Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ باب العِدَد والاستبراء أجلها))(١). وهشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أنَّ سبيعة ولدت بعد وفاة زوجها بيسير، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح (٢). ومحمد بن إبراهيم التميمي عن أبي سلمة عن سبيعة مثله(٣). وسليمان بن يسار عن كريب عن أم سلمة أنَّ سبيعة وضعت بعد وفاة زوجها بأيام، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج (٤). وقال علقمة، ومسروق عن عبد الله: مَن شاء باهلته(٥) أن قوله: ﴿وَأُؤَثُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: نزلت بعد آية المتوفى عنها زوجها(٦)، يعني أنها قاضية عليها، لعمومها في كل معتدة. وهذا يدل على أنه كان من مذهب عبد الله بن مسعود: أنَّ العام إذا (١) سنن الترمذي ٤٩٨/٣ - ح١١٩٣، وقال أبو عيسى: حديث أبي السنابل حدیث مشهور. (٢) صحيح البخاري ١٨٢/٦، صحيح مسلم ١١٢٢/٢ - ح ١٤٨٤. (٣) سنن أبي داود ٧٢٩/٢، الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد ٤٤/١٧. (٤) صحيح مسلم ١١٢٢/٢ بمعناه، سنن النسائي ١٥٩/٦. (٥) ما وجدت بهذا اللفظ إلا في المبسوط ٣١/٦، وروى أبو داود ٧٣٠/٢ -٢٣٠٧ عن عبد الله قال: ((مَن شاء لاعنته))، أحكام القرآن ٤٥٨/٣، والمباهلة هي: الملاعنة، أي يلعن كل منهما الآخر، ينظر القاموس المحيط (بهل)، المصباح المنير (بھل). (٦) آل عمران: ٦١. ٢٤٢ باب العِدَد والاستبراء ورد بعد الخاص قضى عليه، وأنه لا يجب الترتيب، وكذلك قول مَن وافقه في عدة المتوفى عنها زوجها. ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أنَّ لمضي الأربعة أشهر والعشر لا تنقضي عدتها حتى تضع(١)، فعلمنا أنها مرادة لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(٢)، ودل على سقوط الأشهر؛ لأن الآية لا تبيح النكاح إلا بوضع الحمل. مسألة : [عدة أم الولد] قال : (وعدة أم الولد إذا أُعتقت بموت المولىُ إن كانت حاملاً: وَضْعُ حملها، وإن كانت غير حامل: فثلاث حِيَض)(٣). وذلك لأن عدتها واجبة عن الوطء دون العقد، فأشبهت (٤) النكاح الفاسد، وقد لزمتها وهي حرة، فتكون ثلاث حِيَض. مسألة: [عِْق الأمة بعد الوطء] قال: (ومَن أَعتق أمته بعدما وطئها: لم تكن عليها عدة)(٥). لأن زوال الملك لا يوجب عدة، ألا ترى أنه لو باعها: لم تجب عليها عدة. (١) المبسوط ٣١/٦، المغني والشرح الكبير ١١٠/٩. (٢) الطلاق: ٤. (٣) البناية ٧٧٧/٤، ٧٨٤. (٤) في (ق.ج) ((العدة)). (٥) حاشية ابن عابدين ٥١٨/٣. ٢٤٣ باب العِدَد والاستبراء مسألة : [لا عدة على الزانية] قال: (ولا عدة على الزانية، حاملاً كانت أو غير حامل)(١). لأن وطء الزنى لا يتعلق به ثبوت النسب، فأشبه الوطء بملك اليمين، والولد الذي في بطنها ليس فيه حق للغير، فلا يمنع النكاح، ولكن زوجها لا يدخل بها حتى تضع. وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى أن يسقي ماؤه زرعَ غيره))(٢)، يعني أن يطأ امرأةً