Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب النِّكَاح
به حُكم الزیت إذا مات فيه عصفور.
وأنه لَمَّا ((حَكَمَ في ماعِزِ بالرَّجْم حين زَنَى وهو مُحْصَن))(١)، كان ذلك
حُكْماً لازماً في غيره إذا وُجِدَ فيه مثل ذلك.
وأيضاً: فلمَّا ثبت لها (٢) إِذْ أُعْتِقَتْ، وزَوْجُها عَبْد، كذلك حُكْمُها إذا
كان زوجُها حراً، والعلَّة الجامعة بينهما، أنها أُعْتِقَتْ وهي تحت زوج.
فإن قيل: المعنى في العبد أنه غير كفؤ.
قيل له: لا يعارِضُ ذلك اعتلالَنا؛ لأنك تصيِّه لإيجاب الخيار،
وكذلك اعتلالنا، فكيف يتعارضان وهما يوجبان حُكْماً واحداً؟ لأن
اعتلالنا أعمُّ في إیجاب الحکم، ولم یَرِدْ علیه ما يعارضه.
وعلى أن مَن اعتبر الكفاءة، فإنما يعتبرها في حال العقد، فلا اعتبار
بزوال الكفاءة بعد العقد.
وأيضاً: روي (أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لبَرِيرَة حين أُعْتِقَت:
مَلَكْتِ بُضْعَكِ، فاختاري))(٣).
فجَعَلَ العلة الموجبة لخيارها أنها مَلَكَتْ بُضْعَها، وهي موجودة في
حال كون زوجها حراً، وكلُّ علةٍ عارضوا بها هذه العلّة فهي ساقطة،
وعلَُّنَا أَوْلى؛ لأنها منصوص عليها، واعتلالُهم مستَنْبَط، ولا يعارَضُ
(١) صحيح البخاري ١٣٥/١٢.
(٢) أي الخيار.
(٣) سنن الدارقطني ٢٩٠/٣، طبقات ابن سعد ٢٥٩/٨ قال ابن حجر في
الدراية ٦٤/٢ عن طريق ابن سعد: إنه من مرسل الشعبي، وأن الدارقطني وصله،
ومثله في التلخيص الحبير ١٧٧/٣ .

٣٨٢
كتاب النَّكَاح
النصُّ بالاستنباط.
وأيضاً: إنها لمَّا لم تملِكْ بَدَلَ بُضْعِها بعقد النكاح، وَجَبَ أن يكون
لها الخيار، كهي إذا كان زوجها عبداً، ألا ترى أنَّ العقد لما أوجب للمرأة
الوطء مِن جهة الزوج إذا كان مجبوباً، وكان الوطء مِن قِبَله معدوماً، أنَّ
لها الخیار، كذلك إذا عدمت ملك المھر بالعقد.
فإن قيل: فالمكاتَبَة قد مَلَكَتْ بُضْعَها بالعقد إذا تزوَّجَتْ بإذن المولىُ،
فينبغي أن لا يكون لها خيار في فسخ النكاح بعد العتق.
قيل له: إنما علَّلْنَا المسألةَ بأنها لم تَمْلِك بدلَ بُضْعِها، فلم تلزم عِلَّتها
مَن مَلَكَتْ بُضْعَها، إذ لا يمتنع أن يتَّفِقَ الحُكْمُ مع اختلاف العلْتَيْن.
وأيضاً: فإن المكاتبَة لم تملِكْ بَدَلَ بُضْعِها بعقد النكاح، وإنما مَلَكَتْه
بمعنى آخر، وهو عقدُ الكتابة، فعِلَّة إيجاب الخيار موجودة.
فإن قيل: روى القاسم عن عائشة قالت: ((كان عندي غلامٌ وجاريةٌ
زَوْجٌ، فأردتُ أن أُعْتِقَهما، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ابْدَئِي بالرَّجُلِ
قبل المرأة))(١).
وهذا يدل على أنه إنما أَمَرَها بأن تبدأ بالرَّجُل؛ لأنه لو بدأت بها،
لوجَبَ لها الخيار إذا كان زوجُها عبداً، وإذا بدأت به: لم يكن له الخيار؛
(١) سنن النسائي ١٦١/٦، سنن الدارقطني ٢٨٨/٣، المستدرك للحاكم
٢٠٦/٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي في
التلخيص فقال: عبيد الله هذا اختلف في توثيقه، ولم يخرجاه، اهـ. وقال ابن حزم في
المحلى ١٥٥/١٠: خبر لا يصح، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن)
ص٢٩٤ (١٢١٠).

