Indexed OCR Text

Pages 1-20

شَرْحِ الْصِ الطَّوَاِيّ
(٢٢٩- ٣٢١ هـ)
(في أَلْفِقْهِ الْجَنَفِيّ)
لِلإِمَامِ أبِي بَكْرِالرَّازِي الَّْاضِ
(٣٠٥ - ٣٧٠ هـ)
المحَلّد الخامِسْ
تحقیعُ
د/ محمّد عبيد اللّه خان
أَعَّ الكتَابَ للطَّبَاعَةِ وَرَاجَعَه وصَحْهُ
أ.د/ سائد بكراش
دَارُ النَِّالإسْلامِيَّة
دَارُ الشَّمرام

-3

شَرَ افْصِ الطََِّّي

حُقُوقُ الطَّبْعِ مَحْفُوظَة لِلْمُعْتَنِىِ بِلْكِتَابُ
الطّبْعَة الأولى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠م
شركة دار البشائر الإسْلاميّة
لِلِطِباعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتوزيعِ ش.م. م
انتها الشيخ رمزي ومشقية رحمه الله تعالى سنة ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م
بَيروت - لبنانُ صَبْ: ١٤/٥٩٥٥ هَاتفُ: ٧٠٢٨٥٧
e-mail: bashaer@cyberia.net.lb
فَاكس : ٧٠٤٩٦٣ / ٠٠٩٦١١
١٧،٧
دَارُ السََّّمَآَنِ - اْمَدِيْنَةُ الْمُوَّرَةُ
يُطلَبُ الكِتَابُ مِنْهَا عَلَى العِنَانِ التَّالِى:
البَرِيدُ الإلكتروني SRAJ1000@hotmail.com

٥
كتاب الطلاق
كتاب الطلاق
مسألة : [طلاق المكره]
قال أبو جعفر : (وطلاق المُكْرَه لازمٌ له، كطلاق مَن ليس بمُكْرَه)(١).
قال أحمد : قد تكلَّمنا في هذه المسألة في غير هذا الموضع من هذا
الكتاب(٢) من جهة الأثر والنظر، ولكني أحببتُ أن لا أُخليَ هذا الموضع
من ذِكْر شيءٍ من طريق الظاهر والأثر مما لم يوجد هناك.
وقد روي نحو قولنا عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وسعيد
بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والنخعي رضي الله عنهم.
* وقال ابن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد وطاوس رضي الله
عنهم: لا يجوز طلاقه.
* وقال الشعبي: إن أكرهه السلطان: فهو جائز، وإن أكرهه لصٌّ: فلا
(٣)
شيء(٣).
(١) ينظر مختصر الطحاوي ص١٩١، أحكام القرآن للجصاص ١٩٣/٣،
المبسوط ١٧٦/٦، ٤٠/٢٤، الهداية مع شرح فتح القدير ٣٨٨/٣.
(٢) ينظر كتاب الإكراه.
(٣) أحكام القرآن ١٩٣/٣، عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٢٥٠/٢٠،
=

٦
كتاب الطلاق
فأما الدليل على صحة قولنا من جهة الظاهر: قوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ
مَّقَانِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَعِلُّ لَهُمِنْ بَعْدُ﴾(١)، وعمومہ یوجب
وقوع طلاق المكره وغيره، إذ ليس في اللفظ دلالة على الفرق بينهما.
فإن قال قائل: دُلَّ على أنَّ المكرَه مطلِّق.
قيل له: لا يمتنع أحدٌ أن يقول: طلَّق مكرَهاً، و: أُكره على الطلاق،
وإذا تناوله الاسم: لزم حكمه بعموم الآية.
ويدل على صحة قولنا من الأثر: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال:
حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي قال: حدثنا يحيى بن أيوب قال: حدثنا
إسماعيل بن عياش قال: حدثنا الغازي(٢) بن جبلة الجيلاني عن صفوان بن
عمران الطائي ((أنَّ رجلاً كان نائماً مع امرأته، فأخذت سِكِّيناً، فجلست
على صدره، ووضعت السكين على حلقه، وقالت: طلِّقني ثلاثاً ألبتة، أو
لأذبحنَّك، فناشدها الله، فأَبَتْ عليه، فطلقها ثلاثاً، فذكر ذلك لرسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: ((لا قيلولة (٣) في الطلاق)) (٤).
مصنف عبد الرزاق ٤٠٦/٦، شرح السنة للبغوي ٢٢٢/٩.
(١) البقرة: ٢٢٩.
(٢) وفي الأصل: (النعمان)، والصواب كما أثبت. انظر نصب الراية في تخريج
أحاديث الهداية ٢٢٢/٣، الجرح والتعديل ٤٢٢/٤، لسان الميزان ٤١٢/٤.
(٣) وفي نسخة ق، ج: (لا إقالة)، وما أثبته موافق لكتب السنن.
(٤) أخرجه ابن حزم في المحلى ٢٠٣/١٠، والعقيلي في الضعفاء ٢١١/٢،
٣٤٤٢، وينظر نصب الراية ٢٢٢/٣، إعلاء السنن ١٨٣/١١، وقال: وبالجملة
فالحديث صالح للاحتجاج به، وقد تأيد الحديث بما روي عن الصحابة. اهـ. وأما
=

