Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ باب الظِّهَار لأنه قاصد إلى إمساكها على النكاح بنفس الظهار ، إذ كان الظهار لا يصح إلا مع بقاء النكاح، فقَصْده إلى الظهار قَصْدٌ منه إلى تبقية النكاح، ألا ترى أنه إذا أبانها لا يصح ظهاره منها. فإن قيل: شَرْط وجوب الكفارة إمساكها بعد الظهار؛ لأن: ثم: للترتيب، فأما إمساكها في حال الظهار، فلم تتناوله الآية. قیل له: هذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنك لم تستعمل: ثم: على حقيقتها؛ لأنها موضوعة للتراخي، ولِمَ تجعلها كذلك؟ فمِن حيث أسقطتَ حكمها من هذا الوجه، وصارت بغير الحقيقة عندك، سقط الاحتجاج بها، ونقول لك حينئذ أيها المخالف: لما لم تكن للترتيب، صارت بمعنى: الواو، كأنه قال: ((وهم عائدون لما قالوا))، يعني: ما كانت عادتهم عليه قبل نزول الحكم على التأويل الذي قدَّمناه في المسألة. والوجه الآخر: أنَّ المظاهِرِ قاصدٌ إلى إمساكها عقيب الظهار؛ لأنه لو أراد خلاف ذلك لأبانها وطلقها بدل الظهار. ويُفسد هذا قولَه من وجه آخر، وهو أنَّ الطلاق الرجعي لا ينفي الزوجية، ولا يمنع إمساكها على النكاح؛ لأنها امرأته بحالها، فهو ممسك لها بعد الطلاق، إذ لم يقع منه عود لما قال. فإن قيل: إنما خرج من أن يكون ممسكاً لها على الحال الأول؛ لأن الطلاق الرجعي يوجب تحريماً، وإن لم يرفع النكاح. قيل له: ينبغي أن يكون لو ظاهر منها ظهاراً ثانياً، أن يكون غير عائد؛ لأن الظهار يوجب تحريماً. وأيضاً: فإن كان الطلاق الرجعي يوجب تحريماً، فينبغي أن يكون ١٨٢ باب الظِّهَارِ عائداً به لما قال، لأنه قَصَدَ إلى تحريمها بالظهار، ثم عاد لمثله في إحداث معنى يوجب تحريمها، فالواجب أن يكون العود هو الطلاق نفسه(١)، وهذا قولٌ ظاهِرُ الإعلال، بيِّن الإحالة. فإن قال: لأن الطلاق يوجب البينونة بعد انقضاء العدة. قيل له: فإلى أن تقع البينونة فالزوجية بسائر أحكامها قائمة، من نحو التوارث، وصحة إيجاب الظهار، واللعان ونحو ذلك، فينبغي أن يكون عائداً به لما قال، ويلزمه الكفارة، وأن يكون العود طلاقاً يوجب البينونة لا غیر، وليس هذا من قوله. * وأما قول من قال: إن العود أن يعيد القول مرة أخرى: فقول خارج عن اللغة، والإجماع (٢). وذلك لأنه لاسبيل له إلى إعادة القول على الحقيقة؛ لأن القول الثاني ليس بإعادة للأول، وإنما هو قول مبتدأ مثل ما تقدم، فلم يقتض اللفظ إعادة القول مرتين. وأيضاً: قوله: ﴿ثُمَ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾: ليس يقتضي قولاً ثانياً بحال؛ لأنه قد يقال لمن حرَّم شيئاً على نفسه، ثم استباحه، أنه قد عاد لما قال ولما حرَّم، وإن كانت الاستباحة بالفعل دون القول. ويقال: عاد في عاريته، وفي قرضه: إذا أخذهما وإن لم يكن منه قول. وأيضاً: ((فإن سلمة بن صخر ظاهَرَ من امرأته، ثم وطئها، وسأل النبيَّ (١) في الأصل: (كعينه)، والمثبت من (ق.ج). (٢) انظر أحكام القرآن للجصاص ٤١٩/٣، أحكام القرآن للقرطبي ١٧ / ٢٨١. ١٨٣ باب الظِّهَار صلى الله عليه وسلم، فأمره بأن لا يطأها حتى يكفِّر)) (١)، ولم يسأله: هل أعدتَ القول مرتين؟ ولا: هل طلقتها؟ فدل على أنَّ إعادة القول مرتين ليس من شرطه، ولا الطلاق بعده. وكذلك يدل عليه حديث أوس بن الصامت، حين ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة، وفيهما نزلت آية الظهار(٢)، فأمره النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالكفارة(٣)، ولم يسأله هل أعدتَ القول مرتين أم لا؟ ولا يُحتاج إلى إفساد قول القائل بإعادة القول إلى كثيرِ حِجَاجٍ، لسقوطه وسقوط قائله، واتفاق الأمة على خلافه، إلا أنا أردنا التنبيه على جَهْله تَقَحُّمَه مخالفةَ الإجماع، مع ما هو عليه من التهمة على دين الإسلام، والتلاعب بالشريعة والأحكام(٤). وقد روي عن علي، والحسن البصري فيمن ظاهر من امرأته في مقاعد شتى، أن يكفر بكفارات شتى(٥)، وإن ظاهر منها في مقعد واحد: فعليه كفارة واحدة. وقال عطاء وطاوس ومجاهد والشعبي وإبراهيم: عليه كفارة واحدة(٦). (١) انظر سنن الترمذي ٥٠٣/٣ - ح١١٩٩، نيل الأوطار ٢٩٣/٦. (٢) انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني ٢٨٠/٢٠. (٣) أبو داود ٦٦٦/٢، نيل الأوطار ٢٩٤/٦. (٤) سبق قريباً أنه يريد داود الأصفهاني، وتم بيان أقوال العلماء فيه. (٥) انظر مصنف عبد الرزاق ٣٧/٦، كنز العمال ١٣٠/١٠ (٢٨٦٤٩). (٦) المراجع السابقة، والمبسوط ٢٢٦/٦. ١٨٤ باب الظِّهَار فلم يشترط واحد منهما إعادةَ القول مرتين. مسألة : [حكم الظهار بامرأتين] قال : (ومن ظاهر من امرأتيه: كان مظاهِراً من كل واحدة منهما ظهاراً على حدة)(١). وذلك لأنه قد أوجب بهذا القول تحريم كل واحدة منهما على حيالها، وارتفاع ذلك التحريم يتعلق بالكفارة، ولا يجوز أن يُرفع تحريم المرأتين جميعاً بكفارة واحدة، إذ كان هناك تحریمان. وأيضاً: لو ظاهر من كل واحدة ظهاراً مفرداً، لم يُحِلَّها له إلا كفارتان، كذلك بالقول الواحد. مسألة : [لو ظاهر من امرأته ثم طلقها ثلاثاً] قال: (ولو ظاهر من امرأته، ثم طلقها ثلاثاً، فحلَّت له بعد زوج: لم يطأها حتى يكفر)(٢). لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسًا﴾ (٣)، لم يفرِّق بين حاله قبل الطلاق، وبعده. وأيضاً: فإن تحريم الظهار ليس يتعلق ببقاء الملك، وإنما يتعلق ببقاء الكفارة. (١) انظر المبسوط ٢٣٤/٦. (٢) انظر المبسوط ٢٣٢/٦. (٣) المجادلة: ٣. ١٨٥ باب الظِّهَار وأيضاً: فإن الطلاق الثلاث أوجب تحريماً آخر، فلا يرتفع تحريم الظهار بتحريم آخر غيره، بل إن لم يؤكده، لم يرفعه، وليس يتعلق ارتفاع تحريم الظهار بالزواج الثاني، فيعتبر وجوده. مسألة : [تحريم كل مسيس قبل الكفارة] قال: (ولا يحل له وطء المظاهَرِ منها، ولا اللمس، ولا القُبلة)(١). وذلك لقول الله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسًا﴾(٢)، وذلك على كل مسيس: جماعاً كان أو غيره. وأيضاً: روي عن ابن عباس ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي ظاهر من امرأته : لا تَقْرَبها حتىْ تُكَفِّرَ))(٣). مسألة : قال : (وسواء كان من أهل الرقبة أو الصيام أو الإطعام لا يقربها حتى يكفِّر)(٤). لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي واقع امرأته بعد الظهار: ((اعتزل امرأتك حتى تقضيَ ما عليك))(٥). (١) انظر حاشية ابن عابدين ٤٦٨/٣. (٢) المجادلة: ٣. (٣) سنن الترمذي ٥٠٣/٣ - ح١١٩٩. (٤) المبسوط ٢٢٥/٦. (٥) أبو داود ٦٦٦/٢، (٢٢٢١-٢٢٢٢) بمعناه. ١٨٦ باب الظِّهَار وفي بعض الأخبار: ((حتى تكفر)) (١)، فلم يفرِّق بين الإطعام وغيره. وأيضاً: فإن الظهار يوجب تحريم الوطء حتى ترفعه الكفارة، وكونه غيرَ واجدٍ لبعض(٢) ما في الآية، لا يمنع بقاء التحريم حتى يكفِّر. مسألة: [إجزاء عتق الرقبة المؤمنة وغير المؤمنة في الظهار] قال: (ويجزىء في الكفارة: الذكر والأنثى، والمؤمن والكافر)(٣). لقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ﴾، وذلك عمومٌ يتناول الجميع. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأوس بن الصامت: ((أَعْتِق رقبة)) (٤)، ولم يقل مؤمنةً ولا غيرها، وكذلك قال لسلمة بن صخر (٥). فإن قيل: لما ذكر في القَتْل رقبةً مؤمنة، كان الظهار قياساً عليه في شَرْط الإيمان. قيل له: لا يجوز عندنا قياس المنصوصات بعضها على بعض، فلما كانت الرقبة منصوصاً عليها في الموضعين: في أحدهما مقيدة، وفي الأخرى مُطْلَقة، لم يجز حَمْل المطلَق على المقيَّد، كما لا يجوز حَمْل المقيد على المطلق في إسقاط التقييد. (١) المرجع السابق. (٢) في (ق.ج): ((لنفس)). (٣) المبسوط ٣/٧، الهداية مع فتح القدير ٢٥٨/٤، وعند جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، ورواية في مذهب الإمام أحمد: أنه لا يجزئه إلا عتق رقبة مؤمنة في كفارة الظهار. انظر المغني والشرح الكبير ٥٨٥/٨، بداية المجتهد ١١١/٢. (٤) سنن أبي داود ٦٦٣/٢ (٢٢١٤). (٥) سنن الترمذي ٥٠٤/٣ (١٢٠٠)، وقال: هذا حديث حسن. ١٨٧ باب الظِّهَار وأيضاً: فيه زيادة في النص، ولا يجوز عندنا الزيادة في النص. وأيضاً: كما لم يجز قياس القتل على الظهار، لم يجز أيضاً قياس الظهار على القتل في إثبات شَرْط الإيمان في رقبته. فإن قيل: فقد منعتَ جواز الرقبة العمياء، وشَرَطْتَ فيها الصحة وإن لم يكن لها ذكر في الآية، فقد زِدْتَ فيها ما ليس منها، فهلا أجزتَ شَرْطَ الإيمان فيها؟ قيل له: من قِبَل أنَّ الرقبة اسمٌ لها بجميع أعضائها، فاقتضى عموم اللفظ رقبةً بكمالها، كما أنَّ قوله: ﴿فَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾(١)، اقتضى عموم الحكم في جميعهم، لا في أقل ما يتناوله الاسم منهم. وأما الإيمان فليس من الرقبة في شيء، ولا هو من أجزائها، فلم يشتمل عليه اللفظ، ولو شرطناه كنا زائدين في حكم الآية ما ليس منها. مسألة : [عدم جواز الرقبة الناقصة في كفارة الظهار] قال: (ولا يجزىء الرقبة العمياء، ولا المقعد، ولا المقطوع اليد والرِّجْل من جانب واحد)(٢). قال أبو بكر : الأصل فيه: أنَّ منفعة الجنس إذا كانت باقية فيما يُبتغى من الرقاب: أجزأت، فإن كانت منفعة الجنس زائلة: لم يجز(٣). (١) التوبة: ٥. (٢) المبسوط ٢/٧. (٣) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦٠/٤، المغني والشرح الكبير ٥٨٧/٨. ١٨٨ باب الظِّهَارِ والدليل عليه: اتفاق الجميع على أنه لو كان مقطوع الأنملة: جاز (١)، فعلمنا أنَّ النقص اليسير لا يمنع الجواز، فقِسْنا على ذلك كلَّ نقصٍ يسير لا يُطِل منفعة الجنس فيما يُبتغى منها. وأما إذا زالت منفعة الجنس: فإنه لا يجزىء من وجهين: أحدهما: أنَّ اسم الرقبة يتناول رقبة كاملة بجميع أجزائها؛ لأن اسم الرقبة يشتمل عليها، فجوَّزنا اليسير لما وصفنا، وحَمَلْنا