Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ کتاب العَطَايا فقال الرجل: أمَّا إذا بَلَغَتْ(١)، فلا أَرَبَ(٢) لي فيها، ونَبَذَها))(٣). فهذا يدل على جواز هبة المُشاع فيما يحتمل القسمة. قيل له: أما الحديث الأول: فعلى وجه الإباحة لا الهبة، وذلك يجوز عندنا. وأما قوله في الحديث الثاني، فإنما جعل له نصيبه من الغنيمة، ولا خلاف أن هبة النصيب من الغنيمة لا تجوز قبل القسمة، وإنما مراده: أنه سَأَهَب لك ما يحصل لي منها بالقسمة، وأسألُ بني عبد المطلب أن يَهُبُوا لك أنصباءهم. مسألة : [هبة الدار أو الصدقة بها علىُ رَجلَيْن] قال أبو جعفر: (ومَن وَهَبَ أو تصدَّق بدار على رجلَيْن: لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة). وذلك لأن كلَّ واحد منهما لا يصح له الملك بالهبة إلا بالقبض، وقبض المُشاع فيما يحتمل القسمة لا يصح بالهبة، ألا ترى أنه لو وَهَبَ لكل واحد منهما نصفَ دينار على حِدَة، لم تصح هبته، ولم يُملك بها، كذلك إذا وهب لهما في صفقة واحدة. (١) أي بلغت هذه الكبة هذه المرتبة والعزة، كما في حاشية السندي على النسائي ٢٦٤/٦، لأن الحديث جاء في التشديد في أخذ شيء من الفيء، والتحذير من الغلول ولو بشيء يسير. (٢) أي لا حاجة لي فيها، ينظر النهاية ٣٦/١. (٣) سنن النسائي ٢٦٣/٦، سنن أبي داود ١٤٣/٣، وسكت عنه هو والمنذري في المختصر ٢٨/٤. ٤٢ كتاب العَطَايا وليست الهبة في هذا كالرهن، لو رهَنَ داراً مِن رجلَيْن: جاز في قولهم جميعاً؛ لأن جميعَها رهن لهذا، وجميعَها رهن لهذا، ألا ترى أنه لو قضى أحدهما دَيْنَه: كان للآخر حبسُ جميعها بدَيْنه، ولا يجوز أن يقع الملك في الجمیع لكل واحد منهما. ولو وهب رجلان لرجل داراً: جاز في قولهم جميعاً، وذلك لأن الهبة لما كانت صحتها متعلقة بالقبض، وحصل قبضٌ محوزاً مقسوماً: جازت، ولم يعتبر الواهبان. * وجمع أبو جعفر بين الهبة والصدقة في السؤال(١)، ثم أجاب فيهما بجواب واحد، وهو مختلف إذا كانت الصدقة على فقيرَيْن؛ لأنه لا خلاف بينهم في جوازها (٢) إذا كانت على فقيرَيْن وإن كانت فيما يُقْسَم، وإنما الصدقة بمنزلة الهبة إذا كانت على عبدَيْن، فيكون على الخلاف. وإنما اختلف حكم الهبة والصدقة على الفقير فيما وصفنا على قول أبي حنيفة، من قِبَل أن الصدقة مخرجها القُرَب، فهي حق لله تعالى، فلما كان الذي له الحق واحداً: لم تمتنع صحتها بقبض الرجلين، كرجل وَهَبَ الرجل، وَوَكَّل الموهوبُ له رجلَيْن بالقبض: فيصح. * (وأما أبو يوسف ومحمد: فإنهما أجازا الهبة من رجلين فيما يُقْسَم إذا كانت صفقة واحدة). (١) أي في هذه المسألة التي ذكرها، وهو قوله: ((مَن وهب أو تصدق ... )) ويقال: سؤالاً ومسألة، كما في مختار الصحاح (سأل). (٢) أي الصدقة. ٤٣ کتاب العَطَايا لأنهما عَقْدٌ واحد في مَحُوز مقسوم، ولا يبطلها كون الموهوب له اثنین. ألا ترى أنه لو باع عبدَيْن من رجلَيْن بثمنٍ واحد: جاز، ولم يُعتبر ما لكل واحدٍ منهما من الحصة في العقد، ولو اعتُبِرَت الحصة: بَطَلَ العقد، و کذلك ما وصفنا. ولو وهبها لرجلين لكل واحد منهما نصفها: لم يجز أيضاً في قول