٧
كتاب الطلاق
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا مطير قال: حدثنا حسين بن
يوسف التميمي قال: حدثنا محمد بن مروان عن عطاء بن عجلان عن
عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله))(١).
ويدل عليه: حديث عبد الرحمن بن حبيب بن أزدك عن عطاء بن أبي
رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((ثلاثٌ جدُّهنَّ جِدٌّ وهَزْلهنُّ جِدٌّ: الطلاق، والنكاح،
والرجعة))(٢).
فسوَّى عليه الصلاة والسلام بين حكم الجادِّ والهازل، مع اختلافهما
في كون أحدهما قاصداً لإيقاع حكم اللفظ، والآخر غير قاصدٍ له، فدلٌ
ذلك على أنَّ كل مكلّف وُجدَ إيقاع الطلاق في لفظه، فحکمه لازم له،
وأن لا تأثير لعدم إرادته في ارتفاع حكم لفظه.
* واحتج مخالفنا (٣) في ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي
غيره فقد تكلم كثيراً في ضعف الحديث.
(١) أخرجه الترمذي ٤٩٦/٣- ح١١٩١، وقال: «هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً»،
السنن الكبرى للبيهقي ٣٥٩/٧.
(٢) أخرجه الترمذي ٤٩٠/٣ - ح١١٨٤، وقال: ((هذا حديث حسن غريب)).
وأبو داود ٢٥٩/٢ - ح٢١٩٤، وانظر شرح السنة للبغوي ٢١٩/٩، سنن ابن ماجه
٢٠٤٩، التلخيص الحبير ٢٠٩/٣.
(٣) ينظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٦٩/٢، المجموع للنووي
٦٦٧/١، المغني ٢٥٩/٨، وقد خالف جمهور الفقهاء الحنفيةَ في هذا الحكم.

٨
كتاب الطلاق
صلى الله عليه وسلم: ((لا طلاق في إغلاق))(١).
وبما روي عن ابن عباس وأبي الدرداء وثوبان عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا
عليه))(٢).
وفي بعض الألفاظ: ((عفا لكم عن ثلاث)).
وفي بعضها: (رُفع عن أمتي)).
قالوا: فعموم هذه الألفاظ (٣) ينفي وقوع طلاق المكره.
قال أبو بكر: أما قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا طلاق في إغلاق)):
فلا دلالة فيه على حكم طلاق المكره؛ لأن المكره غير مُغْلَق عليه، وإنما
المعنيُّ فيه المجنون؛ لأنه مُغْلَقٌ عليه في التصرف من سائر الوجوه.
وهو مأخوذٌ من: أغلق عليه بابه، ومُنِعَ من التصرف من سائر الوجوه،
(١) انظر أبو داود ٢٥٩/٢ - ح٢١٩٣، الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد
٧١١/١، المستدرك للحاكم ١٩٨/٢، شرح السنة للبغوي ٢٢٢/٩، وفي سنده:
محمد بن عبيد بن أبي صالح وهو ضعيف، التلخيص الحبير ٢١٠/٣.
الإغلاق: اختلف العلماء في معناه، فقد فسره أحمد، وأبو داود بالغضب،
وقال صاحب التنقيح: قال شيخنا: والصواب أنه يعم الإكراه، والغضب، والجنون،
وكل أمر انغلق على صاحبه عِلمه وقَصْده، مأخوذ من: غلق الباب، انظر شرح السنة
للبغوي ٢٢٢/٩.
(٢) انظر شرح معاني الآثار ٩٥/٣، المستدرك للحاكم ١٩٨/٢، وقال: هذا
حديث صحيح على شرط الشيخين، ابن ماجه ٣٧٧/١ - ح٢٠٥٣، مجمع الزوائد
٢٥٣/٦، التلخيص الحبير ٢٨١/١-ح٤٥٠، نصب الراية ٦٤/٢.
(٣) وفي (ق، ح): ((الأخبار)).

