Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كتاب الطلاق قيل له: ليس فيه إسقاط حقها؛ لأن ميراثها قائم، وإنما فيه إثبات الشركة بمزاحمة مَن هي مثلها في استحقاقه(١). فإن قيل: ولو كان له أخ فأقرَّ بابنٍ في مرضه: صح ذلك، فاستحق الابنُ الميراث دون الأخ، فقد حَرَمه الميراثَ بقوله. قيل له: ليس هذا من مسألتنا في شيء، من قِبَل أنا حَرَمنا الأخَ الميراث في هذه الحال، مع بقاء السبب الذي به كان يستحق الميراث وهو الأخوة، فلم يخرج بقوله من كونه من أهل الميراث، وإنما حدث هاهنا (٢) من هو أولى منه وهو الابن. فأما المرأة فلو حَرَمناها الميراث، كنا إنما نحرمها إياه؛ لأنه أخرجها بقوله من أهل الميراث، وهذا هو الذي أثبتناه. فإن قيل: فلو جاءت امرأته بولد، فنفاه في مرضه، فلاعَنَها، خرج من أن يكون من أهل الميراث بقوله. قيل له: لم يكن قط من أهل الميراث قبل اللعان؛ لأن حكم نَسَبِه موقوف على اعترافه، أو ما يقوم مقامه، فإذا نفاه عند الولادة، فألحقه القاضي بالأم، علمنا أنه قط لم يكن ثابت النسب منه. * وإنما قلنا إنها لا ترثه بعد انقضاء العدة؛ لأنه قد حدث هناك ما يقطع الميراث من غير فعل الزوج، وهو انقضاء العدة، ولم يختلفوا أنها لو ماتت قبله: لم ترثه؛ لأن موتها ليس من فعله، كذلك انقضاء العدة مع (١) في (ق، ج): ((استحقاقها))، والمثبت من الأصل. (٢) في الأصل: ((هناك)). ١٢٢ كتاب الطلاق وجود الفرار من الزوج. وأيضاً: فلما كان انقضاء العدة مسقِطاً لحقها من ماله في النفقة والسكنى، وَجَبَ مثله في الميراث. فصل : [عدة مَن مات زوجها في عدة الطلاق منه] (وإذا مات وهي في العدة، فجعلنا لها الميراث: كانت عدتها أبعدَ الأجلين من أربعة أشهر وعشراً، أو ثلاث حِيَض، في قول أبي حنيفة ومحمد)(١). وذلك لأن حدوث الموت لا يبطل عدة المبتوتة الواجبة بالطلاق، وتجب عليها أيضاً عدة المتوفى عنها زوجها؛ لأنها قد صارت في حكم المتوفى عنها زوجها في باب استحقاق الميراث. فلما حكمنا لها من هذا الوجه بحكم الأزواج، وجب أن تكون عليها عدة الوفاة. (وقال أبو يوسف: عدتها ثلاث حِيَض لا غير). لأن الميراث مستَحَقٌّ بالفرار، لا بالزوجية في هذه الحال. مسألة : [تعليق الطلاق بالحيض] قال(٢): (وإذا قال لزوجته أنت طالق إن حضت، فقالت: قد حضت: صُدِّقْت)(٣). (١) انظر البناية شرح الهداية ٧٧٩/٤. (٢) مختصر الطحاوي ص ٢٠٤. (٣) انظر المبسوط ١٠٣/٦-١٠٤. ١٢٣ كتاب الطلاق لأن ذلك شيء يخصها من أمر نفسها لا يطلع عليه غيرها، فكان قولها فيه کالبينة فيما يخصها. والدليل عليه: أنها إذا قالت: أنا حائض، لم يَحِلّ لزوجها وطؤها، وإذا قالت: قد طهرت: حلَّ له وطؤها. وكذلك لو قالت: قد انقضت عدتي: حلَّت للأزواج، وبطلت رجعة الزوج، فجُعِلَ قولها فيما يخصُّها كالبينة. [مسألة : ] (ولو قال: إذا حضتِ فامرأتي الأخرى طالق، أو قال: فعبدي حر، فقالت: قد حضت، فإن صَدَّقها: حَنِثَ، وإن لم يصدِّقها: لم يحنث)(١). وذلك لأنها مخبرةٌ عن نفسها، شاهدةٌ في حقِّ غيرها، ولا تُقبل شهادتها وحدها في إيقاع العتق، وخبرُها مقبول فيما يخصها، وهو طلاقها وما يتعلق بها من أحكامها. والقياس يمنع تصديقها في شيء من ذلك، إلا أنهم تركوا القياس فيما يخصها ويتعلق بها من ذلك، اعتباراً بسائر الأصول التي ذكرنا من تصديقها على الحيض، وانقضاء العدة ونحوها، فإذا صِرْنا إلى حق غيرها: صار بمنزلة قولها: قد دخلت الدار، إذا علق الزوج عتقه بدخولها: فلا تُصدَّق. مسألة : (وإذا قال: إذا حضتٍ فأنت طالق: وقع الطلاق عليها برؤية الدم إذا (١) المرجع السابق. ١٢٤ كتاب الطلاق استمرَّ بها مقدار أقلِّ الحيض)(١). وذلك لأن الحيض وجود الدم الذي هذه صفته، وقد وُجد، فَوَقَع. مسألة : (ولو قال: إذا حضتِ حيضة، فأنت طالق: لم تطلق حتى ترى الدم وتطهر). لأن الحيضة اسمٌ لها بكمالها، ووجود الجزء منها لا يسمى حيضة. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في السبايا: ((لا توطأ حامِل حتى تضع، ولا حائل حتى تُستبرأ بحيضة)) (٢). فعُقل منه وجودها بكمالها إلى أن تطهر منها. مسألة : [تعليق طلاق امرأتين بالحيض والولادة] قال: (وإذا قال لامرأتيه: إذا حِضتما حيضة فأنتما طالقان، أو قال: إذا ولدتما ولداً فأنتما طالقان: كان ذلك على حيضة، أو ولدٍ يكون من إحداهما). وذلك لأنه لما استحال وجود حيضة واحدة، أو ولد واحد منهما، علمنا أنَّ المراد وجوده من إحداهما، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُؤْلُؤُ (١) انظر المبسوط ٦/ ١٠٢. (٢) سنن أبي داود ٦١٤/٢ - ح ٢١٥٧، سنن الترمذي ١٣٣/٤، وقال: هذا حدیث غریب. ١٢٥ كتاب الطلاق وَاُلْمَرْجَاثُ﴾(١)، وإنما يخرج من إحداهما. وكقوله: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾(٢)، والرسل من الإنس دون الجن. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث، ولابن عم له: ((إذا سافرتما فأذِّنا وأقيما، وليؤمُّكما أحدكما)(٣)، وإنما يؤذِّن ويقيم أحدُهما. فلما وجدنا للكلام وجهاً صحيحاً نحمله عليه، لم نُلْغِه. مسألة : [الطلاق عن طريق ضرب الأعداد والحساب] (ومن قال لامرأته: أنت طالق اثنتين في اثنتين، فإن نوى الضرب والحساب: فهي اثنتان). وذلك لأن الاثنتين لا يكون أبداً أكثر من اثنتين وإن نوى ضرباً في غيرهما(٤). فإن قال قائل: اثنتان في اثنتين أربعة. قيل له: الزوج إنما أوقع الاثنتين الأوليين، وضَرْبُهما في أُخريين لا (١) الرحمن: ٢٢. (٢) الأنعام: ١٣٠. (٣) سنن الترمذي ٣٩٩/٤ - ٢٠٥، وقال: هذا حديث حسن صحيح، سنن النسائي: ٨/٢ (٤) ينظر البناية ٤ /٤١٧. ١٢٦ كتاب الطلاق يُخرجهما من أن يكونا اثنتين، فلذلك كان على ما وصفنا. * (فإن نوى اثنتين واثنتين: كانت ثلاثاً إذا كان مدخولاً بها). لأن: في: قد تقوم مقام: معاً: كقول الله تعالى: ﴿فَادْخُلِ فِ عِبَدِى﴾(١): معناه: مع عبادي. مسألة: [مايعتبر في الطلاق والعدة حال اختلاف الزوجين رقّاً وحرية] قال: (والطلاق بالنساء، والعِدَّة بالنساء)(٢). قال أبو بكر : روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر، وإحدى الروايتين عن ابن عباس(٣). ومعناه: أنَّ طلاق الأمة ثنتان، حراً كان زوجها أو عبداً، وعدتَها حیفتان. * وقال عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وابن عباس في رواية (٤): الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء، يعني أنَّ الزوج إذا كان عبداً: فطلاقه تطليقتان، حرة كانت امرأته أو أمة، والعِدَّة بالنساء، يعني أنها إذا كانت أمة: فعدتها على النصف من عدة الحرة. والعدة لا خلاف فيها أنها بالنساء، وإنما الخلاف في الطلاق. والحجة للقول الأول: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود (١) الفجر: ٢٩. (٢) انظر بدائع الصنائع ١٧٨٥/٤، الاختيار ١٨٤/٢. (٣) انظر الأقوال