أبي حنيفة، وجاز في قولهما. وإنما جاز على قولهما وإن سمَّى لكل واحد منهما نصفها؛ لأن ما ذكره من تسمية النصف هو الذي أوجبه العقد، فتسميته وتركه سواء. ولو قال: قد وهبتُ لكما هذه الدار ثُلُثَها لهذا، وثلثَيْها لهذا: لم يجز في قول أبي يوسف؛ لأن ذلك بمنزلة (١)، إذ ليست القسمة على الثلثين والثلث من موجَب العقد الأول. وفي قول محمد هي جائزة؛ لأن ذِكْره الثلثين والثلث، لا يُخرج العقد من أن يكون صفقة واحدة، ألا ترى أنه لو قال لرجلَيْن: قد بعتُكُما هذا العبدَ بألف درهم، ثلثُه لهذا، وثلثَاه للآخر: أن ذلك صفقة واحدة، كذلك ما وصفنا. (١) أي هذه المنزلة في تفضيل أحد النصيبين في معنى إفراد العقد لكل واحد منهما، ومطلق العقد لا يحتمل التفاضل، فيظهر أن قصده ثبوت الملك في البعض، فيتحقق الشيوع، ولا تصح هبة المشاع، فلم يجوِّز أبو يوسف هذه الصورة من الهبة، والله أعلم، ينظر بدائع الصنائع ٣٦٨٦/٨، البناية ٨٢٥/٧. ٤٥ كتاب اللُّقَطَة والآبِق كتاب اللُّقَطَة والآبِقِ مسألة : [حكم أخذ اللقطة، وما ينبغي على الملتقط] قال أبو جعفر: (وإذا وَجَدَ الرجل لُقَطَةً، فينبغي له أن يَعْرِفَ عِفَاصَها(١)، ووكَاءَها (٢)، وكَيْلَها، وعَدَدَها، ووَزْنَها، وأن يُشْهِدَ أنه إنما يأخذها ليعرِّفَها، ثم يعرِّفُها بعد ذلك سَنَةً في الأسواق، وعلى أبواب المساجد، فإن جاءَ صاحبُها، واستحقَّها ببيِّنة أَقَامَها عليها: دَفَعَها إليه، وإلا: تصدَّق بها، ولم يأكُّلْها، إلا أن يكون ذا حاجةٍ إليها). قال أحمد : هذا الفصل يشتمل على مسائل: منها: أنَّ له أَخْذَ اللقطة. ومنها: معرفة العِفَاص: أي الوعاء، والوِكاء، والوزن. ومنها: تعريفُها حولاً. ومنها: أن مدَّعيَها لا يستحقها إلا بالبيِّنة. ومنها: أنه لا يأكلها إذا كان غنياً. (١) العِفاص: الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك، النهاية ٢٦٣/٣. (٢) الوكاء: الخيط الذي تُشد به الصرة والكيس وغيرهما، النهاية ٢٢٢/٥. ٤٦ كتاب اللُّقَطَة والآبق [أدلة إباحة اللقطة] وأما وجه إباحة أخذها: فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن وَجَدَ لُقَطَةًّ فلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ)»(١). فأباح أخذَها، وأَمَرَ بالإشهاد عليها. ومنها: ((حديث أُبَيِّ بن كعب أنه وَجَدَ صُرَّةً فيها مائة دينار، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتعريفها، فلما لم يجد مَن يَعْرِفُها قال: اِحِفَظْ عَدَدَها ووِكَاءَها))(٢). وروى زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك(٣). ولم يذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن على الملتَقِط أخذَها، فدلّت على أن لواجدها التعريفَ والردَّ على صاحبها. ويدل عليه حديث عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ضالَّة الغَنَم: لكَ، أو لأخيك، أو للذئب، خُذْها» (٤). (١) سنن أبي داود ٣٣٥/٢، وسكت عنه هو والمنذري في المختصر ٢٦٩/٢، سنن ابن ماجه ٨٣٧/٢، وصححه ابن حبان (موارد الظمآن) ص / ٢٨٤ (١١٦٩)، ورواه الطبراني، وله طرق كما في التلخيص الحبير ٧٤/٣. (٢) صحيح البخاري ٧٨/٥، صحيح مسلم ١٣٥٠/٣، وقد أورده المصنف مختصراً. (٣) صحيح البخاري ٨٠/٥، صحيح مسلم ١٣٤٦/٣. (٤) صحيح البخاري ٨٠/٥، صحيح مسلم ١٣٤٦/٣. ٤٧ كتاب اللُّقَطَة والآبق * فأما وجه ما روى مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّيْرِ عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يُؤوي الضالَّة إلا ضالٌّ)(١): فهو على أنه إذا أرادَ أخذَها لنفسه، أو ليأكلها وهو غني عنها، بدلالة الأخبار الموجبة لإباحة أخذِها. [معرفة أوصاف اللقطة ودفع اللقطة بذكرها] وأما قوله: فليَعْرِفْ عِفَاصَها ووكاءَها: فإنما روى أُبَيُّ بن كعب وزيد بن خالد الجُهَني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فليَعْرِف عِفَاصَها ووِكاءَها))(٢) . وقد تنازع أهلُ العلم في معنىُ أَمْرِه عليه الصلاة والسلام بمعرفة العِفَاص والوِكَاءِ. فقال قائلون: المعنى فيه: أن يُعْرَف على هذا الوجه، ليتميَّز من ماله، ولا يختلط به. وقال آخرون: لكي إن جاء مَن عَرَفَ صفتَها ووزنَها، [فلا](٣) يَمنع الملتقِطُ دفعَها إليه، وإن لم يستحقّها مِن جهة الحكم. وقال آخرون: هذا يدل على أن مَن جاء ووَصَفَ صفتَها: استحقّها (١) صحيح مسلم ١٣٥١/٣ بلفظ: ((مَن آوى ضالة، فهو ضال ما لم يعرفها))، ويلفظ المؤلف أخرجه أبو داود في سننه ٣٤١/٢، وابن ماجه ٨٣٦/٢. (٢) صحيح البخاري ٨٠/٥، صحيح مسلم ١٣٤٦/٣. (٣) ساقطة من الأصل، وبها يستقيم المعنى، ينظر أحكام القرآن للجصاص ١٧١/٣. ٤٨ كتاب اللُّقَطَة والآبق بالصفة وإن لم تَقُم له بيِّنَةٌ، وهو قول ابنِ أنس(١). والوجهان الأولان صحيحان عندنا، والوجه الثالث فيه خَلَل، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((البيِّنة على المدعي، واليمين على المدعى عليه))(٢). واسم المدَّعي لازمٌ [لطالب](٣) اللَّقَطَة، فلا يُصَّدق عليها إلا ببيِّنة، والصفة ليست ببينة؛ لأن رجلاً لو اذَّعى شيئاً في يد غيره: لم تكن صفتُه إياه موجبةً له استحقاقَه، ولا كانت الصفة ببيِّنة. وكذلك لو تنازع رجلان شيئاً في أيديهما، ووَصَفَه أحدُهما بصفة لم يصِفه بها الآخر، لم يجز أن يستحقه الواصفُ دون الآخر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم للمدِّعي الذي خاصَمَ صاحبه في أرض ادَّعاها: ((شاهداك أو يمينُه، ليس لك إلا ذلك))(٤). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أُعْطِيَ الناسُ بدعاويهم: لادَّعىُ ناسٌ دماءَ ناسٍ، وأموالَهم، ولكن البيِّنة على المدعي))(٥). فمَنَعَ أن يستَحِقَّ أحدٌ بقوله شيئاً. (١) أي مالك بن أنس إمام دار الهجرة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام -، المتوفى سنة ١٧٩هـ، وينظر قوله رحمه الله في هذه المسألة في المنتقى للباجي ١٣٦/٦، الخرشي على خليل ١٢١/٧. (٢) تقدم. (٣) في الأصل: (لازم للقطة). (٤) صحيح البخاري ٢٨٠/٥، صحيح مسلم ٠١٢٢/١ (٥) صحيح مسلم ١٣٣٦/٣. ٤٩ كتاب اللُّقَطَة والآبق * فإن احتجوا بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد وربيعة بن أبي عبد الرحمن عن يزيد مولى المُنْبَعِث