٣٨٣
كتاب النكاح
لأنه حُرٌّ، إذْ لو لم يثبت هذا المعنى، لَمَا كان في أمره بالابتداء بالرَّجُل
فائدة.
قيل له: وأيُّ غرضٍ للنبي صلى الله عليه وسلم في التوصُّلِ إلى إسقاط
خيارها، حتى يُحمل معنى الخبر عليه.
وعلى أنه لو كان المقصد فيه ما قلتَ، لقال لها: أَعْتِقِيهما معاً، وكان
لا يجب لها الخيار على قولك.
فإن قيل: فما الفائدة؟
قيل له: يحتمل أن يكون أراد أنَّ فضيلةَ الرَّجُلِ في الابتداء على
المرأة، اقتداءً بقول الله تعالى: ﴿وَلِلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾(١).
مسألة : [حقُّ المكاتَبَة في فسخ نكاحها إذا أُعتقت]
قال : (وإذا أُعْتِقَت المكاتَبَة، وقد كان مولاها زوَّجَها بأمرها في حال
كتابتها: فإنَّ لها الخيار في ذلك، كخيار الأمة سواء).
وذلك لما بيَّنَا من أنها مَلَكَتْ بُضْعَها بالعتق.
وإن شئتَ قلتَ: لأنَّ بَدَلَ البُضْعِ لم يحصل لها بعقد النكاح، وإنما
حَصَلَ لها بغيره، فكانت كالأمة غير المكاتَبَة.
(١) البقرة: ٢٢٨.

٣٨٤
كتاب النكاح
باب أَجَلِ العِنِّيْن
مسألة : [أجل العِنِّين]
قال: (وإذا ادَّعت المرأةُ أنها لا يَصِلُ إليها، وصدَّقها الرَّجل بذلك،
وطَلَبَت الواجبَ لها فيه: فإنه يؤجَّل حولاً، فإن وَصَلَ إليها، كانت زوجتُه
على حالها، وإن لم يَصِلْ إليها: خُيِّرت بين المُقَام معه، وبين فِرَاقه).
قال أحمد : رُوي تأجيل العِنِين سنةً عن علي، وعمر، والمغيرة بن
شعبة، وعامَّة التابعين(١)، وذلك من يوم رَافَعَتْه.
ويروى عن الحارث بن أبي ربيعة عشرة أشهر (٢)، وروي نحوه عن
إبراهيم النخعي (٣) ولا نعلم خلافاً(٤) عن السلف في تأجيل العنِّين، وأن
عَجْزَه عن الوطء في المدة، يوجب للمرأة الخيار في فِراقه.
وإنما اختلفوا في مقدار مدَّة التأجيل على ما بيًّا.
فإن قال قائل: روى الزهري عن عروة عن عائشة قالت: ((جاءت امرأةٌ
(١) مصنف عبد الرزاق ٢٥٣/٦، مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٦/٤، سنن البيهقي
٢٢٦/٧، نصب الراية ٢٥٤/٣.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٦/٤.
(٣) لكن في مصنف عبد الرزاق ٢٥٤/٦ عن إبراهيم أنه يؤجل سنة ومثله في
البيهقي ٢٢٦/٧.
(٤) المغني لابن قدامة ٦٠٣/٧.

٣٨٥
كتاب النكاح
رِفَاعة القُرَظِي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله!
كنتُ عند رِفاعة القُرَظي، فتزوَّجْتُ عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل
هُدْبَةَ الثَّوْبَ(١)، فتبسَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقال: تَرْتَدِّين إلى
رفاعة؟ لا حتى تذوقِي من عُسَيْلَته، ويذوقَ من عُسَيْلَتِك))(٢).
ورواه مالك عن المِسْور بن رِفَاعة عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير
أنَّ رفاعةَ بنَ سَمَوْءَل طلَّقَ امرأته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثلاثاً، فنَكَحَها عبدُ الرحمن بن الزبير، فاعترَضَ عنها، فلم يستَطِعْ أن
يَغْشَاها، ففارَقَها، فأراد رفاعةٍ أن يَنْكِحَها، وهو زوجُها الأول، فقال النبيُّ
صلى الله عليه وسلم: ((لا يَحِلُّ لكِ حتى تذوقِي العُسَيْلَةِ))(٣).
ولم يؤجِّل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بنَ الزبير، ولو كان
ذلك حُكْمَاً لأَخْبَرَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بما لها من الحق في
تأجيله، وإثبات الخيار لها عن عَجْزِه عن الوصول إليها.
قيل له: أمَّا حديث مالك هذا، ففيه أنه فارَقَها.
وهذا الحديث في سنن ابن قانع، وقد روى لنا أنه كان وَصَلَ إليها
مرة.
حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يحيى بن محمد البَخْتَرِي قال:
(١) أي طرف الثوب الذي لم يُنسَج، مأخوذ من: هدب العين، وهو شعر
الجفن، وأرادت أن ذَكَره يشبه الهدبة في الاسترخاء، وعدم الانتشار، كما في فتح
الباري ٤٦٥/٩.
(٢) صحيح البخاري ٢٤٩/٥، صحيح مسلم ١٠٥٥/٢.
(٣) موطأ مالك ٥٣١/٢.

