Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
کتاب الطلاق
عباس رضي الله عنهما، وروي عنه من طرق أخر(١).
فإن قال قائل: قد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ((أنَّ فاطمة بنت
قيس طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة ثلاثاً بكلمة واحدة (٢)، فلم يبلغنا
أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاب ذلك.
وطلَّق عبد الرحمن بن عوف أمَّ أبي سلمة، وهي تُمَاضر(٣) ثلاثاً(٤)،
فلم يبلغنا أنَّ أحداً عاب ذلك.
قيل له: أما حديث فاطمة بنت قيس، فلم يشهده أبو سلمة، وهو
مرسل؛ لأنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يصح لمخالفٍ
الاحتجاجُ به.
وعلى أنه قد روي عن فاطمة بنت قيس أنَّ زوجها قد طلقها آخر
تطليقة بقيت لها، فهو أولى من قول أبي سلمة أنه طلقها في كلمة واحدة.
حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا يزيد بن خالد
(١) انظر سنن أبي داود ٢٦٠/٢ - ح٢١٩٧، وإسناده على ما قال ابن القيم على
شرط البخاري. عون المعبود ٢٧١/٦.
(٢) صحيح مسلم ١١١٤/٢ - ح ١٤٨٠، أبو داود ٢٨٦/٢ - ح ٢٢٨٥.
(٣) تماضر بنت الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن حضر، من كلب، وفي الخبر: أنَّ
النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الرحمن بن عوف إلى كلب، وقال: إن استجابوا
لك فتزوج ابنة ملكهم أو ابنة سيدهم، فلما قدم عبد الرحمن دعاهم إلى الإسلام
فاستجابوا، وأقام مَن أقام على إعطاء الجزية، فتزوج عبد الرحمن بن عوف تماضر
بنت الأصبغ بن عمرو مَلِكِهم، ثم قدم بها إلى المدينة، وهي أم أبي سلمة. انظر
طبقات ابن سعد ٢٩٨/٨.
(٤) موطأ الإمام مالك ٢٦/٢، السنن الكبرى ٣٦٢/٧.

٤٢
كتاب الطلاق
الرملي قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن
فاطمة بنت قيس أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة وطلقها آخر ثلاث
تطليقات(١)، وذكر الحديث.
قال أبو بكر : قال أبو داود: وكذلك رواه صالح بن كيسان، وابن
جريج، وشعيب بن أبي حمزة كلهم عن الزهري (٢).
قال: حدثنا مخلد بن خالد قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن
الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أنَّ مروان أرسل إلى فاطمة.
وفي غير هذا الحديث: ((أرسل قبيصة بن ذؤيب، فسألها، فأخبرته
أنها كانت عند أبي حفص، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمَّر علياً عليه
السلام على بعض اليمن، فخرج معه زوجُها، فبعث إليها بتطليقة كانت
بقیت لها)).
فقد بيَّن في هذه الأخبار عن فاطمة كيفية طلاقها.
وقد روى الشعبي عن فاطمة: ((أنَّ زوجها طلقها ثلاثاً))(٣)، ولم يبيِّنِ
كيفيته، وهو على ما بُيِّن حكمُه في الأخبار التي ذكرنا، أنها ثلاث
متفرقات، وأن آخرها كانت الثالثة.
وعلى أنه لو ثبت أنه كان طلقها ثلاثاً، لم تثبت حجته في إباحة
الثلاث؛ لأنه ليس فيه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم عَلِمَ أنه طلقها ثلاثاً،
(١) انظر سنن أبي داود ٢٨٧/٢ -ح٢٢٨٩.
(٢) انظر سنن أبي داود ٢٨٧/٢ - ح٢٢٨٩.
(٣) انظر سنن أبي داود ٢٨٧/٢ - ح ٢٢٩٠، ٢٢٨٨، سنن الترمذي ٤٨٤/٣.
وقال: هذا حديث حسن صحيح.