٩٠
كتاب الطلاق
وهذا هو صفة المجنون.
فأما المكره فتصرفه جائز في سائر ما يتصرف فيه في غير ما أُكره
عليه، فلا يقال: إنه مغلَقٌ عليه، كما لا يقال لمن أغلق عليه أحد
أبواب البيت، وهو يمكنه الخروج من سائر الأبواب: إنه مغلَق عليه
ممنوع من الخروج.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «تجاوز الله عن أمتي الخطأ،
والنسيان، وما استكرهوا عليه)): فإنه غير صحيح عند أهل النقل.
حدثنا أبو الحسين عبد الرحمن بن سيما المحسن قال: حدثنا عبد الله
بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن حديثٍ رواه شيخ عن الوليد بن
مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس: أنَّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ((إن الله تجاوز لأمتي عما استكرهوا عليه، وعن الخطأ،
والنسيان)».
وعن الولید عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثله.
فقال: إن هذا كذبٌ وباطل، ليس يُروى إلا عن الحسن عن النبي
صلى الله عليه وسلم(١).
ومخالفونا لا يقبلون المراسيل(٢)، فسقط احتجاجهم به.
(١) انظر كتاب العلل ومعرفة الرجال ٥٦١/١ - ح١٣٤٠، علل الحديث
٤٣١/١ - ح١٢٩٦، نصب الراية في أحاديث تخريج الهداية: ٦٤/٢، التلخيص
الحبیر ٢٨٢/١.
(٢) والمراد بهم فقهاء الشافعية، لأن الإمام الشافعي رحمه الله قال: إن كان
المرسل من مراسيل الصحابة، أو مرسلاً قد أسنده غير مرسله، أو أرسله راو آخر
=

١٠
كتاب الطلاق
وعلى أنه لو ثبت الحديث وصح، لما دل على نفي طلاق المكره،
وذلك لأن قوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع عن أمتي ما استكرهوا عليه))،
و ((تجاوز الله لأمتي عما استكرهوا عليه))، ((وعفا لأمتي عن ذلك)).
لو استُعمل على حقيقته: اقتضى نفي وقوع الفعل المكره عليه،
ومعلوم وقوع الفعل بالمشاهدة والعيان، وأن ما صح وقوعه لا يصح
رَفْعه؛ لأنه لا يصح أن يُرفع المفعول حتى يصير غيره مفعولاً؛ لأن ذلك
محال.
فإذا كان كذلك، وكان مقتضى اللفظ رفع الفعل الواقع على الإكراه،
وقد عُلم أنه لم يُرِدْه، ثبت أنَّ هناك إضماراً إياه أراد النبيُّ صلى الله عليه
وسلم، فاحتجنا إلى دلالةٍ في إثبات المراد من وجهين:
أحدهما: أنَّ المضمَر ليس بعموم، فيُحتج فيه بظاهر اللفظ، إذ هو
غير ملفوظ به، والعموم والخصوص إنما يكونان في الألفاظ.
والثاني: أنَّ اللفظ قد حصل مجازاً، والمجاز لا يجوز استعماله إلا في
موضع یقوم الدلیل علیه.
وأيضاً: فإذا ثبت أنَّ في اللفظ ضميراً، والضمير يجوز أن يكون
للحكم، ويجوز أن يكون للمأثم، لم يكن لأحدٍ صَرْفه إلى أحد الوجهين
دون الآخر إلا بدلالة من غيره.
يروي عن غير شيوخ الأول، أو عضده قول صحابي، أو قول أكثر أهل العلم، أو أن
يكون المرسل قد عُرف من حاله أنه لا يرسل عمن فيه علة من جهالة أو غيرها
كمراسيل ابن المسيب، فهو مقبول، وإلا فلا، ووافقه على ذلك أكثر أصحابه. انظر
قواعد في علوم الحديث ص ١٤٠.

