Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كتاب النكاح
فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾(١)، فإذا فَرَضَ خمسةَ دراهم، لم
تَستحقَّ بالطلاق قبل الدخول إلا نصفَها بظاهر الكتاب.
قيل له: لم يُختلف في استحقاق نصف المسمى بالطلاق قبل
الدخول، وإنما الخلاف فيما زاد، إذا كانت التسمية أقلّ من عشرة
دراهم، وليس في الآية نفيُه ولا إثباته، فحُكْمُه موقوفٌ على الدلالة، وقد
قامت الدلالةُ على وجوبه، فصارت الآية موجبةً لنصف المسمىُ،
والدلالة موجبة للزيادة إلى تمام خمسة دراهم إذا طَلَّق قبل الدخول.
* فإن احتَجُّوا مِن جهة الآثار بحديث أبي حازم عن سهل بن سعد
((أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله! إني وهبتُ نفسي لك، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ما لي في النساء من حاجة.
فقام رجل فقال: زَوِّجْنِيها يا رسول الله، فقال: ما عندك؟ قال: ما
عندي شيء، قال: أعطها ولو خاتَمَاً مِن حديد، قال: ما عندي، قال: هل
معك شيء من القرآن؟ قال: نعم، قال: فإنا قد زَوَّجْنَاكَها بما معك من
القرآن))(٢).
وبحديث عامر بن ربيعة ((أنَّ رجلاً تزوَّج امرأةً علىُ نَعْلَيْن، فأجاز
النبيُّ صلى الله عليه وسلم النكاح)(٣).
(١) البقرة: ٢٣٧.
(٢) تقدم.
(٣) سنن الترمذي ٤٢٠/٣ (١١١٣)، وقال: حديث حسن صحيح، سنن ابن
ماجه ٦٠٨/١، ونقل الزيلعي في نصب الراية ٢٠٠/٣ عن ابن الجوزي أنَّ فيه عاصم
بن عبيد الله، قال ابن معين: ضعيف، لا يحتج به، وقال ابن حبان: كان فاحش
=

٤٠٢
كتاب النكاح
وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أعطى في صَدَاقٍ
ملءَ هذا(١) بُرَّاً، أو دَقِيقاً، أو سَوِيقاً: اسْتَحَلَّ)(٢).
وبحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس على
امرئٍ جُناحٌ أن يتزوَّج من ماله بقليلٍ أو كثير، إذا أشهد))(٣).
قيل له: أما حديث سهل بن سعد، فإنما أراه تعجيل شيءٍ من المهر؛
لأنه لو كان مرادُهُ ما يَصِحُّ العقدُ عليه، لزوَّجه بمهرٍ في ذِمته.
وقوله: ((زوَّجْنَاكَهَا بما معكَ مِن القرآن)»: معناه: لأَجْلِ ما مَعَكَ من
القرآن؛ لأنَّ ما معه من القرآن لا يكون مهراً.
فإن قيل: إنما أراد: تعليمه إياها يكون مهراً لها.
قيل له: ليس ذاك في الخبر، ولا فيه ما يدل عليه.
الخطأ، فُتُرِك اهـ
ونقل ابن التركماني في الجوهر النقي ٢٣٩/٧ عن أبي حاتم الرازي أنه حديث
منكر.
(١) أي ملء كفه، كما في رواية البيهقي في سننه ٢٣٨/٧.
(٢) سنن أبي داود ٥٨٥/٢ ورجح وقفه على جابر، كما في الدراية ٦٣/٢ قال
المنذري في مختصر سنن أبي داود ٤٧/٣: في إسناده موسى بن مسلم، وهو
ضعيف، وتكلم في سنده أيضاً في غير موسى، كما في نصب الراية ٢٠٠/٣.
(٣) سنن الدار قطني ٢٤٤/٣ لكن من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،
قال الزيلعي في نصب الراية ٢٠٠/٣ نقلاً عن ابن الجوزي: فيه أبو هارون العبدي،
قال حماد بن زيد: كان كذاباً، وقال السعدي: كذاب مفتر اهـ، وأشد من هذا قيل
فيه، كما نقله صاحب الجوهر النقي ٢٤٠/٧، قال ابن حجر في الدراية ٦٣/٢:
إسناده ضعيف.

