Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
کتاب الفَرائِض
مسألة : [الأَكْدَرِيَّة]
وقال زيد في مسألة الأَكْدَرِيَّةَ(١): وهي زوج، وأم، وأخت، وجَدٌّ،
قال: لو انفرد الجد بلا أخت: كان للزوج النصف، وللأم الثلث، وما بقي
فللجد، وهو السدس.
ولو انفردت الأخت بلا جَدٍّ: كان للزوج النصف، ولها النصف،
وللأم الثلث، فيكون للأخت في هذه الحال النصف، فإذا اجتمعا أعطى
کلَّ واحد سهمَه لو انفرد.
فجعل للزوج النصف، وللأخت النصف، وللأم الثلث، وللجَدِّ
السدس، ثم جَمَعَ ما في يد الأخت إلى ما في يد الجَد، فَجُعِلَ بينهما
للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنه يجعل الأخت مع الجد بمنزلتها مع الأخ.
* وإلى قول زيد ذهب أبو يوسف ومحمد، وسفيان الثوري(٢)،
(١) جاء في سبب تسميتها بهذا الاسم عند ابن أبي شيبة في المصنف ٣٠٢/١١:
وكيع عن سفيان قال: قلتُ للأعمش: لم سُمِيت الأكدرية؟ قال: طرحها عبد الملك
بن مروان على رجل يقال له: الأكدر، وكان ينظر في الفرائض، فأخطأ فيها: فسماها
الأكدرية، قال وكيع: وكنا نسمع قبل أن يفسر سفيان: إنما سميت الأكدرية لأن قول
زید تکدّر منها .اهـ
وينظر حاشية التحفة الخيرية للباجوري على الفوائد الشنشورية شرح الرحبية
ص١٤٦.
(٢) سفيان بن سعيد الثوري، الإمام، شيخ الإسلام، سيد الحفاظ، الكوفي
الفقيه، توفي رحمه الله في البصرة سنة ١٦١هـ، له ترجمة في تذكرة الحفاظ
٢٠٣/١، وقد ذكر قوله عبد الرزاق في مصنفه ١٠/ ٢٧٢.

١٠٢
كتاب الفرائض
ومالك(١)، والأوزاعي(٢)، والشافعي(٣).
وأما مذهب عبد الله بن مسعود وهو قول (٤) علقمة(٥)، والأسود(٦)،
ومسروق بن الأجدع(٧)، وعَبِيْدَة السَّلْمَاني(٨)، فإنه يقول:
(١) الشرح الكبير للدردير على مختصر خليل مع حاشية الدسوقي ٤ /٤٦٤.
(٢) عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، شيخ الإسلام، الحافظ، إمام عصره
عموماً، وإمام أهل الشام خصوصاً، ولد ببعلبك ثم تحول إلى بيروت، وكان أهل
الشام ثم أهل الأندلس على مذهبه مدة من الدهر، ثم فني العارفون به، وبقي منه ما
يوجد في كتب الخلاف، توفي رحمه الله سنة ١٥٧ هـ، له ترجمة في تذكرة الحفاظ
١٧٨/١، وقد نسب إليه القول بهذا البغوي في شرح السنة ٣٤٣/٨.
(٣) المهذب ٣٤/٢.
(٤) أخرج هذه الآثار ابن أبي شيبة في المصنف ٣٠٦/١١، وعبد الرزاق في
المصنف ٢٧٠/١٠.
(٥) علقمة بن قيس، فقيه العراق، خال إبراهيم النخعي، وعم الأسود بن يزيد،
كان فقيهاً إماماً بارعاً ثبتاً، وهو من كبار التابعين، توفي رحمه الله سنة ٦٢هـ، له
ترجمة في تذكرة الحفاظ ٤٨/١.
(٦) الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، الإمام الفقيه العابد، عالم الكوفة، وابن
أخي عالمها علقمة، وهو من كبار التابعين، توفي رحمه الله سنة ٧٥هـ، له ترجمة في
تذكرة الحفاظ ١ /٥٠.
(٧) مسروق بن الأجدع، الإمام الكوفي الفقيه، كان أعلم بالفتوى من شريح،
وهو من كبار التابعين، توفي رحمه الله سنة ٦٣هـ، له ترجمة في تذكرة الحفاظ
٤٩/١.
(٨) عَبيدة بن عمرو السلماني، الكوفي، الفقيه العلم، كاد أن يكون صحابياً،
أسلم زمن فتح مكة باليمن، وهو من كبار التابعين، كان يوازي شريحاً في القضاء،
=