حاملاً من غيره. رواه رويفع(٣) بن ثابت الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم. * (وقال أبو يوسف: لا يجوز تزويج الحامل من زنى)(٤). كما لا يجوز تزويج الأمة الحامل من مولاها. قال: وكما لا يجوز له وطؤها: لم يجز له أن يتزوجها. والانفصال من ذلك: أنَّ تزويج الحامل من المولى، إنما لم يجز من قِبَل أنَّ هناك حملاً ثابتاً للنسب من الغير، فلأجل حقه لم يجز كالمعتدة، وأما الحامل من زنى، فليس في حَمْلها حقٌّ للغير، فلذلك جاز. وأما مَنْع الوطء: فإنه لا يمنع النكاح، إذ لم يكن فيه حق للغير، كما (١) المصدر السابق ٥١١/٣. (٢) سنن الترمذي ٤٣٧/٢، وقال: حديث حسن، سنن أبي داود ٦١٥/٢ - ح٢١٥٨. (٣) في (ق.ج): ((الربيع))، والصحيح ما أثبت. (٤) بدائع الصنائع ١٤١٢/٣، حاشية ابن عابدين ٤٨/٣. ٢٤٤ باب العِدَد والاستبراء يتزوج النفساء والحائض، وهو ممنوع من وطئها. مسألة : [وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها والمطلقة] قال: (وعلى المعتدة المسلمة من الوفاة والطلاق اجتنابُ الزينة، والطّيْب)(١). وذلك لما روته أم حبيبة وأم سلمة وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوجها، فإنها تحدُّ عليه أربعة أشهر وعشراً))(٢)، فأوجب عليها الإحداد، والإحداد: الامتناعُ من الزينة والطيب. مسألة: [عدم الخروج من البيت للمتوفى عنها] (ولا ينبغي للمتوفى عنها أن تبيت في غير منزلها، ويجوز لها الخروج بالنهار)(٣). والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجِ﴾ (٤). فكانت عدة المتوفى عنها زوجها حولاً، لا تخرج فيه من منزلها، ثم نُسخ ما عدا الأربعة أشهر والعشر بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (١) شرح فتح القدير ٣٣٦/٤، فتح الباري ٩ / ٤٨٤. (٢) صحيح البخاري ١٨٥/٦، صحيح مسلم ١١٢٤/٢. (٣) ينظر الهداية مع شرح فتح القدير ٣٤٣/٤، وجواز خروجها نهاراً، لأنه لا نفقة لها، فتحتاج إلى الخروج نهاراً لطلب المعاش، وعليه فإذا كان لها قدر كفايتها: فلا يحل لها أن تخرج. اهـ. (٤) البقرة: ٢٤٠. ٢٤٥ باب العِدَد والاستبراء وَعَشْرًا﴾(١)، فكان حكم هذه المدة باقياً على ما كان عليه في مَنْع الخروج، ووجوب (٢) الاعتداد فيها؛ لأن النسخ لم يَرِد عليه إلا في حال قد قامت الدلالة عليه، وهو خروجها في حوائجها، فمنعها من غير أن تبيت في بيتها. وهو ما روي عن فريعة بنت مالك أنها جاءت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم، وتستأذنه في النِّقلة وهي معتدة، وقد كان زوجها قَتِل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا، حتى يبلغ الكتاب أجله))(٣)، فمنعها النِّقلة، ولم ينكر عليها خروجها من البيت. وروي نحوه عن ابن مسعود، وغيره من الصحابة. مسألة : [عدم الإحداد على الصبية] قال : (ولا إحداد على صبية، ولا كافرة) (٤). وذلك لأن الامتناع من الزينة والطيب عبادة، وحق الله تعالى يلزم من طريق الشرع، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج))(٥)، وهؤلاء لا تلزمهم حقوق الله من جهة الشرع. (١) البقرة: ٢٣٤. (٢) في (ق.