الكثيرَ على حكم الآية. والوجه الآخر: أنَّ المقطوع اليدين والرِّجلين لا يجزىء بلا خلاف نعلمه بين الفقهاء(٢)، والمعنى فيه زوال منفعة جنس العضو، فكل ما كان مثله، فحكمه حکمه قياساً علیه. مسألة : [عدم جواز المدبّر وأم الولد في كفارة الظهار] قال: (ولا يجزىء المدَّبَّر، ولا أمُّ الولد)(٣). وذلك لأن المدبَّر قد استحق العتق بالتدبير، ومن أجله لم يجز بیعه، فإذا أعتقه فإنما عجَّل له العتق المستحق بغير الكفارة، فلم يجز. وأيضاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم في أم الولد: ((أَعْتَقَها ولدُها))(٤)، فدل على أنَّ العتق مستحق بالاستیلاد. وأيضاً: فإنها رقبة ناقصة، فهو كعتق بعض عبد. (١) شرح فتح القدير ٢٦١/٤. (٢) انظر الهداية مع شرح فتح القدير ٤ /٢٦٠، المغني والشرح الكبير ٥٨٧/٨. (٣) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦١/٤. (٤) شرح السنة للبغوي ٣٦٩/٩. ١٨٩ باب الظِّھَار مسألة : [جواز عتق المكاتب] قال(١): (ويجزىء فيه المكاتب إذا لم يكن قد أدَّى من كتابته شيئاً)(٢). وذلك لأن عتقه إياه يبطل الكتابة، وإذا سقط المال، جاز عتقه عن الكفارة، لأن الكتابة لم توجب له استحقاق العتق بها. ألا ترى أنه يجوز أن يعجز فيباع، وثبوت حق العتق يمنع جواز البيع على التأبيد، وامتناعُ جواز بيعه في حال كتابته لا يمنع جوازَ عتقه عن الكفارة، كالعبد الرهن، والمستأجر، والعبد المدبّر. * قال: (وإن كان أدَّى شيئاً من كتابته: لم يجز عتقه عن الكفارة)(٣). من قِبَل أنَّ ما تقدم من الأداء بدلاً من الرقبة، لا ينفسخ بعتقه، وقد ملكه على وجه البدل، فلا يجزىء عن الكفارة، كمن أعتق عبده على مال عن کفارته، فلا یجزىء. مسألة : قال : (ولا يجزىء مقطوع الإبهامين) (٤). وذلك أنَّ الإبهام من الكف يقوم مقام أكثر الأصابع بفضل قوتها، ولأن سائر الأصابع يستعين بها، فيقوم مقام أكثرها. * (ولا يجزىء المقطوع ثلاث أصابع غير الإبهام). (١) مختصر الطحاوي ص٢١٣. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦١/٤. (٣) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦١/٤. (٤) الهداية مع فتح القدير ٢٦٠/٤. ١٩٠ باب الظِّهَار الذهاب أكثر منفعة العضو، فهو کذهاب جمیعه. مسألة : [عدم جواز عتق العبد المشترك] قال: (ومَن أعتق عبداً بينه وبين آخر: لم يُجْزِه من الكفارة في قول أبي حنيفة، موسراً كان أو معسراً)(١). وذلك لأن من أصله: تبعيض العتق، فقد أعتق نصيبه، ونصيبُ الآخر باق على ملکه. فإن كان موسراً فضمنه، فإنما انتقل إليه بالضمان نصيبٌ ناقص بعتق النصف الآخر، ألا ترى أنَّ الشريك لم يجز بيعه فيه قبل تضمينه إياه، فصار كالمدبَّر، فلا يجزىء عن الكفارة. وليس هذا مثل أن يكون له جميع العبد، فيعتق نصفَه عن الكفارة، ثم يعتق النصف الآخر ينويها، فيجزيه؛ لأن النقص الداخل في النصف الباقي إنما كان من جهة عتقه عن الكفارة في ملكه، فلما أعتق النصف الآخر، فقد كمل ذلك العتق، فأجزأه. وأما العبد بين الرجلين، فإن النقص حصل في ذلك النصف، وهو في ملك الغير، والجزء الفائت بالعتق في ملك الغير لا يجزىء عن كفارته، ثم مَلَكَ بالضمان نصفاً ناقصاً، فلم يجزىء عن الكفارة. وأما إذا كان معسراً، واختار الشريكُ السعايةَ، فإنه يَعْتِقُ على الشريك، فلا يجزىء أيضاً. * فأما في قول أبي يوسف ومحمد: فإن كان موسراً، فضَمِنَ: (١) المبسوط ٧/٧، الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦٣/٤. ١٩١ باب الظِّهَار أجزأه(١)؛ لأن من أصلهما أنَّ العتق لا يتبعض، وقد أُعتق العبد كلُّه عليه من غير بدل يُستحق على العبد، لما حصل له من العتق به. وإن كان معسراً: أُعتق عليه كله أيضاً، إلا أنه لا يجزيه من الكفارة، من قِبَل ما استحق على العبد من بدل رقبة، فصار كعتق عبدٍ أُعتق على مال، فلا يجزىء عن الكفارة. مسألة : [الصيام في كفارة الظهار] قال: (ومَن لا يقدر على الرقبة: صام شهرين متتابعين، ليس فيهما يوم النحر، والفطر، وأيام التشريق)(٢). وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾(٣). ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم هذه الأيام(٤)، فكان صومها ناقصاً، فلم يجزىء عن الفرض. * قال : (فإن قطع صومه من فرض أو غيره: كان عليه أن يستقبل)(٥). وذلك لأن الله تعالى أوجبها بصفة التتابع، فلا يجزىء أن يأتي بهما إلا على الصفة، كما لا يجزىء في القتل رقبة غير مؤمنة؛ لأن الله تعالى (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦٣/٤. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦٦/٤. (٣) المجادلة: ٤. (٤) سنن أبي داود ٨٠٤/٢، الفتح الرباني ١٤٠/١٠، انظر أحكام العيدين، رسالة ماجستير ص٢٧٦، للباحث محقّق هذا الجزء. (٥) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦٧/٤، ((أن يستقبل: أي: يستأنف)). ١٩٢ باب الظِّهَار أوجبها بشرط الإيمان. * قال : (فإن قَدَرَ على الرقبة قبل خروجه من الصوم: بطل ما مضى منه، ولا يجزيه إلا العتق)(١). من قِبَل قول الله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ ﴾، فإنما أجاز صومهما بشريطة عدم الرقبة، فإذا وجدها قبل الفراغ منها: لزمته الرقبة، وبطل ما بقي من الصوم. وأيضاً: إذا بطل ما بقي من الصوم، بطل الماضي منه؛ لأنه لا يصح بعضه دون بعض، وقد بيّنًا نظير هذه المسألة في المتيمم إذا رأى الماء في الصلاة. مسألة : [الإطعام في كفارة الظهار] قال: (ومَن لا يقدر على الصيام: فعليه إطعام ستين مسكيناً، يجزيه فيه إطعام المؤمن والكافر)(٢). لقول الله تعالى: ﴿فَإِطِعَامُ سِتِّينَمِسْكِينًا﴾، ولم يخصَّ بعضاً دون بعض. قال: (ويطعم كل مسكين نصفَ صاعٍ حنطةٍ، أو صاعَ تمرٍ أو (٣) شعيرٍ)(٣). (١) المبسوط ١٢/٧. (٢) وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وروي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنَّ ما أوجبه على نفسه بنذره يجوز صرفه إلى فقراء أهل الذمة، فأما ما أوجبه الله تعالى عليه لا يصرفه إلا إلى فقراء المسلمين. انظر المبسوط ١٨/٧. (٣) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦٨/٤. ١٩٣ باب الظُّهَار وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري قال: حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو عن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال: (كنتُ امرأً أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان، فوقعت عليها ليلة، ثم انطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: حرِّر رقبة. قلت: والذي بعثك بالحق! ما أملك رقبةً غيرها، وضربتُ صفحة رقبتي. قال: فصم شهرين متتابعين. قال: وهل أصبتُ الذي أَصبتُ إلا من الصيام. قال: فَأَطْعِم وَسْقاً من تمرٍ ستين مسكيناً. قال: والذي بعثك بالحق لقد بِتْنا وَحْشَيْن(١) ما لنا طعام. قال: فانطلِقْ إلى صاحب صدقة بني زُرَيق، فليدفعها إليك، فأطعِم ستين مسكيناً وَسْقاً من تمر، وكُلْ أنتَ وعيالك بقيَّتَها))(٢). حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن (١) أي مُقْفِرَيْن لا طعام لنا. (٢) سنن أبي داود ٦٦٠/٢، سنن الترمذي ٥٠٤/٣، وقال: هذا حديث حسن. ١٩٤ باب الظِّهَار معمر بن عبد الله بن حنظلة عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خولة(١) بنت مالك بن ثعلبة قالت: ((ظاهر مني زوجي أوسُ بن الصامت، فذكرتْ قصة نزول آية الظهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعتق رقبة. قالت: لا يجد. قال: فليصم شهرين متتابعين. قالت: إنه شیخ کبیر ما به من صیام. قال: فليطعم ستين مسكيناً. قالت: ما عنده شيء يتصدق به. قال: فَأتِي سأعينه بعَرَقِ من تمر. قلت: يا رسول الله، وأنا أعينه بعَرَقٍ آخر. قال: قد أحسنتٍ، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكيناً، وارجعي إلى ابن عمك. قال: والعَرَق ستون صاعاً. قال أبو داود: في حديث الحسن بن علي قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى قال: حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق بهذا الإسناد نحوه، إلا أنه قال: ((والعَرَق مِكْتَل يسع ثلاثين صاعاً))(٢). (١) في (ق.ج): ((حرملة)). (٢) سنن أبي داود ٦٦٣/٢ - ح٢٢١٤، الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ٢٢/١٧، وقال: هذا حديث صحيح. ١٩٥ باب الظِّهَارِ قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى الرازي قال: حدثنا ابن أبي زائدة قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: حدثتني خولة بنت مالك بن ثعلبة، وكانت تحت أوس بن الصامت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أعان زوجها حين ظاهر منها بعَرَق تمر، وأعانته هي بعرق آخر، فذلك ستون صاعاً، قالت: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تصدق بها))(١). فثبت بهذه الأخبار أنَّ مقدار ما يُعطى كل مسكين في كفارة الظهار صاع تمر. وإذا ثبت ذلك في التمر، كان من البر نصف صاع؛ لأن كل مَن أوجب من التمر صاعاً، أوجب من البر نصفه، والشعير مثل التمر، لأن أحداً لم يفرِّق بينهما. فإن قيل: قد روى إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار أنَّ خولة بنت ثعلبة ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، وذكر الحديث إلى أن قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «مُرِيه فليذهب إلى فلان، فقد أخبرني أنَّ عنده شطر سويق، فليأخذه صدقة عليه (٢)، ثم ليتصدق به علىُ ستين مسكيناً)(٣). وقد رُوي في بعض أحاديث محمد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله (١) إعلاء السنن ٢٣٦/١١. (٢) فى (ق، ج): (عنه)، والمثبت من الأصل. (٣) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ١٠/٥. ١٩٦ باب الظِّهَار عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خولة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ زوجها أن يتصدق بخمسة عشر صاعاً(١). قيل له: أما حديث عطاء، فمرسل؛ لأنه لم يدرك أوس بن الصامت، ولا خولة امرأته(٢). وعلى أنه لو ثبت جميع ذلك لم يعارض ما ذكرنا؛ لأنا لم نقل إنه يجزىء من الكفارة، وإنما أعانه بما حضر في الوقت، وقد بُيِّن ذلك في الأخبار التي رويناها، أنه كانت معونة من النبي صلى الله عليه وسلم إياه، وأنها أعانته أيضاً بنصف وَسْق. وأيضاً: لو كانا متعارضين، كان خبرنا أَوْلى، لما فيه من الزيادة. * قال أبو جعفر: (ومن الزبيب في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة نصف صاع. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: صاعاً، وهو الصحيح على أصله، وهو قول أبي يوسف ومحمد من رأيهما)(٣). وجه رواية أبي يوسف: أنَّ الزبيب عندهم كان أعز من التمر، وكان في معنى الحنطة في قيمته، فجعلها مثلها. وفي الرواية الأخرى: أنه قد روي في صدقة الفطر: صاعاً من تمر أو زبيب، فسوَّى بينهما، كذلك في الكفارة. (١) سنن أبي داود ٦٦٥/٢ - ح٢٢١٨، السنن الكبرى ٣٩٢/٧. (٢) انظر مختصر سنن أبي داود ١٤٢/٣ - ح ٢١٣٠. (٣) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٩٠/٢، ٢٩٤. ١٩٧ باب الظِّهَار مسألة : [إطعام الغداء والعشاء] قال: (وإن أطعمهم غداء وعشاء: جاز)(١). لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، والواجب منه وسط، وهو أكلتان في اليوم؛ لأن الأكثر في العادة ثلاث مرات، والأقل مرة. * قال: (فإن أطعم مسكيناً واحداً ستين يوماً، كل يوم نصف صاع: أجزأه)(٢). وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَإِطِّعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، والعموم يقتضي جواز إعطائه في كل يوم، لشمول الاسم له، فإذا أعطيناه في يوم، ثم منعناه في اليوم الثاني، فقد عيَّنا الطعام في بعض المساكين دون بعض، وذلك خلاف موجَب اللفظ. وليس يمتنع إطلاق لفظ: إطعام ستين مسكيناً، ويكون المراد به: أعداد الفعل دون أعداد المساكين، كقول الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ اُلْأَهِلَّةِ﴾ (٣)، وإنما هو هلال واحد، ولتكرار الأوقات عليه سماه أهلة. ((وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنجاء بثلاثة أحجار)) (٤)، (١) حاشية ابن عابدين ٤٧٩/٣. (٢) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٧١/٤ وهذا عند أبي حنيفة، وروي عن أبي يوسف روايتان: رواية يجزيه، ورواية لا يجزيه. مختصر الطحاوي ص٢١٤. (٣) البقرة: ١٨٩. (٤) بمعناه سنن أبي داود ٣٧/١. ١٩٨ باب الظِّهَار ويجزىء بحجر واحد له ثلاثة جوانب. وأَمَرَ بالرمي بسبع حصيات، وتجزىء حصاة واحدة لو رمى بها سبع مرات(١). مسألة : [عدم تكرار الكفارة لو جامع بعد الظهار] قال: (ومَن جامع امرأته بعد الظهار قبل أن يكفِّر: لم يكن عليه إلا كفارة واحدة)(٢). وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن إسحاق بن أبي مروة عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر ((أنه ظاهر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وقع