١٠٣
كتاب الفَرائِض
إذا كانت الأخوات منفردات وجَدٌّ، مثل قول عليٍّ في ذلك؛ لأن
الأخوات لهنَّ سهام مذكورة في الكتاب، فورَّثَهُن بالتسمية، والجَدُّ لا
تسمية له، وأعطى الأخوات فرائضَهن، وما بقي فللجد.
وإذا كان إخوة منفردين، أو إخوة وأخوات مجتمعين، نَظَر إلى أحوال
الجد، فَوَجَدَ له أحوالاً مثل أحوال الأب، ووجد من أحوال الأخ أن
ميراثه مذكور في الكتاب، ووَجَدَ الأخَ من الأب والأم آكدُ حالاً من الأخ
من الأب، فسوَّى بين الجد والإخوة من الأب والأم مادامت المقاسمة
خيراً له من السدس إذا لم يكن هناك ذو سهم.
فإن كان أخت لأب وأم، وأخ(١) لأب، وجَدُّ: جعل للأخت من الأب
والأم النصف، وبقي بعد ذلك حكم التعصيب، فوَجَدَ الأخ عصبة،
وكذلك الجد، ووجد الجد آكدَ حالاً، فجعل ما بقي للجد؛ لأنهما جميعاً
عصبتان، وأحدُهما أقوى سبباً، وآكد حالاً.
وإذا كان هناك ذو سهم، وإخوة وأخوات، وجَدُّ: أعطى كلّ ذي سهم
سهمه، وجعل ما بقي بين الجد والإخوة والأخوات على روايتين:
روى الشعبي المقاسمةَ بينهم، مادامت المقاسمة خيراً له من
السدس، على نحو قول علي(٢).
وروى إبراهيم أنه قاسَمَ بينهم مادامت المقاسمة خيراً له من ثلث ما
توفي رحمه الله سنة ٧٢هـ، له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٥٠/١.
(١) في الأصل: (أخت)، لكن سيذكر المؤلف بعد قليل أنه: (أخ).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣٠٥/١١ و٣٠٧، سنن البيهقي ٢٤٩/٦ -٢٥٠.

١٠٤
كتاب الفَرائِض
بقي، أو سدس جميع المال، مثل قول زيد(١).
ولا يعتدُّ بالإخوة والأخوات من الأب مع الإخوة والأخوات من الأب
والأم في القسمة (٢)، كما يفعل زيد؛ لأن الإخوة(٣) من الأب في قول زيد
يَرُدُّون إلى الإخوة والأخوات من الأب والأم ما في أيديهم، ولا معنى
لمقاسمتهم، وهم لا يأخذون شيئاً.
ولا يفضِّلُ أُمَّاً على جد(٤)، قال: لأن أحوال الجد كأحوال الأب في
مواضع، فلا تُفَضَّل عليه، كما لا تُفَضَّل على الأب.
فإذا كانت أم، وأخت، وجدٌّ: فمِن قوله: أن للأخت النصف، وللأم
ثلث ما بقي، وما بقي فللجد(٥).
وعنه رواية أخرى(٦): أن للأخت النصف، وما بقي بين الأم والجدِّ
نصفین.
ووجه هذه الرواية: أن للجد أحوالاً مثل أحوال الأب، إلا أنه قد
تباعَدَ حال الجد؛ لأنه في دَرَجَتَيْن، والأم في درجة، فسوَّى بينهما.
وإذا كان زوج، وأم، وجَد: فمثل ذلك على الروايات الثلاث.
(١) ينظر الحاشية السابقة.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٢٦٨/١٠ ذكره من قول ابن مسعود رضي الله عنه.
(٣) في الأصل هكذا: (لأن الإخوة.
(بياض) والإخوة من الأب في
......
قول زيد)، وينظر في تصويبها فتح الباري ١٢/ ٢٢.
(٤) مصنف عبد الرزاق ٢٦٩/١٠.
(٥) كما في مصنف ابن أبي شيبة ١١/ ٣٠٢.
(٦) كما في مصنف ابن أبي شيبة ٣٠٤/١١.

١٠٥
كتاب الفَرائِض
وإن كانت بنت، وأخت، وجَدُّ: فمِن قوله أن للبنت النصف، وما
بقي فبين الأخت والجَدِّ نصفين؛ لأن الأخوات عصبة البنات بنص
السنة(١)، وليس في الجَدِّ نص رواية في التعصيب إلا أن للجد أحوالاً
لیست للأخت.
وإذا كانت بنت، وأختان، وجَدُّ، فمِن قوله: أن للبنت النصف، وما
بقي فبينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن زادت الأخوات فمِن قوله: أن المال بينهم بعد نصيب البنت،
للذكر مثل حظ الأنثيين مادامت المقاسمة خيراً له من ثلث ما بقي.
وإذا كان مع البنت أخ واحد، وجَدٌّ: فإنه يعطي البنتَ نصيبَها، وما
بقي بين الجَدِّ والأخ نصفين.
وإذا كانا أخوَيْن: فما بقي فبينهم على ثلاثة، وإن كانوا أكثر من ذلك:
أعطىُ الجَدَّ ثلث ما بقي، وما بقي فللإخوة.
(١) كما هو عند البخاري في صحيحه ٢٤/١٢ وذكر قول النبي صلى الله عليه
وسلم: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت.