ج) ((وجود)). (٣) سنن الترمذي ٥٠٨/٣، وقال: هذا حديث حسن صحيح، سنن أبي داود ٠٧٢٣/٢ (٤) شرح فتح القدير ٣٤٠/٤. (٥) سبق تخريجه. ٢٤٦ باب العِدَد والاستبراء * وأما الأمة: فإن عليها الإحداد؛ لأنه من العبادات. مسألة : قال: (ولا بأس بأن تخرج الأمة في حوائج مولاها). وذلك لأن الخدمة باقية في ملك المولى، لم تُستَحق عليه، فحالها في هذا الوجه في العدة، كحالها قبل الموت والفرقة. مسألة : [عدم الإحداد على المعتدة من نكاح فاسد] قال: (ولا إحداد على معتدةٍ من نكاح فاسد، ولا على أم الولد إذا أعتقت بموت المولىُ، أو أعتقها)(١). وذلك لأن وجوب الإحداد يختص بالأزواج، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج))(٢). فعلَّق وجوب الإحداد على فراق الزوج، ومن أجله أوجبناه على المطلقة؛ لأنها فارقت زوجها، وأما المعتدة من النكاح الفاسد، وأم الولد، فإنهما لم تفارقا زوجاً، فلم يكن عليهما إحداد، كالموطوءة بالشبهة. مسألة: [عدم إنشاء السفر للمتوفى عنها وللمطلقة الثلاث] قال: (وإذا مات عنها زوجها، أو طلقها، وهما في سفر في مصر، وبينها وبين منزلها مسيرة ثلاث وبين البلد الذي تريده كذلك، فإنها لا (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٤٢/٤. (٢) سبق تخريجه. ٢٤٧ باب العِدَد والاستبراء تخرج حتى تنقضي عدتها، ولا تخرج بعد انقضاء عدتها إلا مع ذي مَحْرَم، حجاً كان أو غيره في قول أبي حنيفة)(١). وذلك لأن وجوب العدة عليها يُلزمها الكَوْن في الموضع، والدليل عليه: أنها لو طُلَّقت وهي بالسواد، لكان عليها أن ترجع إلى مصرها، وتعتد، وكذلك لو طلقها أو مات عنها وهي في منزل أبيها زائرةً: كان عليها أن ترجع إلى منزلها وتعتد فيه، فإذا كان لزوم العدة يُلزمها الكَوْن في منزلٍ ثَمَّ كانت في بلد يمكنها المقام فيه: لزمها الكَوْن هناك في العدة، وانقطع بذلك سفرها. * (وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس أن تخرج في عدتها مع ذي مَحْرَمٍ)(٢). لأنها مسافرة، فلا ينقطع سفرها بموت الزوج عنها، وكان لها أن تمضي فیه. ولأنها لما لم تكن في منزله، لم يلزمها المقام فيه، كما أنها إذا طلقت وهي في السواد: لم يلزمها الكون في السواد؛ لأنه ليس بمنزلها، كذلك إذا کانت في بلد غیر بلدها. مسألة : [عدم جواز سفر المعتدة من الوفاة إلا مع ذي محرم] قال : (ولا تخرج إلا مع ذي مَحْرم في قولهم جميعاً)(٣). (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٤٦/٤. (٢) المرجع السابق. (٣) شرح فتح القدير ٣٤٧/٤. ٢٤٨ باب العِدَد والاستبراء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاث إلا مع ذي مَحْرم أو زوج))(١). مسألة : قال: (وإن كان مات عنها في غير مصر من الأمصار: فإن شاءت رجعت إلى مصرها، وإن شاءت مضت في سفرها)(٢). لأنها لا يمكنها المقام هناك، فلم يلزمها الكَوْن، ألا ترى أنها لو طُلِّقت في المصر، ولم