١١
كتاب الطلاق
ولا يجوز أن يقال فيه: إنه قد عَنَى الأمرين؛ لأن ذلك مما يسوغ فيما
كان ملفوظاً به، فيستعمل فيه عموم اللفظ، فأما ما لم يكن ملفوظاً به: فلا
يصح ذلك فیه.
وعلىُ أنَّ قوله عليه الصلاة والسلام: ((تجاوز الله لأمتي عما استكرهوا
عليه)): لا يجوز استعماله في رفع الحكم؛ لأن هذا اللفظ إنما يستعمل في
رفع المأثم، كقولك: غفر الله لفلان، وعفا الله عن فلان: بمعنى نفي حكم
المأثم.
ويدل على أنَّ المراد رفع المأثم: أنَّ الناسي والمخطىء بالطلاق
يلزمهما طلاقهما(١).
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان)): لم
ينف طلاقهما، وكذلك المكره.
ودل ذلك على أنَّ المراد رَفْع المأثم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأَتُم بِهِ، وَلَكِن مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾(٢): يعني في
المأثم، لا في حكم الفعل؛ لأن الله تعالى قد ألزمه حكم فِعْله إذا قتل
خطأ.
(١) هذا عند الحنفية، وأما عند جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية،
والحنابلة فإن طلاق الناسي، والمخطىء لا يقع، مثل طلاق المكره. انظر المبسوط
١٧٨/٦، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ١٧٩٣/٤، مغني المحتاج ٢٨٧/٣،
المغني والشرح الكبير ٢٦٥/٨.
(٢) الأحزاب: ٥.

١٢
كتاب الطلاق
مسألة : [طلاق الصبي والمجنون](١)
قال أبو جعفر : (وطلاق الصبي والمجنون باطل).
قال أبو بكر : يروى ذلك عن ابن عباس والحسن وابن سيرين رضي
الله عنهم(٢).
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنّ كل طلاق جائز إلا
طلاق المعتوه))، وقد تقدم ذکر سنده.
وروي عن علي بن أبي طالب نحو ذلك من قوله(٣).
* وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ طلاق الصبي جائز؛ لأن الله
تعالی لم يستثنه.
* وقال سعيد بن المسيب: إذا كان الصبي يعقل الصلاة: جاز
طلاقه (٤).
والأصل فيه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((رفع القلم عن
ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفيق، وعن
(١) هذا محل اتفاق بين الفقهاء، عدا رواية عن الإمام أحمد أنَّ طلاق الصبي
المميز يقع. انظر المبسوط ١٧٨/٦، شرح فتح القدير ٤٨٧/٣، قوانين الأحكام
الشرعية ٥٢/٢، نهاية المحتاج ٦٤٢٤، المغني ٢٥٧/٨، كشاف القناع ٢٣٣/٥.
(٢) انظر مصنف عبد الرزاق ٨٤/٧، السنن الكبرى للبيهقي ٣٥٩/٧، المصنف
لابن أبي شيبة ٣٤/٥.
(٣) انظر صحيح البخاري ٦٦/٦ كتاب الطلاق.
(٤) انظر المصنف لابن أبي شيبة ٣١/٥، ٣٤.