٤٠٣
كتاب النكاح
وأيضاً: حديث عامر بن ربيعة في إجازة النكاح علىُ نَعْلَيْن، فإن
(تَعْلَيْن)): قد تكونان قيمةَ عشرة أو أكثر، فلا دلالة فيه على قول المخالف.
وأيضاً: فإن فيه إجازة النكاح بهذه التسمية، ونحن نجيزه أيضاً، وليس
في الخبر دلالة على أنّ الزيادة لا تجب إلى تمام العشرة إذا كانت قيمتُه
أقلّ من ذلك.
وأما حديث جابر، فلم يُشِرْ فيه إلى شيءٍ بعينه يُعْرَف مقدارُه، وقد
روي في بعض الأخبار: مِلء كَفٍّ، وإن ثَبَتَ: فمعناه ما وَصَفْنَا.
وأما حديث أبي سعيد: ((ليس على امرئٍ جُنَاح أن يتزوَّج من ماله
بقليل أو كثير)): فإنما هو إجازة النكاح بقليل التسمية، ونحن نجيزه، ولا
دلالة فيه على ما يجب بالعقد وإن كان أقلّ من عشرة.
وأيضاً: فلقد كان النكاح جائزاً بغير مهرٍ إلى أَنْ («نَهَى النبيُّ صلى الله
عليه وسلم عن الشِّغَار))(١).
فيجوز أن يكون جميعُ ما روي في هذه الأخبار - وإن صحَّ - أنَّ المراد
به التزويج على أقل من عشرةٍ في حال جوازه بغير مهر، أو أن يكون
المرادُ استحباب تعجيلٍ شيء مِن قبل الدخول، كما ((أَمَرَ النبيُّ صلى الله
عليه وسلم عليَّاً كرَّمَ الله وجهَه أن يعجِّل لفاطمة عليها السلام دِرْعَه
11 ... (٢)
الحُطَمِيَّةِ (٢).
(١) تقدم.
(٢) سنن النسائي ١٢٩/٦، سنن أبي داود ٥٩٦/٢ وسكت عنه هو، والمنذري
في المختصر ٥٨/٣.
وسميت درعه بالحطمية: نسبة إلى حطمة، بطن من عبد القيس، وكانوا يعملون
=

٤٠٤
كتاب النكاح
مسألة: [جوازالنكاح على غير صَدَاق، ووجوب مهر المثل]
قال: (وإذا تزوَّج امرأةً على غير صَدَاق: فالنكاح جائز، ولها مهرٌ
مثلِها).
لقول الله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ
فَرِيضَةٌ﴾(١).
فحَكَم بصحة الطلاق في نكاح لا مهرَ فيه، والطلاق لا يقعُ إلا في
نكاحٍ صحيح، فدلَّ أنَّ عدمَ التسميةِ لا يمنعُ صحة عقد النكاح.
* ولها مهرُ مثلٍ نسائها؛ لما روى علقمة عن ابن مسعود «أنه أُتِيَ في
امرأةٍ مات عنها زوجها، ولم يكن فَرَضَ لها شيئاً، فقال عبد الله: لها مهرُ
مثلٍ نسائها، فقام مَعْقِلُ بن يسار الأَشْجَعيُّ فقال: قضى رسولُ الله صلى
الله عليه وسلم في تزويج بنتِ وَاشِقِ بمثل ما قَضَيْتَه، ففَرِحَ بذلك ابنُ
مسعود))(٢).
وأيضاً: فإن البُضْعَ لا تجوز استباحتُه بغير مال، فإذا استباحه بغير بدل
مسمىُ: وَجَبَ لها قيمةُ البُضْع، وهو مهر المثل.
الدروع، ويقال: إنها الدرع السابغة التي تحطم السلاح، كما في معالم السنن للخطابي
٥٨/٣.
(١) البقرة: ٢٣٦.
(٢) سنن الترمذي ٤٥٠/٣ وقال: حديث حسن صحيح، سنن النسائي
١٢١/٦، سنن أبي داود ٥٨٨/٢، سنن ابن ماجه ٦٠٩/١، المستدرك للحاكم
١٨٠/٢ ووافقه الذهبي على تصحيحه، وينظر التلخيص الحبير ١٩١/٣.

٤٠٥
كتاب النكاح
* ومهرُ المثل معتَبَرٌ بنسائها من قِبَل أبيها؛ لأنها من قوم الأب
منسوبة إليهم، دون قوم الأم، ألا ترى أنها تَشْرُفُ بشَرَف أبيها دون شَرَفِ
أمها.
* قال : (ويُعتبر بنسائها من أهل بلدها).
لأن ذلك تقويمٌ للبُضْعِ، وتقويمُ الأشياء يقع في الموضعِ الذي يجب
فيه البَدَل، كما في تقويم السلعة المستهلكة(١).
مسألة : [وجوبُ المُتعة للمطلَّقة قبل الدخول ولم يُسَمَّ لها مهر]
(وإذا طلَّقها قبل الدخول، ولم يُسَمِّ لها مهراً: فلها المتعةُ واجبةٌ).
سي (٢)
قال أحمد : لا متعةَ واجبة عند أصحابنا غير هذه، وهي مستحبّة
لكلِّ مطلَّقة غيرها.
ولا خلاف بين الفقهاء(٣) أنَّ المطلَّقة قبل الدخول إذا كان قد سُمَِّ لها
في العقد: أنه لا متعةً لها.
وقال مالك بن أنس(٤): لا متعةَ واجبة بحال، وهي مستحبَّة.
(١) في الأصل: (كثبوت استهلاكه أحل) هكذا، ولم أهتد لتصويبها، وقد أثبت
نص كتاب غاية البيان للإتقاني (مخطوط) لوحة / ٤٢ / آ من الجزء الثاني، وقد نَقَل
عبارة الإتقاني الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق ١٥٤/٢.
(٢) ينظر حاشية ابن عابدين ٣٣٥/٢-٣٣٦. (ط بولاق).
(٣) بداية المجتهد ٢٣/٢ وفيه: أنهم اتفقوا أنَّ لها نصف المهر.
(٤) قال الباجي في المنتقى ٨٨/٤: ((ذهب مالك إلى أنَّ المتعة ليست مما يجبر
عليها المطلِّق، ولا يحكم بها عليه، قال مالك: إنها لحقٌّ على الزوج ولا يُقضى بها
عليه)) اهـ.