يمكن المقام في منزلها لخوف أو عذر: كان لها أن تنتقل، فإذا كانت في غير مصر، فهي أحرى، لا يلزمها الكَوْن هناك. * قال : (وإن كان بينها وبين مصرها أقل من مسيرة ثلاثة أيام: فلا بأس عليها بالرجوع إليه بغير مَحْرم). وذلك لأن للمرأة أن تسافر دون الثلاث بغير مَحْرم. مسألة : [وقت ابتداء العدة] قال: (والعدة واجبة من يوم الطلاق، ويوم الموت)(٣). وذلك لقول الله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةً قُرُوَءٍ﴾ (٤)، فأوجب الأقراء في وقت الطلاق. (١) صحيح البخاري ٣٥/٢، صحيح مسلم ١ /٩٧٧ - ح١٣٣٩. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٤٦/٤. (٣) البناية شرح الهداية ٧٩١/٤، مصنف عبد الرزاق ٣٢٧/٦. (٤) البقرة: ٢٢٨. ٢٤٩ باب العِدَد والاستبراء وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾(١)، فأوجبها من يوم الموت. وأما ما روي عن علي بن أبي طالب: أنَّ عليها العدة من يوم يأتيها الخبر (٢)، فإن معناه عندنا: إذا لم تعلم وقت الموت، فأَمَرَها بالأخذ باليقين، وقد رُوي عنه في الطلاق أنها من يوم طلَّق. مسألة : [لا سكنى ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها] قال: (لا سكنى للمتوفى عنها زوجها، ولا نفقة في مال الزوج، حاملاً كانت أو غير حامل)(٣). قال أبو بكر : قد كانت نفقتها واجبة في مال الميت بقوله: ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِم مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾(٤)، فنُسخت هذه النفقة بالميراث، وبقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾، فأوجب نفقتها على نفسها، وقَطَعها من مال الزوج. وأيضاً: فإن النفقة غير مستحقة بعقد النكاح، وإنما يتعلق وجوبها بمرور الأوقات، وتسليم نفسها في بيت الزوج، فإذا مات الزوج انتقل ملك الميراث إلى الورثة، فلا تجب عليه النفقة؛ لأنه معسر في هذه (١) البقرة: ٢٣٤. (٢) مصنف عبد الرزاق ٣٢٩/٦، السنن الكبرى ٤٢٥/٧. (٣) المبسوط ٣٢/٦. (٤) البقرة: ٢٤٠. ٢٥٠ باب العِدَد والاستبراء الحال، لا مال له. مسألة : [المسلمة تخرج من دار الحرب إلى دار الإسلام] قال : (وإذا خرجت الحربية إلينا مسلمةً، وخلَّفت زوجها هناك: بانت من زوجها، ولا عدة عليها)(١). فأما البينونة: فلأجل اختلاف الدارَيْن بهما، ومتى اختلفت بهما الداران وقعت الفرقة. والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَتِهِنٌ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا نَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌ ◌َهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَهُنّ وَءَاتُوهُمْمَّا أَنْفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَاْءَانْتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾(٢)، فدل ذلك على معنیین: أحدهما: وقوع الفرقة بخروجها إلى دارنا. والثاني: أن لا عدة عليها؛ لأنه أباح نكاحها من غير شرط العدة(٣). * ومن الناس مَن لا