Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب النِّكَاح
وقوله: يتيمة: سمَّاها به مجازاً، لا حقيقة، كما قال تعالى: ﴿وَءَاتُواْ
الْيَ أَمْوَهُمْ﴾(١)، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((تُسْتَأْمَرُ اليتيمة في
نفسها))(٢).
مسألة :
قال: (ولا ولاية للوصي بحق الوصية في النكاح).
وذلك لما وصفنا مِن أنَّ الولاية في النكاح مستَحَقّة بكونه مِن أهل
الميراث، بدلالة أنه إذا كان مِن أهل الميراث استَحَقَّ الولاية، وإذا لم يكن
مِن أهل الميراث بل كان عبداً أو كافراً: لم يستحقها.
فإن قيل: فالقاضي يزوِّج، وليس من أهل الميراث.
قيل له: لأنه قائمٌ مقامَ المسلمين، وجماعةُ المسلمين مِن أهل
الميراث، إذا لم يكن أقرب منهم.
فإن قيل: والوصيُّ قائم مقام الأب، والأبُ كان مِن أهل الميراث.
قيل له: في حال ثبوت الوصية وصحتها ليس الأب مِن أهل الميراث،
لأنه ميِّت، والوصية إنما تصح بعد الموت.
وأيضاً: فإن الولاية في النكاح مستَحَقَّة بالنَّسَب، وما جرى مجراه من
الوَلاء، وهذا المعنى لا يصح فيه النَّقْل، فلم يستَحِقُّها الوصي؛ لأنه لو
استَحَقَّها، لاستَحَقَّها من جهة انتقالها إليه من الأب.
(١) من سورة النساء، آية رقم / ٢.
(٢) تقدم.

٣٠٢
كتاب النكاح
فإن قيل: فالوكيل يزوِّج، وكذلك القاضي، وهم يتصرَّفون في ذلك لا
بنَسَب، ولا ما قام مقامه من الولاية.
قيل له: الوكيلُ لا يوجب نقلَ الولاية إليه؛ لأن ولاية الموكِّل قائمة،
والوكيل والسفير عن الموكّل لا يتصرف من جهة نقل الولاية إليه.
وكيف تكون مُنْتَقِلَة إليه، وهي باقية في مِلك الموكِّل، وكذلك
القاضي يُعَبِّرُ عمَّن يستحق الولاية عليه، وهم كافّة المسلمين، بمنزلة
الوكيل.
وليست الولاية في النكاح، كهي في الشراء والبيع، غير مقصور على
النسب، وما قام مقامه.
ألا ترى أنه قد استَحَقَّ الولاية في النكاح، مَنْ لا يستحق التصرُّف في
الشراء والبيع، نحو الأخ والعَمِّ، ويدل علىُ الفَرْق بينهما: أنَّ المتصرِّف
في الشراء والبيع متصرِّف على نفسه، وبه تتعلَّق حقوقهما، ثم يلزم الأمر
ضمانه بالأمر، والمتصرِّف في النكاح، متصرِّف على الزوجين، ويكون
فيه بمنزلة السفير، وهذا المعنى لا يُسْتَحَقُّ إلا من الوجه الذي ذكرنا.
مسألة : [ولاية القاضي في النكاح]
قال أبو جعفر: (وإن زَوَّج القاضي صغيراً أو صغيرةً، فإن محمد بن
الحسن قال: هو كتزويج غير الأب، ولهما الخيار بعد البلوغ(١).
وروى هشام بن عبد الله عن خالد بن صَبِيْح عن أبي حنيفة: أنَّ عقد
(١) قال المرغيناني في الهداية ١٩٨/١-١٩٩ عند قوله: ((وإن زوجهما غير
الأب والجد، فلكل واحد منهما الخيار إذا بلغ)). قال: ((وإطلاق الجواب في غير الأب
والجد، يتناول الأم والقاضي، وهو الصحيح من الرواية)) اهـ.

