Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كتاب الوَصَايَا
العِجْلي قال: حدثني عبد الأعلى بن واصل قال: حدثنا إسماعيل بن صَبِيْح
قال: حدثنا مبارك بن حسَّان قال: حدثنا نافع عن ابن عمر عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال:
((يا ابنَ آدم! اثنَتَان ليست لك واحدة منهما : جعلتُ لكَ نصيباً مِن
مالِك حين أَخَذْتُ بَكَظَمِك(١)، لأُطهِّرَك وأُزْكِّيَك، وصلاةُ عبادي عليك
بعد انقضاء أَجلِك))(٢).
فهذه الأخبار تدلُّ على استحباب الوصية لمَن كان ذا مالٍ كثير.
مسألة : [إجازة بعض الورثة للوصية بأكثر مِن الثلث]
قال: (ومَن أوصىُ بأكثر مِن ثلثه لأجنبي، فأجاز ذلك بعضُ ورثته بعد
موته، ولم يُجْزِ بقيتُهم: جاز له من ذلك الثلث مِن مال الموصي، وكان له
مِن نصيب مَن أجاز له ما كان يرجع إليه لو لم يُجِزْ له، ولم يَجُزْ له ما
سوی ذلك).
وذلك لأنه يستحق الثلث بغير إجازة، وما زاد عليه فهو موصى به،
ومِن كلِّ واحدٍ من الورثة بقسطه، وإجازته نافذة في نصيبه، غير جائزة في
نصيب الآخرين.
مسألة : [موت الموصى له قبل الموصي]
قال : (وإذا أوصىُ لرجلٍ، ثم ماتَ الموصَىُ له قبل الموصِي:
(١) الكَظَم محركة: الحلق أو الفم أو مخرج النفس، كما في القاموس المحيط
(كظم)، والمراد: ما جعل الله للإنسان من الوصية النافذة بعد الممات.
(٢) سنن ابن ماجه ٩٠٤/٢، قال البوصيري في الزوائد: في إسناده مقال.

١٦٢
كتاب الوَصَايَا
بَطَلَت وصيته).
لأن صحة الوصية متعلَّقة بموت الموصي، ألا ترى أنَّ الموصي له أن
يرجعَ في وصيته(١)، ويتصرَّف فيما أوصى به بسائر وجوه التصرُّف، فلما
كان كذلك، وكان الموصَى له ميتاً قبل موت الموصي، لم تصح له
و صیته.
[مسألة: موت الموصى له بعد الموصي قبل أن يقبَل الوصية]
قال : (وإن ماتَ بعد موت الموصِي، قبلَ أن يَقْبَل الوصية: كانت له
الوصية).
وذلك لأن الوصية قد تمَّتْ مِن جهة الموصِي، وانقَطَعَ حقَّه عن ماله،
وبقيَ موقوفاً على الموصَىُّ له، فأشبه المشتري إذا اشترى على أنه
بالخيار، وعليه قلنا: إن حق البِّع لما انقطع، بقيَ موقوفاً على
المشتري(٢)، وكان موتُ المشتري مسقِطاً لخياره، ومتمِّماً للشراء، كذلك
الموصى له، لمَّا كانت الوصية موقوفة عليه مع انقطاع حق سائر الناس
عنه، وَجَبَ أن يكون موتُه متمِّماً للوصية.
مسألة : [جهالة قَدْر الوصية]
قال: (ومَن أوصَىُ لرجلٍ بحظُ مِن ماله، أو بشيءٍ مِن ماله: أعطاه
الورثةُ ما شاؤوا).
(١) في الأصل: (ألا ترى أن الموصي الميت له أن يرجع غنياً ويتصرف فيما
أوصى به ... ).
(٢) أي بقي البيع موقوفاً على المشتري، لأن له الخيار، والله أعلم.

١٦٣
كتاب الوَصَايَا
وذلك لأن هذا الاسم لا يختص بمقدار معلوم، بل يقع على
القليل والكثير، وهو شيء مستَحَقٌّ من مال الورثة، فكان الخيار
إليهم في أن يعطوه ما شاؤوا، كرجلٍ أقرَّ لرجلٍ بشيء، فيكون القول
قولَه(١) في مقداره، وذلك لأنَّا لا نتيَقِّن أنه مستَحِقٌّ لأكثر مما بيَّنَه
المُقِر.
والأصل في جميع ذلك، أنا لا نُلزم المُقِرَّ إلا ما تيقَنَّا دخولَه في
إقراره، ولا يثبت من الوصية إلا ما تيقُنَّا ثبوتَه؛ لأن الأصل أنه غير ثابت،
حتى نعلم ثبوته.
مسألة : [أَوصَى لرجلٍ بسهمٍ مِن ماله]
قال أبو جعفر : (ولو أوصىُ لرجلٍ بسهمٍ من ماله: فله مثلُ أقلِّ نصيب
أحدِ الورثة، إلا أن يزيد على السُّدُس، فلا يكون له أكثر من السدس في
قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: له مثل أخسِّ سهام الورثة في هذه الوجوه
كلِّها، ما لم يجاوزها الثلث، فيجوز منه الثلث، ولم يجز ما زاد).
قال أحمد : اسم السَّهْم يتناول نصيبَ كلِّ واحدٍ من الورثة؛ لأنك
تقول: لفلان سَهْمٌ مِن كذا، وكذا سهماً، فإذا كان كذلك، أُعطيَ مثلَ
نصيب أحدِهم، ولم يجاوِزْ به أبو حنيفة السُّدس، لما حدثنا عبد الباقي بن
قانع قال: حدثنا موسى بن سهل بن عبد الحميد بالبَصْرة قال: حدثنا سُهَيل
بن إبراهيم الجَارُودِي قال: حدثنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا العَرْزَمي عن
أبي قيس عن هُزَيْل بن شُرَحْبِيل عن عبد الله بن مسعود «أنَّ رجلاً جَعَلَ
(١) كلمة: (قوله): ساقطة من الأصل.

