Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب الوَصَايَا
شأن المؤمن أن تأدية الفرض أهمُّ عنده من فعل لنافلة وإن أَخَّره في لفظ
الوصية عنها.
* وذَكَرَ أبو حنيفة تقديمَ الزكاة على حَجَّة الفريضة، ووجهه: أنَّ
الزكاة في الأصل مما جُعِلَ أَخْذها إلى الإمام، وقد كان النبي صلى الله
عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر يأخذونها، كما يأخذون صَدَقة المواشي(١)،
إلى أن قال عثمان في خطبته في شهر رمضان: «هذا شهرُ زكاتِكم، فمَن
كان عليه دَيْن فليؤدِّه، ثم ليُزَكِّ بقيَّةَ ماله))(٢).
فوكَلَ الأداء إلى أرباب الأموال، من غير سقوط حقِّ الإمام في
أخذها.
وقاتَلَ أبو بكر الصديق في سائر الصحابة أهلَ الرِّدَّة على مَنْعِ
الزكاة (٣)، فصارت لها هذه المزية، فكانت أولى بالتقديم من الحج؛ لأن
الإمام لا مَدخل له في جَبْر الناس على الحج.
ثم بعد الزكاة حَجَّة الإسلام؛ لأنها فرض، ثم الواجبات، من كفَّارات
الأَيْمَان ونحوها.
(١) الأموال لأبي عبيد ص ٥٠٤، سنن البيهقي ١٠٩/٤، التلخيص الحبير
١٥٩/٢.
(٢) الموطأ ٢٥٣/١، الأموال لأبي عبيد ص ٣٩٥ (١٢٤٧)، سنن البيهقي
١٤٨/٤، وقد أخرج البخاري في صحيحه ٢٠٥/١٣ بسنده إلى السائب بن يزيد أنه
سمع عثمان بن عفان خطيباً على منبر النبي صلى الله عليه وسلم اهـ فقط، ولم يذكر
لفظ الحديث.
(٣) صحيح البخاري ٢٦٢/٣.

١٨٢
كتاب الوَصَايَا
* وإنما قَدَّم الحج على كفَّارات الأَيْمان، لما جاء من الوعيد في تَرْك
الحج، ولم يَجِىءٌ مثله في كفَّارات الأَيْمان، وهو ما روي عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: ((مَنْ مَاتَ ولم يَحُجَّ حَجَّةَ الإسلام، فلَمُتْ يهودياً
أو نصرانياً))(١).
وروى هشام(٢) في نوادره عن محمد: في الحج الفريضة والزكاة: أنه
يُبْدَأ بما بدأ به الميت.
قال أحمد : هذا أصح على أصولهم مما رواه أبو جعفر.
* ثم يُبْدَأُ من الواجبات بعد الحج، بما بَدَأَ به الميت في لفظ الوصية؛
لأَنَّ بَدْأَه بها في لفظ الوصية يدلّ على أنها كانت أهم عنده من غيرها.
ثم بعد ذلك بما بَدَأَ به من النوافل، حتى تُسْتَوْفَى وصاياه إن أمكن،
وإن لم يُمكن اقتُصِرَ بها على ما أَمْكَن، كما وصفنا.
مسألة : [مراتِبُ الأوصياء]
قال أبو جعفر: (والأوصياءُ الأحرارُ البالغون على ثلاث مراتب:
(١) سنن الترمذي ١٧٦/٣ وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا
الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف في الحديث
اهـ، ورواه البيهقي في سننه ٣٣٤/٤ من طريق آخر ثم قال: وهذا وإن كان إسناده غير
قوي، فله شاهد من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(٢) هشام بن عبيد الله الرازي، تفقه على أبي يوسف ومحمد، قال عنه أبو
حاتم: صدوق، ما رأيت أعظم قدراً منه، وله كتاب النوادر عن محمد، وصلاة الأثر،
توفي رحمه الله سنة ٢٠١هـ، له ترجمة في أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص١٥٥،
الفوائد البهية ص٢٢٣ وفيه اسم أبيه: عبد الله، الأعلام ٨٧/٨.