١٣
كتاب الطلاق
الصبي حتى يحتلم)»(١).
وهذا الظاهر ينفي وقوع طلاقه؛ لأن رَفْع القلم يقتضي رَفْع الحكم
عنه، فلا تحرم عليه امرأته بطلاقه إياها.
وأيضاً: لم يختلفوا في النائم أنَّ طلاقه لا يجوز، وكذلك الصبي،
والمجنون، لاستوائهم في زوال التكليف عنهم(٣).
فإن قيل: فقد يؤمر الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعاً، ويُضرب عليها إذا
.(٣)
بلغ عشراً (٣).
قيل له: إنما يؤمرون بها للاعتبار، لا على وجه التكليف.
مسألة : [طلاق السكران]
قال أبو جعفر(٤): (وطلاق السكران جائز)(٥).
(١) انظر صحيح البخاري ٦٦/٦ كتاب الطلاق.
(٢) انظر شرح فتح القدير ٤٨٧/٣، الشرح الصغير ٢٧٧/٢، المغني ٢٥٤/٨.
(٣) أخرجه الترمذي ٢٥٩/٢-ح٤٠٧، وقال: حديث حسن صحيح.
(٤) انظر المختصر ص ١٩١.
(٥) قسم الفقهاء السكران إلى قسمين: سكران غير متعد بسكره، وسكران متعد
بسكره.
أما السكران غير المتعدي بسكره، فحكم طلاقه غير واقع عند جمهور الفقهاء،
ولهذا قال ابن الهمام: ((لو شربها مكرهاً أو لإساغة لقمة، ثم سكر: لا يقع عند الأئمة
الثلاثة، وبه قال بعض مشايخنا، وكثير منهم على أنه يقع، لأن عقله زال عند كمال
التلذذ، وعند ذلك لم يبق مكرهاً، والأول أحسن، لأن موجب الوقوع عند زوال
العقل ليس إلا التسبيب في زواله بسبب محظور وهو منتف، والحاصل أنَّ السكر
=

١٤
كتاب الطلاق
قال أحمد : يروى ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وابن
عباس، وسليمان بن يسار، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعامر،
وإبراهيم، والضحاك، ومجاهد، والزهري رحمة الله عليهم(١).
وروي عن علي بن أبي طالب قال: ((كل طلاق جائز إلا طلاق
المعتوه)).
فهذا يدل على أنه يرى طلاق السكران جائزاً.
ويروى عن عثمان، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، وعكرمة،
والقاسم بن محمد: أنه لا يجوز طلاق السكران(٢).
والدليل على صحة قولنا من جهة الظاهر: قولُ الله تعالى: ﴿الطّلَقُ
مَّقَانِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْبًا
غَيْرَهُ﴾(٣).
وهو عام في السكران وغيره.
بسبب مباح كمن أكره على شرب الخمر، أو الأشربة المحرمة، أو اضطر: لا يقع
طلاقه، ومن سكر منها مختاراً، اعتبرت عباراته)). شرح فتح القدير ٤٩١/٣، نهاية
المحتاج ٤٢٤/٦، المغني والشرح الكبير ٢٥٤/٨، ٢٥٥.
(١) مصنف عبد الرزاق ٨٢/٧، مصنف ابن أبي شيبة ٣٧/٥، السنن الكبرى
٣٥٩/٧.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٨٤/٧، مصنف ابن أبي شيبة ٣٩/٥، السنن الكبرى
٣٥٩/٧.
(٣) البقرة: ٢٢٩.

١٥
كتاب الطلاق
ومن جهة السنة: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا
قيلولة (١) في الطلاق))، وقد تقدم ذكر سنده.
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه))(٢).
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((ثلاث جدُّهنَّ جدٌّ وهزلهنَّ جدٍّ)(٣): يدل
على ذلك أيضاً؛ لأنه عليه الصلاة والسلام سوَّى بين الجادِّ والهازل، مع
وجود الإرادة من أحدهما في إيقاع حكم اللفظ، وعدمها من الآخر، مع
كونهما من أهل التكليف، وهذا المعنى موجود في السكران.
ويدل عليه: ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ((أنه استشار
الصحابة في حد الخمر(٤)، فقال علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن
عوف رضي الله عنهما: إنه إذا سكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افترىُ، وإذا افترى
وَجَبَ عليه الحدُّ ثمانون)).
وكان ذلك بحضرة الصحابة رضي الله عنهم من غير نكيرِ من أحدٍ
منهم.
فاقتضى ذلك وجود الاتفاق منهم على وجوب الحد عليه بالقذف،
فإذا لزمه الحد الذي من شأنه أن يسقط بالشبهة في حال سُكْره، فالطلاق
الذي لا تسقطه الشبهة أحرى أن يلزمه.
وأيضاً: يلزمه الحد بنفس السكر، كما يلزم الزاني الحد بالزنى،
(١) وفي (ق، ج): (لا إقالة)، وما أثبته موافق لكتب السنن.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه مسلم ٣٣٠/٢ - ح ١٧٠٦، ومالك في الموطأ ٨٤٢/٢.