٤٣
كتاب الطلاق
فترك النكير عليه؛ لأن في أكثر الأخبار: أنها قالت: ((يا رسول الله! إن
زوجي طلقني، فَأَبَتَّ طلاقي)»(١).
وقد تكون: ألبتة: للسنة، وهي الثلاث، والواحدة إذا وقعت على
وجه الخلع.
وعلى أنه لو ثبت أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ((طلَّقني
زوجي ثلاثاً)»، لما كان يستحق النكير عليه؛ لأنه يجوز أن يطلقها في ثلاثة
أطهار، ولا يستحق اللوم، ولا يجب النکیر علیه.
ولأنا لو سمعنا مَن يقول: طلقتُ امرأتي ثلاثاً، كان الواجب علينا أن
نحمل أمْره على ما يجوز من الطلاق، ولا نحمله على أنه واقَعَ المحظورَ
بجَمْع الثلاث؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصحة.
وعلى أنه لو ثبت أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: طلَّقني ثلاثاً
في كلمة واحدة - وإن لم يروه أحد -، لم يكن فيه دلالة على قولهم؛ لأن
إيقاع الثلاث إذا كان محظوراً، لم يكن تصديق المرء عليه في مواقعة
المحظور جائزاً، والزوج كان غائباً باليمن ولم يكن حاضراً فيسأله.
* فأما قصة عبد الرحمن بن عوف، فإن الليث يروي عن ابن شهاب
عن طلحة بن عبيد الله أنَّ عثمان رضي الله عنه ورَّث تماضر من عبد
الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكان عبد الرحمن طلقها تطليقة في آخر
تطليقاتها الثلاث في مرضه(٢).
(١) سنن أبي داود ٢٨٦/٢ - ح٢٢٨٧.
(٢) انظر السنن الكبرى ٣٦٢/٧، مصنف عبد الرزاق ٦٢/٧، المحلى لابن
=

٤٤
كتاب الطلاق
فإن قيل: قد روي عن ابن سيرين إباحة الطلاق الثلاث(١).
قيل له: يحتمل أن يكون أراد ثلاثاً متفرقة في أطهار.
وعلى أنه لو ثبت ما ادعاه المخالف، لما كان قوله مخالفاً على الصدر
الأول.
فإن قال قائل: روي أنَّ عويمر العجلاني لما لاعَنَ رسولُ الله صلى الله
عليه وسلم بينه وبين امرأته قال: كذبت عليها إن أمسكتها، هي طالق
ثلاثاً))(٢).
ولم ينكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم طلاقَه إياها ثلاثاً.
قيل له: لا يصح لمخالفنا الاحتجاج به؛ لأنه يزعم أنَّ الفرقة قد كانت
وقعت بلعان الزوج قبل لِعَانها، وأن الطلاق الثلاث لم يقع عليها، لأنه
صادفها وهي بائنة منه، والبائن لا يلحقها الطلاق، فكيف يدل على أنَّ
إيقاع الثلاث معاً من السنة بطلاقٍ لم يقع؟
فإن قيل: فيلزمك ذلك على أصلك(٣).
قیل له: فيه وجهان:
أحدهما: أنه جائز أن يكون قبل أن يَبين الطلاق للعدة، ومَنْعِ الجَمْع
بين الثلاث في الإيقاع.
حزم: ٢١٨/١٠.
(١) انظر مصنف عبد الرزاق: ٣٩٤/٦، السنن الكبرى ٣٣٥/٧.
(٢) صحيح البخاري ١٧٩/٦، صحيح مسلم ١١٢٩/٢.
(٣) انظر المبسوط ٤/٦.

٤٥
كتاب الطلاق
ووجه آخر: أنها قد كانت استحقت الفرقة والبينونة باللعان الذي كان
منها، فلما كانت البينونة مستحقة: جاز تَرْك النكير عليه في إبانتها بالثلاث.
فإن قال قائل: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر رضي الله
عنهما: ((فإذا طهرتْ فطلّقها))، ولم يقل: واحدة ولا ثلاثاً، اقتضى العمومُ
الجمیعَ.
قيل له: هو مرتب على ما قدَّمه من إيقاع الفصل بين التطليقتين
بحيضة؛ لأنه معلوم أنه لم يُرِدْ به فسخَ الأول، لاستحالة جواز الفسخ قبل
استقرار الحكم، ألا ترى أنه لم يبح بذلك إيقاع التطليقة الثانية في
الحيض، بل كان مرتَّباً على ما بيَّنه في النهي عن إيقاعها في الحيض،
كذلك في حكم التفريق بين التطليقات.
مسألة :
قال(١): (وإذا قال لا مرأته: أنت طالق ثلاثاً للسنَّة: وقَعْنَ في ثلاثة أطهار).
وذلك لأن هذه صفةٌ لطلاق السُّنَّة، فإن أراد وقوعهن معاً: وقَعْن
معاً)(٢)، وذلك لأن قوله: أنت طالق ثلاثاً: يقتضي وقوعهن معاً.
وقوله: للسنَّة: كناية عن أوقات السنَّة.
فإذا قال: لم أُرِدْ بقولي: للسنّة: ما صار اللفظ كنايةً عنه: كان كما
قال؛ لأن الواجب الرجوع إلى قوله في الكنايات.
وأيضاً: فإن هذه ((اللام)): تدخل في الكلام لمعان مختلفة: تارة
(١) مختصر الطحاوي ص١٩٣.
(٢) انظر شرح فتح القدير ٤٨٣/٣.