عن زيد بن خالد الجُهَني أن رجلاً سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال: عَرِّفْها سنةً، ثم اعْرِفْ وِكاءَها وعِفاصَها، فإن جاءَ صاحبُها فَعَرَف عفاصَها وعَدَدَها، فادْفَعْها إليه. قال: وقال حماد أيضاً: عن عبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله(١). وبما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد قال: حدثنا سَلَمة بن كُهَيْل عن سويد بن غَفَلة عن أُبَيِّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في اللقطة، وذكر الحديث، وقال: «فإن جاءَ صاحبُها، فَعَرَف عَدَدَها ووكاءَها، فادْفَعْها (٢) إلیە))(٢). * قيل له: لفظ الحديث في الأصل: ((فإن جاء صاحبُها))(٣). وفي بعضها: ((فإن جاء ربُّها، فادْفَعْها إليه)) (٤). وقد روى جماعة عن ربيعة عن شيوخ حماد بن سلمة الذين روى (١) صحيح مسلم ١٣٤٩/٣، ١٣٥١، وما ذكره المصنف هو سند ومتن أبي داود في سننه ٣٣٤/٢. (٢) تقدم. (٣) كما في رواية مسلم ١٣٤٩/٣. (٤) كما في رواية البخاري ٩١/٥. ٥٠ كتاب اللُّقَطَة والآبِق عنهم، فلم يذكروا فيه: ((فَعَرَف عِفاصَها، فادْفَعْها إليه))، وإنما غَلِطَ فيه حماد بن سلمة على ما قيل. حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: هذه الزيادة التي زاد حماد بن سلمة في حديث سلمة بن كُهَيْل ويحيى بن سعيد وربيعة وعبيد الله: ((إن جاء صاحبُها فَعَرَف عِفاصَها ووِكاءَها فادفَعْها إليه)): ليست بمحفوظة: ((فعَرَف ◌ِفاصها ووكاءها))(١)، وأهلُ النقل لا يشكّون في كثرة غلط حماد بن سلمة(٢). ورواه أيضاً عُقْبَة بن سُوَيَد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه: ((فإن جاء صاحبُها فادْفَعها إليه))(٣)، ولم يقل: ((فعَرَف عِفاصَها)). وعلى أنه لو ثَبَت لفظُ حديث حماد بن سلمة: كانت فائدته إباحة دفعِها إليه بعد الصفة، لا على جهة استحقاقها من جهة الحكم، لدلائل الشَّبَه والأصول. فإن قيل: قد اعتبرتُمُ العلامةَ في مواضع المستأجر والمؤجر إذا اختلفا في أبوابٍ، أو جذوعٍ موضوعةٍ في الدار، أنها إن كانت مُشْبهةً للجذوع (١) كما أفاد هذا أبو داود في سننه ٣٣٤/٣، لكن تقدم أنه رواه مسلم في صحيحه، وقد قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٢٦٩/٢: ((هذه الزيادة أخرجها مسلم في صحيحه من حديث حماد، وقد أخرجه الترمذي والنسائي من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل بهذه الزيادة، فقد تبين أن حماداً لم ينفرد بالزيادة، بل تابعه علیھا من ذكرناه)).اهـ (٢) قال الإمام الذهبي في المغني ٢٧٩/١ ((حماد بن سلمة، إمام ثقة، له أوهام وغرائب، وغيره أثبت منه)). وينظر الكاشف ٢٥٢/١. (٣) كما في رواية مسلم ١٣٤٩/٣. ٥١ كتاب اللُّقَطَة والآبِق التي في بناء الدار لو كان أحد مصراعي باب مركّب في بيت من الدار، كان القول قول المؤجر، وإن كان مخالفاً لما في الدار، فالقول قول المستأجر. وقلتُم في اللَّقِيْط إذا ادعاه رجلان، ووَصَفَ أحدُهما علامةً في جسده، فصاحب العلامة أَوْلى به، فَهَلاَّ حَكَمْتُم بالعلامة في اللقطة. قيل له: أما مسألة المستأجر