١٦٤
كتاب الوَصَايَا
الرجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سهماً من ماله، ولم يَدْرِ
ما هو، فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجَعَلَ له السدس من
ماله))(١).
وروي نحو ذلك عن عبد الله بن مسعود مِن قوله(٢)، وروي عن إیاس
ابن معاوية (٣) أنَّ السهمَ في كلام العرب السدس.
وأيضاً: فلو كان اسم السهم يقع على أكثر من السدس، وعلى
السدس، كان النَّظَرُ يوجبُ الثاني (٤)؛ لأنه متَيَقَّن، وما عداه مشكوكٌ فيه،
فلا نثبته بالشك.
* وفي قولهما: مثل نصيب أخسِّ الورثة؛ لأنه يسمى سهماً، إلا أن
يزيد على الثلث، فلا يُعطى أكثر منه؛ لأن الوصية لا تجوز بأكثر من
الثلث.
(١) ((أخرجه البزار في مسنده، والطبراني في معجمه الأوسط عن محمد بن
عبيد الله العرزمي عن أبي قيس ... وقال: حديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى
الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه، وأبو قيس: ليس بالقوي ... ، وذكره عبد الحق
في أحكامه من جهة البزار وقال: العرزمي: متروك)). اهـ كما في نصب الراية
٤ / ٤٠٧.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٧١/١١.
(٣) قاضي البصرة، العلامة، كان يُضرب به المثل في الذكاء والدهاء والسؤدد
والعقل، ثقة من التابعين، توفي رحمه الله سنة ١٢٢ هـ، له ترجمة في سير النبلاء
١٥٥/٥، تقريب التهذيب ص١١٧ (٥٩٢)، وينظر لقوله مصنف ابن أبي شيبة
١١/ ١٧٢.
(٤) في الأصل: (الأول).

١٦٥
كتاب الوَصَايَا
مسألة : [لو أوصى بمِثْل نصيب ابنه]
قال أبو جعفر : (ومَن أوصىُ لرجلٍ بمِثلِ نصيب ابنه، وليس له وارثٌ
غير ابنٍ، فهذه وصية بنصف المال، فإن أجاز الورثةُ: أَخَذَ، وإلا: فله
الثلث).
وذلك لأن مثل النصيب ينبغي أن يكون مساوياً للنصيب، فيأخذ
نصيباً، ويزيد عليه مِثْله(١)، فيكون هو الوصية، وذلك نصف المال.
وليس هذا كوصيةٍ بنصيب الابن: فلا يجوز؛ لأن نصيب الابن هو
میراثُه ومِلگه، فلا تجوز الوصية به.
مسألة : [لو أوصى بنصيب ابنٍ، ولا ابنَ له]
(ولو أوصى له بنصيبِ ابنٍ، ولا ابنَ له: كان له بحق الوصية مثل
الذي کان يكون للابن لو كان له، مِن تركته).
وذلك لأن معنى ذلك: نصيب ابنِ لو كان، فليس ذلك وصية
بالمیراث، و کذلك لو أوصی بنصیب ابنٍ لو كان.
مسألة : [لو أوصىُ لرجل برُّبُعِ ماله، ولآخرَ بنصفه]
قال: (ومَن أوصَىْ لرجلٍ بِرُبُعِ ماله، ولآخرَ بنصفه، وأجازَتِ الورثةُ:
أَخَذَا وصيّتَهُما).
وذلك لأن المال يتَسعُ لهما، وقد أجازَتْه الورثة، لأن الوصيّتَيْن
صحيحتان، وإنما لم يكن تنفيذُهما إلا من الثلث لحقِّ الورثة، فإذا
أجازَتْها الورثةُ: نَفَذَت.
(١) أي يبقى بعد النصيب: المثل، وهو الوصية، وهو نصف المال، والله أعلم.

