الصنائع ١٠ / ٤٦١٧.

٤٣١
كتاب القصاص والديات في الجراحات
ثم تراضوا على الأرش))(١).
فأوجب النبيُّ صلى الله عليه وسلم القصاص في السن باللطمة، ومثله
إذا حدث عنه القتل: لم يقتص منه.
ويدل عليه أيضاً: عموم قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَاَلْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾(٢).
* فأما حكم شبه العمد فيما دون النفس: فهو ثابت عندهم في تغليظ
الأرش فيما لا يُستطاع فيه القصاص، مثل أن يقطع يده من نصف الذراع
عمداً، فيكون عليه الأرش مغلظاً، وكذلك الجائفة(٣) والآمَّة، ويكون مع
ذلك في ماله، ولا يكون على العاقلة.
ولا يكون بمنزلة النفس(٤)؛ لأن النفس في شبه العمد تحملها العاقلة؛
لأن النبي صلى الله عليه وسلم ((أوجب دية المرأة التي قُتِلت بمِسْطح على
عاقلة القاتلة))(٥)، وكان القياس في النفس أيضاً أن يكون في ماله، إذ هو
عمد في الفعل، كالأب إذا قتل ابنه عمداً، فتكون الدية في ماله، إلا أنهم
(١) صحيح البخاري ١٨٨/٥، صحيح مسلم ١٣٠٢/٢ ح ١٦٧٥، أبو داود
٧١٧/٤ ح ٤٥٩٥.
(٢) المائدة: ٤٥.
(٣) الجائفة: هي التي تصل إلى الجوف من الصدر أو البطن أو الظهر أو الجنبين
أو ما بين الأنثيين أو الدبر أو الحلق، ولا تكون الجائفة في اليدين والرجلين، ولا في
الرقبة، لأنه لا يصل إلى الجوف، وغير الجائفة: هي التي لا تصل إلى الجوف كالرقبة
أو اليد أو الرجل.
(٤) وفي (ق.ج): ((في شبه العمد على العاقلة)).
(٥) سبق تخريجه.

٤٣٢
كتاب القصاص والديات في الجراحات
تركوا القياس في النفس، للأثر (١)، وحملوا أمر ما دونها على القياس،
كأحد الورثة إذا عفا عن نصيبه من الدم: يكون للباقين حصتهم من الدية
في مال القاتل.
(١) وفي (ق.ج): ((للشبهة)).

٤٣٣
كتاب القصاص والديات في الجراحات
باب أحكام العَمْد
مسألة : [الاشتراك في القتل]
قال أبو جعفر رحمه الله (١): (وإذا عدا رجلٌ على رجل فشقَّ بطنه،
وأخرج حشوته، ثم ضربَ رجلٌ عُنُقَه بالسيف عمداً: فالقَوَد على الذي
ضرب عنقه بالسيف، وعلىُ الأول الأَرْش)(٢).
قال أبو بكر أيَّده الله(٣): الأصل في ذلك: اتفاق الجميع من فقهاء
الأمصار أنَّ مَن جرح رجلاً جراحة أشرف (٤) منها على التلف، إلا أنه
يرجى بقاؤه يوماً ونحو ذلك، ثم قتله آخر: أنّ القود على الثاني.
ولو لم يجب على الثاني القود: لكان لو كان ممن يبقى شهراً أو سنة،
لوجب أن لا يقاد من الثاني، وهذا لا خلاف فيه.
فقلنا على هذا: إنه إذا كان في الغالب: أنه لو لم يقتل: يبقى يوماً أو
بعض يوم: لم يكن الأول قاتلاً، وكان الثاني هو القاتل.
وأما إذا كانت الجراحة الأولى بحيث تأتي على نفسه، ولم يبق منها
(١) مختصر الطحاوي ص ٢٣٤.
(٢) بدائع الصنائع ٤٦٢٨/١٠.
(٣) يظهر والله أعلم أن عبارة: ((أيده الله)): من النساخ، أو أحد التلاميذ.
(٤) وفي الأصل: (أشفىُ).