٤٠٦
كتاب النِّكَاح
وقال الشافعي(١): هي واجبةٌ لكلِّ مطلّقة(٢)، إلا أن يُسمَّى لها،
وطُلِّقت قبل الدخول.
: فأما الدلالة على وجوب المتعة لمَن طُلَّقت قبل الدخول
والتسمية: فقولُ الله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ
تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتِعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُهُ مَتَعَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى
المُحْسِنِينَ﴾(٣).
فدلَّت الآيةُ على وجوب المتعة لمَن كانت حالُه ما وصفنا من وجهَيْن:
أحدهما: قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: والأمرُ للوجوب حتى تقوم الدلالة على
غيره.
والثاني: قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا آكدُ ما يكون من ألفاظ
الإيجاب.
ألا ترى أنَّ الشهاداتِ لا يُقبل فيها الألفاظ المحتَمِلةُ للمعاني، ولو
شهد شاهدان على رجل بمال فقالا: نشهد أنَّ له حقاً عليه، وهو ألفُ
درهم، كانت الشهادةُ مقبولةً في إثبات المال.
(١) مختصر المزني ص١٨٤، شرح الجلال المحلي (كنز الراغبين) على منهاج
الطالبين للنووي ٢٩٠/٣.
(٢) ويدخل في هذا: المطلقة التي لم يمسها، والتي مسها، والموطوءة، كما في
شرح الجلال المحلي على المنهاج ٢٩٠/٣-٢٩١.
(٣) البقرة: ٢٣٦.

٤٠٧
كتاب النِّكَاح
ويدل عليه أيضاً: قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى
اُلْمُتَّقِينَ﴾(١).
فإن قيل: لمَّا خصَّ المتقين والمحسنين بالذّكر في إيجاب المتعة
عليهم، دلَّ على أنها غيرُ واجبة، وأنها نَدْبٌ؛ لأن الواجبات لا يختلفُ
فيها المتقون والمحسنون وغيرهم (٢).
قيل له: تخصيصُ المحسنين والمتقين: فإنما فيه إيجابُها عليهما،
فنحن نوجِبُها عليهما، ثم إذا وَجَبَتْ على المحسنين والمتقين: وَجَبَتْ على
غيرهم، إذ لم يفرِّق واحدٌ بينهم في وجوبها.
وأيضاً: قولُه: حقًّا على المتقين والمحسنين: يدلّ على الوجوب؛ لأنه
جعل شَرْطَ كونه محسناً أو متَّقياً: إعطاء المتعة، وعليه أن يكون مثَّقياً
مُحسناً.
وهو كقوله تعالى فيما حكى عن مريم عليها السلام: ﴿إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ
مِنكَ إِن كُنْتَ تَّقِيًّا﴾ (٣)، يعني أن المتَّقي هو الذي يقبلُ الاستعاذة بالله تعالى.
وهو كقوله تعالى: ﴿هُدَى لِلْقِينَ﴾(٤)، وهو هدى لغيرهم أيضاً.
(١) البقرة: ٢٤١، فقوله: حقاً: دليل على الوجوب.
(٢) هذا الاعتراض سقط من الأصل، وموجود جوابه فقط، وقد أثبته من أحكام
القرآن للمؤلف ٤٢٩/١ حيث أورد الاعتراض وجوابه.
(٣) مريم: ١٨.
(٤) البقرة: ٢.

٤٠٨
كتاب النِّكَاح
ومن جهة النظر: إنّ البُضْعِ لا يخلو من بدلٍ يجب عنه وإن وَرَدَ
الطلاقُ قبل الدخول.
والدليل عليه: أنه إذا سمَّى لها مهراً، ثم طلَّقها قبل الدخول:
استحقَّتْ نصفَ المسمَّى، فوجب أن لا يخلوَ من أن يسمَّى لها من بدل
تستَحِقَّه عند الطلاق، والمعنى الجامع بينهما: أن كلَّ واحد منهما يتعلَّقَ
حُكْمُه بالطلاق قبل الدخول، فوَجَبَ أن يكونا جميعاً واجبَيْن، وأما إذا
دخل بها، فإنها قد استَحَقّت مهرَ المثل، فلا يجتمع عليه وجوبُ مهرٍ
ومتعة.
والدليل على ذلك: اتفاق الجميع على أنه إذا طلَّقها قبل الدخول،
وقد سمَّى لها مهراً: أنها لا تستحقُّ المتعة على الوجوب؛ لأنها قد
استحقَّت شيئاً من المهر، فكذلك إذا طلَّق.
فإن قيل: عمومُ قوله تعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِ﴾ : يوجِبُ
المتعةَ لسائر المطلَّقات.
قيل له: يخصُّه ما ذَكَرنا من الدلالة.
مسألة : [موت أحد الزوجين قبل الدخول ولم يُسَمَّ المهر]
قال : (وإن مات أحدُهما قبلَ الدخول، ولم يُسَمِّ لها مهراً: فلها مهرُ
مثلِها من نسائها).
وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود ((أنه سئل عن ذلك فقال: أقول
فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان،
واللهُ ورسولُه منه بريئان: لها مثلُ مهر نسائها، وذلك بعد أن ردَّهم شهراً.
فقام ناسٌ من أشجع، منهم معقل بن يسار في بعض الأخبار، وفي

٤٠٩
كتاب النكاح
بعضها: أبو سنان وأبو الجرّاح، فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قضى بذلك في امرأةٍ منهم، يقال لها بِرْوَع بنتُ واشِقِ.
فسُرَّ عبد الله بذلك سروراً شديداً، حين وافق قضاؤه قضاءَ رسول الله
صلى الله عليه وسلم)) (١) رواه جماعة منهم علقمة ومسروق وعبد الله بن
عتبة، والأسود بن يزيد في آخرین.
فإن قال قائل: هؤلاء الأشجعيون الرواة لهذا الخبر قومٌ مجهولون، لا
تثبتُ بمثلهم حُجةً في إثبات الأحكام.
قيل له: كونهم مجهولين عندكَ لا يُوجبُ ردَّ خبرهم؛ لأن أخبار
الآحاد مقبولةٌ عندنا جميعاً وإنْ وَرَدَتْ من جهة الأفراد الذين لم يَرْوُوا
خبراً غيرَه، ولا سيَّما صحابةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأصل فيهم
الصحة والعدالة حتى يثبُتَ غيرُها.
ومع ذلك فإنا لا نعرف عدالةَ مَن لم نشاهده إلا بتَحَمُّل الثقات
عنه(٢)، وقد قَبلَ عبد الله خبرَ هؤلاء وسُرَّ به، إذ وافقَ قضاؤُه قضاءَ رسول
الله صلی الله عليه وسلم.
وقد قَبِلَ مخالِفُنا من أخبار الأفراد(٣) ما يكثُرُ ذِكره وتَعداده.
منها: ما روي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ الله كَتَبَ عليكم
(١) تقدم.
(٢) ينظر قواعد في علوم الحديث للتهانوي، بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة
ص ١٣٠ - ١٣١.
(٣) ((التفرد يكون لما انفرد به الراوي إسناداً أو متنا، ويكون لما تفرد به عن
شيخ معين))، كما في الموعظة للذهبي ص٤٣.

٤١٠
كتاب النِّكَاح
السعيَ فاسْعَوا))(١)، وهو مما رَوَتْه امرأةٌ لم تَرْوِ غيرَه.
وخبر: ((الرُّطَب بالتَّمْر))(٢). رواه أبو عيَّاش، ولا يُدرى مَن هو؟
وخبر: ((إفرَاد الإقامة))(٣) يرويه أبو جعفر مؤذِّنُ مسجدِ العُرْيَان عن أبي
المثنَّى، وهما جميعاً مجهولان.
في أخبارِ من نحو ذلك، قد قَبِلَها عن رواةٍ مجهولِين من التابعين
وغيرِهم، فكيف يرد خبر صحابيَّيْن قد شَهدًا عند عبد الله على النبي صلى
الله عليه وسلم فأقنعه خبرُهم؟
(١) رواه الإمام الشافعي في الأم ٢١٠/٢-٢١١ عن عبد الله بن المؤمل ... عن
صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تَجْرَاة، وفيه عبد الله بن المؤمل، وفيه ضعف،
كما قال ابن حجر في الفتح ٤٩٨/٣ ثم قال: له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة
٢٣٢/٤ مختصرة، وعند الطبراني عن ابن عباس كالأولى، وإذا انضمت إلى الأولى
قويت. انتهى، ورواه أحمد في المسند ٤٢١/٦-٤٢٢، وقد ذكر الهيثمي في مجمع
الزوائد ٢٤٧/٣ روايات الطبراني وبيَّن أنَّ في كل منها ضعفاً، ونقل المناوي في فيض
القدير ٢٤٩/٢ عن الذهبي تصحيح الحديث من طريق آخر ذكر عن نسوة من بني عبد
الدار.
وتوسع في الكلام عن الحديث ابن حجر في الإصابة ٢٦٩/٤ في ترجمة حبيبة
بنت أبي تَجْراة.
(٢) تقدم.
(٣) الطريق التي ذكرها المؤلف للحديث أخرجها أبو داود في سننه ٣٥٠/١،
قال المنذري في المختصر ٢٨٠/١: حديث حسن، النسائي ٢٠/٢.
وهو في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه، صحيح البخاري ٨٢/٢،
صحيح مسلم ٢٨٦/١.