١٦٦
كتاب الوَصَایَا
(وإن لم يجيزوا: كان الثلثُ بينهما على سَبْعةٍ في قول أبي حنيفة؛
لأن الموصى له بالنصف يَضْرِب بالثلث، أربعةً مِن اثنَيْ عشر، والموصَى
له بالرُُّعِ، يَضرِب بثلاثة من اثْنَيْ عشر).
وإنما لم يضرِب صاحبُ النصف بما زاد على الثلث، من قِبَل أنَّ ما
زاد عليه فهو نصيب الوارث، ولا تجوز الوصية بمال الوارث، ولا يضرِب
الموصَىُّ له بما لا تصح الوصية.
وقد بيًَّا هذه المسألة ونظراءَها، في غير هذا الموضع من الكتاب.
* (وفي قول أبي يوسف ومحمد: يضربُ كلّ واحد بجميعٍ وصيته في
الثلث، فيكون الثلث بينهما على على ثلاثة))(١)، وجَعَلاَه كالقول في
الفرائض (٢).
وفرَّق أبو حنيفة بينهما، من قِبَل أنَّ سِهَامَهم صحيحة قد استحقوها،
فيضاربون بها.
وأما الوصية بأكثر من الثلث، فليست بصحيحة؛ لأنه حق الوارث،
فلذلك لم يضرب.
مسألة : [الوصية بما جاوَزَ الثلث]
قال أبو جعفر: (ولا يَضرب في قول أبي حنيفة أحدٌ ممَّن أُوصِيَ له
(١) لصاحب النصف اثنان، ولصاحب الربع منه سهم، ينظر المختصر ص١٥٨.
(٢) أي كل واحد منهما يأخذ حصته على قدر سهامه التي أوصي له بها، كما
يأخذ سهامه في الفرائض كاملة، أما أبو حنيفة رحمه الله فقد أسقط لمن أوصي له
بالنصف ما زاد من نصيبه على الثلث، والله أعلم.

١٦٧
كتاب الوَصَايَا
بشيءٍ ما (١) جاوز الثلث منه، إلا بالدراهم المرسَلة(٢)، وبقيمة نفسه إن
كان معتَقَاً في المرض، أو موصَىُ بعتقه(٣)، وبمُحَاباةٍ(٤) في البيع).
(١) في المختصر ص١٥٨ : (بما).
(٢) ((المال المرسَل يعني المطلق، غير المقيد بصفة الثلث أو الربع))، كما في
المغرب ٣٢٩/١، وذلك ((كأن يوصي لزيد بعشرين، ولعمرو بأربعين، وهما ثلثا
ماله، فالثلث بينهما أثلاثاً، لزيد عشرة، ولعمرو عشرون))، كما في اللباب للميداني
٤/ ١٧٤.
(٣) وصورة ذلك: ((أن يوصيَ بعتق عبدين، قيمة أحدهما ألف، وقيمة الآخر
ألفان، ولا مال له غيرهما، إن أجازت الورثة: عَتَقًا جميعاً، وإن لم يجيزوا: فإنهما
يعتقان من الثلث، وثلث ماله ألف، يكون بينهما على قدر وصيتهما أثلاثاً، فالثلث
للذي قيمته ألف، ويسعى في الباقي، والثلثان للآخر، ويسعى في الباقي، وهو ألف
وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث.
ولو كان كسائر الوصايا، وجب أن يسعى الذي قيمته ألف في خمسمائة: نصفٍ
قيمته، والذي قيمته ألفان، في ألف وخمسمائة: ثلاثة أرباع قيمته، لأن القياس أن لا
يضرب بما زاد على الثلث، وهو ألف، فيكون بينهما نصفان)). اهـ من الجوهرة النيرة
٣٩٦/٢، وقد أطلت في هذا النقل والذي يليه، لبيان المراد.
(٤) حاباه، محاباة، سامحه، مأخوذة من حَبوته: إذا أعطيته، كما في المصباح
المنير (حبا).
((وصورة المحاباة: إذا كان له عبدان، قيمة أحدهما ألف ومائة، وقيمة الآخر
ستمائة، وأوصى أن يباع أحدهما بمائة لفلان، والآخر بمائة لفلان، فهنا قد حصلت
المحاباة لأحدهما بألف، وللآخر بخمسمائة، وذلك كله وصية، لأنه في حالة
المرض، فإن خرج ذلك من الثلث جاز، وإن لم يخرج بأن لم يكن له مال غير هذين
العبدين، ولم يجز الورثة، فإن محاباتهما تجوز بمقدار الثلث، ويكون الثلث بينهما
=