٣٨٦
كتاب النكاح
حدثنا هُدْبَة بن خالد قال: حدثنا وهب عن هشام عن عروة عن أبيه عن
عائشة ((أنَّ امرأة رِفَاعة جاءتْ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذَكَرَ
الحديث إلى قوله: فلا تَحِلِّيْنَ له حتى يذوقَ من عُسَيْلَتِك، وتذوقي من
عُسَيْلَتِهِ، فقالتْ: يا رسول الله! قد جاء هَنَةً(١) واحدة.
قال هشام: مرةً واحدة))(٢).
ففي هذا الحديث أنه قد كان وَصَلَ إليها مرةً واحدة، وكذلك قولنا
فيمَن وَصَلَ إلى امرأته مرةً واحدة، ثم عَجَز عن وطئها: أنه لا خيار لها.
قال أحمد : وإنما لم تُخَيَّرِ المرأةُ في بَدْءِ ما تَصادَقَا أنه لم يَصِلْ إليها،
مِن قِبَل أنه قد يَعْجز عن الوصول إليها لعلَّة عارِضَة، لا لعَيْبِ في العُضْو،
وهذا المعنىُ لا يَعْلَمُه من نفسه، وإنما يَعْلَمُه باستبراء حالِه في فُصُول
السَّنَةِ الأربعة، فإن كان لعلَّة عَارِضة، فتُسْتَرْجَعُ في بعض مُدَّةِ الفُصُول، أو
تَخِفٌّ، وإن كان عيباً في العُضْو لم ترتَفِع، فلذلك احتَجْنَا فيه إلى التأجيل
لاستبراء حاله على الوصف الذي ذَکَرْنَا.
ولا معنى لاعتبار العشرة الأشهر؛ لأن المعنى إذا كان في التأجيل ما
وَصَفْنَا، لم يتبيَّن حالُه إلا بمضيِّ فصول السَّنَة.
وأيضاً: فإنا لم نَجِدِ العشرة الأشهر يتعلَّقُ فيها حُكْمٌ في الأُصول، وقد
يتعلَّق بالحَوْل مثل الزكاة واللَّقَطَة.
(١) ((بفتح الهاء، وتخفيف النون، قال ابن التين: معناه: لم يطأني إلا مرة
واحدة)) كما في فتح الباري ٣٧٣/٩ وحكى ابن حجر رواية أخرى فيها أنها بالباء
المشددة، والمعنى واحد.
(٢) صحيح البخاري ٩/ ٣٧١.

٣٨٧
كتاب النكاح
فصل : [خيار زوجةِ العِنِّين بالرضا أو الفراق]
قال أبو جعفر : (فإن اختارَتِ المُقَام معه: كانت زوجتُه على حالها،
ولم يكُنْ لها خيارٌ بعدَ ذلك، وإن اختارت فِرَاقَه: فُرِّقَ بينهما، وكانت
تطليقةً بائنة).
وذلك أنَّ عَجْزَه عن الوصول إليها في المُدَّة، بمنزلة عيبٍ يَجِدُه
المشتري بالمَبيع، فيكون له الخيار في فَسْخ البيع فیهِ، فإن رضي به: لم
يكن له بعد ذلك الردُّ، كذلك المرأة إذا اختارت المُقَامَ معه، ورَضِيَتْ به:
لم يكن لها بعد ذلك أن تفسخ النكاح.
والمعنى في ثبوت خيارها هو الفُرقة: أنها لمَّا مَلَكَ عليها بُضْعَها،
وَجَبَ أن تملِكَ هي المهر، وتستَحِقَّه استحقاقاً صحيحاً، ولا يحصُلُ ذلك
لها إلا بالوطء؛ لأن من الناس مَن لا يرى إيجاب كمال المهر مع الخلوة
إذا طَلَّق قبل الدخول.
* وإنما كانت تطليقةً بائنةً، أما البينونة فلأنا لو جَعَلْنَاها رَجعية، لكان
له أن يراجعَها، فيبطلُ حقها في الفرقة، وقد بيّنًا أنَّ لها حقَّ التفريق.
وإنما كان طلاقاً؛ لأن سبَبَها من قِبَل الزوج، بمعنى يختصُّ بعقد
النكاح؛ لأن ذلك صفة الطلاق.
[مسألة: ادِّعَاء العنين أنه وَصَلَ إليها]
(وإن ادَّعى أنه وَصَلَ إليها(١)، وكانت بِكْراً: رُجِعَ إلى قول النساء فيه).
وذلك لأن كلَّ معنى لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجال كالولادة، قُبلت فيه شهادة
(١) وأنكرت هي ذلك. كما هو في مختصر الطحاوي ص١٨٣.