١٨٣
كتاب الوَصَايَا
فوصيٌّ مأمونٌ على ما أُوصِيَ به إليه، مُضْطَلِع (١) بالقيام به: فلا ينبغي
للحاكم أن يعترض عليه.
ووصيٌّ مأمونٌ غير مُضْطَلِعٍ بالقيام به: أيَّده الحاكم بغيره.
ووصيٌّ مَخُوفٌ على ما أُوصِيَ به: فيُخْرِجُه الحاكم من الوصية، ويقيمُ
فيها مَن يُؤْمَن عليها، ويَضْطَلِعُ بالقيام بها).
والأصل في ذلك: أنَّ الوصيَّ منصوبٌ لحفظ مال الميت، والاحتياطِ
للصغار.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾(٢)، وقال:
﴿وَأَنْ تَقُومُواْ لِلْيَتَمَى بِالْقِسْطِ﴾(٣)، وقال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَىّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ
خَيْرٌ﴾(٤).
فإذا كان الوصي مضطلعاً بها، مأموناً عليها: لم يتعرَّضْ له الحاكم؛
لأن الميت قد أَوْصَى إليه وصيةً للقيام بأمرٍ، فلا يُزَال عنها، إلا بسبب
یوجب زواله.
وإن كان مأموناً غير مضطلع بالقيام بها: أيَّده بغيره؛ لئلا يقع عليه غَبْن
فیما يتصرف فيه، ولا يجري به عليه تضييع.
وإن كان مَخُوفاً عليها: أخرجه الحاكمُ، وأقام فيها مَن يُؤْمَن عليها؛
(١) أي قويٌّ عليه، كما في القاموس المحيط (ضلع).
(٢) الأنعام: ١٥٢، من سورة الإسراء، آية رقم / ٣٤.
(٣) النساء: ١٢٧.
(٤) البقرة: ٢٢٠.

١٨٤
كتاب الوَصَايَا
لأن الحاكم منصوبٌ لحفظ أموال الناس وحقوقهم، وخاصة الأموات
والصغار منهم، فإذا خافَ من الوصيّ الخيانةَ: أخرجه من الوصية،
وأسندها إلى غيره.
مسألة : [الوصية إلى العبد]
(ومَن أوصى إلى عبده، والورثةُ صغار: فالوصية جائزة إلى أن يَبْلُغُوا
في قول أبي حنيفة).
وذلك لأن الصغار يولَّى عليهم، ولا ولاية لهم في أنفسهم، فإذا لم
يكن فيمَن خَلَفَ الميت من الورثة ذو ولاية في نفسه، جاز أن يليَ عليهم
التصرف، كما يلي عليهم الحُرُّ لو أوصىُ إليه.
* (ولو كان فيهم كبير: لم يجز).
لأن الكبير يلي على العبد، ويتصرف فيه، فلا تصح للعبد ولايةٌ ولا
تَصَرُّفٌ، مع كونه مولَئٌ عليه محجوراً.
* (وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا تصح الوصية إلى العبد).
لأن موتَ المولىُ يوجب حَجْراً عليه، فكيف تثبت له ولاية وهو
محجور عليه؟.
مسألة : [وصية الوصيِّ إلى غيره]
(وللوصي أن يوصيَ إلى غيره بما أُوْصِيَ به إليه، أَطْلَقَ ذلك له
الوصيُّ، أو لم يُطْلِقْه).
وذلك لأنه قائمٌ مقام الميت، فيتصرَّف في ماله من طريق الولاية، ألا
ترى أنه يتصرف في حال انقطاع أَمْر الميت وتصرفه، فصار بمنزلة الجَدِّ.
وإن استحق الولاية على الصغير بواسطة هو الأب: جاز له أن يوصيَ

١٨٥
كتاب الوَصَایَا
إلى غيره، فيقوم وصيُّه في مال الصغير مقامه.
وليس الوصيُّ في هذا كالوكيل، في أنه لا يجوز له أن يوكُّلَ غيره فيما
وُكِّلَ به، إلا أن يُطْلِقَ له فيه؛ لأن تصرَّف الوكيل من طريق الأَمِر، لا مِن
طريق الولاية، ألا ترى أنَّ وكالته تبطل بانقطاع أمر الميت لموته.
ويدل على ما ذكرنا أيضاً من حال الوصي: أنه يتصرف على الصغير
في سائر وجوه التجارات، وفي الكتابة، وما شابهها، فصارت الوصية إليه
مقتضية لعموم التصرف من الميت، ومن وجه التصرف عليه: أن يوصيَ
بما أُوصِيَ به إليه إلى غيره، ويقيمَه في مقام نفسه، كما كان له أن يوكِّل
بالتصرف على الصغير في حال حياته مَن شاء وإن لم ينصَّ له عليه في لفظ
الوصية إلى غيره.
وفارق الوكيلَ أيضاً مِن هذا الوجه؛ لأن الوكيل لا يوكُّل غيره،
والوصيّ يجوز توکیله.
ويدل على اختلاف حكمهما في التصرف: أنَّ لفظ الوكالة على
الإطلاق لا يستحق به التصرف في العقود، ألا ترى أنَّ مَن قال الرجل:
وكَّلْتُكَ بمالي: كان وكيلاً في حفظ ماله، ولم يملك به البيع والشراء، أو
سائر وجوه التصرف علیه.
ولو قال له: قد أوصيتُ إليك بعد موتي: جاز له التصرف فيه على
العموم، فأشبه من هذا الوجه الإذن للعبد في التجارة، أنه لما صحَّ
بإطلاق اللفظ من غير ذكر وجوه التصرف، جاز له أن يأذن لعبده أيضاً في
التجارة.
كذلك الوصي لما استفاد جواز التصرف بإطلاق لفظ الوصية، كان له
أن یوصي إلى غيره.