٣٠٣
كتاب النكاح
القاضي، كعقد الأب، ولا خيار فيه بعد البلوغ).
وجه قول محمد: أنَّ القاضي لما قام في ذلك مقام كافة المسلمين،
وجماعةُ المسلمين أكثرُ أحوالِهم أن يكونوا في الولاية في ذلك بمنزلة العمّ
والأخ، فيجب فيه الخيار بعد البلوغ.
ووجه قول أبي حنيفة: أنَّ القاضي له ولاية في التصرُّف في المال من
حيث استحق الولاية في النكاح، فوجَبَ أن يكون بمنزلة الأب.
مسألة : [نكاح الفُضُولي]
قال: (ومَن زوَّج رجلاً بغير إذنه، ثم بَلَغَه، فأجازه: لم يَجُزْ إلا أن
يكون هناك مخاطِبٌ خاطَبَ عنه في القبول(١)، في قول أبي حنيفة
ومحمد، وقال أبو يوسف: النكاح واقع، وتجوز إجازته إذا بلغه).
وجه قولهما: أنَّ قوله: قد زوَّجتُ فلانةً فلاناً، نصف عقد، ونصف
العقد لا يقف على غائب عن المجلس.
ألا ترى أنه لو خاطب أحدَ الزوجين بالنكاح، فلم يَقبله، حتى قام من
المجلس: بَطَلَ ما كان زَوَّجه له، ولم يكن له أن يقبله بعد ذلك.
وليس هذا كوليِّهما أو وكيلهما جميعاً إذا عَقَدَ النكاح عليهما، فيجوز
في قولهم جميعاً، مِن قِبَل أنَّ ذلك جميع العقد منه؛ لأنه يملك الإيجاب
والقَبُول، ولا يقتضي إيجابه قبولاً من غيره، فكان ذلك منه جميع العقد،
فَتَفَذَ، ولم يقف.
وأما إذا كان متبرِّعاً بالعقد، فهو غير مالكٍ للعقد، ولا يصح منه إلا
(١) كالولي أو الوكيل.

٣٠٤
كتاب النكاح
الإيجاب أو القبول ممَّن أوجبه.
* وجَعَلَه أبو يوسف بمنزلة وليِّهما أو وكيلهما.
مسألة : [تزويج السيد العبيدَ والإماء]
قال أبو جعفر: (وجائزٌ للرجل أن يزوِّج أمتَه وإن كانت كارهةً، وأما
عبده في ذلك فهو کأمَتِه في قول أبي يوسف ومحمد.
وقد اختُلِف عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، فروى عنه هذا القول،
وروى عنه: أنه لا يزوِّجه إلا برضاه، أو أَنْ يَبْلُغَه وقد زوَّجه بغير رضاه،
ڤيُجيز ذلك).
قال أحمد : الرواية الأولى صحيحة، وما ذَكَرَه من الرواية الثانية في
العبد غير صحيح.
وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله يُنْكِرُها؛ لأن المشهور عن
أصحابنا جميعاً أنَّ العبد والأمة جميعاً سواء(١)، فيجوز للمولى تزويجهما
وإن کَرِهَا.
وإنما كان العقد عليهما جائزاً وإن كَرِهَا: لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ
اَلْأَيَمَى مِنكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمُ وَإِمَّبِكُمْ﴾(٢).
وظاهرهُ يقتضي جواز العقد على الجميع، إذ ليس في الآية شرطُ
رضاهم، وخَصَصْنا الأيَامَى البالغات من الحرائر في امتناع نفاذ العقد
(١) ينظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي ١٠٩/٣.
(٢) النور: ٣٢.

٣٠٥
كتاب النكاح
عليهم بالاتفاق (١)، وبقي حكمُ اللفظ في الأيامى الصغار والعبيد والإماء.
وأيضاً: فلا خلاف(٢) أنَّ العبد والأمة لا يَمْلِكَان عقدَ النكاح
لأنفسهما، وكلُّ حقٍّ لا یملكه العبد من نفسه، فالمولى يملكه منه.
ألا ترى أنَّ العبد لمَّا لم يملك التصرُّف من نفسه في البيع والإجارة
ونحوهما، مَلَكَ المولى ذلك منه، وكذلك لما لم (٣) يملك الإقرار بالدَّيْن
على نفسه، مَلَكَ المولى ذلك منه، وجاز إقراره عليه، رَضِيَ أو سَخِطَ،
فکذلك عقد النكاح، لمّا لم یملكه العبد من نفسه، ملكه المولى منه.
ألا ترى أنَّ العبد لما مَلَكَ الإقرار بالزنىُ والقتل والسرقة، لم يملك
المولى ذلك منه، ولم يجز إقراره عليه.
مسألة : (تزويج الوليين للمرأة]
قال: (وإذا زوَّجَ المرأةَ وليَّاها بغير أمرِها، فلها أن تجيزَ أيَّهُما
شاءت).
لأنهما جميعاً موقوفان عليها، إذْ ليس يملك أحدُ الوليِّيْن فسخَ عقد
الآخر، فوَقَعَا جميعاً.
* قال: (وإن كان زوَّجاها بأمرِها، وقد تقدَّم أحدُهما: فالعقد الأول
جائز، والثاني فاسد، دَخَلَ بها الآخَرُ، أو لم يَدْخُل).
وذلك لما روى الحسن عن سَمُرَة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(١) بداية المجتهد ٦/٢، الإفصاح لابن هبيرة ٣٢٦/٢.
(٢) المغني ٤٠٩/٧.
(٣) (لم) ساقطة من الأصل.