٣٨٨
كتاب النِّكَاح
النساء، لتعذّر حصول الرجال.
* قال : (فإن قلن: هي بِكْرٌ على حالها: خُيِّرت).
لما وَصَفْنا من ثبوت عَجْزه عن الوصول إليها في المدة، وكون العُضْو
مَعِيْباً بذلك.
* قال : (وإن كانت ثيِّياً في الأصل: فالقولُ قولُ الزوج مع يمينه، أنه
قد وَصَلَ إليها في المدة).
لأن المرأة تدَّعي أنه معيبٌ بذلك، فهي كالمشتري إذا ادَّعىُ عيباً باطناً
لعبدٍ، مثلَ الإباق والسَّرَق ونحوه، فالقول قول البيِّع أنه غير معيب بذلك،
وذلك لأن المشتري يدَّعي ثبوت الخيار في الفسخ بمعنى لا نعلمه، فلا
يُصَدَّق إلا ببيِّنَة، كما لو ادَّعىُ شَرْطَ الخيار ثلاثاً لم يُصدَّق.
كذلك المرأة في مسألتنا مدَّعيةٌ لثبوت حقِّ الفسخ لسببٍ لا نعلمه،
فلا تُصدّق.
* قال: (ووصولُه إلى امرأةٍ أخرى لا يُبْطِلُ حقَّ هذه المرأة إذا لم
يَصِلْ إليها).
مِن قِبَل أنَّ وُصولَه إلى غيرها لا يوفِّيها حقَّها، إنما يجب لها.
مسألة : [خيار زوجة المجبوب]
قال: (لو وجدَتْه مجبوباً(١): كان لها الخيار في الفُرْقَة، ولا يؤجَّل).
وذلك لأن العيب قد صحَّ، فلا معنى للتأجيل، لأن تأجيلَ العِنِّين
(١) الجَبُّ: القطع، ومنه المجبوب: الخصي الذي استؤصل ذكره وخصياه، كما
في المغرب ١٢٩/١.

٣٨٩
كتاب النكاح
إنما هو لاستبراء حاله، هل هو عيبٌ أم لا؟.
مسألة : [التفريق للعُنَّة بعد الخَلْوة]
قال: (وإذا فُرِّقَ بين العِنِين وبين امرأته بعد الخَلْوة: فلها الصَّدَاق
كاملاً، وعليها العِدَّة).
قال أحمد: وروي هذا القول عن علي، وعمر، وزيد بن ثابت،
قالوا (١): إذا أغلق باباً، وأرخى سِتْراً: فقد وَجَبَ المهر، ووجبت العِدَّة
والصَّدَاق، دَخَلَ بها، أو لم يدخل.
وقال الحسن(٢): قال المسلمون: إذا أغلق باباً، وأرخى سِتْراً فقد
وَجَبَ المهر، ووجبت العِدَّة ولو لم(٣) يجامِعْها.
والحجَّةُ للقول الأول (٤): قولُ الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ أُسْتِبْدَالَ زَوْجٌ
مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاً أَتَأْخُذُونَهُ.
بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُبِينًا ( ٥) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ, وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾(٥).
وهذه الآية تدلّ من وجهین علی ما قلنا:
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٨/٤- ٢٠٩، سنن البيهقي ٢٥٥/٧، وصححه ابن
حزم في المحلى ٤٨٣/٩ عن عمر رضي الله عنه.
(٢) أي البصري، والله أعلم، ولم أهتد إلى تخريج قوله.
(٣) في الأصل: (ما لم).
(٤) لم يذكر قبل هذا قولاً آخر، ولعله يريد بالقول الثاني ما سيحكيه عن ابن
عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، والله أعلم.
(٥) النساء: ٢٠- ٢١.

٣٩٠
كتاب النكاح
أحدُهما: قوله: ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنَّهُ شَيْئًا﴾، وعمومُه يقتضي منعَ الأخذ
في سائر الأحوال، إلا أن تقوم الدلالةُ على خصوصِ شيءٍ منه.
والوجه الآخر: قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ, وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى
بعضٍ
قال الفَرَّاء في كتابه معاني القرآن(١): ((الإفضاء هو الخلوة وإن لم
يجامِعْها)»، والفرَّاء إمامٌ في اللغة غيرُ مُدافَع، مقبولُ القولِ فيما قاله في
اللُّغة(٢) .
وكذلك ينبغي أن تكون حقيقتُه، لأنه مأخوذٌ من الفَضَاء، وهو الأرض
التي ليس فيها ساترٌ ولا حاجزٌ يمنعُ نفاذَ البصر فيها، فسُمِّيَت الخلوة التي
ليس معها فيها حاجز ولا مانع يمنع الاستمتاع بها إفضاء.
فتضمَّنت الآية منعَ أخذ شيءٍ من مهرها بعد الخلوة والطلاق؛ لأن
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّتُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجَ مَّكَانَ زَوَّجٍ﴾، بغير حال
الفُرقة.
(١) ٢٥٩/١، ومثله في القاموس المحيط (فضا).
(٢) الفراء هو يحيى بن زياد الكوفي، إخباري علامة نحوي، كان أبرع الكوفيين
وأبرعهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، وكان رأساً في قوة الحفظ، أملى تصانيفه كلها
حفظاً، وإنما قيل له: فراء، ولم يكن يعمل الفراء ولا يبيعها، لأنه كان يفري الكلام،
وهو ابن خالة الإمام الفقيه محمد بن الحسن الشيباني، وله معه قصة طريفة في فقه
الفراء، تنظر في وفيات الأعيان ١٧٩/٦، مات سنة ٢٠٧هـ بطريق مكة، له ترجمة
في وفيات الأعيان ١٧٦/٦، تذكرة الحفاظ ٣٧٢/١.