٤١١
كتاب النِّكَاح
* ودليلٌ آخرُ من طريق النَّظَر: وهو أن مهر المثل لمَّا كان واجباً
بالعقد، وَجَبَ أن يؤكِّده الموتُ، كالمسمَّىُ لمَّا وَجَبَ بالعقد، أكَّده
الموتُ، ولم يُسقط منه شيئاً.
والدلالة على أن مهر المثل يُستحقُّ بالعقد من وجوه:
أحدها: أنَّ الزوج قد مَلَكَ البُضْعِ بالعقد لا محالة، وغير جائزِ
استباحةُ البضع بغير بدل، فإذاً قد مَلَكَ عليه البدل من مِلكٍ، هو المبدَل
عنه.
وجهةٌ أخرى: وهي أنهما لو ارتفعا إلى القاضي، لحَكَمَ لها بمهر
المثل قبل الدخول، ولولا أنها قد استحقّته، ما حَكَمَ لها به، لأن القاضي
لا یبتدئ إثبات شيءٍ لم یستَحِق إثباته قبل حکمه.
وأيضاً: فإن لها أن تمنعه نفسها حتى تستوفي مهر المثل، فلولا أنها قد
استحقّته، لَمَا كان لها مَنْع نفسها به.
وأيضاً: لو دخل بها لاستحقَّتْه استحقاقاً صحيحاً، فمعلومٌ أن الدخول
تصرُّفٌ في بُضْعِ مُلِك استباحةً قبل ذلك، وتصرُّفُ الإنسان فيما يملكه لا
يوجب عليه البدل.
ألا ترى أن قَبْضَ المشتري للمبيع، وتصرُّفَه فیه لا یوجب عليه بدلاً؛
لأنه تصرَّفَ في ملكه، وكذلك الدخول لا يوجب المهر في العقد
الصحيح، فدلَّ على أنها قد كانت استَحَقَّت المهرَ بالعقد، لا بالدخول.
وإذا ثبت ذلك: لم يختلف حُكْمُهُ وحُكْمُ المسمَّى في باب استحقاقِهما
جميعاً بالموت، والمعنى الجامع بينهما: أنّ كلّ واحدٍ منهما مستَحَقٌّ
بالعقد، فالموت فيهما بمنزلة الدخول.
فإن قال قائل: لو كان كذلك، لوَجَبَ أن لا يسقط مهرُ المثل بالطلاق

٤١٢
كتاب النِّكَاح
قبل الدخول، وكان يجب أن يكون لها نصف مهر المثل، كما يكون لها
نصف المسمَّى بالطلاق قبل الدخول، فلمَّا كان ورود الطلاق قبل الدخول
يُسْقِطُ جميعَ مهر المثل، ولم يَسقط جميعُ المسمَّىُ، دلَّ ذلك على أنهما
مختلفان في تعلّق وجوبِهما بالعقد.
قيل له: لا فرق بينهما في باب سقوطهما بالطلاق قبل الدخول،
وذلك لأن الطلاقَ قبل الدخول يُسقط جميعَ المهر، مسمَّى كانَ الواجبُ
أو مهرَ المثل؛ لأن الطلاق قبل الدخول بمنزلة هلاكِ المبيع قَبْل القبض في
إسقاط الثَّمن.
وإنما تجب المتعة إذا لم يكن مسمَّى حقَّاً مبتَدَأ، وإذا كان هناك
مسمَّى: سَقَطَ جميعُ المهر، ونصفُ المهر هو متعتها على وجه الابتداء،
فَأمَّا ما وَجَبَ بالعقد، فقد سَقَطَ في الحالَيْن، ثم تكون زيادة متعتها مقدَّرةً
بنصف المهر، وتارةً غير مقدَّرة، والكلامُ في جهة اختلافهما ليس هو
كلاماً في أصل المسألة، وإنما هو كلامٌ في كيفية المتعة في الحالَيْن.
وقد روي هذا المعنى عن إبراهيم(١) أنه قال في الذي طلَّق قبل
الدخول، وقد سمَّى لها: أنَّ لها نصفَ المهر، وذلك متعتها.
ويدل من جهة النَّظَر أيضاً: أنَّ الموت بمنزلة الدخول في باب إيجاب
العِدَّة، فوَجَبَ أن يكون کالدخول في استحقاق كمال المهر، کالمسمَّى لها
صار الموتُ فيه بمنزلة الدخول، لأجل ما وَجَبَ من العِدَّة، فكان كذلك
في استحقاق کمال المهر.
(١) النخعي، وفي مصنف عبد الرزاق ٦٩/٧ أنَّ لها النصف، ولا متعة لها، أما
باللفظ الذي ذكره المصنف فلم أهتد إليه.