٣٠٦
كتاب النِّكَاح
((إذا نَكحَ الوليِّان، فالأول أحق))(١).
ولأن العقد الأول صحيح بالاتفاق، والثاني فاسد، والدليل عليه: أنه
لو ارتفعا إلى القاضي حكَمَ بصحة الأول، وفساد الثاني، فإذا دَخَلَ بها
الثاني، فإنما كان دخوله على عقدٍ فاسد، والدخول لا يصحِّح العقد
الفاسد، ولا يُبْطِلُ العقدَ الصحيح الذي للزوج الأول.
وأيضاً: قد اتفق الجميع(٢) على أنه لو تزوَّج أختَيْن، إحداهما قبل
الأخرى، أن نكاح الثانية فاسد، ولا يصحِّحه دخولُه بها، دون الأولىُ؛
لأنه بها وَقَعَ الجَمْع، كذلك الزوجان إذا عُقِدَ لهما على امرأةٍ واحدة.
مسألة: [خيار الزوجة وأهلِها في تدليس الزوج في نَسَبه]
قال أبو جعفر : (ومَن انْتَسَبَ إلى قوم، فزوَّجوه، ثم عُلِمَ أنه ليس كما
انتسب: فلهم إيطالُ نكاحِه).
قال أحمد : وهذا إذا كان النَّسب الذي كَتَمَهم دونَ الذي أظهره، وإن
كان مثلَه إذا وقع منه: فلا خيار لها، ولم يُفَصِّلْه أبو جعفر هذا التفصيل،
وهو كذلك عندهم(٣)، وذلك لأنها لم ترضَ به زوجاً إلا بنَسَبِ شريف،
(١) سنن أبي داود ٥٧١/٢، وسکت عنه، سنن الترمذي ٤١٨/٣ وقال: حديث
حسن، سنن النسائي فيستحقها مستحق ٣١٤/٧، المستدرك للحاكم ١٧٥/٢ ووافقه
الذهبي على تصحيحه، قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٦٥/٣: ((صححه أبو
زرعة وأبو حاتم ... وصحته متوقفة على ثبوت سماع الحسن بن سمرة، فإن رجاله
ثقات)) اهـ.
(٢) المغني ٤٧٥/٧.
(٣) أي عند أصحاب المذهب، ومثل هذا التفصيل أيضاً في شرح الإسبيجابي
=

٣٠٧
کتاب النّكَاح
يَشْرُف به ولدُها، فإذا لم يوجد ذلك: كان لها الخيار في فسخ النكاح.
ألا ترى أنه لو شَرَطَ لها أنه كفؤ، ثم تبيَّن لها أنه ليس كذلك: كان لها
الخیار، کذلك ما وصفنا.
وليس ذلك مثل أَنْ تَنْتَسب إلى قوم، وتزوَّجها على ذلك، ثم عَلِمَ أنها
دونَهم في النسب: فلا يكون للزوج خيارٌ في فسخ العقد؛ لأنها لو شَرَطَتْ
له الكفاءة، ثم لم يكن كذلك: لم يكن له خيار؛ لأن عَدَمَ الكفاءة من
جهتها لا يَثْبُتُ به خيارٌ في فسخ العقد، وعدمُ الكفاءة من جهته يثبُتُ به
الخيار للأولياء في الفسخ.
مسألة: [تزوَّجَ امرأةً على أنها حُرَّة، ثم تبيَّن أنها مملوكة]
قال أبو جعفر: (ومَن تزوَّج امرأةً على أنها حُرَّةً، فولَدَت منه، ثم
قامت البيّنة على أنها مملوكة، فقُضِيَ عليها بذلك، كان لمولاها أن يجيزَ
نكاحَها أو يُبْطِلَه، وولدُها حُرٌّ، على أبيه قيمتُه يوم يَخْتَصِمُونَ بالمُسْتَحَقِّ،
ويَرجع الأبُ بتلك القيمة على مَن كان غَرَّ وزوَّجه على أنها حرَّة إن كان
غرَّها، فإن كانت هي غَرَّتْه: رَجَعَ عليها بذلك إذا أُعْتِقَت، وعلى المغرور
عُقْرُها(١) لمستَحِقُها، ولا يرجعُ به على أحد).
قال أحمد: لا خلاف بين الصدر الأول وسائر فقهاء الأمصار(٢) أنَّ
ولد المغرور حُرُّ الأصل.
٢ / لوحة / ٦٦ب.
(١) العُقْر: صداق المرأة إذا أُتيت بشبهة، المغرب ٧٤/٢.
(٢) المغني ٤١٣/٧.