١٦٨
كتاب الوَصَايَا
قال أحمد : ذَكَرَ أبو جعفر الدراهمَ المرسَلة، والمالُ المرسَل كله
بمنزلة الدراهم، مثلَ عشرة أثواب، وأربعين شاة، ونحو ذلك.
وفرَّق بين هذه الوصايا، وبين الوصية بجميع المال، وذلك لأن ما
زاد على الثلث إلى النصف، أو الجميع، فهو نصيب الوارث، فلا تصح
له المضاربة بها، وأما الوصية بالمال المرسل، فليست وصية بمال
الوارث.
ألا ترى أنَّ ذلك قد يجوز أن يخرج من الثلث(١)، فلا يكون للوارث
فيه حق، وكذلك يَضْرِب برقبته في العِتق في المرض، وفي الوصية
بالعتق؛ لأن حق الوارث ساقط عن الرقبة عن العتق، وصار إنما يضرب
بقيمتها، والقيمة بمنزلة الدراهم المرسلة، فيضرِبُ بها.
وكذلك المحاباة في البيع؛ لأنه وصية بالثمن، لأن الورثة لا حقَّ لهم
في أعيان التَّرِكَة، إلا أنه لو تَرَكَ عبداً واحداً، وأوصىُ ببيعه مِن فلان بمثل
قيمته، جازت الوصية بالبيع وإن لم يكن للورثة أن يمنعوا منه، فلمَّا لم
يكن لهم في عين الرقبة الموصَى ببيعها حق، وكانت وصية صاحب
المحاباة إنما هي بالثمن، صار بمنزلة الوصية بالدراهم المرسلة.
* (وفي قول أبي يوسف ومحمد: يضرب أصحاب الوصايا بوصاياهم
أثلاثاً، على قدر وصيتهما، أحدهما يضرب فيه بألف، والآخر بخمسمائة.
فلو كان كسائر الوصايا على قياس قول أبي حنيفة: وجب أن لا يضرب الموصى
له بالألف بأكثر من الثلث)). اهـ من الجوهرة النيرة ٣٩٥/٢.
(١) أي إذا اتسع الثلث لما نص عليه في الوصية من عشرين أو أربعين أو نحو
ذلك.

١٦٩
كتاب الوَصَايَا
كلها(١))، كقول الفرائض.
مسألة: [الوصية بالحَمْل وللحَمْلِ]
قال أبو جعفر: (والوصية بالحَمْل وللحمل جائزةٌ، إذا عُلِمَ أنه كان
حَمْلاً يوم الوصية(٢)).
وذلك لأن الوصية بالمجاهيل جائزة، ألا ترى أنه لو أوصى له بثلث
ماله، جازت مع جهالة مقدار ماله وقت الموت.
ويدخل فيه ما يُسْتَحدث ملكه إلى وقت الموت، وهو مجهول،
فكذلك الوصية بالحمل.
ولأنها تتعلق على الأخطار أيضاً، ألا ترى أنها تنتظم ما يستفيده بعد
الوصية إلى وقت الموت، فلما تعلَّقت على الأخطار، جازت بالمجاهيل،
وبالحَمْلِ، ومن حيث تعلَّقت على الأخطار جازت للحَمْلِ أيضاً.
وكما جاز أن يوصِيَ لغائب، ويكون بعد الموت موقوفاً على قَبُّوله،
و کما یوصي لزيدٍ إن خرج إلى مكة، ونحو ذلك.
وأيضاً: كما جاز أن يثبت الميراث للحَمْل، جازت الوصية له؛ لأنهما
جميعاً يتعلقان بالموت، وصحة الميراث في الحَمْل، يدل على صحة
الوصية به أيضاً.
(١) وبذلك يوافق الصاحبان أبا حنيفة رحمهم الله في هذه المسائل الدراهم
المرسلة، والمحاباة، والسعاية، حيث يقولون اتفاقاً بأنه يضرب بجميع وصيته، كما
بَيَّن هذا الإسبيجابي في شرحه على مختصر الطحاوي ٢ / لوحة / ٥٣.
(٢) ((كأن وُضِعِ لأقل من ستة أشهر، من يوم الوصية، لو زوجُ الحامل حياً»،
كما في اللباب ١٨٢/٤.

١٧٠
كتاب الوَصَايَا
مسألة : [لو أوصى الرجل بأَمَةٍ، ثم أوصى بها لآخر]
قال أبو جعفر: (وإذا أوصىُ بأَمَةٍ لرجل، ثم أوصى بها لآخر: كانت
بينهما نصفَيْن).
وذلك لأنه ليس تمتنع الوصيتان جميعاً لهما، على جهة الاشتراك
فيها، وليس في اللفظ دلالة على الرجوع عن الأول.
ألا ترى أنه لو أوصَى لرجل بثلث ماله، ثم أوصى لآخر بثلث ماله:
جازت الوصيتان جميعاً، ولم تكن الثانية رجوعاً عن الأولى وإن لم يملك
إلا ثلثاً واحداً.
[مسألة : ]
قال: (ولو قال: الأَمَةُ التي كنتُ أوصيتُ بها لفلان، فقد أوصيتُ بها
لفلان: كان رجوعاً عن الأولىُ، وإثباتاً للثانية).
وذلك لأنه لما ذَكَرَها في لفظ، واستأنَفَ ذِكْرَها للثانية بالفَاء، دلَّ
على الرجوع، هكذا يقتضيه ظاهر هذا اللفظ.
وليس هذا بمنزلة قوله: وقد أوصيتُ بها لفلان: فتكون بينهما نصفَين؛
لأن الواو للجميع، فصار كأنه قال: هي لهما جميعاً.
مسألة : [تصرُّف الموصِي فيما أوصَى به ببيعٍ ونحوه]
قال أبو جعفر : (وإذا أوصَى بأَمَةٍ لرجل، ثم باعَها، أو تصدَّق بها، أو
أخرجها عن مِلكه، بوجهٍ من الوجوه، أو كانت حِنطةً فَطَحَنَها: فهذا رجوعٌ
عن الوصية).
وذلك لأنه قد فعل ما لا يصح معه بقاء الوصية؛ لأن حصولَها في
ملك الغير بالبيع والهبة، وكونها مكاتَبةً يمنع صحَّة الوصية بها، فلا فَرْق