يوقع الفرقة بخروجها مهاجرةً إلينا وإن كان زوجها حربياً في دار الحرب، ويحتجون فيه بما روي عن ابن عباس ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح (١) شرح فتح القدير ٣٣٣/٤، بدائع الصنائع ١٤١١/٣. (٢) الممتحنة: ١٠. (٣) أحكام القرآن ٤٣٨/٣. ٢٥١ باب العِدَد والاستبراء الأول))(١). وهذا الحديث له وجهان صحيحان لا ينافي من أجلهما قولَنا: أحدهما: أنَّ ابن عباس لما لم يعلم حدوث نكاح آخر، أخبر عما كان الظاهر عنده، وقد علم ذلك غيرُه، فروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ زينبَ على أبي العاص بنكاحٍ جدید»(٢)، فأخبر عن نكاح حادث قد علمه، فكان أولى. والوجه الآخر: أنه جائز أن يكون قبل نزول الآية التي تلوناها في حكم المهاجرات، وإيقاع البينونة، وسقوط العدة جميعاً، قوله في سياق الآية: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾، وذلك عمومٌ في وقوع الفرقة باختلاف الدارين، وفي أنه لا عدة عليها؛ لأن العصمة هي المنع في اللغة، قال الله تعالى: ﴿لَ عَاصِمَالْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّ مَن رَّحِمَ﴾(٣) أي: لا مانع، فغير جائز أن نمتنع من نكاحها لأجل زوجها الحربي(٤). فإن قال قائل: إنما المراد به الرجل إذا خرج إلينا مسلماً، وخلّف امرأته حربيةً هناك؛ لأن الكوافر اسم للإناث دون الذكور. (١) سنن أبي داود ٦٧٥/٢ - ح٢٢٤٠، سنن الترمذي ٤٤٨/٣ - ح ١١٤٣، وقال: هذا حديث لیس بإسناده بأس. (٢) سنن الترمذي ٤٤٨/٣ - ح١١٤٢، وقال: هذا حديث في إسناده مقال، الفتح الرباني ١٦/ ٢٠١. (٣) هود: ٤٣. (٤) أحكام القرآن ٤٤٠/٣. ٢٥٢ باب العِدَد والاستبراء قيل له: لو سلَّمنا لك ما ادَّعيتَ من ذلك، كانت دلالة الآية قائمة على ما وصفنا؛ لأنه إذا ثبت أنَّ خروج الزوج إلينا مسلماً يقطع العصمة بينه وبينها من سائر الوجوه، فكذلك خروجها؛ لأن المعنى فيه اختلاف الدارین بهما. وعلىُ أنَّ الكوافر يجوز أن يكون وصفاً للذكور، ويدل عليه: أنَّ أول الخطاب في المهاجرات اللاتي خلَّفَن أزواجهن في دار الحرب. ومما يدل عليه من جهة اللغة على أنَّ الفواعل(١) يجوز أن يكون اسماً للذكور قول الشاعر(٢): خُضْعَ الرقاب، نواكسَ الأبصار وإذا الرجال رأوا يزيد : رأيتَهم وقال غيره: ولا أوكل بالرعيل الأول إذ لا أبادر بالمضيق فوارسي فأطلقوا النواكس، والفوارس على الذكور، فليس يمتنع على هذا أن يكون الكوافر اسماً للذكور. ومما يدل على أنَّ اختلاف الدارين يقطع العصمة من الوجوه التي ذكرنا: اتفاق الجميع على وقوع الفرقة بين المسبيَّة (٣) وبين زوجها الذي لها في دار الحرب، وأنه لا عدة عليها، وإنما على الذي يريد الوطء من (١) لسان العرب مادة (فرس، ونكس) وقال: وأما مذكر ما يعقل، فلم يُجمع عليه إلا فوارس، وهوالك، ونواكس على فواعل. (٢) عزاه في تاج العروس (نكس) ٥٧٨/١٦ (ط الكويت) إلى الفرزدق. (٣) شرح فتح القدير ٤٢٢/٣. ٢٥٣ باب العِدَد والاستبراء المالكين الاستبراء فحسب. مسألة : قال أبو