١٠٦
كتاب الفَرائِض
باب ميراث ولد الملاعَنَة، وولد الزنى
قال أحمد : ولد الملاعَنة، وولد الزنى، لا نَسَبَ لهما من جهة أب،
فهما بمنزلة مَن لا أب له، ولا قَرابة من جهته، فيرثه أخوه من أمه، وأمُّه.
فإن كانت أمُّه عَتَاقة لقومٍ: كان الباقي بعد السِّهام لمَوَالِيها؛ لأنهم
عَصَبَتَه، لأن ولاء الأم لهم.
وإن لم يكن لها ولاء: كان ما بقي ردًّاً عليها، وعلى إخوته لأمه، على
قدر مواريثهم، كمَن مات وترك أُمَّاً وإخوة لأم.
مسألة : [ادِّعاء الملاعِنِ الولدَ المنفي]
قال: (وإذا ادَّعى الملاعِنُ الولدَ المنفيَّ: يثبتُ نَسَبُه، وضُرِبَ الحدَّ).
وذلك لأن إقراره بالنسب حقٌّ عليه، وما نفى(١) حق لغيره، فجَحَدَه
ثم أَقَرَّ به، صُدِّق على نفسه فيه.
وأيضاً: فلا خلاف(٢) أنه يُضرب الحدَّ، ووقوع الحد به يُبطِل حكمَ
اللِّعان، وذلك لأن اللِّعان حَدٌّ أيضاً مادام حكمه باقياً، ولا يجوز أن
يجتمع عليه حدّان.
(١) في الأصل: (بقي).
(٢) المغني ٣٤/٩.

١٠٧
كتاب الفَرائِض
مسألة: [ادِّعاء الملاعِن الولدَ المنفيَّ وقد مات، ولم يخلف ولداً]
قال : (فإن كان الولدُ قد توفي قبل ذلك، ولم يخلِّف ولداً، فادَّعَاهُ:
لم يُصدَّق على الدِّعوة، ولم يَرِثْه).
وذلك لأن نَسَبَه لا يرجع إليه بعد موته إذا لم يكن هناك حيٌّ يتعلق
عليه النسب؛ لأنه لا يجوز إثبات النسب من الميت بعد موته.
ألا ترى أنَّ مَن اذَّعىُ لقيطاً بعد موته، لم يُلتَفَت إلى دعوته، ولو ادَّعاه
وهو حيٌّ: صُدِّق، وكذلك لو باع غلاماً قد وُلِدَ عنده عن حَمْل كان في
مِلكه، فادَّعاه: صُدِّق، وفُسِخَ البيع، ولو مات في يد المشتري ثم ادَّعاه:
لم يكن لدعوته حكم، ولم يُفْسَخ البيع.
مسألة : [ادِّعاء الملاعن الولدَ المنفيَّ الذكرَ، وقد مات وتَرَكَ ولداً]
قال: (وإن كان الولدُ ذكراً، فماتَ وتَرَكَ ولداً، ثم ادَّعىُ الملاعِنُ
الولدَ الذي لاعَنَ به: ثبت النسب منه).
وذلك لأن هاهنا ولداً حيًَّ يجوز أن يتعلَّق عليه نسبه، وهو ابن الابن
مَقامَ الابن، وألحقناه به بالفراش المتقدِّم الذي نفاه باللعان، فمتى ارتفع
حُكُمُ اللُّعان وهناك ولد يجوز ثبوت النسب منه: ثَبَتَ بالفراش المتقدِّم
الذي كان يوجب ثبوته، لولا اللعان.
وليس هذا بمنزلة مَن باع جاريةً، فولدت عند المشتري لأقل مِن ستة
أشهر، ثم كَبِرَ الولد، وَوَلَدَ وَلَداً، ثم مات الولد الأول، ثم ادَّعاه البيِّع:
فلا يُصدَّق؛ لأن هذه دعوةٌ مبتَدَأة يُحتاج إلى إثباتها بَدْءاً في الولد الميت،
ثم يثبت من الثاني بعده، فإذا لم يكن الولد الأول حيّاً لم يثبت.
وإنما كانت دِعوة مبْتَدَأة؛ لأن فراش المِلك لم يكن يوجب ثبوت
النسب لولا الدعوة، ولا يجوز إثبات نسب الميت منه بدعوته، وفراش