٣٠٨
كتاب النكاح
ولا خلاف أيضاً بين السلف(١) أنه مضمون على الأب، إلا أنَّ السلف
اختلفوا في کیفیة ضمانه:
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يُفَكُّ الغلام بغلام، والجاريةُ
بجارية(٢)، يعني إن كان الولد غلاماً: فعلى الأب غلامٌ مثله، وإن كان
جاريةً: فعليه جاريةٌ مثلُها.
وقال علي رضي الله عنه: عليه قيمته(٣).
وإليه ذَهَبَ أصحابُنا؛ لأنهم جعلوه جميعاً بمنزلة الولد، وهو عبدٌ،
فَغْرَمُ قیمته.
وله أصل في السنة، وهو ((حُكْمُ النبي صلى الله عليه وسلم في عبدٍ
بين رجلَيْن أَعْتَقَه أحدُهما وهو موسِرٌ: أنه يضمن نصفَ قيمتهِ)) (٤)، ولم
یحکم علیه بنصف عبدٍ مثله.
ويرجع المغرور على الغارِّ بقيمة الولد.
وهو أيضاً اتفاقٌ من الصحابة(٥)، وإنما هذا بمنزلة ضَمَان الدَّرَك(٦) في
الولد، ولهذا لم يرجع عليها إلا بعد العتق؛ لأن ضمانها لا يجوز في حال
الرِّق في حق المولى.
(١) المغني ٤١٣/٧.
(٢) المحلى ١٢٦/٩، سنن البيهقي ١٠١/٦.
(٣) سنن البيهقي ٦ /١٠١.
(٤) صحيح مسلم ٢ /١١٤٠.
(٥) المغني ٤١٦/٧.
(٦) تقدم تعريفه.

٣٠٩
كتاب النِّكَاح
وإنما المعتبر قيمة الولد يوم الخصومة؛ لأنها بمنزلة المغصوب، لا
يصير مضموناً على الغاصب إلا بالمنع بعد المطالبة بردِّه، وحُكْمُ المنع
إنما حَصَلَ في الولد حین خوصم فیه، وهو قائم.
وكذلك قالوا: إنه لو مات الولد، ثم اختصَمَا: لم يَغْرَم الأب شيئاً،
بمنزلة ولد المغصوب إذا مات قبل مجيء المغصوب منه.
ويَغْرَمُ الواطىء العُقْرَ؛ لأنه وطىء مِلْكَ الغير بشُبْهة، ولا يرجع بالعُقِّر
على الغارِّ؛ لأن الوطء في هذا بمنزلة شيء أَتْلَفَه منها، وتناوَلَه لنفسه، فلا
يرجع به على غيره، كما لو قَطَعَ يدَها، لم يرجع به على غيره.
مسألة : [مَن أعتق الأمة على أن تُزوِّجَه نفسَها]
قال: (وإذا أَعْتَقَ أمتَه على أن تزوِّجَه نفسَها، ثم زوَّجَتْه نفسَها، فلها
مهر مثلها).
وذلك لأن العتق ليس بمال، فلا يُسْتَحَقُّ به تسليم مال، فلا يكون
مالاً، ولا يكون مهراً، لقول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَّبْتَغُواْ
بِأَمْوَلِكُمْ﴾(١).
فإن قيل: العتق مال؛ لأنه يحصل لها به رَقَبَتُها.
قيل له: لا يحصل لها به مال، ولا تَستَحِقُّ به تسليمَ مال؛ لأنه لو كان
كذلك، لوجب أن ينتَقِلَ إليها الرِّقُّ الذي كان يملِكُه المولى فيها قبل
العتق، فتملك من نفسها ما كان المولى يملكها منها قبل العتق، فلمَّا كان
الذي يحصُّل لها بالعتق، سقوط الرِّقِّ من غير أن تملك رقَّ نفسها، دلَّ
(١) النساء: ٢٤.