١٨٦
كتاب الوَصَايَا
فإن قيل: فقد تصح المضاربة بإطلاق لفظها، بأن يقول: دفعتُه إليك
مضاربة، ومع ذلك لا يدفعه مضاربة إلى غيره.
قيل له: لا تصح المضاربة بهذا اللفظ، وإنما تكون إجارة فاسدة،
يستحق فيها أجرَ المثل، وإنما تصح إذا قال: بالنصف أو الثلث ونحوه.
وأيضاً: فإنه قد دخلت تحت اللفظ جميعُ وجوه تصرُّف المضارب،
وإنما لم يجز له دفعه إلى غيره مضاربة، لما فيه من إثبات شركةٍ للثاني في
مالٍ رب المال، وليس ذلك من التصرف الذي يقتضيه عقد المضاربة في
شيء.
فأما ما كان من طريق التصرف، فله أن يفعله، ألا ترى أنه لو دَفَعَه إلى
غيره مضاربةً فاسدةً: لم يضمن، وهو متصرف فيه، كما يتصرف في
المضاربة الصحيحة، إذ لم يكن فيه إثباتُ شركةٍ للغير، وليست من طريق
التصرف.
مسألة : [تصرُّف أحد الوصيَّيْن دون الآخر]
قال: (وليس لأحدِ الوصيّيْن أن يشتريَ للورثة إذا كانوا صغاراً، إلا
الكِسْوة والطعام، وليس له أن يشتريَ لهم خادماً إن احتاجوا إليه، إلا بأمرٍ
صاحبهِ، في قول أبي حنيفة ومحمد.
قال أبو جعفر : وقال محمد بن الحسن في نوادره: ليس لأحدهما أن
يفعل شيئاً دون صاحبه، إلا ستة أشياء، فإنها تجوز له دون أَمْرٍ صاحبه،
وهي:
١ - شراءَ كفنٍ للميت ٢- وقضاءُ ديونِه ٣- وإنفاذُ وصيَّته فيما أَوْصَى به
مِن صَدَقة، أو نحوها ٤- أو شيءٍ لرجل كان له بعَيْنه في يدِ الميت، يدفعه
إليه ٥- وفي الخصومة فيما يُدَّعَى على الميت ٦- وفي الخصومة للميت

١٨٧
كتاب الوَصَايَا
فيما يدَّعيه له من الحقوق قِبَل الناس.
فأما غير ذلك من شراء أو بيع: فإنه لا يجوز له دون صاحبه).
قال أحمد : ولم يذكر شراء الكسوة والطعام للصغير في هذه الرواية،
وهو مما يجوز لأحدهما أن يفعلَه، في قولهم جميعاً.
وليس ما ذكره في النوادر، مخالفاً لما في الأصول(١)، وإنما هو تفسير
لما أُجْمِلَ ذِكْرُه في الأصول.
(وقال أبو يوسف: فعلُ أحد الوصيّيْن جائز، كقولهما جميعاً).
وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أنَّ الميت لما أَسْنَدَ الوصيةَ إليهما معاً،
فلم يرض إلا باجتماعهما على الرأي في التصرُّف، ولم يرض برأي
أحدهما دون صاحبه.
ألا ترى أنه لو وَكَّلَ رجلَيْن بالبيع: لم يكن لأحدهما أن يعقد دون
الآخر.
وأما شراء الطعام والكِسوة، فهو مما لا بُدَّ للصبي منه، وفي تأخيره
انتظاراً للآخر: ضررٌ عليه، ولا ولاية لهما فيما فيه ضرر على الصغير،
فلذلك جاز لأحدهما أن يشتريه.
وأما الخادم، فليست الحاجة إليها ضرورة، وليس في انتظار الآخر
ضرر على الصغير، فلذلك لم يجز أن يشتريَه دون الآخر.
وأما شراء الكفن، فلا يمكن تأخيره انتظاراً للآخر؛ لأنه مأمور
(١) وهي الكتب الستة لمحمد، التي هي ظاهر الرواية، أما النوادر فليست من
كتب ظاهر الرواية.