٤٦
كتاب الطلاق
للماضي، وتارة للمستقبل، فاحتمل أن يريد لسنَّةٍ ماضية، كقوله عليه
الصلاة والسلام: ((صوموا لرؤيته)) (١)، يعني لرؤية ماضية.
واحتمل أيضاً: لأجل السنَّة.
فلما كان اللفظ محتملاً لهذه الوجوه، عَمِلت نيتُه فيه.
وأيضاً: السُّنَّة في الطلاق من وجهين:
أحدهما: الوقت، والآخر العدد.
وقد كانوا يطلقون أكثر من ثلاث، فقصر الله تعالى عدد الطلاق على
ثلاث، فكان مصيباً لوجهٍ من السنة في اقتصاره على الثلاث، وإن خالف
السنَّة في جَمْعُها.
فإذا أراده: صحَّ معنى اللفظ، وكان كما أراد، ووقع الثلاث في
الحال (٢).
مسألة : [طلاق السنة فيمن لا تحيض]
(وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً للسُّنَّة، وهي ممن لا تحيض: فإنها
تطلق واحدةً الساعة، وبعد شهر أخرى، وبعد شهر أخرى، إذا كانت
مدخولاً بها)(٣).
وذلك لأن عدتها لما كانت بالشهور، وقامت الشهور مقام الحيض،
وجب أن يفصل بين كل تطليقتين بشهر، كما فصل لذوات الحيض بينهما
(١) صحيح البخاري ٢٢٩/٢.
(٢) انظر شرح فتح القدير ٤٨٣/٣.
(٣) المصدر السابق.

٤٧
كتاب الطلاق
بحيضة، إذ ليس من السنة جَمْع الثلاث في الإيقاع.
مسألة : [طلاق الحامل للسنة]
قال(١): (وتطلق الحامل ثلاثاً بالشهور، في قول أبي حنيفة وأبي
یوسف(٢).
وقال زفر ومحمد: لا تطلق الحامل للسنة إلا واحدة).
وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: قول الله تعالى:
اُلْطَّلَقُ مَرَّتَانِ﴾(٣)، وهو عمومٌ في الحامل والحائل.
وقال تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾(٤)، وظاهره يقتضي
الواحدة، والثلاث، إذ لم يختص اللفظ بعددٍ دون غیره.
وأيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ابن عمر: ((تطلقها
طاهراً من غير جماع أو حاملاً))(٥)، فأباح طلاقها حاملاً من غير ذكرِ عددٍ،
فهو علی جمیع الأعداد.
ومن جهة النظر: أنَّ عدة الحامل لما كانت طهراً واحداً، أشبهت
اليائسة والصغيرة، في أنَّ عدتها لما كانت طهراً واحداً، طلقت بالشهور
ثلاثاً، كذلك الحامل.
(١) مختصر الطحاوي ص١٩٤.
(٢) انظر شرح فتح القدير ٤٧٨/٣.
(٣) البقرة: ٢٢٩.
(٤) الطلاق: ١.
(٥) سبق تخريجه.