٣١٠
كتاب النكاح
على أنَّ الذي حَصَلَ لها ليس بمالٍ.
وكيف يكون مالاً وهي إنما جَعَلَ لها الحرية، ولا جائز أن تكون
الحرية مالاً؛ لأنه لو كان كذلك، كانت رقاب الأحرار كلهم أموالاً.
ويدل على صحة الأصل الذي ذكرنا: ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم
أبطل الشِّغَار))(١)، وهو أن يُجْعَلَ المهرُ بُضْعَ امرأةٍ أخرى؛ لأن البُضْعَ لیس
بمال، ولا يُسْتَحَقُّ به تسليمُ مال، فلم يجز أن يكون مهراً، كذلك ما
وصفنا، كان في معناه.
فإن قيل: روي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَعْتَقَ صَفِيَّة، وجَعَلَ
عِتَقَها صَدَاقَها))(٢).
قيل له: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان له أن يتزوَّج بغير مهر،
وكان له أن يجعل ما ليس بمال صداقاً في العقد(٣)، ونحن لا يجوز لنا أن
نملِكَ الْبُضْعَ بغير بدل يُسْتَحَقُّ به تسليمُ مالٍ، فلذلك اختلفا.
* قال: (وروي عن أبي يوسف أنه لا صَدَاق لها إذا أَعْتَقَها على أن
تزوِّجَه نفسها، فزوَّجَتْه نفسَها).
وذلك لأنه جَعَلَ الرقبة مضمونةً عليها بالعتق؛ لأنه قد شَرَط بدلها
منفعة هي عقد النكاح، فصارت قيمة رقبتها تسميةً في العقد.
(١) صحيح البخاري ٩/ ١٦٢، صحيح مسلم ١٠٣٤/٢ كلاهما بلفظ ((نهى عن
الشغار)).
(٢) صحيح البخاري ١٢٩/٩، صحيح مسلم ١٠٤٥/٢.
(٣) وقد ذكر هذه الخصائص للنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً الحافظ ابن حجر
في الفتح ١٢٩/٩ مع نسبتها لمن قال بها.

٣١١
كتاب النكاح
* قال أبو جعفر: (وإن أبت أن تزوِّجَه نفسَها: كان عليها أن تَسْعَى له
في رقبتها في قولهم جميعاً).
لأنه أعتقها على منفعةٍ مشروطةٍ للزوج من قِبَلِها، وهي التزويج، فلما
لم تَفِ به: لم يجز أن يسلّم لها الرقبة بغير شيء.
مسألة :
قال : (ولا يَجْمَعُ الحُرُّ بين أكثر من أربعِ زوجات).
وذلك لقوله تعالى: ﴿فَأَنْكِحُواْمَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾(١).
فإن قيل: ظاهر اللفظ يقتضي جواز التسع؛ لأن الواو للجمع.
قيل: ليس كذلك؛ لأن قوله: ﴿وَثُلَثَ﴾: يدخل فيه المَثْنَىُ، و:
﴿وَرُبَعَ﴾: يدخل فيه الثُلاث، إذ ليس في اللفظ دليل على أنَّ الثُلاث غير
المَثْنَى، والرُّبَاع غير الثُلاث؛ لأن صفة الواو للجمع، حتى يقوم الدليل
على غيره.
ومَن أثبت المَثْنَىُ غيرَ الثُلاث، والثُلاَثَ غيرِ الرُّبَاعِ، قد أَلْحَقَ بالآية ما
ليس فيها، ومَا لا دلیلَ له علیه.
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِی
يَوْمَيْنٍ﴾(٢)، ثم قال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَهَا فِى أَزْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾(٣).
(١) النساء: ٣.
(٢) فصلت: ٩.
(٣) فصلت: ١٠.

٣١٢
كتاب النكاح
واليومان الأوَّلان داخلان في الأربعة، لولا ذلك، لحصل العدد ستَّةً
أيام.
ثم قال: ﴿فَقَضَتُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾(١)، فكان يحصل خَلْقُ
الجميع في ثمانية أيام، وقد أخبر اللهُ في غير هذا الموضِعِ أنه خَلَقَ
السماوات والأرضَ في سِنَّة أيام (٢)، فثَبَتَ بذلك أنَّ مقتضى اللفظ
ومضمونَه أن يكون العددُ الأولُ داخلاً في الثاني، والثاني في الثالث،
حتى تقوم الدلالة على أنَّ المراد استئناف عدد غير الأول.
وأيضاً: فإن الواو قد تكون بمعنى: ((أو)): في اللغة، وهو مشهور
فيها(٣)، وكأنه قال: مَثْنَى(٤)، أو ثُلاث، أو رُبَاع، وإذا كان هكذا، فلا
(١) فصلت: ١٢.
(٢) كما هو في سورة الأعراف، آية رقم ٥٤: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وغير هذا الموضع من القرآن الكريم، وقد ذكر هذا المعنى
في تفسير الآيات السابقة من سورة فصلت، الفخر الرازي في التفسير الكبير ٢٧/ ١٠٤
والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٣٤٥/١٥ وغيرهما، وقد بحث المؤلف آية
النساء في أحكام القرآن ٥٤/٢، والقرطبي في أحكامه ١٧/٥.
(٣) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ٢٣٣/٣.
(٤) في الأصل: (وكأنه قال: إذا كان هكذا أو ثلث ... )، والتصويب من أحكام
القرآن للمؤلف ٥٤/٢، فقد قال فيه: ((ومن قال هذا، قال: إنه لو قيل بأو، لجاز أن
لا يكون الثلاث لصاحب المثنى، ولا الرباع لصاحب الثلاث، فأفاد ذكر الواو إباحة
الأربع لكل أحد ممن دخل في الخطاب)) اهـ، ومثله في تفسير الفخر الرازي
٩/ ١٧٥ -١٧٦.