٣٩١
كتاب النكاح
ودليلٌ آخر: وهو قوله تعالى: ﴿ وَءَاتُوْلِسَآءَ صَدُ قَئِنَّ ◌ِلَةٌ﴾(١)، وهي
عمومٌ في سائر الأحوال، فلما قال: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ
فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾(٢)، اقتضى ظاهرُهُ أنه متىُ مسَّها بيده
استَحقَّت كمالَ المهر بعد الطلاق؛ لأن ذلك حقيقة المَسِّ، فإذا خلى بها،
ومسَّها بيده، ثم طلَّق: لم يَسقط شيءٌ من مهرها.
ثم ثبت ذلك لنا بثبوت الآيتَيْن، ولم يفرِّق أحد (٣) بين الخلوة التي
يكون معها المَسُّ، وبين الخلوة التي لا يوجد ذلك معها، ويصحُّ في أحد
الوجهَيْن استحقاقُ كمال المهر بعد الطلاق، فكانت الأخرى مثلها؛ لأن
أحداً لم يفرِّق بينهما.
وأيضاً: روى عوف عن زُرَارةَ بن أوفى قال: ((قضى الخلفاء الراشدون
المهديُّون أن من أغلق باباً، وأرخى سِتْراً، فقد وَجَبَ عليه المهر،
ووجبت العدّة))(٤).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((عليكم بسُنَّتَي وسُنَّة الخلفاء
الراشدين من بعدي، وعضُّوا عليها بالنَّواجذ))(٥).
(١) النساء: ٤.
(٢) البقرة: ٢٣٧.
(٣) المغني ٨ / ٦٢، ٦٤.
(٤) سنن البيهقي ٢٥٥/٧ وقال: هذا مرسل زرارة، لم يدركهم، وقد رويناه عن
عمر وعن علي رضي الله عنهما موصولاً، المحلى ٤٨٣/٩، وعزاه ابن حجر في
التلخيص الحبير ١٩٣/٣ لكتاب النكاح لأبي عبيد.
(٥) تقدم.

٣٩٢
كتاب النِّكَاح
فلم تجز مخالفتهم مع أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباعهم.
((قال الحسن: قال المسلمون: إذا أغلقَ باباً وأرخى سِتراً فقد وَجَبَ
المهر، ووَجَبَت العدة))(١).
فإن قال قائل: فقد حُكِيَ (٢) عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله
عنهم خلافُ ذلك(٣)، فكيف يثبت مع وجود الخِلاف؟
قيل له: طريقُ هذه الرواية عنهما واهيةٌ ضعيفة، ولو ثَبَتَت أيضاً: كان
ما ثَبَتَ عن الخلفاء الراشدين أَوْلى بالاتباع، ولا يُلتفت بعد اتفاقهم إلى
خلاف مَن خالَف.
وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شَاذَان قال:
أخبرنا مُعَلَّى بن منصور قال: حدثنا ابن لَهيعة قال: حدثنا أبو الأسود عن
محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((مَن كَشَفَ عن خِمَار امرأةٍ، ونَظَرَ إليها: وَجَبَ الصداق، دَخَلَ بها أو لم
يدخل)) (٤).
(١) تقدم.
(٢) في الأصل: (حكيتَ).
(٣) سنن البيهقي ٢٥٤/٧-٢٥٥، المحلى ٤٨٤/٩، قال ابن المنذر في
الإشراف ص٦٤: لا يصح عنهما، ومثله عن الإمام أحمد في المغني ٦٢/٨، وقد
ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه خلاف هذا، وأن عليه المهر كاملاً، كما في
المحلى ٤٨٣/٩، وينظر موسوعة فقه عبد الله بن مسعود ص ٢٧٥، وروى الجصاص
في أحكام القرآن ٤٣٦/١ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ لها المهر كاملاً.
(٤) سنن الدارقطني ٣٠٧/٣، سنن البيهقي ٢٥٦/٧ وقال: هذا منقطع، وبعض
=