١٠٨
كتاب الفَرائِض
النكاح قد كان يوجب إثباتَ النسب لولا اللعان، فإذا بطل حكم اللعان،
وهناك ولد حي يجوز أن يتعلق عليه ثبوت النسب: ثَبَّتْنَاه بالفراش المتقدِّم.
مسألة: [ادِّعاء الملاعِنِ الولدَ المنفيَّ وهو بنتٌ ماتت وتركت ولداً]
(ولو كان الولد المنفيُّ بنتاً، فماتت، وتَركَتْ ولداً، ثم ادَّعىُ الملاعِنُ
الولدَ المنفي: فإن أبا جعفر رحمه الله ذكر أنَّ مِن قول أبي حنيفة أن الدِّعوة
جائزة، ومردُّ النسب إليه.
قال: وقال أبو يوسف ومحمد: الدِّعوة باطلة، ولا يُرَدُّ النسبُ إليه).
قال أحمد: وليس كذلك الجواب، بل هو على القلب من هذا(١)؛
لأن مِن قول أبي حنيفة: أنه لا يُصدَّق، ولا يثبت النسب منه، ومِن
قولهما: أنه یصدَّق، ذكره محمد في كتاب الدَّعوى.
وجه قول أبي حنيفة: أن ابنَ ابنته يتصل نسبُه به مِن غير الجهة التي
يرجع إليه نسب ابنه، إنما يلحقه بالفراش، وكذلك نسب ابن الابن (٢)،
ونَسَبُ ابنِ البنت ليس يلحقه من جهة الفراش، بل بالوالدة.
فلما كان الوجه الذي منه يَلحق نسب ابن البنت، غيرَ الوجه الذي منه
يلحق نسب الابن: لم يقم مقامه في جواز الدِّعوة واستلحاق النسب، ولمَّا
كان ابن الابن يرجع إليه بالنسب من حيث يرجع إليه نسب ابنه: كان مثله،
(١) في المختصر المطبوع ص١٤٩ ذكر الطحاوي لأبي حنيفة قولين: أحدهما:
أن الدِّعوة جائزة، وقول آخر: كقول الصاحبين أنها باطلة، وما رجحه الجصاص أن
قول أبي حنيفة هو عدم الجواز، وقولهما الجواز: هو ما ذكره الإسبيجابي أيضاً في
شرحه ٢ / لوحة / ٤٦.
(٢) أي وكذلك نسب ابن الابن يلحقه بالفراش.

١٠٩
كتاب الفرائض
يُصَدَّق على الدِّعوة.
ووجه آخر: وهو أنَّ ابنَ البنت لو ثبت نسبه منه، لم يَصِرْ من قومه؛
لأن الولد يُنْسَب إلى قوم الأب دون الأم، ألا ترى أن الهاشميَّ إذا تزوج
أعجميةً، أو استولدَ جاريةً روميةً: أن الولد يكون هاشمياً، ولا يكون
أعجمياً.
ولو كانت الأم هاشمية، والأب أعجمياً: كان الولد أعجمياً، ولم يكن
هاشمياً.
فلما كان الولد يتبع الأب في النسب دون الأم: لم يُصدَّق على إلحاق
النسب مع موت الأب من جهة البنت، إذ لا يتصل النسب إليه فيه.

١١٠
كتاب الفرائض
باب مواريث المَجُوس(١)
مسألة : [ميراث المجوس فيما بينهم]
قال: (ولا يَتَوَارَث المجوسُ بالنكاح إلا ما كان منه صحيحاً).
لأن ما لم يُقَرَّ عليه بعد الإسلام، فهو فاسد، ولكنهم مخلَّوْن وما
يعتقدون، كما خلَّيْنَا بينهم وبين عبادةٍ غير الله.
ويرثُ بوجود النسب الذي بينه وبين الميت، فلو ترك المجوسيُّ
امرأةً، وهي أمُّه التي وَلَدَتْه، وهي أيضاً أختُه لأبيه كان أبوه تزوج ابنتَه،
فَأَوْلَدَها إياه: وَرَّثَتْه ثلثَ المال بالأمومة، ونصفَ المال لأنها أخته لأبيه،
وما بقي من المال يُرَدُّ عليها.
وإنما وَرِثَتْ بالقرابتَيْن؛ لأن إحداهما لا تُنافِي ميراثَ الأخرى، ألا
ترى أن القرابتَيْن لو كانتا لشخصين: وَرِثًا بهما، كذلك إذا كانتا لشخص
واحد، ألا ترى أنه لو تَرَكَ ابنَيْ عم، أحدُهما أخ لأم: فالأخ (٢) للأم يأخذ
سهم الأخ من الأم، ثم يأخذ مع ابن العم الآخر بالتعصيب، فيكون بينهما
نصفین.
(١) روى الطبري في تفسيره جامع البيان ١٢٩/١٧ عن قتادة: أن المجوس
يعبدون الشمس والقمر والنيران، وفي كتاب الملل والنِّحَل للشهر ستاني ٢٣٠/١ ما
يدل على أنهم طوائف، وأنهم كانوا قبل اليهود والنصارى.
(٢) في الأصل: (لأن الأخ).