٤٣٤
كتاب القصاص والديات فى الجراحات
إلا اضطراب للموت كما يبقى المذبوح: فالأول هو القاتل دون الثاني.
ألا ترى أنَّ رجلاً لو ذبح شاة وسمَّى: كان ذلك ذكاة صحيحة إذا لم
يبق هناك من الحياة إلا الاضطراب للموت، ولو وقعت بعد ذلك في ماء
أو ذبحها مجوسي: لم يُبطل ذلك ذكاتَه، ولو لم يكن ذلك ذبحاً: لما كانت
مذکاة بالذبح.
مسألة : [القصاص في الجراح]
قال : (وإذا قَطَعَ رَجُلٌ يدي رَجُلٍ ورِجْليه عمداً، فإن برىء: كان عليه
القصاص في جميع ذلك).
وذلك لأن استيفاء القصاص ممكن، والذي حصل من الجناية هو
القطع فحسب، قال الله تعالى: ﴿وَاَلْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾(١).
مسألة : [موت المجروح]
قال: (وإن مات من ذلك كله: قُتِل، وبَطَل القطع)(٢).
وذلك لأن حكم الجناية موقوف على ما يؤول إليه، والدليل على
ذلك: أنَّ مَن قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ من نصف الذراع، أو شجَّه مأمومةً أو جائفةً:
لم يكن عليه فيها قصاص، فإن صارت نفساً: قُتِل وبطل حكم الشجة
والجراحة، فدلَّ ذلك على أنَّ حكم الجناية معتبر(٣) بما ينتهي إليه، فإذا
آلت إلى النفس: كانت الجناية هي النفس، فوجب عليه القصاص في
(١) المائدة: ٤٥.
(٢) بدائع الصنائع ٤٨١٣/١٠.
(٣) وفي (ق.ج): ((متعلق)).

٤٣٥
كتاب القصاص والديات في الجراحات
النفس، وبطل حكم ما دونها، لقول الله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(١).
فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾(٢)، فينبغي أن
يستوفى منه القصاص فيما دون النفس إذا كان استيفاؤه ممكناً.
قيل له: لو أوجبنا القصاص فيما دون النفس، ثم لم يمت: احتجنا
أن (٣) نقتله بعد ذلك فليس هذا بقصاص، لأن القصاص أن تجرحه مثل
جراحته، ولا تزيد عليها، وإذا جرحته مثل جراحته، ثم قتلته، فليس هذا
بقصاص، فلما لم ينفك من وجوب القتل في جميع الأحوال، علمنا أنَّ
الواجب هو النفس، وأن حكم ما دونها ساقط في هذه الحال.
وعلى أنَّ هذا لو كان اعتباراً صحيحاً، لوجب أن يكون ما دون النفس
لو كانت آمة(٤) أو جائفة(٥) فمات منها، أن تقتله، وتُوجب في الآمَّة
والجائفة أَرْشهما، كما اقتصصت منه فيما أمكن فيه القصاص مما دون
النفس وقتلتَه، فلما لم يجب أرش المأمومة والجائفة مع القتل المتولد
منهما، دل ذلك على سقوط حكم ما دون النفس فيما وصفنا.
(١) المائدة: ٤٥.
(٢) المائدة: ٤٥.
(٣) وفي (ق.ج) «فإن قال: نعم. قيل له: فليس هذا قصاص)).
(٤) الآمة: هي التي تصل إلى أم الدماغ، وهي جلدة تحت العظم فوق الدماغ.
بدائع الصنائع ٤٧٥٩/١٠.
(٥) الجائفة: هي التي تصل إلى الجوف. المصدر السابق.