٣٩٣
كتاب النكاح
* ومن جهة النظر: إنَّ المعنى الذي تعلَّقتْ به صحة العقد من
جهتها، هو وجود التسليم، والدليل على أنَّ صحة العقد متعلَّقة بالتسليم
دون الوطء: اتفاق الجميع(١) على جواز نكاح المجبوب، مع عدم الوطء،
فلو كانت صحة العقد متعلّقةً بالوطء، لَمَا صحَّ مع عَدَمِه من المجبوب،
فدلَّ على أن صحته متعلَّقة بوجود التسليم من جهتها، فإذا حَصَلَ له ذلك:
استحقَّت كمالَ المهر.
كما أنَّ المشتري متى حَصَّلَ المبيع: استُحِقَّ عليه الثمن، هَلَكَت
السلعة أو لم تَهْلَك.
وأيضاً: لو استأجر داراً، كان المعنى الذي به يُسْتَحَقُّ الأجرُ هو
التخلية وإن لم يسكنها المستأجر، كذلك الخلوة في النكاح.
فإن قيل: فإذا خَلاَ بها وهي حائض أو صائمة في شهر رمضان، أو هو
مُحْرِمٌ، أو صائم: لم تستحقَّ كمالَ المهر مع وجود التسليم.
قيل له: ليست الخلوة في هذه الحال تسليماً؛ لأن هناك مانعاً،
والتسليمُ لا يصح مع وجود المانع، كما أنه لو قال: قد خلَّيْتُ بينكَ وبين
الدار، وهي في يد غاصبٍ يمنَعُها: لم يكن ذلك تسليماً، وكذلك لو قال:
قد خلَّيْتُ بينكَ وبين المبيع، وهو في يدِ غاصبٍ: لم يكن ذلك تسليماً وإن
بِحَضْرَتهما، كذلك ما وَصَفْنَا.
رواته غير محتج به اه، وتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي بقوله: ((أخرجه أبو
داود في مراسيله، وهو سند على شرط الصحيح، ليس فيه إلا الإرسال اهـ. وقال ابن
حجر في التلخيص الحبير ١٩٣/٣: ((أخرجه أبو داود في المراسيل، ورجاله ثقات.))
(١) المغني ٧/ ٥٨٠، القوانين الفقهية ص١٤٣.

٣٩٤
کتاب النّگاح
فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ
فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِيضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾(١)، والطلاق بعد الخلوة مثل الوطء
يُطْلَقِ.
قيل: المَسِيسُ هو المسُّ باليد، فلو خلا بها، ومسَّها بيده: اسَتَحَقَّتْ
كمالَ المهر بعد الطلاق بالظاهر، فتستَحِقَّه أيضاً وإن لم يمسَّ؛ لأنَّ أحداً
لم یفرِّق بينهما.
وأيضاً: روي عن علي وعمر رضي الله عنهما أنَّ المراد بالمَسيس:
الخلوة (٢)، فكان المسيس عندهما اسماً للخلوة، فلَزِمَ اعتبارهما؛ لأنهما
حُجَّةٌ في اللغة.
وأيضاً: هو القُرْب مع ارتفاع الموانع، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَكَ فِى
اُلْحَيَوَةِ أَن تَقُولَ لَامِسَاسَ﴾(٣)، يعني والله أعلم: لا قُرْب(٤)، وتقول: بيني
وبين فلانٍ رَحِمٌ ماسَّة، يعني: قريبة.
وأيضاً: قد اتفق الجميع على أنَّ المراد ليس هو حقيقة اللفظ؛ لأن
قائلاً يقول: الحِمَاع، وآخرُ يقول: الخلوة، فصار اللفظ مجازاً بالاتفاق،
فاحتاج إلى دلالةٍ من غيره في إيجاب الحُكم؛ لأن المجاز لا يستعمل إلا
في موضعٍ تقوم الدلالة علیه.
(١) البقرة: ٢٣٧.
(٢) سنن البيهقي ٢٥٥/٧.
(٣) طه: ٩٧.
(٤) ومثله في جامع أحكام القرآن للقرطبي ٢٤٠/١١.