١١١
کتاب الفَرائِض
مسألة : [تَرَكَ مجوسيٌّ امرأةً هي ابنتُه، وهي أختُه لأمه]
قال: (وإن تَرَكَ امرأةً هي ابنتُه، وهي أختُه لأمه، كأنه تزوج أمَّه،
فأولدها إياها (١): كان لها النصف لأنها ابنتُه، ولا شيء لها لأنها أختُه
لأمه؛ لأن الأختَ للأم لا ترث مع البنت).
(١) في الأصل: (إياه)، والتصحيح من المختصر ص ١٥٠، ويقتضيه السياق.

١١٢
كتاب الفَرائِض
باب الميراث بالأَرْحَام
[مسألة : ]
(وإذا ترك الرجل ابنتَه، أو أمَّه، أو أختَه لأمه، أو أخاه لأمه، ولم
يترك وارثاً سواه مِن عصبةٍ ولا غيرها: كان له من الميراث ما فَرَضَه الله له
منه، وكان ما بقي منه ردًّاً عليه برَحِمِهِ).
قال أحمد : هذه المسألة مَبْنِيَّة على مسألة توريث ذوي الأرحام، وكلّ
مَن وَرَّث الأرحام، فإنه يرى الردَّ، وكُلَّ مَن لا يرى توريث ذوي الأرحام:
فإنه لا یری الرد.
[أدلة توريث ذوي الأرحام]
والدليل على توريث ذوي الأرحام: قولُ الله تعالى: ﴿لِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا
تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَاُلْأَقْرَبُونَ وَلِلِسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَفْرَبُونَ مِمَا قَلَّ مِنْهُ أَوْكَثُرُّ
نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾(١).
فاقتضى ظاهرُ الآية توريثَ جميعِ القرابات بقوله: ﴿مِّمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ
وَاَلْأَقْرَبُّونَ﴾، فوَجَبَ توريثُهم بالآية، ثم يكون تفصيل الأنصباء موقوفاً
على قيام الدلالة عليه.
(١) النساء: ٧.

١١٣
كتاب الفَرائِض
فإن قيل: إنما عَنَى به مَن سمَّهم في آيات المواريث؛ لأنه قال:
﴿َنَصِيبًامَّفْرُوضًا﴾، وذوو الأرحام ليس لهم نصيب مفروض.
قيل له: ليس في آيات المواريث ما يوجب تخصيصَ هذه الآية؛ لأنَّا
نجعلُ المذكورين في آيات المواريث بعضَ ما انتظمت الآية.
وليس في قوله: ﴿ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾: ما يوجب أن يكونوا هم
المذكورين في آية المواريث؛ لأن ذِكر النصيب المعروف بعد قوله:
﴿لَلِّجَالِ نَصِيبٌ﴾، إنما هو تأكيد لوجوب النصيب المذكور، بأن جَعَلَه
فرضاً لازماً، ومواريث ذوي الأرحام بهذه المنزلة.
ودليل آخر: وهو قولُه تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِ كِنَبِ اَللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾(١).
وعموم ذلك يقتضي أن يكونوا أَوْلى بالميراث في كل حال، إلا
موضعاً یخصُّه الدلیل.
فإن قيل: لما كان: ﴿أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اللَّهُ﴾ : وَجَبَ اعتبار مَن نصَّ
عليه في الكتاب في الأرحام، وهو ما بُيِّن في آيات المواريث.
قيل له: ليس في قوله: ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾: ما يوجب الاقتصار بهم على ما
ذُكِرَ في غيرها من الآيات؛ لأن هذه الآية في كتاب الله أيضاً، فإن وَجَبَ
اعتبار الآيات التي فيها ذِكْر المواريث لأنها في كتاب الله، وَجَبَ أن
يستحقُّوا الميراث بأرحامهم.
(١) الأنفال: ٧٥.