٤٣٦
كتاب القصاص والديات في الجراحات
مسألة : [حكم مَن قطع يد رَجُلٍ ثم قتله قبل بُرء اليد]
قال أبو جعفر : (ومَن قَطَعَ يدَ رَجُلٍ عمداً، ثم قتله بعد ذلك عمداً
بالسيف، فإن كان لم يبرأ من القطع حتى قتله: فعليه القصاص في النفس
خاصة، ولا قصاص عليه في اليد).
قال أبو بكر: هذا قول أبي يوسف ومحمد (١)، وأما قول أبي حنيفة:
فللولي أن يقطع یده، ثم يقتله.
وجه قول أبي حنيفة: عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُ واْعَلَيْهِ
بِمِثْلِ مَا أُعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم
بِهِ﴾(٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَاُلْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾(٣)، فكان له القصاص(٤)
في جميع ذلك، لعموم هذه الآيات.
وليس ذلك مثل أن يقطع يده، فيؤول إلى النفس، فلا يكون له قطع
اليد ، بل يقتله فحسب: من قِبل أن القطع قد صار نفساً، وقد بيَّنًا أنَّ حكم
الجناية موقوف على ما يؤول إليه، وفي مسألتنا حكم القطع ثابت لم يصر
نفساً، وإنما حَدَثت النفس من جناية أخرى.
يدل على هذا: أنَّ إحداهما لو كانت خطأ، والأخرى عمداً: وجب
القصاص في العمد، والدية في الخطأ، فدل على أنَّ إحداهما غير متعلقة
(١) بدائع الصنائع ١٠/ ٤٧٧٥.
(٢) النحل: ١٢٦.
(٣) المائدة: ٤٥.
(٤) وفي (ق.ج): ((أن يقتص من الأمرين)).

٤٣٧
كتاب القصاص والديات في الجراحات
بالأخرى.
* وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنهما لو كانتا جميعاً خطأ، لوجبت
دية النفس، وسقط حكم ما دونها؛ لأنهما جميعاً كانتا قبل البرء، فكذلك
إذا كانتا جميعاً عمداً، تعلَّق الحكم بالنفس، وسقط حكم ما دونها.
مسألة :
قال أبو جعفر: وإن برىء من اليد، ثم قتله: كان عليه القصاص في
اليد والنفس)(١).
قال أبو بكر أيَّده الله(٢): وهذا قولهم جميعاً، وذلك لأن وقوع البرء
منهما(٣) يوجب إفراد كل واحدة منهما بحكمها دون الأخرى، وإذا لم يقع
البرء: فكأنهما جناية واحدة، ألا ترى أنه لو شج رجلاً عشرين موضحة،
واحدةً بعد أخرى قبل البرء، ثم برأ منها كلها، كان عليه الدية في ثلاث
سنين إذا كانت خطأ، وكان جميعها جناية واحدة، ولو شجّه موضحة،
فبرأ منها، ثم لا يزال يشجه موضحة بعد البرء حتى شجَّه عشرين مواضح،
كانت عليه الدية في سنة واحدة، ولم يتعلق حكم واحدة منهن بغيرها.
مسألة : [اعتبار السبب في القتل]
قال أبو جعفر : (ومَن رمىُ رَجُلاً مسلماً بسهم، فارتدَّ المرميُّ، ثم
وقع به السهم، فقتله: فإن عليه الدية في قول أبي حنيفة، ولا شيء عليه
(١) بدائع الصنائع ١٠/ ٤٧٧٥.
(٢) أيده الله، لم تأت في (ق. ج)، وواضح أنها من كلام تلامذته أو نسَّاخ
الکتاب.
(٣) وفي (ق.ج) ((جميعاً).

٤٣٨
كتاب القصاص والديات في الجراحات
في قول أبي يوسف ومحمد)(١).
قال أبو بكر : أبو حنيفة يعتبر في مسائل الرمي حالَ السبب، ويَجعل
ما يتولد عنه كأنه حادث عند وجود السبب، وذلك لأن الرمي لما كان
سبباً يوجب الوقوع لا محالة، ثم حصل الوقوع في النفس، صار كأنه قتله
بنفس الرمي.
فإن كان مسلماً حينئذٍ: وجبت الدية، ولم يجب القصاص للشبهة،
وحدوث الردِّ لا يرفع حكم السبب، إذ كان الوقوع موجباً بالرمي لا
محالة، وما تولد عنه: فمن فعله، كأنه أوقعه عند السبب.
وعلى هذا قال في مُحْرِم رمى صيداً، ثم حلَّ، ثم وقع السهم بالصيد:
أنه يضمنه، وإن رماه وهو حلال، ثم أحرم، ثم وقع السهم: لم يضمنه،
اعتباراً لحال السبب(٢).
* وأما أبو يوسف ومحمد، فإنهما قالا: لما حصل الوقوع في مرتدٍّ،
وهو مباح الدم، صار كوقوعه في حائط، أو فيما لا يكون به جانياً (٣).
مسألة :
قال أبو جعفر : (ولو رماه وهو مرتدٌّ، ثم أسلم، ثم وقع به السهم،
فقتله وهو مسلم: فلا شيء عليه في قولهم جميعاً) (٤).
(١) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦٧/١٠.
(٢) المصدر السابق ١٠/ ٢٧٠.
(٣) وفي (ق.ج): ((جناية)).
(٤) المصدر السابق ٢٦٨/١٠.