جعفر: (وإذا كانت المهاجرة حاملاً: ففيها عن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: أنه ليس لها أن تتزوج حتى تضع حملها، وهذه رواية محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. قال: وروى أصحابُ الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنَّ لها أن تتزوج، ولا يدخل بها زوجُها حتى تضع حملها (١). قال أبو جعفر: هذا أَوْلى القولين به). قال أبو بكر : الصحيح من قولي أبي حنيفة: أنه لا يجوز نكاحها، وهو أشبه بأصولهم، وذلك لأن ثبوت نسب الحمل من الغير يمنع عقد النكاح، سواء كانت معتدة أو غير معتدة، وليس يجب من حيث منعناها عقد النكاح أن تكون معتدة. ألا ترى أنَّ للرجل أن يزوج أمَّ ولده إذا لم تكن حاملاً منه، فإن كانت حاملاً منه: لم يكن له أن يزوجها ما دامت حاملاً، وليست مع ذلك بمعتدة، وكان ثبوت نسب الحمل هو المانع من عقد الغير. (وقال أبو يوسف ومحمد (٢): ليس لها أن تتزوج حتى تنقضيَ عدتها، حاملاً كانت أو غير حامل)(٣). (١) العناية على الهداية ٣٣٤/٤. (٢) ((محمد)) ساقط من (ق.ج). (٣) حاشية ابن عابدين ١٩٣/٣. ٢٥٤ باب العِدَد والاستبراء وذلك لأنها بانت من زوجها بحصولها إلى دار الإسلام، فلما وقعت البينونة في دار الإسلام وهي مسلمة، لزمتها العدة. قال أبو بكر : ويلزمهما على هذا الاعتلال إيجاب العدة على المسبية؛ لأن الفرقة وقعت بينها وبين زوجها بحصولها في دار الإسلام. ٢٥٥ باب الرضاع باب الرضاع مسألة : [أحكام الرضاع] قال أبو جعفر(١): (وإذا حملت المرأة ممَّن يَلحق نسبُ ولدها به، فصار لها لبن، فإن أرضعت به صبياً رَضعةً واحدة فما فوقها في الحولين: حرمت عليه في قول أبي يوسف ومحمد، وفي قول أبي حنيفة إلى ثلاثين شهراً، ويكون هذا الرضيع أخاً لأولاد الزوج من الرضاعة)(٢). قال أبو بكر : هذه الجملة التي ذكرناها تشتمل على مسائل: منها: إيجاب التحريم بلبن الفحل. ومنها: وقوع التحريم بالرضعة الواحدة، دون اعتبار العدد. ومنها: مدة الرضاع الموجب للتحريم. مسألة : [إيجاب التحريم بلبن الفحل] فأما القول في لبن الفحل، فإن السلف مختلفون فيه، فروي عن رافع بن خديج، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعطاء بن يسار، وسليمان (١) مختصر الطحاوي ص ٢٢٠. (٢) المبسوط ١٣٤/٥، ١٣٧، شرح فتح القدير ٤٣٨/٣، ٤٤١، حاشية ابن عابدين ٢١٠/٣. ٢٥٦ باب الرضاع بن يسار، أنه لا يُحرِّم(١)، وهو قول مالك(٢). وقال ابن الزبير، وابن عباس، وزينب بنت أبي سلمة، ومجاهد، وجابر بن زيد: إنه يُحرِّم(٣). والأصل في إيجاب التحريم بلبن الفحل: ما روي عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: ((استأذن علي أَفْلحُ أخو أبي القُعَيْس، فلم آذن له، ثم سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «دَعِيه فَلْيَلِجْ عليك، فإنه عمُّك. فقلت: إنما أرضعتني النساء، ولم يُرضعني الرجال! فقال: فَلْيَلِجْ عليك، فإنه عمك))(٤). وكانت امرأة أبي القُعَيْس أرضعت