١٧١
كتاب الوَصَايَا
بين أن يقول: قد رجعتُ عن الوصية، وبين أن يفعل ما لا يصح إلا مع
الرجوع.
ألا ترى أن المشتري إذا كان بالخيار، لم يختلف حكم قوله: قد
أجزتُ البيعَ، وبين أن يفعل ما لا يصح إلا مع الاختيار في باب لزوم
الشراء، مثل الوطء، والبيع.
وكذلك الزوج إذا طلَّق امرأته رجعيَّاً، فلا فرق بين قوله: قَدْ راجعتُها،
وبين أن يفعل ما لا يصح إلا مع الرجعة، مثل الوطء، واللَّمْس، والقُبْلة
للشهوة.
والأصل في ذلك كله: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد
بن يحيىُ الأَحْوَل الحُلْوَاني قال: حدثنا محمد بن الحَكَم أبو عَمْرو
الشَّهْرَزُوْرِي قال: حدثنا محمد بن سَلَمة عن محمد بن إسحاق عن هشام
بن عروة عن أبيه عن عائشة ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لبَرِيرَة: إن
قَرُبَكِ، فلا خيار لك))(١).
وفي بعض الألفاظ: ((إن وطئك، فلا خيار لك))(٢).
(١) سنن أبي داود ٦٧٣/٢ وسكت عنه، قال ابن الملقن في تحفة المحتاج
٣٧٧/٢: وفيها عنعنة ابن إسحاق. اهـ، وقد ذكر الحديث البيهقي في سننه ٢٢٥/٧،
والزيلعي في النصب ٢٠٧/٣، وابن حجر في الفتح ٤١٣/٩ ولم يتكلموا عليه
بشيء، بل قال ابن حجر: ((روى مالك بسند صحيح عن حفصة أنها أفتت بذلك،
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر مثله، قال ابن عبد البر: لا أعلم لهما مخالفاً من
الصحابة، وقال به جمع من التابعین. اهـ.))
(٢) سنن البيهقي ٢٢٥/٧ وذكر له أحاديث أخرى تشهد له.

١٧٢
كتاب الوَصَایَا
فجَعَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم رضاها بالوطء، ومطاوَعَتَها إياه
عليه، بمنزلة قولها: قد اخترتُكَ، فكذلك ما وصفنا.
وأما الحِنطة إذا طَحَنَها، فإنما بَطَلَت الوصية فيها؛ لأن صحة الوصية
متعلِّقة بالموت، فإن لم تكن الحنطة موجودةً وقت الموت، لم تصح
الوصية.
وكذلك سائر الأفعال الحادثة في الموصى به، إذا أزالت الاسم وعُظْم
المنافع.
ألا ترى أن الغاصب يستحقه على المالك بإحداث هذه الأفعال فيه،
ويُبْطِلُ حقَّه عنه، فحقُّ الموصى له أَوْلِى بأن يَبْطُلَ عنه بإحداث هذه
الأفعال فيه.
مثل أن يوصيَ بهذا الكُفَرَّى(١)، الذي في هذا النَّخْلِ لفلان، فيصيرُ
بُسْراً(٢)، قبل أن يموت الموصي.
أو يوصيَ بهذا البَيْض لفلان، فتَحْضُنُه دجاجة، ويخرج منه فرايج:
فإن الوصية تبطل في جميع هذه الوجوه، لزوال اسم ما تعلَّقت عليه
الوصية، مع عُظْم منافعه.
قال أحمد : قال محمد في الزيادات: لو قال: أوصيتُ بهذا الرُّطَب
(١) الكُفَرَّى: بضم الكاف، وفتح الفاء، وتشديد الراء: كُمُّ النخل، لأنه يستر ما
في جوفه، كما في المغرب ٢٢٥/٢، وفي مختار الصحاح (كفر) ((الكافور: الطلع،
وقيل وعاء الطلع، وكذا الكفرَّى)) اهـ.
(٢) البُسْر: أوله طَلْع، ثم خَلال: بالفتح، ثم بَلَح: بفتحتين، ثم بُسْر، ثم رُطَب،
ثم تَمْر، كما في مختار الصحاح (بسر).