١١٤
كتاب الفرائض
وأيضاً: فمعنى قوله: ﴿فِي كِتَبِ اللَّهُ﴾: في فرض الله، كما قال: ﴿كِنَبَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾(١): يعني فرضه، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
اَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾(٢)، ونحوها من الآي، فكذلك قوله تعالى: ﴿في
كِتَبِ اللَّهُ﴾: معناه في فرض الله، والله أعلم.
فإذا كان كذلك، لم يجز تخصيص الآية بما ذكرت.
ويُحتَج فيه بعموم قوله: ﴿يُوصِيكُهُ اَللَّهُ فِىّ أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
اُلْأُنثَيَيْنِ﴾ (٣).
واسم الأولاد يتناول أولاد البنت، فوَجَبَ لهم الميراث بالعموم حتى
تقوم الدلالة على أن غیرهم أُوْلی منهم.
* ومِن جهة السنة: حديث عُمَر، والمِقدام بن مَعْدِي كَرِب عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الخالُ وارثُ مَنْ لا وارث له)) (٤).
فإن قيل: لما قال: وارث مَن لا وارث له: فقد نفى أن يكون وارثاً.
(١) النساء: ٢٤.
(٢) البقرة: ١٨٣.
(٣) النساء: ١١.
(٤) سنن الترمذي ٤٢١/٤ وقال: حديث حسن صحيح، سنن أبي داود
٣٢٠/٣ وسكت عنه، سنن ابن ماجه ٩١٤/٢، صحيح ابن حبان (موارد الظمآن)
ص٣٠١، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٠/١٢، ونقل ابن التركماني في
الجوهر النقي ٢١٤/٦ عن ابن القطان أنه حديث صحيح.

١١٥
كتاب الفَرائِض
قيل له: هذا كلامُ جاهلٍ بمعنى الخطاب؛ لأن المعقول منه أنه وارثُ
مَنْ لا وارث له غيرُه، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان
يقول في دعائه: ((يا عِمَاد مَنْ لا عِمَاد له))(١)، ومعناه: مَن لا عماد له
غیرُه، وهو أظهر مِن أن يُحتَاج فيه إلى الاستشهاد.
وعلى أنه كيف يُشْكِل منه مع قوله: «هو وارث))، فتراه أثبتَه وارثاً، ثم
أخرجه من الميراث بقوله: لا وارث له.
حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم بن الحسين
قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب الحارثي قال: حدثنا شَرِيك عن ليث
عن محمد بن المُنْكَدِر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((الخالُ وارث))(٢).
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسن بن المثنى قال: حدثنا
أبو عمر الضَّرِير قال: حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن
محمد بن يحيى بن حَبَّان عن عمه واسع بن حَبَّان ((أنَّ ثابت بن الدَّحْدَاح
ماتَ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعاصم بن عَدي: هل تعلم له
شيئاً في العرب؟
(١) عزاه الإمام السخاوي مرفوعاً لمسند الديلمي، وضعَّه، كما في القول
البديع ص٤٧.
(٢) سنن الدارقطني ٨٦/٤، البيهقي ٢١٥/٦ قال البيهقي: ((هو مختلف فيه
على شريك، وليث بن أبي سليم غير محتج به)).اهـ، وتعقبه ابن التركماني بقوله:
«ليث قد أخرج له مسلم في صحيحه واستشهد به البخاري ... وأقل أحواله أن يكون
حديثه هذا شاهداً لحديث المقدام أو غيره)).

١١٦
كتاب الفرائض
قال: يا رسول الله! كان رجلاً آتِيّاً(١)، فتزوج عبدُ المنذر أختَه،
فولدت له أبا لبابة، فجعلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ميراثَه لأبي
لبابة.
قال أبو عمر: وهو ابن أخته (٢).
ويدل على صحة القول بالردِّ، وتوريث ذوي الأرحام ما حدثنا
محمد بن بكر البَصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا إبراهيم بن
موسىُ الرَّازي قال: حدثنا محمد بن حرب عن عمر بن رؤبة الثَّعْلَبِي عن
عبد الواحد بن عبد الله النَّصْري عن وَاثِلة بن الأَسْقَع عن النبي صلى الله
علیه وسلم قال:
(١) أي الذي لا يُعرف له أصل، كما في سنن الدارمي ٢٧٥/٢، وفي النهاية
٢١/١ فسَّرَه بأنه الغريب.
(٢) سنن الدارمي ٢٧٥/٢، سنن البيهقي ٢١٥/٦ قال: وهو منقطع، وقال في
٢١٦/٦: ((وقد أجاب عنه الشافعي في القديم فقال: ثابت بن الدحداحة [- ويقال ابن
الدحداح -] قتل يوم أحد قبل أن تنزل الفرائض اهـ.
وتعقبه ابن التركماني ٢١٦/٦ فقال: ((ذَكَرَ صاحب الاستيعاب عن الواقدي قال:
وبعض أصحابنا الرواة للعلم يقولون أن ابن الدحداح برأ من جراحاته، ومات على
فراشه من جرح أصابه، ثم انتقض به مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية،
ثم نقل ابن التركماني تصحيح ابن الجوزي لقول من قال إنه مات زمن الحديبية، لا
زمن أُحُد، وهذا أيضاً ما ذكره ابن حجر في الإصابة ١/ ١٩١.
قال الشوكاني في نيل الأوطار ١٨١/٦: ومما يؤيد ثبوت ميراث ذوي الأرحام
قوله صلى الله عليه وسلم: ((ابن أخت القوم منهم))، كما هو عند البخاري في صحيحه
٤٨/١٢، صحيح مسلم ٧٣٥/٢.