عائشة. وأيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يَحْرُم من الرضاع ما يَحْرُم من النَّسَب)»(٥)، والنسب كله يكون من قِبَل الرجل وإن كانت المرأة هي التي وَلَدَتْ، فكذلك الرضاع يكون من قِبَله وإن كانت هي التي أرضعت. (١) أحكام القرآن ١٢٩/٢، مصنف عبد الرزاق ٤٧١/٧، فتح الباري ٩/ ١٥١. (٢) لم أجد هذا القول للإمام مالك، بل قوله مع جمهور الفقهاء أنَّ لبن الفحل يحرم، انظر بداية المجتهد ٣٨/٢، شرح موطأ الإمام مالك للزرقاني ٤ /١٧٠. (٣) مصنف عبد الرزاق ٤٧٤/٧، فتح الباري ٩/ ١٥١. (٤) انظر فتح الباري ١٥٠/٩، ٥١٠/٤، صحيح مسلم ١٠٦٩/٢ - ح١٤٤٥، سنن أبي داود ٤٥٤/٢ - ح١١٤٨، سنن الترمذي ٥٤٧/٣ - ح ٢٠٥٧. (٥) فتح الباري ١٣٩/٩، صحيح مسلم ٢/ ١٠٧٠، سنن أبي داود ٤٥٢/٢ - ح ١١٤٦. ٢٥٧ باب الرضاع ومن جهة النظر: أنّ وطء الرجل لما كان منه الولادة، صار سبباً لنزول اللبن الموجب للتحريم، فوجب أن يتعلق حكم التحريم بالرجل، كهو في المرأة. والدليل على ذلك: أنَّ الجد لما كان سبباً لحدوث الأب الذي منه كان الولد، كان الأب والجد سواء فيما يتعلق بهما من تحريم ولد الابن(١). فصل : [ثبوت التحريم بالرضعة الواحدة] وأما إيجاب التحريم بالرضعة الواحدة، فالأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ﴾(٢)، ومعنى الرضاع معقول في لغة العرب قبل ورود الشرع، غیرُ مفتقر إلى ورود بیانٍ فیه، فلما علَّق الحكم فيه بالاسم، وجب اعتبار عمومه فيما يتناوله. ويدل على أنَّ الاسم يتناول القليل والكثير: أنَّ ابن عمر لما قيل له: إن ابن الزبير يقول: ((لا تحرِّم الرضعة والرضعتان))(٣)، قال: قضاء الله أَوْلى من قضاء ابن الزبير(٤). قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَّكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ﴾. فأخبر وهو رجل من أهل اللسان أنَّ إيجاب التحريم بقليل الرضاع (١) أحكام القرآن ١٢٩/٢، ١٢٤. (٢) النساء: ٢٣. (٣) بهذا اللفظ ورد مرفوعاً في صحيح مسلم ١٠٧٣/٢ - ح ١٤٥٠١٤٥١، سنن أبي داود ٥٢/٢ -ح٢٠٦٣، سنن الترمذي ٤٥٥/٣. (٤) مصنف عبد الرزاق ٤٦٨/٧. ٢٥٨ باب الرضاع معقول من اللفظ. ويدل عليه أيضاً: قول ابن الزبير وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان))(١)، فأطلق الاسمَ على القليل، فتناوله عمومُ الآية. ولأن مَن خالف ابن الزبير في ذلك لم يخالفه من جهة امتناع إطلاق الاسم على القليل، وإنما خالفه في الحكم دون الاسم. وتقول العرب: لئيم راضع: للذي يرتضع من الشاة لئلا يُسْمَع بحَلْبه، فيُطْلَب منه(٢). فثبت أنَّ الاسم معقول في اللغة على قليل الرضاع وكثيره. فإن قال قائل: إنما كان يصح الاحتجاج بالعموم لو قال: (واللاتي أرضعنكم أمهاتكم)، فأما قوله: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ﴾، فالواجب أن يثبت أنها أُمٌّ، حتى يثبت الرضاع. قيل له: هذا جهلٌ(٣) من قائله بموضوع اللفظ، وذلك لأنه لا فَرْق بين قوله: (واللاتي أرضعنكم أمهاتكم)، وبين قوله: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَگُمْ﴾، إذ کان کونھا أُمّاً في هذا الوجه، ليس هو معنى غير الرضاع، وإنما كان يجب ما يقول لو كانت الأمومة بمعنى غير الرضاع، وأما إذا (١) بهذا اللفظ ورد مرفوعاً في صحيح مسلم ١٠٧٣/٢ - ح ١٤٥٠، سنن أبي داود ٥٢/٢ - ح٢٠٦٣، سنن الترمذي ٤٥٥/٣ -١١٥٠. (٢) ينظر القاموس المحيط (رضع). (٣) في (ق.