٤٨
كتاب الطلاق
* ووجه قول محمد وزفر(١): أنه لا بدَّ من الفصل بين تطليقتين في
إصابة السنة، وما يفعل به بين تطليقتين هو ما تنقضي به العدة، بدلالة أنّ
ذوات الحيض يفصل بين تطليقاتها بالحيض، واليائسة يفصل بين تطليقاتها
بالشهور، ولأن عدة ذات الحيض تنقضي بالحيض، وعدة اليائسة تنقضي
بالشهور، وشهور الحامل لا تنقضي بها عدتها، فلم يجز أن يفصل بينها
بالشهور، إذ لا تأثير لشهورها في انقضاء العدة.
وإذا لم يكن هناك ما يفصل به بين التطليقتين، وكان جَمْعهما لغير
السنة، وجب أن لا تطلق الحامل للسنَّة إلا واحدة.
قال أحمد : والانفصال لأبي حنيفة رحمه الله من ذلك: أنَّ هذه
القاعدة منتقضة على أصل محمد؛ لأنه يقول: لو طلقها وهي حامل، ثم
راجعها، ثم طلقها آخرَ للسنَّة، لم تطلق حتى تلد، وتطهر من نفاسها،
ثم يطلقها متى شاء، ففصل بين التطليقتين بالنفاس، والنفاس ليس هو
معنى تنقضي به العدة، ولذلك لو طلقها واحدة، ثم جامعها في ذلك
الطهر، لم يطلقها في قول محمد تطليقة أخرى حتى تحيض حيضة (٢)،
فإن هي حبلت من ذلك الجماع، جاز له أن يطلقها، لأجل حدوث
الحمل، ففَصَل بين التطليقتين بحدوث الحمل، وذلك معنى لا يتعلق به
انقضاء العدة.
(١) انظر المبسوط ١٠/٦.
(٢) انظر شرح فتح القدير ٤٧٧/٣.

٤٩
كتاب الطلاق
مسألة : [طلاق غير المدخول بها]
قال(١): (ويطلِّق غيرَ المدخول بها متى شاء)(٢).
لأنه ليس عليها عدة، فيعتبر طلاقها للعدة.
مسألة :
قال : (ومن طلق امرأته ثلاثاً للسنة، وهي مدخول بها، فطلقت
واحدة، ثم راجعها: وقعت أخرى في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو
يوسف: حتى تحيض حيضة بعد الطلاق الأول).
قال أبو بكر: ذكر أبو جعفر محمداً مع أبي حنيفة، وهو مع أبي يوسف(٣).
فأما أبو حنيفة، فلأن من أصله أنه إذا بطلت العدة بالرجعة، جاز له
أن يطلقها أخرى قبل الحيضة، ويكون للسنَّة، فتقع الثانية بقوله: أنت
طالق ثلاثاً للسنَّة.
ومن أصل أبي يوسف ومحمد: أنه لا فرق بين أن يراجعها أو لا
يراجعها، في أنه لا يجوز له أن يطلقها أخرى حتى يفصل بينهما بحيضة (٤).
قال أبو جعفر : (ولو كان راجعها بعد الطلاق الأول بالوطء: لم تقع
(١) مختصر الطحاوي ص١٩٤.
(٢) انظر المبسوط ١٦/٦.
(٣) روي عن محمد روايتان، رواية مع أبي حنيفة، وفي رواية أخرى مع أبي
يوسف. انظر المبسوط ١٧/٦.
(٤) ينظر المبسوط ١٧/٦-١٨.

٥٠
كتاب الطلاق
التطليقة الثانية بالمراجعة في قولهم جميعاً)(١).
لأنه يحتاج أن يفصل بين الجماع والطلاق بحيضة.
مسألة : [قال: أنت طالق للبدعة]
قال: (ومن قال لزوجته وهي في حال سُنَّة، أو في حال بدعة: أنتِ
طالق للبدعة، أو قال: أنتِ طالق، ولم يقل للبدعة ولا للسنة: فهي طالق
ساعتئذ).
وذلك أنَّ ذكر البدعة لغو، إذ ليس للبدعة وقت معروف ينصرف الطلاق
إليه، وليس كذلك قوله: أنت طالق للسنة؛ لأن قوله: أنت طالق للسنّة،
بمنزلة قوله: أنت طالق لأوقات السُّنَّة، فكأنَّ الوقت ملفوظٌ به في اليمين.
(١) ينظر المبسوط ١٧/٦-١٨.

٥١
كتاب الطلاق
باب صريح الطلاق(١)
مسألة : [متعة المطلقة]
قال أبو جعفر (٢): (ونفتي المطلِّقَ لزوجته بعد دخولها أن يُمتِّعها،
ونحضُّه على ذلك، ولا نُجبره عليه كما نُجبر المطلَّقَ لها قبل الدخول ولم
يسمِّ لها صداقاً).
قال أبو بكر : قد بينًا وجه المسألتين فيما تقدم(٣).
مسألة : [ألفاظ صريح الطلاق]
قال أبو جعفر : (ومَن قال لزوجته وقد دخل بها: أنتِ طالق، أو: أنتِ
واحدة، أو: اعتدِّي، أو: استبرئي رَحِمَكِ، وأراد الطلاق في هذه الألفاظ
الثلاثة، طَلُقت واحدةً يملك فيها الرجعة، ولا يقع بهذا القول أكثر من
واحدةٍ وإن أراد ذلك).
قال أبو بكر : الطلاق على أربعة أنحاء:
أحدها : صريحُ الطلاق، وهو قوله: أنتِ طالق، و: طلَّقْتُكِ، ونحوه
(١) انظر المبسوط ٦١/٦، شرح فتح القدير ٣/٤-٤.
(٢) مختصر الطحاوي ص١٩٤.
(٣) في كتاب النكاح، أواخر باب الأصدقة.