٣١٣
كتاب النِّكَاح
خلاف فيه(١) مع ذلك بين الفقهاء.
مسألة :
قال : (ولا يتزوَّجُ العبدُ أكثر من ثِنْتَيْن).
وذلك لما روى لَيْث عن الحَكَم قال: ((أجْمَعَ أصحابُ رسول الله
صلى الله عليه وسلم على أنَّ العبدَ لا يَجْمَعُ من النساء فوق اثنتين))(٢).
وروى جعفر بن محمد عن أبيه («أنَّ علياً رضي الله عنه كان يقول: لا
يَنْكِحُ العبد فوق اثنتين)»(٣).
وروى سليمان بن سيار عن عبد الله بن عُتْبَة قال: ((قال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: يَنْكِحُ العبدُ اثنتين، وتعتَدُّ بحيضتين، وتُطَلَّق
(٤)
اثنتَيْن)) (٤).
* ومن جهة النظر: إن العدد حقٌّ مُقَرَّر من حقوق النكاح، فيثبت له
نصفُ ما يثبتُ للحرِّ، بدلالة أنَّ عِدَّة الأَمَة على النصف من عدَّة الحُرَّة، إذ
كانت حقاً مقدَّراً من حقوق النكاح.
وكذلك قالوا في قَسْمِ الأَمَة على النصف من قَسْم الحرة، وليس
(١) المغني ٤٣٦/٧.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٤٤/٤، سنن الدارقطني ٢٠٨/٣ سنن البيهقي
١٥٨/٧، المحلى ٤٤٤/٩، قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٧٣/٣: ((روى
الشافعي عن عمر قال: لا ينكح العبد أكثر من اثنتين ... ورواه عن علي وعبد الرحمن
بن عوف، قال الشافعي: ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف)) اهـ.
(٣) تنظر الحاشية السابقة.
(٤) تنظر الحاشية قبل السابقة.

٣١٤
كتاب النكاح
بمنزلة النَّفقة؛ لأنها غير مقدَّرة، ولا معلومة المقدار.
فإن قيل: قوله: ﴿فَنْكِحُوَأْمَا طَابَ لَكُمْ﴾(١)، يقتضي دخولَ العبد فيه.
قيل له: العبدُ لم يدخل قطَّ في هذا الخطاب، لاتفاق(٢) الجميع أنه لا
يملك قط عقد النكاح، وأنَّ المولى هو الذي يملك ذلك عليه.
مسألة: [ليس للعبد أن يتسرَّى]
(وليس للعبد أن يتسرَّى وإن أَذِنَ له مولاه).
وذلك لأنه لا يَمْلِك، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ
( ٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَلُهُمْ﴾(٣)
والدليل على أنه لا يملك: قولُ الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا
لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾(٤)، ولا يخلو المراد به من أحدٍ وجهَيْن:
إما نفيُ قُدرة العبد رأساً، أو نفي المِلك، ولا يجوز أن يكون المراد
نفي القُدرة؛ لأن العبدَ والحرَّ جميعاً قادِرَان لا يختلفان في القدرة من جهة
الرِّق والحرِّيّة، فعُلِمَ أنَّ المرادَ نفيُ الملك.
وعلى أنَّ ظاهرَه يقتضي نفيَ الجميع، إلا أنَّ الدلالة قد قامت على أنه
لم يُرِدِ القدرة، فبَقِيَ حُكْمُ اللفظ في نفي المِلك.
(١) النساء: ٣.
(٢) المغني ٤٠٩/٧.
(٣) المؤمنون: ٦، ٧ - المعارج: ٣٠، ٣١.
(٤) النحل: ٧٥.