١٧٣
كتاب الوَصَايَا
لفلان، فصار تمراً قبل أن يموت الموصي: كانت الوصية باطلةً، ولكني
أستحسن أن أخيِّر هذا.
قال: ولو قال أوصيتُ بهذا العِنَب لفلان، فصار زَبيباً قبل أن يموت
الموصي، كانت الوصية باطلةً.
قال: ألا ترى أنَّ رجلاً لو غصب رجلاً عِنَباً، فجعله زَبِيباً: لم يكن
لصاحبه عليه سبيل، وأَخَذَ منه عِنَباً مثله، أو قیمته إن لم يوجد مثله.
ولو غصب رُطَباً، فجعله تمراً، كان صاحب الرُّطب بالخيار: إن شاء
أَخَذَ التمر، وإن شاء ضمَّنَه مثل رُطبه.
قال أحمد : ففرَّق بينهما في الوصية، مِن حيث افترَقا في الغصب،
مِن قِبَل أنَّ زوال عُظْم منافع العين، يقطع حقَّ المغصوب منه في أخذه،
على حسب ما بيًّّا في مسائل الغصب.
والأصل فيه: حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الشاة
المشويَّة: ((أطعِمُوها الأسرىُ))(١)، وكانت غَصْباً.
وإذا كان هذا الأصل صحيحاً، قلنا في مسألة الرُّطَب إذا صار تَمْراً في
يد الغاصب: إن حق صاحبه قائم في أَخْذه، مِن قِبَل أن عُظْمَ منافعِ الرُّطَب
قائم في التمر، مِن كون الدِّبْسِ، والخَلِّ، والنبيذ منه، كما يكون من
الرُّطب.
وأما العِنَب إذا صار زبيباً، فقد زال به عُظْم منافعه، فانقطع حق
صاحبه عنه.
(١) تقدم.

١٧٤
كتاب الوَصَايَا
مسألة : [تصرُّف المريض مرضَ الموت]
قال: (وتصرُّف المريض إذا انَّصل به الموت: بمنزلة الوصية فيما
يُعتبر فيه الثلث).
وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعدِ بن أبي وقّاص حين قال:
أتصدّق بجميع مالي؟ فقال: لا، إلى أن ردَّه إلى الثلث(١).
وجعَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عِتقَ الذي أعتق ستةَ أعبدٍ له في
مرضه، من الثلث(٢).
وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله جَعَلَ
لكم ثُلُثَ أموالكم في آخِرِ أعمارِكم، زيادةَ في أعمالكم)»(٣).
فَجَعَلَ تصرُّفَه في ماله في المرض من الثلث.
وفي حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى:
((يا ابنَ آدم! اثنتان ليستْ لك واحدةٌ منهما، جعلتُ لك نصيباً من مالِك
حين أخذتُ بكَظَمِكَ لأطهِّرَك وأُزَكِّيك، وصلاةَ عبادي عليك بعد انقضاء
أجَلِك))(٤).
فأخبَرَ أنَّ الذي له مِن ماله في المرض، نصيبٌ منه دونَ جمیعه.
وقال أبو بكر الصديق في مرضه الذي مات فيه لعائشة: ((إني كنتُ
(١) تقدم.
(٢) صحيح مسلم ١٢٨٨/٣.
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.

١٧٥
كتاب الوَصَايَا
نحلتُك جَداد عشرين وَسْقاً بالعَالية، وإنكِ لم تكوني حُزْتِه، ولا قَبَضْتِيه،
وإنما هو مال الوارث))(١).
فأضاف المالَ إلى الوارث، وأبان أن هبتَه في المرض لوارثه غيرُ
جائزة، وذلك بحضرة الصحابة مِن غير نكيرٍ مِن أحدٍ من السلف عليه،
وفيه الدلالة من وجهَيْن على ما وصفنا: أحدهما: أنه لو جازت الهبة في
الحال لوَهَبَها، لقوله: ((إن أحبَّ الناسِ إليَّ غَنَاء أنتٍ))(٢).
والثاني: قوله: ((إنما هو مال الوارث))(٣)، فأضاف المالَ إِلى الوارث
في حال مرضه، لثبوت حقه فيه.
فصل : [المرض غيرُ المميتِ غالباً بمنزلة الصحة]
قال: (والمرضُ الذي لا يُخاف فيه الموت، مثل الفَالِحِ، والسِّلِّ
الذي قد تطاول، بمنزلة الصحة).
لأنه ليس الغالب منه خوف الموت، فهو بمنزلة الصحة، وإن لم يكن
أحدٌ مِن الناس على ثقةٍ من الحياة طَرْفَةَ عَيْنٍ، في صحة أو مرض، إلا أنه
يُعْتَبَر فيه الغالب مِن أمره في العادة.
* قال : (والمرأة إذا ضَرَبَها الطَّلْق: بمنزلة المريض).
لأن غالبَ حالِها الموت في العادة، كالمريض المُدْتَف(٤).
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) الدَّنَف محركة: المرض الملازم ... وقد دنف المريض: ثقل من المرض
=