٥٢
كتاب الطلاق
مما كان هذا وَصْفه من الألفاظ، فإن الإيقاع متعلق به بوجود اللفظ من
مکلّف.
والثاني : وقوع الطلاق بالكنايات التي تصح أن تكون عبارة عن
الطلاق، نحو قوله: أنتِ خَلِيَّةٌ، و: بَرِيَّةٌ، و: بَثَّةٌ، و: بائن، و: حرامٌ،
ونحوها من الألفاظ التي هي كنايات عن الطلاق، من حيث كان اللفظ
مفيداً للبينونة، والتحريم، وقَطْع الزوجية، ونحو ذلك.
والثالث : قوله: اعتدِّي، و: استبرئي رَحِمَكِ، و: استُري، و: تَقَنَّعي،
وما جرى مجرى ذلك، فإن هذه الألفاظ ليست كناية عن الطلاق نفسه،
وإنما الطلاق مدلول عليه باللفظ؛ لأن الطلاق لما تعلَّق به وجوب العدة،
صار قوله: اعتدِّي: دلالة على الطلاق، لا أنَّ العدة نفسها طلاق، ولا
عبارةً عنه، وكذلك استبراء الرحم، وكذلك الاستتار، والتقنُّع،
والخروج، ونحوها، وإنما الطلاق مدلول عليه باللفظ، غيرُ ملفوظٍ به،
ولا بما هو كناية عنه (١).
والرابع: ما ليس بكناية، ولا مدلول عليه باللفظ، وإنما يقع به من
طريق الحكم، وهو قوله: اختاري؛ لأن التخيير ليس من ألفاظ الطلاق،
ولا هو مدلول عليه به، ألا ترى أنه لو قال لها: اختاري، أو قال: قد
خَيَّرتك، ونوى به إيقاع الطلاق: لم يقع به شيء، ما لم تقل هي: قد
اخترتُ نفسي، أو طلَّقتها، ومن أجل ذلك لم يوقعوا به الثلاث وإن
أراد بها.
(١) انظر شرح فتح القدير: ٦٣/٤.

٥٣
كتاب الطلاق
فهذه جملة ما تنصرف عليه ألفاظ الطلاق(١).
* وأصلٌ آخر يجب اعتباره في ذلك: وهو أنه لا يجوز إيقاع الطلاق
بنيةٍ لا لَفْظَ معها، وكذلك البينونة المتعلقة بالطلاق لا يجوز إيقاعها بنيةٍ
عاريةٍ من لفظ يقتضيها ويوجبها.
والدليل على صحة هذا الأصل: حديث قتادة عن زرارة بن أوفى عن
أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تجاوز لأمتي ما
حَدَّثَتْ به أنفُسُها ما لم تعمل، أو تتكلم به))(٢).
وأيضاً: فلا خلاف أنَّ سائر العقود لا يصح إيقاعها بالنية دون اللفظ،
كالنكاح والبيع والهبة والصدقة، ونحوها، فكذلك الطلاق.
ومما يجب اعتباره: أنَّ كنايات الطلاق الموجبة للبينونة، لا يصح
إيقاع الطلاق فيها عارياً من البينونة التي يقتضيها اللفظ، لما فيه من إسقاط
اللفظ، وحصول الطلاق بنية عارية من اللفظ.
وأصل آخر: وهو أنَّ كل لفظ احتمل الطلاق، واحتمل غيره: لم يجز
لنا إيقاع الطلاق به إلا باعترافه بنية الطلاق، أو بدلالة الحال عليه.
وكذلك كل لفظ احتمل الثلاث والواحدة: لم نلزمه به الثلاث إلا
بالنية.
والأصل في ذلك: ما روي أن ركانة بن عبد يزيد طلَّق امرأته ألبتة،
(١) انظر شرح فتح القدير ٧٩/٤.
(٢) صحيح البخاري ١٦٩/٦.