١٨٨
كتاب الوَصَايَا
بتعجيل الدَّفْن.
وأما قضاء الدَّيْن، فلأنَّ الغريم لو قَبَضَه بغير إذنه: صحَّ قبضه.
وأما إنفاذ الوصية، فإن ابنَ رُسْتُم(١) قد ذَكَرَ عن محمد وعن أبي
حنيفة أنه جائز لأحدهما دون الآخر، ولم يفصل بين شيءٍ منهما، وهو
يقتضي جواز نفاذ الوصية لإنسانٍ بعينه، وللمساكين وغيرهم.
فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أيضاً: أنَّ لأحدِ الوصيين إنفاذ وصية
الميت، سواء كانت لرجل بعينه أو للمساكين، ذكره أبو الحسن رحمه الله
في کتابه(٢) .
ووجه ذلك: أنَّ الوصية إن كانت لرجلٍ بعَيْنه، فإنه لو استوفاها
الرجل بغير إذنه، جاز كما قلنا في الدَّيْن، وإن كانت وصية بالعتق،
جاز أيضاً، كرجل(٣) وكَّلَ رجلَيْن بعتق عبده، فلأحدهما أن يعتقه دون
صاحبه.
وإن كانت وصيةً لمساكين ونحوها، فوجه جواز تصرفه: أنها لا يتعلق
بها حقٌّ على أحد، وإنما فيه نَقْل ملك الميت إلى المساكين، فصارت
كالوصية لإنسانٍ بعينه، وكمَنْ وَكَّل رجلَيْن بهبة عبده أو بعتقه، فلأحدهما
أن يفعله.
(١) إبراهيم بن رستم، أبو بكر المروزي، تفقه على محمد، وسمع من الإمام
مالك، وأحمد بن حنبل، عرض عليه المأمون القضاء فامتنع، له النوادر، كتبها عن
محمد، توفي رحمه الله سنة ٢١١ هـ له ترجمة فى الفوائد البهية ص٩- ١٠.
(٢) لعله يريد المختصر لأبي الحسن الكرخي، والله أعلم.
(٣) في الأصل: (جاز أيضاً إلى رجل).

١٨٩
كتاب الوَصَايَا
وأما الخصومة فلا تتأتى منهما لو حَضَرًا، وإنما كان يخاصم
أحدهما، فلذلك جاز لأحدهما أن يخاصم، ولأحد الوكيلين بالخصومة
أن یخاصم دون صاحبه.
ووجه قول أبي يوسف: أنهما يتصرفان من طريق الولاية؛ لأنهما
يتصرفان مع انقطاع أمر الميت، وفارقا الوكيلَيْن من هذه الجهة.
مسألة : [إسناد أحد الوصيين قبل موته الوصية إلى الوصي الآخر]
(وإن مات أحدُ الوصيَّيْن، وقد أوصى إلى صاحبه، فإن محمداً قال:
هو جائز.
قال : وهو قياس أبي حنيفة(١).
وقال أبو جعفر: قد روي عن أبي حنيفة من غير هذا الوجه، أنَّ ذلك
لا يجوز، لأن الميت رَضِيَ برأي اثنين، ولم يرضَ برأي واحد).
وجه القول الأول: أنه لما جاز له أن يوصيَ إلى آخر، ويقيمه في مال
المیت مقام نفسه، کذلك جاز له أن یسند ما کان إلیه إلى صاحبه.
ألا ترى أنه قد كان له في الحياة أن يوكِّلَ صاحبَه بالتصرف في الشراء
والبيع في مال الميت.
ووجه القول الثاني: أنَّ الميت الأول إنما رضيَ بتصرف اثنين
واجتماعهما على الرأي فيه، فلا يجوز الاقتصار به علىْ رَجُلٍ واحد.
(١) ((وهو ظاهر الرواية ... وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا ينفرد بالتصرف))،
كما في الهداية ٢٦١/٤، وظاهر الرواية هو المقدم في المذهب، وهو الذي اعتمده
ابن عابدین في حاشيته ٦/ ٧٠٥.