١٧٦
كتاب الوَصَايَا
** (وكذلك مَن قُدِّمَ للقتل في قصاصٍ أو رَجْمٍ).
[مسألة : ]
قال: (فأما عقود المرتد وتصرفه: فغير جائز في قول أبي حنيفة، إذا
قُتِل أو مات).
لأن الرِّدة تُزِيلُ مِلكَه، وقد بيًَّا ذلك في مواضع.
(وقال أبو يوسف: هو كالصحيح)، بمنزلة مَن وجب عليه القصاص.
(وقال محمد: هو كالمريض)؛ لأن خوفَ التلف عليه أغلب مِن خوفه
على المريض، إذ هو مباح الدم في حال الردة.
مسألة :
قال: (ومَن أوصىُ بوصايا في مرضه، وأعتقَ عبيداً له: بُدئ بالعِتق
على سائر الوصايا إن لم تخرج من الثلث، تَقَدَّم أو تأخر).
وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال:
حدثنا أبو عبد الرحمن عن حَيْوَةَ (١) قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن ((سعيد
بن المسيب قال: ((مَضَتِ السُّنَّة أنْ نَبْدَأ بالإعتاق في الوصية))(٢).
وأيضاً: لما كان العتق مما لا يلحقه الفسخ، وسائر الوصايا يلحقها
الفسخ، صار العتق آكد منها، ومتى اجتمع أمران لا يمكن إجازتهما
المشفي على الموت. اهـ، كما في تاج العروس (دنف).
(١) في الأصل: (حمزة)، والتصويب من سنن البيهقي ٢٧٧/٦، تهذيب
التهذيب ٢٢٠/١١.
(٢) سنن البيهقي ٢٧٧/٦، ولم يتكلم عليه بشيء.

١٧٧
كتاب الوَصَايَا
جميعاً، وأحدُهما ينفسخ، والآخر لا ينفسخ: فالذي لا ينفسخ أَوْلى
بالثبات، وما ینفسخ أولى بالبطلان.
ألا ترى أنَّ رجلاً لو أعتق عبدَ رجلٍ بغير أمرهٍ، وباعَه آخرُ، فأجاز
الأَمْرَيْنِ: جازَ العتق، وبَطَلَ البيع.
وكذلك لو وكَّل رجلاً بعتق عبده، وآخرُ ببيعه، فأوقَعَا الأمرَيْن معاً:
جاز العتق، وبَطَلَ البيع.
مسألة : [تقديم الوصية بالمُحَابَاة على العِتق]
قال: (ولو أعتَقَ وحابى في المرض، فإن بَدَأَ بالمحاباة فهي أَوْلَىُ،
وإن بَدَأَ بالعتق: تحاصًا في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: العِتق أَوْلِىُ، قَدَّم أو أَخَّر).
وذلك إذا لم يَسَعْهُما الثلث.
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ المحاباة حق الآدمي، قد ثبت بعِوَضٍ،
فصارت مثل الذي يُقِرُّ به المريض، فيكون أَوْلى مما إذا بَدَأَ بها، إذْ كان
مخرجه مخرج المعاوضة.
ألا ترى أنَّ مَن أقَرَّ في مرضه بدَيْن، كان مصدَّقاً على الورثة، وجُعِلَ
في الحكم كأنه قد مَلَكَ بَدَلَه، لولا ذلك لما جاز إقراره إلا من الثلث،
كذلك المُحَاباة، لما أشبهت الدَّيْن من هذا الوجه، وَجَبَ أن يُبْدَأ بها على
العتق إذا بدأ بها.
فإن قيل: فالجزء الذي فيه المحاباة، ليس بإزائه عِوَض.
قيل له: هو قد جَعَلَ الثمنَ عوضاً لجميع العبد، وأخرجه مخرج
المعاوضة، وكذلك الدَّيْن المُقَرُّ به، يجوز أن لا يكون بدلاً من شيء، إلا

١٧٨
كتاب الوَصَايَا
أنه لما أخرجه مخرج ما فيه عِوَض، كان أَوْلىُ، فكذلك ما ذكرنا.
فإن قيل: فالعتق لا يلحقه الفسخ، والبيع يلحقه الفسخ.
قيل له: الدَّين مما يلحقه الفسخ، ومع ذلك فهو أولى من العتق الذي
لا يجوز فسخه.
فإن قيل: لو كانت المحاباة بمنزلة الدَّيْن، لجازت على الورثة، ولم
تكن من الثلث، كما أنَّ الدَّين ليس من الثلث.
قيل له: افتراقهما من هذا الوجه، لا يمنع الجمع بينهما في وجوب
البَدْء به على العتق.
ألا ترى أنَّ العتق في المرض مِن الثلث، ومع ذلك يُبْدَأ به على
الوصية بالمال، لتأكَّد حاله، كذلك المحاباة لما تأكّدت بما وصفنا من
شبهها بالدين، من الوجه الذي ذكرنا، وَجَبَ أن يُبْدَأ بها على العِتق إذا بَدَأ
بها.
وأيضاً: فإن المحاباة لما ساوت العتق في باب أنَّ كلّ واحدٍ منهما قد
صحَّ في المرض، انقطع حق الميت في الرجوع فيها، ثم وجدنا للمحاباة
فَضْل مزية من جهة وقوعها على العوض، ومن جهة البَدْء بها، وعَدِمْنَا
ذلك في العتق، وَجَبَ أن تكون المحاباة مقدّمة عليه.
ألا ترى أنَّ الجميع(١) متفقون على وجوب تقديم العتق على الوصية
بالمال، لوقوعه وصحته في حياته، وانقطاع حقه في الرجوع فيه، كذلك
المحاباة، لما صار لها مِن المزية ما وصفنا، كانت أَوْلى من العتق.
(١) أي الإمام وصاحبيه، والله أعلم.