١٦
كتاب الطلاق
والسارق بالسرقة، فإذا لزمه حد السكر في حال سكره، فالطلاق
أحرى أن يلزمه.
فإن قال قائل: هو كالمجنون والمغمى عليه والنائم، لعلة فَقْد العقل.
قيل له: فَقْد العقل لم يُسقط عنه الحد، فكذلك لا يسقط حكم
طلاقه، والنائمُ، والمجنون، والمغمى عليه، لا يلزمهم حدٍّ في هذه
الأحوال، ولا يتعلق عليهم حكم التكليف بحال، ولذلك فارقوا السكران.
قال أبو بكر : وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي يخالف أصحابنا في
هذه المسألة، ويذهب إلى أنَّ طلاق السكران لا يقع(١)، وأنه بمنزلة
المجنون، والنائم؛ لأنهم متفقون جميعاً أنه لو شرب دواء، فذهب منه
عقله أو أُغمي عليه منه: أنه لا يقع طلاقه، وكذلك السكران من الشرب.
ولا ينبغي أن يختلف حكمه لأجل كونه عاصياً في شرب ما يوجب
السُّكْر، غيرَ عاصٍ في تناوله الدواء لمصحلة البدن؛ لأنهم لا يفرِّقون بين
من أُكره على شرب الشراب الموجب للسُّكْر، وبين شُرْبِه مختاراً لشربه
من غير إكراه في باب وقوع طلاقه، فعلمنا أنَّ الحظر والإباحة لا تأثير لهما
في ذلك.
مسألة : [طلاق السُّنَّة]
قال: (وطلاق السُّنَّة لمن تحيض، ودخل بها: أن يطلّقها طاهراً من
غير جماع، واحدةَ)(٢).
(١) انظر الهداية مع فتح القدير ٣٨٩/٣، البناية شرح الهداية ٣٩٣/٤.
(٢) ينظر المبسوط ٣/٦، شرح فتح القدير ٤٦٦/٣، البناية ٣٦٩/٤، بداية
=

١٧
كتاب الطلاق
وذلك لقول الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِقُوهُنَّ
لِعِدَّتِرَ﴾(١).
((وطلق ابنُ عمر رضي الله عنهما امرأته وهي حائض، فسأل عمرُ
رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال عليه الصلاة
والسلام: مُرْه فليراجِعْها، ثم لِيُمْسِكْها حتى تطهر من حيضتها هذه، ثم
تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها، فإنها العدة
التي أَمَر الله أن يطلَّق لها النساء))(٢).
وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: ((طاهراً من غير جماع، أو حاملاً قد
استبان حملها)»(٣)، تركتُ ذكر أسانيده خوف الإطالة.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري
قال: حدثنا معلى بن منصور قال: حدثنا شعيب بن رزيق أنَّ عطاء
الخراساني حدثهم عن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر ((أنه طلق امرأته
تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يُتْبعها بتطليقتين أخريَيْن عند القرءَيْن
الباقيَيْن، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن عمر! ما
هكذا أَمَرَك الله، إنك قد أخطأتَ السنَّة، والسُّنَّة أن تستقبل الطهر فتطلق
المجتهد ٦٣/٢، نهاية المحتاج ١/٧- ٦، المغني والشرح الكبير ٢٥٣/٨.
(١) الطلاق: ١.
(٢) صحيح البخاري ١٦٢/٦، صحيح مسلم ١٠٩٣/٢- ح١٤٧١ بمعناه، سنن
الترمذي ٣٤٧٨، سنن أبي داود ٦٣٢/٢.
(٣) انظر مصنف عبد الرزاق ٣٠٢/٧، وقال البيهقي: لم أجد هذه الزيادة في
الروايات المحفوظة، السنن الكبرى ٣٢٥/٧.