١٩٠
كتاب الوَصَايَا
مسألة : [تصرُّف الوصي قبل أن يَعْلَمَ أنه أُوصِيَ إليه]
قال: (وإذا أوصَىُ إلى رجل، ثم مات، فباع الوصيُّ شيئاً مِن تَركَة
الميت، ولم يَعْلَم بالوصية: جازَ بيعه، ولزِمَتْه الوصية).
وذلك لأن حق الميت قد انقطع، وبقي موقوفاً على قَبُول الوصي،
فأشبه البَيِّعَ إذا شَرَطَ الخيار للمشتري، فإنه لما انقطع حقه، وبقي موقوفاً
على حق المشتري، كان تصرف المشتري فيه مبطلاً لخياره، وملزماً له
البيع، سواءً علمَ أنه المشتري، أو لم يعلم.
ألا ترى أنه لو باع العبدَ المشترَى، وهو لا يعلم أنه الذي اشتراه: أنه
يبطل خياره، ويلزمه البيع، كذلك مسألة الوصي، لما لم يبق هناك غير
حقه: نَفَذَ بيعه، ولزِمَتْه الوصية؛ لأنه يستحيل أن يجوز بيعه إلا وهو
وصي، إذ کان غیر الوصي لا يجوز بيعه.
مسألة : [الوصية الخاصة]
قال: (ومَن أوصَى إلى رجلٍ في خاصٍّ من ماله: كان وصياً في كل
ماله في قول أبي حنيفة).
وذلك لأن الوصي يتصرَّفُ من طريق الولاية، فصار ثبوت ولايته
في شيءٍ من مال الميت، موجباً له الولاية في جميعه، كما أنَّ الأب
لما كان تصرُّفه على الصغير من طريق الولاية، جاز تصرفه في جميع
ماله.
(وفي قول أبي يوسف ومحمد: هو وصيٌّ فيما أوصَىُ به إليه خاصَّةً،
دون ما سواه).
لأن الوصية إنما تجوز أن تختَصَّ بوقت دون وقت، وبحال دون
حال، ألا ترى أنه لو قال: فلان وصيي حتى يقدُم فلان، ثم الوصية إلى

١٩١
كتاب الوَصَايَا
فلان: كانت كما أوصى في قولهم جميعاً، فأشبهت الوكالة من هذا
الوجه، فجاز أن يخصَّها ببعض التصرف دون بعض.
فإن قيل: لما صحت بإطلاق لفظٍ من غير تعيين لوجوه التصرف،
وَجَبَ أن لا يصح تخصيصها ببعض التصرف، كالإذن في التجارة،
وفارَقَت الوصية من هذا الوجه.
قيل له: هذا فاسد؛ لأن المضاربة تصح بإطلاق لفظها، من غير تعيين
وجوه التصرف، ولو خصَّها بالتصرف في بعض التجارات، دون بعض:
صحَّت على ما شَرَطَ من التخصيص.
قال أحمد : ذَكَرَ أبو جعفر أبا يوسف مع محمد، وهو مع أبي حنيفة
في هذه المسألة.
مسألة : [قبول الوصي الوصية قبل موت الموصي يلزمه الوصية]
(ومن أَوصَىُ إلى رجل، فَقَبِلَ وصيتَه في حياته، ثم مات الموصِي:
فقد لزمَتْه الوصية).
لأنها قد صحَّت بالموت، وصارت بحيث لا يلحقها الفسخ؛ لأن
فَسْخَها إنما كان يصح بمَحْضَرِ الموصِي، كالخروج من الوكالة
وفسخها، لا يصح إلا بمَحضرٍ من الموكّل، وكما لا يصح فسخ
المضاربة والشركة إلا بمَحضرٍ مِن رب المال والشريك، فلما فات ذلك
في مسألتنا بموت الموصي، صحَّت الوصية، ولزِمَتْه، ولم یکن له سبیل
إلىْ فَسْخِها.
فصل : [قبول الوصي الوصية وقد رفضها بعد موت الموصي]
قال: (ومَن أوصى إلى رجل، ثم مات، فقال الوصي: لا أَقْبَل، ثم
قَبِلَ : جاز قوله).

١٩٢
كتاب الوَصَايَا
لأن الوصية قد تمَّت من جهة الموصي، وبقيت موقوفة على
قَبُول الموصَى له ، فلم يصح فسخه لها، وكما لو فسخ المضارِب
المضاربة بغير مَحضرٍ من رب المال، لم يصح فسخه لها، وكما لو
فَسَخَ المشتري البيعَ وله فيه الخيار بغير محضر من البيِّع، لم يصح
فسخه.
مسألة : [قبول الموصى له للوصية بعد أن ردَّها وعَزَله القاضي]
قال: (فإن أخرجه القاضي من الوصية حين ردَّها: لم يكن له أن يقبَلَها
بعد ذلك).
لأن القاضي قد قام مقام الميت في التصرف عليه، فجاز له أن يُخْرجَه
منها حین ردَّها.
مسألة : [تصرف الوصي في بيع عروض الميت لقضاء الدين]
قال: (وللوصي أن يبيع عروض الميت، لقضاء ديونه، بغير محضر
من غرمائه).
لأنه قائم فيها مقام الميت، فكما جاز للميت بيع ماله بغير محضرٍ من
الغرماء، كذلك الوصي؛ لأنه يملك البيع وإن كره الغرماء.
مسألة : [تصرف الوصي في بيع مال الميت بما يتغابن الناس فيه]
قال : (ولا يجوز بيع الوصي لمال الميت إلا بما يتغابن الناس فيه).
وذلك لأنه يتصرف على الميت على وجه الاحتياط، فلا يجوز له
إتلاف ماله، إذ كان منصوباً لحفظه.
وأيضاً فإن تصرفه في ماله من طريق الحكم؛ لأن أمر الميت منقطع،
فأشبه الأب في تصرفه على الصغير، أنه مقصور على ما يُتَغَابن فيه.