بالتفصيل: السنن الكبرى ٣٨٨/٧. (٤) المرجع السابق. ١٢٧ كتاب الطلاق قال: حدثنا محمد بن مسعود قال: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان)) (١). قال أبو عاصم: فحدثني مظاهر قال: حدثني به القاسم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، إلا أنه قال: ((وعِدَُّها حيضتان))(٢). قال أبو بكر : سمعه أبو عاصم من ابن جريج، ثم رأى مظاهراً فسمعه منه(٣). وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى قال: حدثنا عمر بن شبيب عن عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تطليق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان)) (٤). وذلك عمومٌ في حكم طلاقها، حراً كان زوجها أو عبداً. (١) أبو داود ٦٣٩/٢، ٢١٨٩. وقال: وهو حديث مجهول، سنن الترمذي ٤٨٨/٣ - ح١١٨٢. وقال الترمذي: حديث عائشة حديث غريب، لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر: لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث، وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم. (٢) المراجع السابقة. (٣) تهذيب التهذيب ١٨٣/١٠، وقال ابن حجر في التقريب ٢٥٥/٢. مظاهر بن أسلم المدني ضعيف من السادسة. (٤) بمعناه رواه ابن ماجه ٦٧١/١- ح٢٠٧٩، وفي الزوائد: في إسناده: عطية العوفي: متفق علی تضعيفه. ١٢٨ كتاب الطلاق ومن جهة النظر: أنَّ العدة لما كانت بالنساء بالاتفاق، وجب أن يكون الطلاق بهن، والمعنى الجامع بينهما: أنَّ كل واحد منهما حُكْمٌ يلحق المرأة، فتصير به مطلقة ومعتدة. وأيضاً: وجدنا للرق تأثيراً في نقصان الحد، كهي في نقصان الطلاق، ثم اتفقنا على أنَّ اعتبار الحد بمَن يقع به، لا بمَن یوقِعه. ألا ترى أنَّ القاذف إذا كان عبداً، كان حده على النصف من حد الحر؛ لأنه هو الذي يقع به الحد، ولا نعتبر مَن يوقعه وهو الحاكم، فوجب أن يكون الاعتبار في الطلاق بمَن يقع عليه، لا بمَن يوقعه. والمعنى الجامع بينهما: أنَّ الرق له تأثير في نقصان الطلاق، كما له تأثير في نقصان الحد. وأيضاً: وجدنا مَن يملك الثلاث، يملك جمعها وتفريقها في المدخول بها، فلما وجدنا الحد إذا كانت امرأته أمة، لا يملك تفريق الثلاث في الأطهار المتفرقة بحال متى أراد تفريقها للسنة، علمنا أنه لا يملك الجمع، كالأمة إذا كانت تحت عبدٍ، لما لم يملك التفريق، لم يملك الجمع. فإن قيل: فالحامل تطلق ثلاثاً للسنة عندك، ولا يملك التفريق ولو وضعت قبل إيقاع الثلاث بالشهرین. قيل له: قد يملكه بحال، وهو أن يبقىُ حَمْلُها إلى مضيِّ ثلاثة أشهر، والأمة لا يملك منها تفریق الثلاث بحال. مسألة : [تحليل الزوجة النصرانية] قال: (وجماع الزوج النصرانيُ للمرأة النصرانية يُحِلَّها للزوج الأول ١٢٩ كتاب الطلاق المسلم) (١). لقوله تعالى: ﴿فَلَ تِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾(٢)، وهذا زوجٌ بنکاح صحیح. وأيضاً: هو كالمسلم في صحة وقوع الطلاق عن نكاح صحيح ، فوجب أن یکون حکمه کحکمه. وأيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((حتى تذوقي عسليته، ويذوق عسيلتك))(٣). فكل مَن وُجد ذلك منه بعقدٍ نكاحٍ: حلَّت للأول. مسألة : [لزوم النسب لو طلق قبل الدخول وجاءت بولد لأقل من ستة أشهر] قال: (ومَن طلَّق امرأةً قبل الدخول بها، فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ يوم طلق: لزمه، وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر: لم يلزمه)(٤). وذلك لأنها إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر، فقد علمنا كون (١) انظر أحكام القرآن للقرطبي ١٥١/٣، وخالف الإمام مالك جمهور الأئمة، وقال: لا یحلها. (٢) البقرة: ٢٣٠. (٣) صحيح البخاري ١٦٦/٦، صحيح مسلم ١٠٥٥/٢- ح ١٤٣٣، شرح السنة ٢٣٢/٩. (٤) انظر المبسوط ٦ /٥٠. ١٣٠ كتاب الطلاق العلوق في حال الفراش، وأنها طُلَّقت وهي حامل، وكون العلوق في الفراش يوجب ثبوت النسب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((الولد للفراش))(١). وإذا جاءت به لستة أشهر، فهذا حملٌ قام بعد زوال الفراش، وبعدما صارت أجنبية: فلا يلحق نسبه بالزوج. مسألة : [لزوم النسب إذا طلق بعد الدخول وجاءت بالولد لأقل من سنتین] قال(٢): (فإن كان دخل بها: لزمه ولدها ما بينها وبين أقل من سنتين منذ طلَّق)(٣). وذلك لأن عليها عدةً، فما لم تجىء بحمل يُتيقّن حدوثه بعد البينونة: فهو لازم له، فإذا جاءت به في السنتين فلم يتيقن حدوثه بعد البينونة: فیلزمه. وأما إذا جاءت به بعد سنتين، فقد علمنا أنّ الحمل حادث بعد البينونة، وزوال الفراش: فلا يلحق به، وذلك لأن أكثر الحمل عندنا سنتان، وذلك لأن الله تعالى غيَّب عنا علم ما في الأرحام بقوله تعالى ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَامِ﴾(٤)، فلا سبيل لنا إلى معرفة مدة بقاء الحمل في بطن (١) صحيح البخاري ٩/٨، صحيح مسلم ١٠٨٠/٢ - ح ١٤٥٧. (٢) مختصر الطحاوي ص٢٠٤. (٣) انظر المبسوط ٥٠/٦. (٤) لقمان: ٣٤. ١٣١ كتاب الطلاق الأم إلا(١) من طريق التوقيف والاتفاق، وقد حصل الاتفاق في السنتين، فأثبتناه فيهما. واختلفوا فيما زاد، ولم يرد به توقيف: فلم يثبت. مسألة : قال أبو جعفر : (فإن كانت قد أقرَّت بانقضاء العدة، ثم جاءت بولد لستة أشهر منذ يوم أقرَّت بذلك: لم يثبت النسب وإن كانت في السنتين)(٢). من قِبَل أنها لما أقرَّت بذلك، صارت أجنبيةً، وارتفع بذلك حكم فراشها، فلا يلحقه نسب ولدها. وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ يوم أقرت بانقضاء العدة: ثبت النسب إذا جاءت به في السنتين، وذلك لأنا قد تيقنا بطلان إقرارها بانقضاء عدتها، لکونها حاملاً وقت الإقرار. وهذا حكم كل معتدة بما يوجب الفرقة وقطع النكاح، كالمتوفى عنها زوجها، والمعتدة من النكاح الفاسد، وأم الولد إذا أُعتقت. مسألة : [لو جاءت المطلقة الصغيرة بولد] قال أبو جعفر: (ومَن طلق امرأته وهي ممن لا تحيض من صِغَرِ، ثم جاءت بولد ما بينه وبين أقل من تسعة أشهر: فإنه يلزمه النسب(٣). (١) (إلا): ساقطة من النسخ، ويقتضيها السياق. (٢) انظر المبسوط ٥٠/٦. (٣) انظر المبسوط ٥١/٦، الهداية مع شرح فتح القدير ٣٥٣/٤. ١٣٢ كتاب الطلاق وإن كان تسعة أشهر أو أكثر: لم يلزمه في قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف الذي رواه عنه محمد. وروى أصحاب الإملاء عنه: أنه يلزمه فيما بينه وبين أقل من سنتين، إلا أن تُقِرَّ بانقضاء العدة قبل ذلك، فيلزمه فيما بينه وبين أقل من ستة أشهر بعد إقرارها بانقضاء العِدّة)(١). قال أبو بكر : الذي رواه محمد في الأصول عن أبي يوسف هو الذي ذكره أبو جعفر عن أصحاب الإملاء، وعسى أن يكون الذي ذكر أنَّ محمداً روى عنه هو الذي روى عنه أصحاب الإملاء. وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أنها لما