بامرأته قبل أن يكفِّر، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فأمره أن يكفِّر تكفيراً واحداً))(٣). ورُوي نحو قولنا عن الحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وإبراهيم. * وروي عن عمرو بن العاص، وسعيد بن جبير أنّ عليه كفارتين (٤). (١) أي رمي الجمرة في الحج في منى، فيجوز مع الكراهة، انظر المبسوط ٦٧/٤، صحيح البخاري ٥٨٠/٣ (١٧٤٨). (٢) بدائع الصنائع ٢١٣٤/٥، شرح فتح القدير ٢٤٩/٤. (٣) سنن الترمذي ٥٠٢/٣ - ح١١٩٨ بمعناه. وقال: هذا حديث حسن غريب. (٤) مصنف عبد الرزاق ٤٣٠/٦، المغني مع الشرح الكبير ٦٢٠/٨. ١٩٩ باب الظِّهَار قال أبو بكر : والخبر الذي رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم قد دل على معنیین: أحدهما: أنَّ الجماع لا يلزمه كفارة أخرى غير ما تعلق في الظهار. والثاني: أنَّ الذي في الآية من الكفارة ما كان قبل المسيس، وليس فيها إيجابها بعد المسيس، فأفاد الخبر أنَّ وقوع الجماع لا يسقطها. وقولنا أَوْلى من جهة النظر؛ لأن كفارة الظهار متعلقة بإرادة الجماع بعد الظهار، وجماعه إياها ليس بظهار، فيتعلق به وجوب الكفارة، وإنما أكثر ما فيه أنه جامع جماعاً محظوراً، وحَظْر الجماع لا يوجب كفارة، ألا ترى أنه لو جامعها وهي حائض: لم يلزمه كفارة. وأيضاً: فلا سبيل إلى إثبات الكفارات إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق، وذلك معدومٌ في الجماع. مسألة : [جماع المظاهر في ليل رمضان] قال: (ومن جامع امرأته في الصيام ليلاً، أو في النهار ناسياً، والمجامَعة هي المظاهَر منها، فإن أبا حنيفة ومحمداً قالا: يستقبل الصيام، وقال أبو يوسف: يمضي على صيامه ولا يستأنف)(١). وجه قول أبي حنيفة ومحمد: قول الله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسًا﴾(٢)، وذلك مشروط في كل جزء منه؛ لأن ذلك مقتضى اللفظ، إذ كان الشهران اسماً لهما بكمالهما، وسائرٍ (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٦٦/٤. (٢) المجادلة: ٤. ٢٠٠ باب الظِّهَار أجزائهما، وإذا كان كذلك، فقد تضمنت الآية نفي المسيس في الشهرين، وقبل الشهرين، فصار من صفة الشهرين أن لا يكون قبلهما مسیس ولا فيهما. فإذا أوقع المسيس في الشهرين، فقد يمكنه أن يأتي بالشهرين على أحد الوصفين المشروطين، وهو أن لا يكون فيهما مسيس، وليس يمكنه أن يأتيَ بشهرين ليس قبلها مسيس، فوجب عليه أن يأتي بشهرين لا مسيس فيهما؛ لأنه متى أمكنه الوفاء بأحد الشرطين: لم يُجْزِه أن يصومهما على غير ذلك. ولأبي يوسف: أنا لو أمرناه بالاستئناف، لحصل الشهران جميعاً بعد المسيس، ولأَنْ يكون أحد الشهرين قبل المسيس، والآخر بعده، خير من أن يكون الشهران جميعاً بعد المسيس. مسألة : [إن أطعم المظاهر ثلاثين مسكيناً ثم جامع] قال أبو جعفر: (وإن أطعم ثلاثين مسكيناً، ثم جامع: لم يستقبل، وأطعم البقية)(١). وذلك لأنه ليس في الإطعام شرطُ تقديمه على المسيس في الآية؛ لأنه قال: ﴿فَمَنْ لَّْ يَسْتَطِعْ فَإِطِعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا﴾، ولم يقل: قبل المسيس، وشَرَطَ ذلك في الصيام والعتق. (١) الهداية مع شرح فتح القدير ٢٧٢/٤، حاشية ابن عابدين ٤٧٧/٣.