٤٣٩
كتاب القصاص والديات في الجراحات
قال أبو بكر: أما على أصل أبي حنيفة، فهو صحيح، لأنه علَّق
الحكم بالسبب، والسبب وُجد وهو مباح الدم، فكأنه قتله وهو مرتد.
وهذا يشهد لأبي حنيفة عليهما في المسألة الأولى، حين علَّقا الحكم
في هذه بالسبب، ولم يعتبرا الوقوع به بحال السبب.
مسألة :
قال أبو جعفر : (ومَن رمى عبداً، فأعتقه مولاه، ثم وقع به السهم،
فقتله، ففي قول أبي حنيفة: عليه قيمة لمولاه)(١).
قال أبو بكر أيَّده الله: وهذا مستمر على ما بيَّنَّا من أصله، لأنه اعتبر
السبب، فكأنه قتله وهو عبد.
(وفي قول محمد: على الرامي لمولى العبد ما بين قيمته مرمياً إلى غير
مرمي، ولا شيء له غير ذلك).
وذلك لأنه ذهب إلى أنَّ العبد صار ناقصاً بالرمي في ملك مولاه قبل
وقوع السهم به، فوجب على الرامي النقصان، إذ كان النقصان حادثاً من
فعله، ثم لما عتَق، فوقع به السهم ، وكان من أصل محمد اعتبار حال
الوقوع: لم يكن عليه بالوقوع شيء؛ لأن ابتداء الرمي كان وهو في ملك
المولى، وسقط حكم وقوعه بالعتق.
ألا ترى أنه لو قطع يد عبد، فأعتقه مولاه، ثم مات: أنَّ عليه أرش
اليد وما نقصته جنايته إلى أن أعتقه، ولا شيء عليه بعد ذلك؛ لأن العتق
يبطل حكم السراية الحادثة بعد ذلك.
(١) المصدر السابق ٢٦٨/١٠.

٤٤٠
كتاب القصاص والديات في الجراحات
مسألة : [موت المرتد بعد قطع يده]
قال أبو جعفر: (ومن قطع يد مرتدٍّ، فأسلم، ثم مات: فلا شيء على
القاطع).
قال أبو بكر أيده الله: الأصل في ذلك أنَّ الجناية إذا لم تكن مضمونة،
فالسراية غير مضمونة، والدليل عليه: أنَّ مَن قطع يد حربي، ثم أسلم، ثم
مات(١): لم يضمن السراية، لأن الجناية لم تكن مضمونة، وكذلك لو قطع
يد عبده، ثم أعتقه، ثم مات: لم يضمن السراية، لأن الجناية لم تكن
مضمونة.
فصل :
قال: (وإن قطعها وهو مسلم، ثم ارتدَّ، ثم مات: فعلى القاطع دية
اليد، لا غير).
وذلك لأنه لما ارتدَّ صار مباح الدم، بحيث لو ابتدأ الجناية عليه، لم
يضمنها، فصارت الردة بمنزلة البراءة من السراية، إذ كانت السراية حادثة
بعد الردة.
* قال: (وإن رجع إلى الإسلام، ثم مات منها: فإن على القاطع دية
النفس في قول أبي حنيفة وأبي يوسف).
قال أبو بكر أيَّده الله: وذلك لأن الجناية إنما يتعلق حكمها بالابتداء أو
الانتهاء، وما بينهما لا يتعلق به حكم، والدليل على ذلك: أنَّ رجلاً لو
قطع يد رجل من نصف الذراع: لم يجب عليه فيه القصاص، فإن آلت إلى
(١) وفي (ق.ج): ((من القطع)).