كانت صغيرة، وكانت عدتها ثلاثة أشهر، فصار(٢) مضي ثلاثة أشهر كإقرار المعتدة الكبيرة بانقضاء العدة، فإذا جاءت بولد لستة أشهر: لم يلزمه؛ لأنها جاءت بحمل حادث بعد ما صارت أجنبية. وجعلها أبو يوسف كالكبيرة في اعتبار إقرارها، وذلك لأنها وإن كانت صغيرة في حال الطلاق، فجائز أن تبلغ في العدة، فتنتقل عدتها إلى الحِيَض، فاعتبرنا من أجل ذلك إقرارها بانقضاء عدتها كالكبيرة. وأما أبو حنيفة فقال: هي مفارقة للكبيرة؛ لأنها باقية على حال الصغر حتى نعلم انتقالها إلى حال الكبر، فلا يجب اعتبار قولها، إذ هي صغيرة لا قول لها، وأما الكبيرة فلها قول صحيح، فلزم اعتبار قولها. (١) المرجع السابق. (٢) في (ق.ج): ((فجعل)). ١٣٣ كتاب الطلاق مسألة : [حكم ما جاءت به المطلقة بعد الزواج الثاني] قال أبو جعفر: (وهذا كله ما لم تتزوج المرأة، فإن كانت قد تزوجت رجلاً، ثم جاءت بولدٍ بعد ذلك لستة أشهر فصاعداً: كان من زوجها الثاني)(١). وذلك لأن تزويجها إقرار منها بانقضاء العدة؛ لأن عقد نكاحها محمول على الصحة، ولا يكون صحيحاً إلا مع انقضاء عدتها، فتصير كأنها أقرت بانقضاء العدة، ثم تزوجت، فيجوز نكاحها، وقد جاءت بولدٍ لحمل تام بعد النكاح، فيلحق بالزوج الثاني. [مسألة : ] قال: (وإن كان لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني: لم يكن للثاني. ثم يُنظَر: فإن كانت جاءت به لأقل من سنتين منذ طلقها الأول: فهو من الأول). وذلك لأنا قد علمنا أنه تزوجها وهي حامل من غيره، فلم يثبت النسب منه، لكون العلوق في غير فراشه، ولم يكن للتزويج حكم بإقرارها بانقضاء العدة. ألا ترى أنها لو أقرت بانقضاء العدة، ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ يوم أقرت: فإنه يلزم الزوج في السنتين؛ لأنا قد علمنا بطلان إقرارها بذلك حين كانت حاملاً وقت الإقرار، فكذلك ما وصفنا، لمَّا حكمنا ببطلان نكاح الثاني، صارت كأنها لم تتزوج، فكانت عدتها من (١) انظر بدائع الصنائع ٤ /٢٠٥. ١٣٤ كتاب الطلاق الأول ثابتة(١). * قال: (وإن كانت لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول: لم يكن ابن الأول، ولا ابن الآخر)(٢). لأنا قد علمنا أنه حَمْلٌ حادث بعد طلاق الأول، وحدث قبل نكاح الثاني، فلم يلزم الأول؛ لأنه وُضع بعد انقضاء الفراش، ولم يلزم الثاني لأنه قد کان ابتدأ حدوثه قبل نكاحه. قال أبو بكر : وهذا إذا كان الطلاق بائناً، فإن كان الطلاق رجعياً وجاءت به لأكثر من سنتين، ولم تقر بانقضاء العدة، ولم تتزوج: فإنه يلزم الزوج؛ لأن ذلك حُكْمٌ بوطئه إياها بعد الطلاق، فتصير رجعية. مسألة : [الطلاق في عدة طلاق بائن] قال: (ومَن طلق امرأته طلاقاً بائناً بخلع أو غيره، ثم طلَّقها في العدة بصريح الطلاق: طلقت)(٣). قال أبو بكر : روي هذا القول عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم، والزهري. وقال ابن عباس: وابن الزبير، وجابر بن زيد، والشعبي، وطاوس: لا (١) في (ق.