٣١٥
كتاب النكاح
فإن قيل: فقد قال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا تَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ
عَلَى شَىْءٍ﴾(١)، والبَكَمُ لا ينفي الملك ولا الرِّق.
قيل له: ظاهرُهُ يقتضي نفيَ الملك، إلا أنا صَرَفْنَاه عن الظاهر
بدلالة(٢).
وأيضاً: فإن المراد أَبْكَمُ مملوك(٣).
[فإن قيل: إن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَ مِنْكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ
وَإِمَّ ◌ِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾(٤): فأثبتَ للعبد الغِنَىُ والفقر،
فدلَّ على أنه يملك، إذْ لو لم يملك، لكان أبداً فقيراً](٥).
قيل له: المراد الغِنَى باستباحة البُضْع، لا بالمال؛ لأنه لو كان المراد
الغِنى بالمال، لاستغنىُ كلّ مَن تزوَّج، إذ غير جائز وقوع مَخْبَر الله تعالى
(١) النحل: ٧٦، والأبكم: هو الأخرس. مختار الصحاح.
(٢) وهي ما تقدم في الكلام على الآية السابقة.
(٣) (ألا ترى إلى قوله: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنْهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهِهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾، فذِكْرُ
المولى، وتوجيهه يدل على أنَّ المراد: العبد، كأنه ذكر أولاً عبداً غير أبكم ... ثم زاده
نقصاً بقوله: ﴿أَبْكَمُ .. ﴾، فدل على أنه أراد عبداً أبكم، مبالغةً في وصل الأصنام
بالنقص وقلة الخير، وأنه مملوك متصرف فيه). أحكام القرآن للمؤلف ١٨٧/٣.
(٤) النور: ٣٢.
(٥) في الأصل: (أبكم مملوك، فإن قيل: المراد الغنى باستباحة ... ) وهو نص
ظاهر النقص والسقط، وقد أتى المؤلف في أحكام القرآن ١٨٩ بالاعتراض والرد
علیه، فأثبته منه.

٣١٦
كتاب النَّكَاح
على خلاف ما أخبر به.
وأيضاً: فإنه راجع إلى الأيامى من الأحرار؛ لأنهم هم الذين
يستغنون، ويملِكُون دون العبد، بالدلائل التي قدَّمْنا.
فإن قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن باعَ عبداً، وله مال،
فماله للبيِّع إلا أن يشترطه المُبْتَاع)) (١)، فأضاف المالَ إلى العبد، فدلَّ أنه
يملك.
قيل له: ليست هذه الإضافة إلا على وجه اليد أو النسبة، كما قال
تعالى: ﴿لَا نَدْخُلُوْ ◌ُوتَ النَِّ إِلَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾(٢).
وقال: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٣)، فأضافها تارةً إلى النبي صلى الله عليه
وسلم، وتارةً إليهن، ومعلومٌ أنَّ المِلْك لأحدهما.
وهو كقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن باعَ نخلاً، وله ثَمَرة، فثمرتُه
للبَيِّع، إلا أن يَشترطَ المبتاع)»(٤).
ولم يدل على أنَّ النخلَ يَمْلِك الثمرةَ، وهو كقولك: هذا سَرْجُ الدابة،
ولجامُها.
* ومن وَجْه النَّظر: أنَّ العبد لو كان ممَّن يملك، لوَجَبَ أن ينتقل
ملك رقبتهِ إليه بالكتابة؛ لأنه قد بَذَلَ عنها بدلاً، فكان يجب أن لا يكون
(١) تقدم.
(٢) الأحزاب: ٥٣.
(٣) الأحزاب: ٣٢.
(٤) تقدم.

٣١٧
كتاب النكاح
معتَقاً على المولىُ، وأن لا يكون ولاؤُه له، ومتىُ مَلَكَ رقبته انتقلَ إلى
نفسه، فأُعْتِقَ عليها، فلمَّ اتفق الجميع على أن المكاتب حُرٌّ على مِلك
المولىُ، دلَّ على أنَّ العبد لا يصح أن يملِك؛ لأنه لو كان ممَّن يملك،
لمَلَكَ رقبته.
مسألة : [النهي عن تزوج امرأة في عدة أختها]
قال: (ولا يتزوج المرأةَ في عِدَّة أختِها، ولا أربعَ سواها (١)، بائناً
كانت أو غيرَ بائن).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ﴾(٢)، ويحصلُ
بتزويج (٣) أختِها ضَرَرٌ من الجَمْع؛ لأنه يستلحق نَسَبَها(٤)، وتجب نفقتُهما
جميعاً وسُكْنَاهُمَا، وذلك منفيٌّ بالعموم(٥).
وأيضاً: قد اتفقنا(٦) على أنه لا يُجْمَعُ بين أختَيْن بملك اليمين في
الوطء، والمعنى فيه أنَّ الوطءَ حُكْمٌ من أحكام النكاح، فوَجَبَ على هذا
(١) أي: وليس له وهي في العدة أن يتزوج أربعاً سواها.
(٢) النساء: ٢٣.
(٣) هكذا في الأصل: (بتزويج)، وستتكرر هذه الصيغة على وزن (تفعيل) في
كلام المؤلف، وتفعيل قد يجيء بمعنى تفعُّل، أي تزوُّج، كما في فتح الباري
١٣٤/٧، مجمع بحار الأنوار ٤٤٢/٢، وسبق أن نبهت إلى هذا.
(٤) أي نسب ولد هذه وتلك، كما في أحكام القرآن للمؤلف ١٣١/٢ بتصرف.
(٥) أي عموم النهي عن الجمع بين الأختين.
(٦) في أحكام القرآن ١٣٢/٢: (اتفاق الجميع)، وينظر في اتفاقهم على منع
ذلك: المغني ٤٩٣/٧.