٣٩٥
كتاب النكاح
وأيضاً: ليس يمتنع أن يكون المراد المسيس، أو ما يقوم مقامَه من
الخلوة، كما قال تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ﴾(١)، والمعنى
الطلاق، أو ما يقوم مقامَه من الفُرقة.
مسألة : [طلاقُ المجبوب امرأتَه بعد الخلوة]
قال: (وإذا خلا المجبوب بامرأته، ثمَّ طَلَّقَها قبل الدخول: فلها المهرُ
كاملاً في قول أبي حنيفة).
لأن المعنى الذي تتعلَّق به صحة عقده هو وجود التسليم من جهتها
على هذا الوجه، وقد وُجد.
والدليل على ذلك: أنه ليس هناك تسليمٌ غيره فيُنتظَر وجودُه.
وليس هذا كالمريض والصغير وغيرهما؛ لأن هناك تسليماً صحيحاً
مستَحَقّاً في حالة الصحة والكِبَر، فلا تَستَحِقِ كمالَ المهر بعد الطلاق.
فإن قيل: فإن خلا بها وهي رَتْقَاء: لزم على قضيَّتك أن تَستَحِقَّ كمال
المهر، إذ ليس هناك تسليمٌ غيره.
قيل: ليس كذلك؛ لأن الرَّتَق قد يزول، فهناك تسليمٌ منتَظَرٌ غيرُ
موجود.
وأيضاً: فإن المجبوب قد يُنْزِلُ ويواريه، فصار كالفَحْل(٢)، وقد اتفق
الجميع(٣) على أن امرأة المجبوب لو وَلَدَت: لزمه نسبُ ولدها،
(١) البقرة: ٢٣٠.
(٢) أي كالرجل الصحيح المُنْجِب، وينظر القاموس المحيط (فحل).
(٣) نقل ابن قدامة في المغني ٥٤/٩ أنه لا يلحق نسبه به في قول عامة أهل
=

٣٩٦
كتاب النكاح
واستَحَقَّت كمالَ المهر لو طَلَّقَها وإن لم يوجد منه وطء، لأجل وجود
التسلیم، کذلك إذا لم تَلِد.
وجَعَلَه أبو يوسف ومحمد كالمريض والصغير.
مسألة : [ليس لامرأة المجبوب خيار إذا وطئها مرة واحدة]
قال: (وإذا وطئها مرةً، ثم جُبَّ: لم يكن لها خيار).
لأن الوطء مرةً تَستَحِقُّ به كمالَ المهر استحقاقاً صحيحاً، حتى لا يَرِدُ
عليه البطلان بورود الطلاق، وكان بمنزلة حدوث العيب بالسلعة بعد
قبض المشتري، فلا يوجب للمشتري خياراً في الفسخ.
العلم، ثم قال: قال أصحابنا يلحقه النسب.

٣٩٧
كتاب النكاح
باب الأَصْدِقَة
مسألة : [لأولياء المرأة التفريق إن زوجت نفسها بأقل من مهر المثل]
قال: (وإذا زوَّجت المرأةُ البالغةُ نفسَها كفؤاً، وقَصَّرت في المهر:
فللأولياء أن يفرِّقوا بينهما، أو يُبْلَغَ به مهرُ مثلها في قول أبي حنيفة، وقال
أبو يوسف: ليس لهم ذلك).
وجه قول أبي حنيفة: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
أدُّوا العَلائق، قيل: وما العَلائق؟ قال: ما تراضى عليه الأهلون))(١).
فَشَرَطَ رضا الأهلين مع رضا الزوجين، فدلَّ على أن لهم حقاً في
استيفاء مهر المثل.
وأيضاً: فإن الأولياء تلحَقُهم غَضَاضَةٌ بتقصيرها في المهر، كما
يلحقهم لو وَضَعَتْ نفسَها في غير كفؤٍ.
وأيضاً: فإن مهر نسائهم يُعْتَبَرُ بها، فيلحقُهم ضَرَرٌ بنقصان مهرها.
* وقال أبو يوسف: ليس لهم ذلك؛ لأن المهر حقٌّ لها، لا حَقَّ
لغيرها فيه، ألا ترى أنَّ لها أن تُبرئ مِن المهر بعد العقد.
(١) سنن الدارقطني ٢٤٤/٣، سنن البيهقي ٢٣٩/٧، وبيَّن ابن حجر في
التلخيص الحبير ١٩٠/٣ أنَّ إسناده ضعيف جداً، وقد روي مرسلاً، والمرسل
أصح.

٣٩٨
کتاب النكاح
وذَكَرَ أبو جعفر محمداً مع أبي يوسف، وهو غلط(١)؛ لأن محمداً لا
يجيز النكاح بغير وليّ، وإذا كان بولي لم يَعْتَبِر سائر الأولياء الباقين، وإنما
هو قول أبي يوسف الأول الذي كان يقول قديماً في جواز النكاح بغير
ولي، ثم رَجَعَ، فقال: لا يجوز النكاح بغير ولي.
إلا أنه على قوله الثاني أيضاً في امتناعه من تجويز النكاح بغير ولي،
يصحُّ جوابُ هذه المسألة؛ لأنه يقول إذا زوَّجها بعضُ الأولياء غيرَ كفؤٍ:
فللباقين أن يفرِّقوا بينهما، ورضا بعضِ الأولياء لا يجوز على الباقين، ولم
يعتبِرْ نقصانَ المهر في حق الباقين من الأولياء، فيكون معنى المسألة
صحيحاً على هذا القول في فَرْقِه بين الكفاءة والتقصير في المهر وإن كان
من أصله أنَّ النكاح لا يجوز إلا بولي.
مسألة :
قال : (ولا صَدَاقَ أقلّ من عشرة دراهم).
لقول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْبِأَمَّوَلِكُم﴾(٢)،
فأباح عقدَ النكاح بشرط أن يكون البدلُ أموالاً، وما دون العشرة لا يتناوله
اسم الأموال.
فإن قيل: فالعشرة أيضاً لا تسمَّى أموالاً، فالواجب أن لا تكون العشرة
مهراً على هذه القضية.
(١) وينظر فتح القدير لابن الهمام ١٩٤/٣.
(٢) النساء: ٢٤.