ج): ((باقية)). (٢) انظر تفصيل المسألة في بدائع الصنائع ٢٠٥١/٤. (٣) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣٩٦/١. ١٣٥ كتاب الطلاق يلحقها طلاق وإن كانت في العدة (١). وقال الحسن، وعطاء، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وثوبان: إن طلقها في مجلسه: وقع، وإلا: لم يقع (٢). والدليل على صحة القول الأول: قول الله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيٌ بِإِحْسَنٌّ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ يُقِيَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا اُفْتَدَتْ بِهُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُ ودَ اللّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ () فَإِن طَلَقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ. مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾(٣). ودلالتها على صحة قولنا من وجهين: أحدهما: أنَّ قوله: ﴿الطَّلَقُ مَرَّقَانِ﴾: ينتظم البائن والرجعي، وقوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا﴾: عائد عليهما. وذِكْرُه لحكم الرجعة، والفرقة، والإمساك في قوله: ﴿فَإِمْسَاكُ؟ يِمَعْرُوفٍ﴾، لا ينفي اعتبار عموم اللفظ في البائن والرجعي؛ لأن ذلك (١) انظر السنن الكبرى للبيهقي: ٣١٧/٧، شرح السنة للبغوي ١٩٦/٩، البناية شرح الهداية ٤ / ٦٦٠. (٢) المراجع السابقة. (٣) البقرة: ٢٢٩ -٢٣٠. ١٣٦ كتاب الطلاق بعض ما انتظمه اللفظ، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَنْلَى﴾(١)، وهو عموم في سائر القتلى، ثم قوله: ﴿الُّْ بِالْحُرِ﴾: لا ينفي اعتبار عموم اللفظ في غيره؛ لأن ذلك بعض ما اشتمل عليه اللفظ. وكقوله: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ﴾﴾(٢): أنه عموم في البائن والرجعي، وقوله: ﴿وَبُعُولَنْهُنَّ أَحَقُّ بِرَوِّهِنَ فِ ذَلِكَ﴾: أحد ما اشتمل عليه اللفظ الأول، فلا یوجب تخصيصه واقتصاره علی حکمه دون غيره. والوجه الآخر من دلالة الآية: قوله: ﴿فَلَّ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفَْدَتْ بِهِ،﴾(٣)، ومعلوم أنَّ الخلع يوجب البينونة، وقال: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا فَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ : فأجاز الطلاق بعد الخلع (٤). فإن قال قائل: ذَكَر الخلعَ بعد التطليقتين، فلو كان قوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا﴾: بعد الخلع، لكانت رابعة؛ لأن الخلع أيضاً تطليقة. قيل له: ليس هو كما ظننت؛ لأن تقرير الآية: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍّ فَإِمْسَاكٌُ ◌ِمَعْرُوفٍ﴾، فذكر حكم الثنتين إذا مَلَكَ فيهما الرجعة، ثم قال: ﴿فَلَاجُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهِ﴾: يعني بأن تكون التطليقتان على وجه الخلع، ثم قال: (١) البقرة: ١٧٨. (٢) البقرة: ٢٢٨. (٣) البقرة: ٢٢٩. (٤) انظر الهداية مع البناية ٤ /٦٦٠. ١٣٧ كتاب الطلاق فَإِن طَلَّقَهَا﴾: يعني بعد الفدا من الثنتين، ﴿فَلَا تَحِلُ لَّهُ مِنْ بَعْدُ﴾، فدل على وقوع الطلاق بعد الخلع. ومن جهة النظر: أنه ليس بشرط وقوع الطلاق إيجاب التحريم به؛ لأن الثانية بعد الأولى الرجعية واقعة مادامت في العدة، وهي لا توجب تحريماً، فلا اعتبار بجهة التحريم في صحة وقوعه، فدل ذلك على أنَّ شرط وقوعه أن يصادفها صريح الطلاق وهي محبوسة عليه بحكم عقد صحيح، فيوقع ما بقي من طلاق الملك، بدلالة ما ذكرنا من وقوع الثانية بعد الطلاق الرجعي مع بقاء العدة. فإن قيل: لما كانت بائنةً منه، أشبهت الأجنبية في أنَّ الطلاق لا يلحقها. قيل له: الأجنبية ليست محبوسة عليه بحكم عقد، وهذه محبوسة عليه، وأحكام عَقّدها قائمة في لحاق النسب، وتحريم الأزواج، ووجوب