٣١٨
كتاب النّكَاح
أن لا يجوز له الجمع بينهما في حكم من أحكام النكاح كُلاً، وهو
استِلْحَاق النسب، ووجوب النفقة، والسُّكنى، وكونُها محبوسةً عليه
بحکم العقد.
وأيضاً: وجدنا العدَّة تَمْنَعُه من الجَمْع ما يمنعه نفس عقد النكاح،
والدليل عليه: أنَّ المرأة لمَّا كان محرَّماً عليها الجمع بين زوجَيْن في نكاح،
كانت حال العدَّة كحال النكاح نفسه في باب المنع من زوجٍ آخر، فوَجَبَ
أن يكون كذلك حكم الزوج في أن تمنعه العدة من الجمع ما يمنعه نفس
النكاح.
فإن قيل: إنما مُنْعَت المرأة التزويج؛ لأنها معتدَّة، والرجل ليس عليه
عدة، فلا يمنع.
قيل له: والرجل ليس عليه عدة إذا كانت تحته، ومع ذلك هو ممنوع
من تزويج أختها، فليس إذاً تحريم الجَمْع مقصوراً على كونها معتَدَّة.
ورُوي نحو قولنا عن علي، وابنِ عباس، وزيدِ بن ثابت، في آخَرِين
من الصحابة(١) رضوان الله عليهم.
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢٤٢/٤-٢٤٤، مصنف عبد الرزاق ٢١٧/٦،
المحلى ٢٩/١٠، الجوهر النقي ١٥١/٧ وبيَّن أنَّ أسانيدها جيدة.

٣١٩
كتاب النّكَاح
باب ما يَحْرُمُ نكاحه
وما يَحْرُمُ الجَمْعِ بَنَسَبِ وغير ذلك
مسألة : [تحريم الزواج بالأمهات]
قال: (وأمُّ الرَّجُل حرامٌ عليه، وكذلك الجَدَّات).
وذلك لأن اسم الأم يجمَعُهنَّ، وقال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُنَّهَاتُكُمْ﴾(١)، وهو اتفاقٌ من المسلمين(٢).
[يَحْرُمُ مِنِ الرَّضاع ما يَحْرُم من النَّسَب]
قال : (والرَّضاع مثلُ النَّسَب في ذلك)
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ ما يَحرُم من
النَّسَبِ))(٣).
قال أحمد: وروي عن ابن عباس(٤) في قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ
(١) النساء: ٢٣.
(٢) مراتب الإجماع لابن حزم ص٦٦.
(٣) صحيح البخاري ٢٣٥/٥، صحيح مسلم ١٠٦٨/٢.
(٤) صحيح البخاري ١٥٣/٩-١٥٤، ذكره مختصراً، وفصَّله الطبراني في
المعجم الكبير ٤٣١/١١، مصنف عبد الرزاق ٢٧٢/٦، وينظر فتح الباري ١٥٤/٩
=

٣٢٠
كتاب النِّكَاح
عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخْ
وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾(١) قال: حَرَّم الله تعالى هذا السَّبع من النَّسَب، ومن الصِّهْر
سبعٌ، يعني به قوله: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ مِّنَ
الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ وَرَبَيِبُكُمْ﴾، ﴿وَحَلَِّلُ أَبْنَابِكُمْ﴾،
﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ﴾، وقوله: ﴿وَلَا نَنكِحُواْ مَا نَكَحَ
ءَابَآؤُكُم﴾(٢)، ﴿وَالْمُحْصَنَثُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾(٣)، فهذه
سبعةٌ من جهة النَّسَب، وسبعةٌ من جهة السَّبَب.
وجملة الأمر فيه أنَّ النكاح يَحْرُم لسبعة معاني:
١- منها: ما يحرُم بالوطء دون العقد، مثل الوطء بمِلْك اليمين،
وبالزنى.
٢- ومنها: ما يحرُم بالوطء وإن لم يكن عَقْد، مثلُ حلائلِ الأبناء،
وأمَّهاتِ النساء.
٣- ومنها: ما يحرُم بهما جميعاً، كالرَّبائب.
٤- ومنها: ما يحرُم بالنَّسَب.
٥- ومنها: ما يَحْرُم بالرَّضَاع.
في الجمع بين رواية البخاري والطبراني.
(١) النساء: ٢٣.
(٢) النساء: ٢٢.
(٣) النساء: ٢٤.