٥٤
كتاب الطلاق
فاستحلفه النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أردتَ إلا واحدة؟))(١).
لما احتمل قوله: ((ألبتة)»: الثلاث، واحتمل الواحدة، جعل النبي صلى
الله عليه وسلم القولَ قولَه فيما أراد، فصار ذلك أصلاً في نظائر ذلك من
المسائل.
وإذا صح ما وصفنا، قلنا في قوله: أنتِ طالق: إنه صريح الطلاق،
واللفظ الموضوع في الشرع لإيقاع الطلاق، معلّق وقوعه بوجود لفظه به.
* وهو رجعي؛ لقول الله تعالى: ﴿ الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾(٢)،
وقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَ بِمَعْرُوفٍ﴾(٣)، وقال:
وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوٍّ﴾ (٤)، ثم قال: ﴿ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّبِرَدِهِنَ فِىِ
ذَلِكَ﴾(٥).
فأثبت تعالى الرجعة في إيقاع ما دون الثلاث، إذ كان موقَعاً بصريح
اللفظ.
* وأما قوله: اعتدِّي، و: استبرئي رَحِمَك: فإن الأصل في صحة إيقاع
الطلاق به وبنظائره من الألفاظ: ما روي ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم
(١) سنن أبي داود ٢٦٣/٢ - ح ٢٢٠٦، شرح السنة للبغوي: ٢٠٩/٩، وتمام
الحديث: فقال ركانة: والله ما أردتُ إلا واحدة.
(٢) البقرة: ٢٢٩.
(٣) البقرة: ٢٣١.
(٤) البقرة: ٢٢٨.
(٥) البقرة: ٢٢٨.

٥٥
كتاب الطلاق
قال لسودة: اعتدِّي، ثم راجعها))(١)، فدل ذلك على معنيين:
أحدهما: أنَّ قوله: اعتدِّي: ليس بكنايةٍ عن الطلاق، ولا عبارة عنه،
وإنما الطلاق مدلول عليه باللفظ، فصار ذلك أصلاً في إيقاع الطلاق
بالألفاظ الدالة عليه، نحو قوله: استبرئي رحمك، و: اخرجي، و:
اذهبي، و: حَبْلُكِ على عاتقك، ونظائرها من الألفاظ.
والمعنى الثاني: أنَّ اللفظ الذي ليس فيه دلالة على البينونة، لا يوجب
البينونة؛ لأن لفظ العدة ليس من ألفاظ البينونة، ولا هو دلالة عليها؛ لأن
العدة تجب في (٢) الطلاق الرجعي كوجوبها من البائن، فإذا لم يخص
اللفظ بالبينونة، لم يجب إيقاع البينونة بها، فمن أجل ذلك قلنا في قوله:
استبرئي رحمك: إنه رجعي؛ لأن استبراء الرحم، هو العدة في مثل ذلك،
فصار کقوله: اعتدِّي.
* وقوله: أنتِ واحدة: كناية عن الطلاق نفسه، والمعنى فيه: أنتِ
طالق تطليقة واحدة، ومع ذلك فليس في اللفظ دلالة على البينونة.
ولا يقع به إلا رجعياً؛ لأن الواحدة لا تختص بالبينونة، ولا يدل
عليها، لأن الواحدة تكون بائناً، وتكون رجعياً، فلم يجز إيقاع البينونة
بها، فهو في هذا الوجه بمنزلة قوله: اعتدِّي وإن خالفه في موضوع معنى
اللفظ؛ لأن الطلاق مدلول عليه في قوله: اعتدِّي، ويكنى عنه في قوله:
أنتِ واحدة (٣).
(١) انظر إعلاء السنن ١١/ ١٩٧.
(٢) وفي (ق.ج): (من).
(٣) انظر شرح فتح القدير ٦٢/٤.