١٩٣
كتاب الوَصَايَا
مسألة : [تكرار لفظ الوصية]
قال : (ومَن أوصىُ لرجلٍ بسُدُسِ ماله، ثم أوصى بعد ذلك بسدس
ماله في مجلس أو مجلسیْن: فهو سدس واحد).
لأنه لما احتمل اللفظُ التكرارَ، واحتمل استباق السدس آخر، لم تثبت
الوصية بالشك.
مسألة :
قال أبو جعفر: (وإذا أوصَى له في أحد الوصيّتَيْن بثلث ماله، كان له
ثلث ماله، ودخل فیه السدس).
لأنه إذا احتمل دخول السدس فيه، واحتمل غيرَه: لم تثبت الزيادة
بالشك، وجعلناه داخلاً في الثلث.
مسألة : [للوصي أن يحتال بمال اليتيم]
قال: (وللوصي أن يحتال بمال اليتيم(١)، إذا كان خيراً له).
لقول الله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْبَنِيمِ إِلَّا بِالَِّى هِىَ أَحْسَنُ﴾(٢)، فإذا رأى
ذلك خيراً للیتیم، فهو من الأحسن المأمور به.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن أُحِيلَ علىُ مليءٍ فَلَيَحْتَل)) (٣)،
(١) كما لو كان لليتيم دين على رجل، فأحال هذا الرجل المستدين الوصي على
رجل آخر: كان للوصي أن يحتال، أي أن يقبل هذه الحوالة إذا كان خيراً لليتيم، كما
لو كان المحال عليه مليئاً.
(٢) الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤.
(٣) تقدم.

١٩٤
كتاب الوَصَايَا
وعلى عمومه ينتظم مالَ اليتيم وغيره، ولأن الخطاب لمن له حق المطالبة
بنصيبه.
وأيضاً: فإن الوصيَّ يتصرف في مال اليتيم على وجه الاحتياط، فإن
كان ذلك إصلاحاً لليتيم فَعَلَ، وكما كان له أن يبيع ماله، وينقل حق اليتيم
من العين إلى الذمة بالولاية، جاز له أن يحتال به كالأب.
مسألة : [أوصىُ بثلث ماله لرجلَيْن وكان أحدُهما ميتاً]
قال: (ومَن أوصىُ بثلث ماله لرجلَيْن، فكان أحدُهما ميتاً: فالثلث
للحي، عَلِمَ الموصي بموته، أو لم يعلم).
وذلك لأن الميت لا تصح له الوصية بحال، فلم يزاحم به الحيَّ الذي
هو من أهل الوصية، فصار كقوله: ثلث مالي لفلان، وللحائط، فلا يمنع
ذلك من استحقاق الثلث.
مسألة : [أوصى بثلث ماله بين فلان وفلان وأحدهما ميت]
قال أبو جعفر: (ولو قال: ثلثُ مالي بين فلان وفلان، وأحدُهما
ميت: لم يكن للحي إلا النصف(١)).
لأن لفظ الوصية لم يوجب له غير النصف، وليس ذلك كقوله: لفلان
وفلان؛ لأن الثلث هاهنا موصَى به لفلان، والآخر ملحَقٌ به على جهة
المزاحمة به، فصار كقوله: ثلث مالي لفلان. إذا سَكَتَ عليه.
ويدلُّك على ذلك: أنه لو قال: ثلث مالي لفلان، كانت وصيتُه
صحيحة بالثلث، ولو قال: ثلث مالي بين فلان، وسكت: لم يستحق
(١) ((ونصفه الباقي لورثة الموصي))، كما في مختصر الطحاوي ص١٦٣.