السكنى، والنفقة. فإن قيل: لو قال: نسائي طوالق: لم تطلق هذه، وقال الله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾، فإذا لم تكن من نسائه: لم يلحقها طلاقه. قيل له: ليست هذه من نسائه على الإطلاق، فيتناوله إطلاق اللفظ، ولا يمنع ذلك وقوع طلاقها إذا قصدها به، ألا ترى أنه لو قال: عبيدي أحرار، لم يدخل مكاتبه في العتق، ولو قَصَده بالعتق: أُعتق. وأما قوله عز وجل: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ اَلِسَآءَ﴾، وهي من النساء، ولو احتججنا بعموم ذلك في وقوع طلاقها: جاز وصحَّ؛ لأنه لم يشرط أن ١٣٨ كتاب الطلاق تكون النساء مضافات إلى المطلِّق. فصل : وأما الكنايات التي توجب البينونة: فإنها لا تلحق البائن، من قِبَل أنَّ مِن شَرْطها أن لا تقع باجتماع اللفظ والنية في صحة الإيقاع. ألا ترى أنه لو وُجد منه اللفظ من غير نية: لم يعمل، ولو نوى الإيقاع، ولم يلفظ به: لم يقع. فلما احتيج في إيقاعها إلى اجتماع الأمرين، ونحن متى أوقعناها لم نوجب بها بينونة، فقد ألغينا حكم اللفظ، ومتى سقط حكم اللفظ: لم يقع به طلاق؛ لأن النية إذا عريت من اللفظ: لم يقع بها شيء. وأما صريح الطلاق فليس يحتاج في إيقاع الطلاق به إلى نية، ومتى أوقعناه، فإن شرط إيقاعه نقصان العدد فيمن هي محبوسة عليه عن عقد صحیح، وقد نقص العدد بوقوعه، فلذلك صحَّ إعماله. ١٣٩ كتاب الطلاق باب الرَّجْعَة مسألة : [الرجعة في الطلاق الرجعي] قال(١): (ومَن طلق امرأته طلاقاً رجعياً: فله أن يراجعها في العدة، ويتوارثان ما بقيت العدة)(٢). لقول الله تعالى: ﴿وَبُعُولَئُهُنَّ أَحَقٌ بِرَوِّهِنَ فِ ذَلِكَ﴾(٣)، فأفادنا بذلك معنيين: أحدهما: أنه سماه بَعْلاً بعد الطلاق، وقال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾ (٤). والثاني: أنه جَعَله أحق بها في العدة. وقال تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍّ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾(٥)، فأجاز له الإمساك بعد الطلاق. (١) مختصر الطحاوي ص ٢٠٥. (٢) انظر المبسوط ١٩/٦، شرح فتح القدير ١٥٨/٤، ابن عابدين ٣٩٧/٣. (٣) البقرة: ٢٢٨. (٤) النساء: ١٢. (٥) البقرة: ٢٢٩. ١٤٠ كتاب الطلاق وقال: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمَّسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾(١)، والمعنى مقاربة بلوغ الأجل، لا حقيقة بلوغه؛ لأنه لو أراد الحقيقة لَمَنَع الرجعة، لقوله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾(٢)، وذلك على بلوغه على الحقيقة. مسألة : [الإشهاد على الرجعة] قال: (ولا ينبغي أن يسافر بها حتى يُشهد على رجعتها)(٣). قال أبو بكر : وإنما صحت الرجعة بغير إشهاد، لقول الله تعالى: ﴿اُلْطَّلَقُ مَنَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقال: ﴿ فَإِذَابَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقال: ﴿وَبُعُولَهُنَّأَحَقُّ بِرَّهِنَّ﴾ (٤). فأجاز الرجعة في هذه الوجوه من غير ذكر إشهاد، فوَجَبَ جوازها لعموم هذه الآيات. فإن قيل: فقد شَرَطه في آية أخرى، وهو قوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥). قيل له: لا دلالة فيه على وجوب الإشهاد عند الرجعة، وأنه شرطٌ (١) الطلاق: ٢. (٢) البقرة: ٢٣٢. (٣) انظر المبسوط ١٩/٦، شرح فتح القدير ٤ /١٦٢. (٤) البقرة: ٢٢٩. (٥) الطلاق: ٢.