١١٧
كتاب الفَرائِض
((المرأة تحوز ثلاثةَ مواريث: عتيقَها، ولقيطَها، وولدَها الذي
لاعَنَتْ به))(١).
فأخبر أنها تحوز جميعَ ميراث ابنها، فثبت بذلك وجوب الردِّ، ودلّ
على توريث ذوي الأرحام؛ لأن كلَّ مَن أوجب الردَّ، ورَّث ذوي الأرحام.
ويدل عليه أيضاً: ما حدثنا محمد بن بکر قال: حدثنا أبو داود قال:
حدثنا موسى بن عامر قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا أبو محمد عيسى عن
العلاء بن الحارث عن عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى
الله عليه وسلم ((أنه جَعَلَ ميراث ابنِ الملاعَنة لأمه، ولورثتها مِن
(٢)
بعدها))(٢).
وهذا الحديث يدل من وجهين على ما قلنا:
أحدهما: أنه جَعَلَ لها جميع الميراث، ولا يُستَحقُّ الجمیعُ عندنا عنه
إلا بالردِّ، وإن أُثْبتَ الردُّ، ثَبَتَ توريث ذوي الأرحام.
ومن الوجه الآخر: أنه جَعَلَ ميراثَه لورثتها مِن بعدها، وفي ورثتها
الخالُ والخالة، فدلَّ على توريثهما إذا لم يكن غيرهما.
* فإن احتجَّ علينا بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن
موسى بن حماد البَرْبَرِي قال: حدثنا الربيع بن تَغْلِب قال: حدثنا مَسْعَدَة بن
اليَسَع عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ((سئل النبي
(١) تقدم.
(٢) سنن أبي داود ٣٢٥/٣-٣٢٦ وذكره ابن حجر في الفتح ٣١/١٢ على أنه
من شواهد الحديث السابق: ((المرأة تحوز ... ))، وأنه يقوى الحديث بتعدد طرقه
وشواهده، وكذلك قال ابن القيم في تهذيب مختصر سنن أبي داود ٤/ ١٧٧ .

١١٨
كتاب الفَرائِض
صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة، فقال: سارَّنِي جبريلُ،
وقال: لا شيء لهما))(١).
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا الحسن بن المثنى قال: حدثنا أبو عمر
الضرير قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر - قال عبد الباقي: وهو المخزومي -
عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عمر ((أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يأتي قُباء على حمارِ أو على حِمَارة، فلقيه رجلٌ فقال: يا
رسول الله! ما تقول في الخالة والعمة؟
قال: يا ربِّ خالةٌ وعمَّةٌ، ثم قال: لا شيء لهما)). كذا عن ابن عمر (٢).
قيل له: هذا الحديث يُروى عن عطاء مرسلاً عن النبي صلى الله عليه
وسلم، وحديث مَسْعَدة ضعيف.
ولو ثَبَتَ موصولاً كان خَبَرُنا أَوْلى مِن جهتين:
إحداهما: أن خبرنا مثبت، وخبرَهم نافٍ، والنفي والإثبات متى
اجتمعا في الأخبار كان الإثبات أولى بهما.
والجهة الأخرى: أن خبر النفي واردٌ على الأصل، وقد كان الأصل
(١) سنن الدار قطني ٩٩/٤ قال: لم يُسنده غير مَسْعدة عن محمد بن عمرو،
وهو ضعيف، والصواب: مرسل، المستدرك للحاكم ٣٤٣/٤ من عدة طرق، وكلها
فيها ضعف، كما بيَّنه الذهبي في تلخيصه، وابن حجر في التخليص الحبير ٨١/٣
وبيَّن أنه ما يخلو طريق من طرقه إلا وفيه علة من ضعف أو إرسال أو راو متروك،
ولهذا قال الشوكاني في نيل الأوطار ١٨١/٦: ((وكل هذه الطرق لا تقوم بها
حجة)). اهـ، وقد ذكر الجصاص عقب هذا الحديث أنه ضعيف.
(٢) المستدرك ٣٤٢/٤-٣٤٣، وهو أحد طرق الحديث السابق.