١٩٥
كتاب الوَصَايَا
الثلث بهذا القول.
قال أبو جعفر: (وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا لم يَعْلَمْ بموته:
فللحي نصف الثلث، والثلث الباقي لورثة الموصي).
وذلك لأنه إذا لم يعلم بموته، فقد قصد إلى إيجاب نصف الثلث
للحي؛ لأن الآخر كان عنده من أهل الوصية، وإذا عَلِمَ بموته: فوصيته
لَغْوٌ، فلم يُعطَ الأول من وصيته شيئاً.
مسألة : [أوصى بثلث ماله لأجنبي ولأحد ورثته]
قال أبو جعفر: (وإذا أوصى بثلثه لأجنبي ولأحد ورثته: فللأجنبي
نصف الثلث (١)).
لأن الوصية للوارث واقعة، وتلحقها الإجازة من بقية الورثة(٢).
مسألة :
قال : (ووصيُّ الجدِّ بمنزلة الجدِّ).
لأنه قائم مقامه، فيجوز تصرفه حسبما كان يتصرف الجد، كما أنَّ
وصيَّ الأب بمنزلة الأب في التصرف، كذلك الجد.
(١) ((وكان نصفه الباقي في حكم ما أوصى به لأحد ورثته منفرداً»، كما في
مختصر الطحاوي ص١٦٢.
(٢) ((وإن لم يجز سائر الورثة: بطلت الوصية في حصة الوارث، وبقي نصف
الثلث للأجنبي، ولا يكون جميع الثلث للأجنبي، لأن إضافته إلى وارثه صحيحة، ألا
ترى أنه لو أجاز سائر الورثة جاز، وقد أوصى لكل واحد بنصف الثلث، فيكون له
ذلك))، كما في شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي ٢ / لوحة / ٥٨.

١٩٦
كتاب الوَصَايَا
مسألة : [تصرُّف وصيِّ الأب على الكبير الغائب]
قال: (ولوصيِّ الأب أن يبيع العروض على الكبير الغائب(١)، ولا يبيع
العَقَار).
وذلك لأن ولاية الوصي في هذه الحال، مقصورة على حفظ مال
الميت، لا على التصرف؛ لأن تصرفه غير جائز على الكبير، وكلّ ما كان
فيه حِفْظُ لمال الميت: جاز تصرفه فيه؛ لأن فيه حقاً للميت، يجوز أن
يلحق المیت دیْن، فیحتاج إلى قضائه من المال.
ولا يبيع العَقَار؛ لأنه محفوظٌ لا يُخشى عليه التَّلَف، ومَن أراد
تحصين ماله وحفظه صَرَفَه في شراء العقار، وأما العروض فُسرِعُ إليها
التَّلَف، وحِفْظُ بدلها من الدراهم والدنانير أيسر وأبعد من التَّوَىُ والفساد.
: (وليس للوصي أن يتَّجِرَ في شيءٍ من مال الميت إذا كان الوارث
كبيراً وإن كان غائباً).
لما وصفنا من عدم ولايته على الكبير، فإن تصرفه محصور على
حفظ المال فحسب.
مسألة : [تصرُّف وصيّ غيرِ الأب والجَدِّ]
قال: (ووصيُّ غير الأب والجد بمنزلة وصيِّ الأب على الكبير
الغائب).
يعني مثل وصي الأم، والأخ، والعم، ونحوهم، وذلك لأنهم لا
(١) وهذا فيمن مات وقد أوصى إلى رجل، ولهذا الموصي الميت ولد كبير
غائب، كما في مختصر الطحاوي ص / ١٦٣.

١٩٧
كتاب الوَصَايَا
يملكون التصرف على الصغير؛ لأن كلّ واحد منهم قائم مقام الميت
الموصي، والميت لم يكن يملك التصرف على الصغير، فوصيُّه أحرى أن
لا يملك، وإذا كان كذلك، كانت ولايته مقصورة على حفظ مال الميت،
على النحو الذي بيَّنَّاه في وصي الأب على الكبير الغائب.
مسألة :
قال : (ولوصيِّ الأب أن يَتَّجِرَ في مال الصغير).
لقول الله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾(١)، وقوله
تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ
تَقُومُواْ لِلْيَتَمَى بِالْقِسْطِ﴾(٣).
وأيضاً: فإنه قائم مقام الأب، وكما كان للأب أن يتَّجر في مال
الصغير، کذلك وصیّه.
مسألة : [الوصية بالمنافع]
قال أبو جعفر: (والوصية بخدمة العبد، وبسُكنى الدار، وبثمرة
النَّخْل، وبغَلَّة العبيد، والعَقار جائزة).
قال أحمد : يعني في خدمة العبيد، وبسكنى الدار إذا كانت الوصية
بها لإنسان بعينه.
(١) الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤.
(٢) البقرة: ٢٢٠.
(٣) النساء: ١٢٧.