٤١٣
کتاب النكاح
مسألة : [المتعة للمطلَّقة قبل الدخول وقد فَرَضَ لها القاضي مهراً]
قال: (فإن تزوَّجها على غير مهر، ففَرَضَ لها القاضي مهرَ المثل، أو
تراضَيَا به، ثم طلَّقها قبل الدخول: فلها المتعة، وبَطَلَ ما فُرِضَ لها).
وذلك لأن هذه التسميةَ لم تكن موجودةً في العقد، فكانت بمنزلة مهرٍ
المثل، لمَّا لم يكن مسمَّى في العقد، أسقطه ورودُ الطلاق قبل الدخول،
كذلك ما سُمِّي بعد العقد.
وأيضاً: فإن المفروض بعد العقد هو تقديرٌ لمهر المثل، لا على معنى
البَدَل عنه، بل كأنه هو، ألا ترى أنه لو فَرَضَ لها داراً: لم يجب للشفيع
فيها الشفعة، ولم تكن بمنزلة ما أُخِذَ بدلاً عن مهر المثل، فكان المسمَّى
هو نفس مهر المثل، فلذلك سَقَطَ بالطلاق قبل الدخول.
وأيضاً: فإنْ فَرَضَ القاضي أو تَرَاضَيًا عليه: ليس هو ابتداء إيجابٍ، بل
هو الذي كان واجباً بالعقد من غير تسمية.
وأيضاً: فإن هذه التسمية مُلْحَقَةٌ بالعقد، وقد بَطَلَ العقد، فيبطل ما
أُلْحِقَ به.
مسألة : [مقدارُ المتعة]
قال: (وأدنى المتعة دِرْعٌ (١)، وخِمَار، ومِلْحَفَةٌ إلا أن يكون صداقُ
مثلِ المرأة أقلّ من عشرة دراهم، فيكون لها خمسةُ دراهم).
قال أحمد : أما تقديرُ المتعة فموكولٌ إلى اجتهادنا، وقَدْرُها ثلاثة
(١) درع المرأة: قميصها، كما في مختار الصحاح (درع)، والملحفة: هي
الملاءة التي تلتحف بها المرأة، كما في المصباح المنير (لحف).

٤١٤
كتاب النِّكَاح
أثواب؛ لأنها أقلُّ ما يستُرُها بين الناس.
فأما قوله: ((فإن كانَ صداقُ مثلِها أقلّ من عشرة دراهم، فيكون لها
خمسة دراهم)): فإن الأصل عندهم في ذلك أنَّ المتعة، إن كانت أكثرَ مِن
نصف مهر المثل: لم يُزَدْ على نصف مهر مثلها؛ لأن مهرَ المثل ليس بآكد
في الوجوب من المسمَّى، فإذا لم تستحق في المسمَّى أكثرَ من نصفه إذا
وَرَدَ الطلاق قبل الدخول على مهر المثل، أَحْرَى أن لا تستحق أكثرَ من
نصفه.
فإذا كان مهرُ مثلها أقلّ من عشرة دراهم: أُكْمِلَ لها خمسةُ دراهم؛
لأن العشرة مستَحَقّة بالعقد لا محالة، إذ غيرُ جائزِ استباحة البُضْعِ بأقلّ
منها، فلا يُنْقَصُ قبل الدخول من نصفها.
مسألة : [اختلافُ الزوجَيْن في قَدْرِ الصداق والنكاحُ قائم بينهما]
قال: (وإذا اختلَفَ الزوجان في الصَّدَاق، والنكاحُ قائمٌ بينهما، فإن
أبا حنيفة ومحمداً قالا: القولُ قولُ المرأة إلى مهرٍ مثلِها، والقولُ قولُ
الزوج فيما زاد.
وقال أبو يوسف: القولُ قولُ الزوج في المهر، طَلَّق أو لم يُطَلِّق، إلا
أَنْ يأتِيَ بشيءٍ مُستنكَرٍ، فلا يُصَدَّق).
لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما غير مصدَّق على صاحبه، ألا ترى المتبايعَيْن إذا
اختلفا في الثمن، كان اختلافهما فيه مانعاً من صحة تسمية الثمن، ولذلك
وَجَبَ فسخ البيع إذا تحالفا، فكذلك اختلافهما في المهر، إلا أنَّ عقد
النكاحٍ إذا لم تكن فيه تسميةٌ صحيحة، أَوْجَبَ مهرَ المثل، فالظاهر أنها قد
استَحَقّت مهرَ المثل بالعقد، فالقولُ قولُ مَن يدَّعِيه، لأن الظاهر معه،
والآخرُ مدَّعٍ بخلاف الظاهر.