ج): ((غلط)). ٢٥٩ باب الرضاع كان هذا اسماً مستفاداً من الرضاع، وليس هو شيئاً غيره، فلا فَرْق بين تقدیم الأم في اللفظ، وبين تقديم ذِكْر الرضاع. فإن قيل: هذا كقوله: وأمهاتكم اللاتي كَسَوْنكم، وأمهاتكم اللاتي أعطينكم، فيحتاج أن يثبت الإعطاء والكسوة حتى تعلم به الأُمُّ. قيل له: ليس كذلك، لأنها لا تصير أُمّاً بالكسوة والإعطاء، ولا يُكَسَبُ(١) هذا الاسم بهما؛ لأن الأمومة شيء غيرهما، فاحتيج من أجل ذلك أن تثبت الأمومة بثبات ما علق بها من الفعل. وأما الأم من الرضاع، فليست شيئاً أكثر من وجود الرضاع، وتعلّقه به، فوجب اعتبار عموم اللفظ (٢) في كونها أُمّاً. ويدل عليه: أنَّ ابن عمر من أهل اللسان، وقد عَقَل من عموم اللفظ حصول معنى الأمومة بالرضاع اليسير. ومن جهة السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الرضاع من المجاعة)»(٣). وقولُه: ((إنما الرضاع ما أنبتَ اللحم، وأنشز العظم)) (٤). والقليل من الرضاع يسد الجَوْعة بقِسْطه، فكذلك نأخذ بقِسْطُه من إنبات اللحم، وإنشاز العظم، فوجب أن يحرِّم بعموم اللفظ. (١) في (ق.ج): ((لا يثبت)). (٢) في (ق.ج): ((الرضاع)). (٣) صحيح البخاري ١٢٦/٦، صحيح مسلم ١٠٧٨/٢ - ح ١٤٥٥. (٤) انظر مصنف عبد الرزاق ٤٦٣/٧، السنن الكبرى للبيهقي ٤٦١/٧. ٢٦٠ باب الرضاع ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أنَّ النسب لما كان سبباً لإيجاب التحريم مؤبداً، تعلق حكمه بوجوده، كذلك الرضاع(١). ووجب أن لا يعتبر تكرار الرضاع، كما لا يعتبر في إيجاب التحريم بالنسب ثبوته من جهاتٍ كثيرة. وأيضاً: الجماع الذي تعلق به حكم التحريم، يستوي فيه قليله وكثيره، كذلك الرضاع، إذ كل واحد منهما سببٌ لإيجاب تحريمٍ مؤبَّد(٢). فإن قيل: فالطلاق سبب(٣) للتحريم، ولا يتعلق التحريم فيه بالواحدة والثنتين. قيل له: والطلاق لا يوجب تحريماً مؤبداً، وقد قيدنا العلة بدءاً بما كان سبباً لإيجاب تحریم مؤبَّد. * وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تُحرِّم الرضعة ولا الرضعتان)»(٤)، فإن هذا لمخالفنا ألزم منه لنا؛ لأن من أصله: أنَّ دليل هذا اللفظ يقتضي إيجاب التحريم بالثلاث، فلزم إيجاب التحريم بالثلاث، وإذا ثبت التحريم بالثلاث، ثبت بالثنتين، لاتفاقنا جميعاً على أنه لا فرق بين الثانية والثالثة. ولا يلزمنا على أصلنا أيضاً، وذلك لأنه(٥) يحتمل أن يكون النبي (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٤٤٦/٣. (٢) شرح فتح القدير ٢١٩/٢. (٣) في (ق.ج): ((لإیجاب)). (٤) صحيح مسلم ٢ / ١٠٧٤ - ح١٤٥١. (٥) في (ق.ج): ((لا يحتمل)).