١٧٩
كتاب الوَصَايَا
فإن قيل: فالصدقة في المرض لا رجوع فيها، ولم تكن في معنى
العتق.
قيل له: يصح الرجوع في الصدقة بعد الموت، إذا لم تخرج من
الثلث، ولا يصح في المحاباة والعتق.
فإن قيل: المحاباة قد يصح فسخها، والعتق لا يصح فسخُه، فالعتق
أولى.
قيل له: المحاباة لا يصح فسخها من جهة الميت، ولا من جهة
الورثة؛ لأن للمشتري أن يقول: أنا أزيد في الثمن إلى تمام ثُلُثَي القيمة،
فلا يكون لهم سبيل إلى فسخها، وإنما يصح فسخها من جهة المشتري،
لا من جهة الميت أو الورثة، وإنما يحتاج إلى أن يعتبر ما يصح فسخه من
جهة الميت أو الورثة، فيستدل بانقطاع حقهم في الفسخ على تأكَّده، فأما
وقوع الفسخ من جهة الموصى له، فلا اعتبار به.
* وأما إذا بدأ بالعتق، ثم المحاباة: فإنهما يتحاصَّان؛ لأن العتق له
مزية البَدْء، ووقوعه قبل الموت، من غير حق فسخ فيه لأحد، والمحاباة
لها مزية العِوَض، فإنها لا يلحقها الفسخ أيضاً، فتساويا جميعاً، ولم يكن
لأحدهما مزیة علی صاحبه، فلذلك تحاصًا.
* ولأبي يوسف ومحمد: أنَّ المحاباة قد يلحقها الفسخ، إذا لم يرضَ
المشتري بزيادة الثمن، والمعتَق لا يلحقه الفسخ بحال، فكان أَوْلى منها،
كما كان العتق أوْلى من الوصية بالمال.
مسألة : [اجتماع عدة فرائض في الوصية]
قال: (ومَن أوصىُ بوصايا لقوم بأعيانهم، وأوصىُ بزكاةٍ عليه،
وكفَّاراتِ أَيمانٍ، وحَجِّ، والثلث يقصُرُ عن جميع ذلك: ضُرِبَ بالوصايا

١٨٠
كتاب الوَصَايَا
كلها في الثلث، فما كان منها حقاً لآدمي دُفِعَ إليه، ثم يُنْظَرُ إلىُ القُرَب،
فُيُبْدَأ منها بالزكاة، ثم يُثَنَّى بالحج المفروض عليه، ثم يثلَّث بما أوصى به
من ذلك في كَفَّارات أَيْمَانه، يُبْدَأَ في ذلك بالأَوْلَىُ مِن الأشياء، على ما هو
أَوْلى منها، فإن تساوت: بُدِئ منها بما بدأ به الموصي في وصيته).
قال أحمد : ذكر أبو جعفر أنه يُبْدَأ بالزكاة، ثم بالحج الفريضة، وذَكَرَ
أبو الحسن الكرخي رحمه الله أنه إذا اجتمع في الوصية فرائض ذَكَرَها،
بُدئَ بالأَوَّل فالأوَّل في لفظه(١).
فأما وجه المسألة في أنه يُضْرَب بجميع وصايا الميت في الثلث أوَّلاً:
فلأن الوصية للآدمي لا تمنع المضاربة معه في القُرَب الموصَى بها.
ألا ترى أنه لو أوصى بثلث ماله للمساكين، وأوصى بثلثه للآدمي، أنَّ
الثلث مقسوم بين المساكين، والموصى له بالثلث، فكذلك سائر القُرَب
مع الآدمي، تصير كلّ واحدة منها بمنزلة إنسان، قد أوصَى له بعينه بثلث
المال.
فإذا تضاربوا بها، استُوفيَ ما كان مِن حصة الآدمي، فدُفِعَ إليه، ثم
نُظِرَ إلى ما بقي لجهات القُرَب، فيصير كأنَّ الميت أوصَى به (٢) في هذه
الوجوه، فيُبْدَأ أوَّلاً بالفروض؛ لأنها أهمُّ وأَوْلىُ من النوافل، قَدَّم أو أَخَّرَ؛
لأنا لا نحمل أمْرَه على أنَّه قَصَدَ تضييع الفرض بتقديم النافلة، ولأن من
(١) قال - الموصلي في الاختيار ٧٣/٥: ((ومَن أوصَى بحقوق الله تعالى: قُدِّمت
الفرائض، وإن تساوت: قُدِّم ما قدَّمه الموصي إن ضاق الثلث عنها، وقيل: يبدأ بالحج
ثم الزكاة، وقيل: بالزكاة ثم بالحج) اهـ.
(٢) أي بالمال الباقي.