٥٦
كتاب الطلاق
مسألة : [ألفاظ الطلاق البائن]
قال أبو جعفر(١): (ومن قال لزوجته: أنت خَلِيَّةٌ، أو: بَرِيَّة، أو: بائن،
أو: بتَّةٌ، أو: حرام، أو: اعتدِّي، أو: أَمْرُكِ بيدك، أو: اختاري، فقالت:
قد اخترتُ نفسي، فقال الزوج: لم أُرِدْ بذلك طلاقاً، فإن كان في ذِكْر
طلاقٍ: لم يُقبل قوله، وكان ذلك طلاقاً بائناً، غير اعتدِّي: فإنه رجعي)(٢).
قال أبو بكر : إذا لم يكن في ذِكْر الطلاق: فالقول قوله؛ لأن اللفظ
المحتمِل للطلاق وغيره لا يوقَع به الطلاق إلا بالنية، لما في حديث يزيد
بن ركانة من الدلالة عليه، وقد بيَّنَّه.
فإن كان في ذِكْر الطلاق: لم يُصدَّق، نحو أن تقول له: طلِّقني،
فأجابها بشيء من هذه الألفاظ.
وذلك لأن دلالة الحال في مثل ذلك قائمة مقام النطق به، ألا ترى أنَّ
رجلاً لو قال لآخر: طلَّقتَ امرأتك؟ فقال: نعم، كان ذلك كقوله: نعم
طلقتُها، وإن كانت: ((نعم)): ليست عبارة عن الطلاق، ولا فيها دلالة عليه.
وقال الله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ﴾(٣)، فقام ذلك
مقام قولهم: وجدنا.
* وإنما كان سائر الألفاظ التي ذكرها بائناً، غير: ((اعتدِّي))؛ لأن
الرجل يَملك إبانتها، ويقطع ما بينه وبينها من الزوجية، والدليل على
(١) انظر مختصر الطحاوي ص ١٩٥.
(٢) انظر شرح فتح القدير ٦٥/٤.
(٣) الأعراف: ٤٤.

٥٧
كتاب الطلاق
ذلك: أنه يجوز أن يأخذ منها عوضاً، ولولا أنه يملك البينونة، لما جاز
أخذ البدل عنها؛ لأنه لا يجوز أن يستحق بدل ما لا يملكه.
فإن قال قائل: لو قال: أنتِ طالق، ونوى البينونة: لم تَبِنْ، ومع ذلك
يجوز له أَخْذ البدل، بأن يقول لها: أنتِ طالق على ألف درهم، فيستحق
عنه العوض، ومع ذلك لا يصح منه إيقاع البينونة بهذا اللفظ، إذ لم يعقده
بشرط العوض.
قيل له: إنما (١) يقع الطلاق باللفظ المقتضي للبينونة، فأما اللفظ الذي
لا دلالة له فيه على البينونة، فلا يصح إيقاع البينونة به.
وقوله: أنتِ طالق: إذا أفرده عن ذكر المال: لم يدل على البينونة، فإذا
عَقَدَه بالمال، فقد دل على البينونة بذكره البدل، وشَرْط استحقاق البدل،
فصار كقوله: أنتِ طالق بائن إن حصل لي البدل، فإذا لم يحصل لي البدل
لم تکن بائناً.
* وأما قوله: أنتِ بائن: ونظائره من الألفاظ المقتضية للبينونة، فإن
البينونة موجودة في اللفظ، فوجب إيقاعها به.
ودليل آخر: وهو أنَّ قوله: أنتِ بائن، ونحوه: لا يقع بها الطلاق إلا
بانضمام النية إلى اللفظ، ومتى انفرد أحدهما عن الآخر لم يقع به طلاق،
ونحن فمتى لم نوقع البينونة بها، فقد أسقطنا اللفظ، ومتى عريت النية من
اللفظ لم يقع بها طلاق.
وأيضاً: فقد اتفق الجميع(٢) على أنه لو نوى بها ثلاثاً كانت ثلاثاً، من
(١) وفي الأصل: (لم يقع))، والمثبت من (ق.ج).
(٢) انظر بدائع الصنائع ١٨١٩/٤.

٥٨
كتاب الطلاق
حيث اقتضى اللفظ بينونة الثلاثة، ودل عليها، فينبغي أن تقع به واحدة
بائنة من حیث دل اللفظ عليها.
فصل : [أثر النية في ألفاظ الطلاق]
قال أبو جعفر: (وإن أراد بهذه الألفاظ ثلاثاً: كانت ثلاثاً إلا في:
اعتدِّي، واختاري، فإن قوله: اختاري: لا يقع به إلا واحدة بائنة)(١).
قال أبو بكر : أما قوله: اعتدِّي: فلما قلنا إنه ليس فيه دلالة على
البينونة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسَوْدة: ((اعتدِّي، ثم
راجَعَها))(٢).
وأما: اختاري: فليس من ألفاظ الطلاق؛ لأن الزوج لا يمكنه إيقاع
الطلاق بها لو قال لها: خَيَّرتك، وأراد الإيقاع بنفس اللفظ: لم يقع، وإنما
يقع به الطلاق من جهة الحكم تشبيهاً بسائر أنواع الخيارات الحادثة على
الزوجية في إيجاب الفرقة، ولا يقع به أكثر من واحدة، نحو خيار امرأة
المجبوب، والعنِّيْن(٣).
مسألة : [أثر النية في ألفاظ الطلاق حال الغضب]
قال أبو جعفر: (وإن كان ذلك منه في غضب، وقال: لم أُرِد به
طلاقاً، لم يُصدَّق في: اعتدِّي، و: اختاري، و: أَمْرُك بيدك، وصُدِّق في
الخمس البواقي).
(١) مختصر الطحاوي ص ١٩٥، المبسوط ٧٣/٦.
(٢) فتح الباري ٣١٣/٩، وقال ابن حجر: ((إسناده صحيح)).
(٣) الهداية مع شرح فتح القدير ٣٠٢/٤.