٤١٥
كتاب النكاح
وأيضاً: لمَّا لم تُصَدَّق المرأةُ على الزيادة، كذلك لا يُصَدَّق الزوج
على أن يَستحِقَّ بُضْعَها بما يقول من النُّقْصان؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما ليس
بأَوْلى بالتصديق من صاحبه، فإذا لم يُصدَّق واحدٌ منهما: أَوْجَبْنا مهرَ
المثل، كأنه لم يُسَمِّ شيئاً.
وليس هذا بمنزلة اختلافهما في الجُعْل الذي وقع عليه الخلع، ولا
كالعتق على مال، والصلحِ من دم العمد على مالٍ إذا اختلفا فيه، فيكون
القول قولَ مَن لزمه المال عندهم جميعاً؛ لأن هذه العقود إذا عَرِيَت من
التسمية: لم يجب بها شيء، وعقدُ النكاح إذا خلا من التسمية أوجب مهر
المثل.
فإن قال قائل: فهلاً كان اختلافُهما في المهر بعد صحة العقد،
كاختلافِ البَيِّع والمشتري في الثمن بعد هلاك السلعة، وذلك لأنه لا
يَلحقُه الفسخ بالاختلاف، كما لا يلحق الهالك.
قيل له: البُضْعُ بمنزلة السلعة القائمة، لا المستَهَلَكة، والدليل على
ذلك: أن لها أن تمنع نفسَها بالمهر، كما يمنعُ البَيِّعُ السلعةَ لاستيفاء
الثمن.
وأيضاً: فإن البُضْع بحيث يجوز أن يُؤخذَ عنه بدل في ردِّه إلىُ مِلْكها
في الخلع، فكان بمنزلة السلعة القائمة التي يجوز أخذ البدل عنها، فلذلك
کان الأمر فيه على ما وصفنا.
* وجَعَلَه أبو يوسف بمنزلة اختلاف البيِّع والمشتري في الثمن بعد
هلاك السلعة، فكان القولُ قولَ المشتري في الثمن، كذلك في النكاح.
وقد روى هشامٌ عن أبي يوسف أن المشتري لا يُصدَّق أيضاً بعد هلاك
المبيع على شيءٍ مُستَنكَرٍ من الثمن، كما قال في النكاح.

٤١٦
كتاب النكاح
فصل : [اختلاف الزوجين في قَدْر المهر وقد طلقها قبل الدخول]
قال: (وإن طلَّقها قبل الدخول، فالقول قول الزوج في نصف المهر
في قولهم جميعاً).
وذلك لأن مهر المثل لا يثبت مع الطلاق قبل الدخول، فسقط
اعتبارُه، وصارت المرأةُ مدَّعيةً للفضل، فالقول قول الزوج فيه كالخلع
والعتق على مال.
ولمَّا لم يكن هناك مالٌ واجب في الظاهر بالعقد، كان القولُ قولَ مَن
لزمه المال، وكُلِّفَ الآخرُ البِّنةَ على الفضل، إذ ليس هناك ظاهرٌ يُرجَعُ
إليه، فحَصَلا مدَّعياً ومدَّعيةً عليه.
* قال: (والقول قول المرأة إلى متعة مثلها في هذا الحال، ولا
يُصدّق عنها).
لأنها في الظاهر مُستَحِقّة بهذا العقد بالطلاق قبل الدخول(١)، كما
تَستَحِقُّ مهرَ المثل قبل الطلاق.
مسألة : [دخول الزوج بامرأته لا يكون إقراراً منها بقبض الصداق]
قال: (ولا يكون دخول الزوج بامرأته إقراراً منها بقبض الصَّداق).
وذلك لأن المهر قد ثبت في ذمة الزوج، ولا يبرأ منه، أو تقومُ البينةُ
على وقوع الاستيفاء والبراءة، والدليل على ذلك: أنَّ قبض المشتري
للسلعة لا يكون إقراراً من البيِّع بقبض الثمن.
(١) أي أنَّ المرأة مستحقة لمتعة المثل بعقد الزواج الذي حصل بعده طلاق قبل
الدخول.

٤١٧
كتاب النكاح
مسألة : [ادعاء ورثة المرأة الصَّداقَ وقد مات الزوجان]
قال: (وإذا مات الزوجان ثم ادَّعىُ ورثةُ المرأة الصَّداقَ، فإن أبا حنيفة
لا يقضي بالمهر).
قال أحمد : المسألة مبنيةٌ على أن الأمر قد تقادم، حتى لم يبق من
نسائها مَن يُعتبر به مهر مثلها، وكذلك كان يقول شيخُنا أبو الحسن
الکرخي رحمه الله.
وإذا كان كذلك، واحتَجنا إلى القضاء بمهر المثل، ولا سبيل إلى
القضاء إلا من جهة نسائها، واعتبارِ مهورهنَّ، فإذا لم يكن هناك منهن مَن
يُعتبر ذلك به: لم يُمكن القضاء به، فلم يَقضِ بشيء.
فإن قال قائل: هلَّ حَكمْتَ بعشرة دراهم، إذ هي متيقُنَة، لأن عقد
النكاح لا يخلو من إيجاب عشرة وإن خلا من التسمية.
قيل له: لا يجوز ذلك، وذلك لأن العشرة يختلف حكمها في ثبوتها
من مهر المثل أو المسمَّىُ، ولا يجوز أن يُحكَم بها، أو يُعلَمَ من جهتها
التي منها یثبت.
وأما إذا كان أحدُ الزوجَيْن باقياً، فقد عَلِمنا أن الأمر لم يتقادَم، وأنه
قد بقي من النساء مَن يُعتبر به مهرها.
* وأما أبو يوسف ومحمد، فيوجبان لورثتها المهر وإن ماتا جميعاً،
وذلك لأنّا قد تيقَنَّا وجوب المهر، فيُحكَمُ لورثتها بالمقدار المتيقّن.
مسألة :
قال : (ومَن تزوَّج امرأةً على أقلّ من عشرة دراهم: فلها عشرة
دراهم).