٣٩٩
كتاب النكاح
قيل له: كذلك هو، إلا أنا خَصَصْنا العشرة بالإجماع(١)، وإلا فالظاهر
منعه.
ومن جهة السُّنَّة: حديث حَرَام بن عثمان عن ابنَيْ جابرٍ عن أبيهما عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صَدَاقَ أقلّ من عشرة دراهم)) (٢).
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حامد بن الشَّاذِي الكَشِّ قال:
حدثنا علي بن حُجْر قال: حدثنا بَقِيَّة قال: حدثنا مُبَشِّر يعني ابن عُبَيْد عن
الحَجَّاجِ عن عطاء وعَمْرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((لا مهرَ دون عشرة دراهم)).
وأيضاً: روي عن علي رضي الله عنه من قوله: ((لا صَدَاقَ أقلّ من
عشرة دراهم))(٣).
وهذا عندنا لم يَقُلْه إلا توقيفاً؛ لأن هذا الضرب من المقادير لا سبيل
إلى إثباته من طريق الاجتهاد والمقاييس، وإنما طريقُها التوقيف؛ لأنها من
الأمور المبتدأة التي هي حقوقٌ لله تعالى.
ومن هذا الضرب ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((إذا قَعَدَ
الرجلُ في آخر صلاته مقدارَ التشهد، فقد تمَّتْ صلاتُه))(٤).
(١) ومثله في أحكام القرآن ١٤٠/٢.
(٢) تقدم، وأن ابن الهمام نقل عن الحافظ ابن حجر تحسين الحديث.
(٣) سنن الدارقطني ٢٤٥/٣، قال ابن حجر في الدراية ٦٣/٢: أخرجه
الدارقطني من وجهین ضعیفین.
(٤) سنن البيهقي ١٣٩/٢ وقال: لا يصح، وعاصم بن ضمرة غير محتج به.اهـ
كنز العمال ١٥٧/٨.

٤٠٠
كتاب النِّكَاح
فكان ذلك توقيفاً.
وكذلك ما روي عن أنسٍ رضي الله عنه في الحيض: أنَّ أقلَّه ثلاثاً،
وأكثرَه عشرة(١).
وما روي عن عثمان بن أبي العَاص الثَّقَفِي: أنَّ أكثرَ النِّفاس أربعون(٢).
جميع ذلك عندنا توقيفٌ من النبي صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً: قد صحَّ عندنا أنَّ اليد لا تُقطع في أقلَّ من عشرة(٣).
والمعنى فيه: أنه عضوٌ محظورٌ لا يُستباح إلا بمال، فكذلك البُضْعُ لَمَّا
كان هذا المعنى موجوداً فيه، وَجَبَ أن لا يُستباح بأقلَّ من عشرة.
فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ
(١) أخرجه ابن عدي في الامل ٧١٥/٢ مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم
من طريق أنس، وأعله بالحسن بن دينار، وأنه مجمع على ضعفه قال: ولم أر له
حديثاً جاوز الحد في النكارة، وهو إلى الضعف أقرب، ورواه أيضاً في الكامل
٥٩٨/٢ عن أنس رضي الله عنه موقوفاً. اهـ قال ابن حجر في الدراية ٨٥/١: فيه
الحسن بن دینار، وهو واه.
(٢) رواه مرفوعاً من طريق عثمان بن أبي العاص الحاكم في المستدرك ١٧٦/١
وقال: إن سلم هذا الإسناد من أبي بلال، فإنه مرسل صحيح، وأخرجه الدارقطني في
سننه ٢٢٠/١، وضعفه بأبي بلال الأشعري، كما قال ابن حجر في الدراية ١ / ٩٠،
ورواه الدار قطني أيضاً موقوفاً من قوله.
(٣) شرح معاني الآثار ١٦٣/٣، سنن النسائي ٨٣/٨، المستدرك للحاكم
٣٧٨/٤، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وينظر نصب الراية ٣٥٥/٣، والجوهر
النقي ٢٥٨/٨، وقد قوّاه.