١١٩
كتاب الفرائض
نَفْي المواريث؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة والحِلْف(١)، دون الأنساب،
إلى أن أنزلَ الله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِ كِتَابِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾(٢)، وإثباتُ الميراث بالقَرابة طارئ على نفيه، فكان أَوْلَىُ؛
لأنَّا قد علمنا نفيَه بَدْءاً، وأن الإثبات حادِث بعد النفي، ولا نعلم بعد
ذلك حدوثَ إسقاطه بعد ثبوته، فصار الإثبات يقيناً من هذا الوجه،
وسقوطُه بعد ذلك مشكوك فيه.
وأيضاً: يحتمل أن يريد بقوله: لا شيءَ لهما: يعني مع ذوي السهام
المذكور سهامهم في الكتاب مع القرابات.
ويحتمل: لا شيء لهما: أي لا فرض لهما مسمّى فيه.
ءِ
فإن قال قائل: الدليل على أن ذوي الأرحام لا يستحقّون الميراث: أنه
معلوم أنَّ كلَّ إنسان فبَيْنَه وبين آدم بنو أعمامه وعصباته مَن يحجُب ذوي
الأرحام من الميراث وإن لم يكن معلوماً بعَيْنه عندنا، إلا أنَّا قد علمنا يقيناً
أن ذوي الأرحام غير مستحقُّين معهم، فلو أعطيناهم: كنّا قد أعطينا مَن
تيقّنًا أنه غير مستحقه.
قيل له: ومِن أينَ قلتَ إن لكلِّ نَسَباً إلى آدم عصبةً من جهة الأب،
وقد يجوز أن يكون في آبائه ملاعَنة، أو ولد زنى، فلا يكون له نسب من
جهة الأب، فهذه قضية فاسدة من هذا الوجه.
وعلى أنه لو كان هذا الاعتبار صحيحاً: لوَجَبَ أن لا يستحقه بيتُ
(١) وهو ما يسمى بميراث الولاء، وسيأتي بيانه في باب الميراث بالموالاة.
(٢) الأنفال: ٧٥.

١٢٠
کتاب الفَرائِض
المال، لأن بيت المال لا حظّ له في الميراث مع العصبات.
ثم كان ينبغي أيضاً أن لا يستحقَّ مولى النِّعمة الميراث؛ لأنه لا ميراث
له مع العصبة من جهة النسب.
فإن قال قائل: فقد سلَّمْنا لك أنا لا نتيَقَّن أنه له عصبة، لجواز أن
يكون في آبائه ولد ملاعَنة، أو ولد زنى لا نَسَبَ له من قِبَل الأب، وإذا
كان كذلك، وقد تَيقُنَّا مع ذلك أنه لابدَّ مِن أن يكون له قرابة وإن لم يكن
له عصبة، فلو استحقَّ ذوو الأرحام ميراثَه كما استحقَّه بيتُ المال،
لحصل(١) اليقين بأن هناك مستَحِقّاً بعينه.
ولا يلزمنا على ذلك ما لزمكم؛ لأنا لا نتيقن العصبة، فجاز أن نجعله
لبيت المال، ولمولى النِّعمة.
قيل له: فينبغي أن لو كان الرجل عرَّفَنَا بنسبٍ آبائه إلى تَمِيمٍ، أنْ لا
يستحقَّ ميراثَه بيتُ المال، وإن لم نعرف له وارثاً بعَيْنِه؛ لأنَّا قد علمنا أن
له عَصَبَةً من بني تميم، وإن لم نعرفه بعينه، فلما جاز أن يستحق ميراثه
بيتُ المال، مع علمنا بكون العصبة، كذلك يستحقه بيت المال إذا لم
نعرفْ ذوي الأرحام بأعيانهم.
* ويدل عليه مِن جهة النظر: وهو أن مَن جعله لبيت المال فإنما جَعَلَه
لجماعةٍ من المسلمين لأجل إسلامهم، وذوو الأرحام معهم إسلام
ونَسَب، فكانوا أَوْلى؛ لأن ذا السببَيْن أَوْلىُ من ذِي السبب الواحد، مثل
الأخ من الأب والأم، مع الأخ من الأب.
وأيضاً: لما كان الجَدُّ وارثاً لأجل ما لَه من الولاد، وكذلك ابنة
(١) في الأصل: (الحصول).