١٩٨
كتاب الوَصَايَا
فأما إن أوصى بها للفقراء والمساكين: فإن الوصية لا تصح بهما في
قول أبي حنيفة، وتصح في قول محمد.
وأما بِغَلَّة العبيد، والدَّار: فتصحُّ في قولهم جميعاً.
وفرَّق أبو حنيفة بين الوصية بالمنافع لفقراء بغير أعيانهم، وبينها إذا
كانت بالمال، مِن قِبَل أنَّ الوصية بالمنافع للفقراء جاريةً مجرى الإباحة
والعاريَّة، إذ لم يستحقَّها واحدٌ بعينه.
ألا ترى أنَّ الوصيَّ لو أسكنها فقيراً، أو أَخْدَمَه العبيد ساعةً: كان له
أن يأخذها منه، فلم يستحق السكنى والخدمة إلا على سبيل العاريَّة،
والعاريَّةُ لا يستحق بها شيء، ألا ترى أنه لو أوصى بعاريةِ عبده أو داره
لغير معيَّن لم تصح.
وأما إذا كانت وصية لإنسان بعينه، فإنه يستحق المنافع، دون سائر
الناس، وليس للوصي إخراجه منها، ولا صَرْفَها إلى غيره، فجرى مجرى
المنافع المستَحَقَّة بالعقود الموجبة لها.
وإنما جازت الوصية بالمنافع لمَّا كانت لأعيان، لقول الله تعالى: ﴿مِنْ
بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْدَيْنٍ﴾(١)، وعمومُه يقتضي جوازها بالمنافع وغيرها.
وكما جاز تمليك المنافع بعقد الإجارة، جاز تمليكها بالوصية،
وجهالتُها لا تمنع صحة الوصية؛ لأنها تجوز بالمجاهيل، ألا ترى أنَّ
الوصية بالثلث جائزة، وهو لا يدري کم یکون مقداره وقت الموت.
(١) النساء: ١٢.

١٩٩
كتاب الوَصَايَا
مسألة : [الوصية بثمر البستان]
قال: (ولو أوصى لرجل بثمرة بستانه، ثم مات وفيه ثمرة: فلا شيء
للموصَى له غيرها).
وذلك لأن هذه العين قد صحت الوصية فيها لا محالة، إذ كان الاسم
ينتظمها، وما يُسْتَقْبَل حدوثٌ منها ليس في اللفظ دلالة عليه، فلم يدخل
في الوصية.
* قال: (وإن مات وليس فيه ثمرة: فله ثمرته فيما يُسْتَقْبَل مادام حيَّاً،
ولا یُورث ذلك عنه).
وإنما كان له ثمرته فيما يُسْتَقْبَل، من قِبَل أنه لمَّا لم تكن هناك في حال
الموت، وفي حال صحة الوصية ثمرة، لم تَنْصَرِف الوصية إلا في
المستَقْبَل؛ لأنا متى أمكنَنَا تصحيح الوصية على حسب ما انتظمت من
لفظها، لم تُبْطِلْها، وصُرفت الوصية، إذ كانت مما تصح الوصية به.
ولا تُورَث عنه؛ لأن الوصية كانت له، فلا يستحقها غيرُه، ألا ترى أنه
لو أوصى لرجل بخدمة عبده: لم يرثها عنه ورثتُه بعد موته.
مسألة : [الوصية بغلة بستان]
قال أبو جعفر: (ولو أوصى له بغَلَّة بستان: له ثمرتها الموجود منها،
والمستقبَل جميعاً).
وأما الثمرة(١)، فإن اللفظ يتناول الموجودَ منها، ولا ينصرف إلى
(١) أي لو كان أوصى له بثمرة بستانه، كما في المسألة السابقة، لا بغلة بستانه.

٢٠٠
كتاب الوَصَايَا
المستقبل، إلا بدلالة ما قال(١).
مسألة :
قال : (ولا تجوز وصية المسلم إلىُ الذَّمِّي).
وذلك لأن الوصيَّ يتصرف من جهة الولاية، ولا ولاء للكافر على
المسلم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾(٢).
وأيضاً: فإن الوصيَّ قائمٌ مقام الأب، ولو كان الأب كافراً، والصغير
مسلماً: لم تكن له ولاية عليه، كذلك الوصي إذا كان كافراً.
وليست الوصية كالوكالة، لما وصفنا من أنَّ الوصية ولاية، والوكالة
ليست بولاية، وإنما يتصرف الوكيل فيها من جهة الآمِر؛ لأن أمر الموكِّل
باق.
قال أحمد: وقد قال محمد في كتاب القسمة: الوصي الذمي جائز
على الصغير المسلم، ما لم يُخْرِجْه القاضي منها.
فهذا يدل على أنَّ قوله: لا تجوز وصية المسلم إلى الذمي: على معنى
الكَرَاهة (٣)، كما تُكْرَه شركة المسلم الذميَّ؛ لأنه يَسْتَحلّ في دِيْنِه ما هو
محظور في الشريعة، وتَصَرُّفُ الوصي عام، كتصرف الشريك
والمضارِب، فإذا تصرَّف: جاز تصرُّفه، كما يجوز تصرف المضارِب
(١) أي ولفظ: (الغلة): يدل على الموجود منها والمستقبل.
(٢) النساء: ١٤١.
(٣) أي أنها تصح لكن مع الكراهة، وقد نص على صحتها غير واحد، كما بيَّن
هذا ابن عابدين في حاشيته ٦/ ٧٠١.