٥٩
كتاب الطلاق
قال : (وروي عن أبي يوسف أنَّ قوله: قد خلَّيتُ سبيلَك، و: لا مِلْكَ
لي عليك، و: لا سبيل لي عليك: بمنزلة هذه الخمس التي أوقع أبو حنيفة
الطلاق بها).
قال: (وروي عن أبي يوسف أيضاً أنه قال: قد فارقتك، و: قد
خلعتك: بمنزلتهن أيضاً)(١).
قال أبو بكر : أما قوله في الخمس البواقي، فإنه يحتمل وجهين:
يحتمل الشتيمة والسب، ويحتمل الطلاق، وليست دلالة الحال بأظهر
في الطلاق منها في الشتيمة، فصُدِّق على ما نوی.
وأما قوله: اعتدِّي، و: اختاري، و: أمْرُك بيدك: فلا يحتمل السبّ
والشتيمة، وحالُ الغضب يدل على قصد الطلاق والبينونة بهذه الألفاظ،
فكذلك لم يُصدَّق على أنه لم يُرِد الطلاق.
قال أبو بكر: وأما قوله لها: اذهبي، و: قُومي، أو: استتري، أو:
تقنَّعي، أو: تخمَّري: فإنه إن نوى بها الطلاق: كان طلاقاً بائناً، إلا أن
ينويَ ثلاثاً: فيكون ثلاثاً، وسواء كان في ذِكْر غضب، أو طلاقٍ، فهو
مصدَّق في أنه لم يُرِد الطلاق.
وهو مفارِقٌ لجميع ما قدَّمنا ذِكْرَه من الألفاظ، من قِبَل أن البينونة
مدلول عليها بهذه الألفاظ، وليست الألفاظ كناية عنها(٢)، فهو مصدَّق
(١) انظر شرح فتح القدير ٦٦/٤.
(٢) وفي الأصل ((عنهما))، والمثبت من (ق.ج).

٦٠
كتاب الطلاق
على ما نوى بها في الغضب وذِكْر الطلاق، وغيره(١).
فإن قيل: فقوله: اعتدِّي: ليس من ألفاظ الطلاق، فلِمَ لا نصدِّقه على
نفي إرادة الطلاق في حال الغضب؟(٢).
قيل له: إنما اختلفا من جهة أنَّ قوله: اعتدي: فيما يتعلق به من حكم
الطلاق، بمنزلة صريح الطلاق، ألا ترى أنه لا يقع به إلا رجعي، وليس
کذلك سائر ما وصفنا.
وأيضاً: فإن قوله: اعتدي: قد وردت به السنة في إيقاع الطلاق به،
ولم تَرِد في سائر ما ذكرنا من الألفاظ.
وأيضاً: فإن دلالة: اعتدِّي: على الطلاق، أظهر من دلالة الألفاظ التي
ذكرنا؛ لأن العدة موجَبَة عن الفرقة، مختصة بها.
والتقنُّع، والاختمار، والتستر، لا تدل بأنفسها على الطلاق، إذ
لیست مختصة بها.
وأيضاً: فإن هذه الألفاظ قد تحتمل معاني غير الطلاق مع ذكر الطلاق
والغضب، وهو الإقصاء، والإعراض، بأن يقول لها: اخرجي: على جهة
الطرد والإبانة، و: استتري: يريد به الإعراض عنها في ترك النظر إليه،
فصُدِّق من أجل احتمال اللفظ لذلك على ما أراد.
(١) انظر شرح فتح القدير ٦٥/٤.
(٢) وفي (ق.ج): ((ولم نصدقه)).