٤١٨
كتاب النِّكَاح
وذلك لأن العشرة لا يتبعَّضُ ثبوتها في العقد، فتسميتُه لبعضها تسميةٌ
لجميعها، كسائر الأشياء التي لا تتبعَّض، مثل الطَّلاق، والعفو من دم
العمد، ونحوهما، إذا وَقَعَ بعضُه وقع جمیعُه.
قال أحمد : وقال زفر: لها مهر المثل، وجعل تسميةَ ما دون العشرة،
كَلاَ تسمية؛ لأنَّ مثلَه لا يكون مهراً، فصار كتسمية الخمر والخنزير.
والانفصال لأبي حنيفة عن ذلك مِن وجهين:
أحدُهما: أنَّ ما دون العشرة مما يصح أن يكون مهراً مع غيره(١)،
والخمر والخنزير لا يكونا مهراً للمسلمة بحال.
د
والوجه الآخر: أنَّ تسميته لبعضها تسميةٌ لجميعها، ولا فَرْقَ بين
تسمية الخمسة والعشرة، كما لا فَرْقَ بين إيقاع نصف تطليقة، وإيقاع
تطليقة كاملة.
مسألة :
قال : (والذي بيده عُقْدَةُ النكاح هو الزوج).
قال أحمد : وروي عن عليٍّ وابن عباس وشريح ومجاهد في
آخَرِينَ(٢)، أنَّ الذي بيده عُقْدَةُ النكاح هو الزوج.
وقال بعضهم: هو وليُّ البكر الذي يَمْلِك تزويجَها، وهو قول مالك(٣).
(١) هكذا العبارة في الأصل.
(٢) جامع البيان للطبري ٥٤٤/٢، سنن البيهقي ٢٥١/٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢٠٧/٣، حاشية الدسوقي على الشرح
الكبير ٣٢٧/٢.

٤١٩
كتاب النكاح
والحجة للقول الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا
عَلَيْهَا﴾(١)، وذلك يمنع جواز إبرائه لِمَالِها.
وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ
تَكُونَ تِحَرَةً عَن تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ (٢)، فلا تجوز هبتُه لمهرها إلا برضاها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحِلُّ مالُ امرئٍ مسلم إلا بطيبة
من نفسه))(٣).
واتفق الجميع (٤) على أنَّ هبة الولي غيرُ جائزة، كسائر مالها، فكذلك
المهر.
وإذا صحَّ ذلك، وَجَبَ أن يكون معنى الآية، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ
يَعْفُواْالَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ اُلِنِّكَاحِ﴾(٥)، محمولاً على موافقة الأصول.
ولأن أقلَّ أحوال هذا اللفظ أن يكون مُتشابهاً (٦)، وحُكمُ المتشابه أَن
(١) الأنعام: ١٦٤.
(٢) النساء: ٢٩.
'۔۔۔
(٣) تقدم.
(٤) جامع البيان للطبري ٥٤٩/٢.
(٥) البقرة: ٢٣٧.
(٦) المتشابه: اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه في الدنيا، لمن اشتبه فيه
عليه، كما في أصول السرخسي ١٦٩/١، فتح الغفار ١١٦/١.

٤٢٠
كتاب النكاح
يُرَدَّ إلى المُحكَمِ (١)، ويُحمَلَ على معناه.
قال الله تعالى: ﴿مِنْهُ ءَايَتُ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾(٢)،
فجعل المحكمَ أُمَّاً للمتشابه، من حيث أوجب ردَّ إليه، وحَمْلَه عليه،
لأنَّ أُمَّ الشيء ما منه ابتداؤُهُ، وإلیه مَرجعُه.
وعلى أنَّ في لفظ الآية ما يدلُّ على أن المراد به الزوج؛ لأنه قال:
﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾(٣)، والوليَّ لا يستحق بعفوه عن مال الغير
فضيلةً ولا ثواباً.
قال: ﴿وَلَا تَنسَوْ اُلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾(٤)، ولا يكون الوليّ متفضِّلاً بهبة
مالها.
وأيضاً: فإن الوليّ ليس بيده عقدة النكاح، ولا كانت بيده أيضاً فيما
سَلَف، وذلك لأن قول القائل: بيد فلانٍ كذا، يقتضي أن يكون واقعاً
حاصلاً في يده، وهذه صفةُ الزوج دون الولي.
فإن قيل: فالزوج ليس بيده عقدة النكاح بعد الطلاق.
قيل له: قد كان بيده، فيجوز أن يكون المراد: الذي كان بيده، ولو
حَمَلناه على الولي، لم يصحَّ بحال؛ لأنه ليست العقدة في يده، ولا كانت
(١) المحكم: ما أُحكم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل، كما في أصول
السرخسي ١/ ١٦٥، فتح الغفار ١١٣/١.
(٢) آل عمران: ٧.
(٣) البقرة: ٢٣٧.
(٤) البقرة: ٢٣٧.