١٨
كتاب الطلاق
لكل قرء، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم مراجعتَها، وقال: إذا هي
طَهُرتْ فطلِّق عند ذلك، أو أمسِكْ.
فقلت: يا رسول الله! أرأيتَ لو كنتُ طلقتها ثلاثاً، أكان يَحِلُّلي أن
أراجعها؟ قال: لا، كانت تَبِيْن(١) منك، فتكون معصية))(٢).
وقد انتظم هذا الخبر معاني (٣):
منها: أنَّ الطلاق في الحيض لغير السنة.
وأنه واقعٌ كونه لغير السنة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أمره بمراجعتها،
ولو لم يكن واقعاً، لما احتاج إلى رجعة.
وأن من السنة فيمن طلق للحيض: أن يراجع حتى يبتدىء الطلاق
للسنة.
وأن الرجعة تصح بغير شهادة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أمره
بالرجعة، ولم يأمره بالإشهاد.
وأن من السنة طلاقها في الطهر قبل الجماع؛ لأنه عليه الصلاة
والسلام قال: ((والسنة أن تستقبل الطهر)): يعني في أول الطهر قبل
الجماع.
(١) في (ق): كانت بائناً.
(٢) انظر مجمع الزوائد ٣٣٩/٤، وقال صاحب ((التنقيح)): عطاء الخراساني:
قال ابن حبان: كان صالحاً غير أنه كان سيء الحفظ، كثير الوهم، وقد وثقه الترمذي.
نيل الأوطار ٢٥٦/٦، نصب الراية ٢٢٠/٣.
(٣) انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٢٢٧/٢٠.

١٩
كتاب الطلاق
وأن الثلاث قد تكون للسنة إذا فرَّقها في الأقراء؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((فطلِّق لكل قرء)).
وأن من السنة تفريقها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: ((فطلِّق لكل
قرء)).
وأنه إذا طلق ثلاثاً في طهر واحد: كان طلاقه واقعاً (١)؛ لأنه قال:
((أرأيتَ لو طلَّقتُها ثلاثاً أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت
تبین)).
وأنَّ جَمْع الثلاث معصية؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فتكون
معصیة)).
* ووجه الأمر بالمراجعة: أنه لما أوقع طلاقاً منهياً عنه، والعدة
موجَبَةٌ عنه، أَمَرَه عليه الصلاة والسلام بإبطال العدة بالرجعة، إذ أمكنه
إبطالها، ولم يكن إبطال الطلاق ليبتدىء طلاقاً مسنوناً، فيكون ابتداء
العدة على الوجه المسنون.
* ووجه أَمْرِه عليه الصلاة والسلام بالطلاق في الطهر قبل الجماع،
ليعلم أنه مطلُّقٌ حائلاً دون حامل، وإذا جامعها لا يدري لعلها قد
حملت، فلا يدري ما طلاقها، أطلاق الحامل أم الحائل؟
وأيضاً: فعسى أن لا يريد طلاقها بعد الحبل فتطلّق، ثم يندم إذا علم
بالحَبَل.
(١) اتفق جمهور الفقهاء على أنَّ طلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثاً. المبسوط
٦/٦، شرح فتح القدير ٤٦٨/٣، بداية المجتهد ٦١/٢، الأم ١٨٢/٥، المغني
٢٤٣/٨.

٢٠
كتاب الطلاق
وقد قيل: إنه أُمِر بالتأَنِّي فيه، وتَرْك العجلة؛ لئلا تتبعها نفسه، وإذا
جامعها كان أزهد له فيها، فلا يأمن أن يندم بعد ذلك، فأمر بطلاقها بعد
استبراء أَمْرها، ولذلك أُمِرنا بالواحدة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِى
لَعَلَ اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرً﴾(١).
فصل : [ألفاظ الطلاق الرجعي، وحكمه]
قال أبو جعفر: (وإذا طلقها بأن قال لها: أنت طالق، أو: قد طلَّقْتُك:
فإنه يملك رجعتها، فإن شاء راجعها قبل انقضاء العدة، وإن شاء تركها
حتى تنقضيَ عدتها)(٢).
وذلك لقول الله عز وجل: ﴿يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوَءٍ﴾، ثم قال
تعالى: ﴿وَبُوَهُنَّأَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِ ذَلِكَ﴾(٣) .
وقال تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَنَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْتَشْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾(٤).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُرَ بِعْرُوفٍ أَوْ
سَرِّحُوهُنَّ بِعْرُوفٍ﴾ (٥)، ثم قال جل وعلا: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ
(١) الطلاق: ١.
(٢) انظر شرح فتح القدير ١٥٨/٤، مختصر الطحاوي ص١٩٢.
(٣) البقرة: ٢٢٨.
(٤) البقرة: ٢٣١.
(٥) البقرة: ٢٣١.