والمؤجر واختلافهما، فليست من مسألتنا في شيء؛ لأنه لم يصف هناك أحدُهما علامةً استَحَقَّ بها شيئاً، وإنما لهما جمیعاً يدٌّ في الدار. وكان اشتباه جذوع الدار، ومصراعي الباب، دلالة على تأكيد أحدهما، كما في الزوجين إذا اختلفا في متاع البيت، فإنما يُعتبر من هذا المعنى أيضاً في المواضع التي تكون يد كل واحد منهما ثابتة في جميع الشيء المدَّعى من جهة الحكم، فأما إن كان في يد كل واحد منهما نصفه، فهذا الاعتبار ساقط. وأما مسألة اللَّقَطَة، فإنما يريد المدَّعي استحقاقَ يدِ مَنْ هي في يده بالعلامة والصفة، وذلك غير جائز بدلالة السنَّة، واتفاق الجميع(١) على أن المدعي لا يستحق بالعلامة شيئاً في سائر المواضع. وأما مسألة اللقيط، فغير مشبهة لما ذكرنا أيضاً؛ لأن المدعي لنَسَب اللقيط مصدَّق في دعوته لو انفرد بها من غير بيِّنة ولا علامة، فإذا تنازعه رجلان، واختَصَّ أحدُهما بذكر العلامة: كان ذلك مؤكِّداً لدعوته، وجاعلاً له مزيةً ليست للآخر، فلذلك اختلفا. (١) لم أهتد إلى تخريجه. ٥٢ كتاب اللُّقَطَة والآبِق وإنما أثبتنا حكم العلامة والصفة في تأكيد الدِّعوة، لا في إثبات النسب؛ لأن النسب يثبت بنفس الدّعوة من غير ذكر علامة. فصل : [تعريف اللقطة حولاً] وأما التعريف، فلما ذُكِرَ في سائر الأخبار التي قدَّمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بتعريفها حولاً. * وإنما قلنا إن الملتَقِط إذا كان غنياً: لم يأكل منها، لقول الله تعالى: وَإِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾(١)، وهذه أمانة قد حصلت في يده مأمور بردِّها، فلا يجوز له أكلها؛ لأن أكلَه إياها ينافي الرد. فإن قيل: والصدقة بها تنافي الردَّ، فينبغي أن لا يتصدق بها. قيل له: كذلك يقتضيه الظاهر، إلا أنا خصصناه بالاتفاق. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ (٢). [الانتفاع باللقطة] واللقطة مال الغير، فلا يجوز لملتقطٍ أكلُها إلا بالتراضي، وأجزنا للمتصدَّق عليه أكلها بالاتفاق، وخصصناه من الآية. ويدل عليه قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل مال امرىءٍ (١) النساء: ٥٨. (٢) النساء: ٢٩. ٥٣ كتاب اللُّقَطَة والآبق مسلمٍ إلا بطيبة من نفسه))(١). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((على اليدِ ما أَخَذَتْ حتى ترد))(٢). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يَحْلِبَنَّ أحدُكم ماشيةَ غيره بغير (٣) إذنه))(٣). وقال مُطَرِّف بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ضالَّة المؤمن حَرَقُ النَّار))(٤). وروىُ جَرِير بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يُؤْوِي الضالّة إلا ضالَ))(٥). ومعلوم أن المراد: إذا أَخَذَها لنفسه وهو غنيٌّ عنها، بدلالة اتفاق الجميع(٦) على جواز أخذها للتعريف والرد. فإن قيل: اللقطة لا تسمی ضالة. قيل له: ليس كذلك؛ لأن في حديث عبد الله بن الشِّخِّير قال: ((قَدِمْنا على النبي صلى الله عليه وسلم في نَفَرِ فقال: ألا أَحْمِلُكم؟ (١) تقدم. (٢) تقدم. (٣) صحيح البخاري ٨٨/٥، صحيح مسلم ١٣٥٢/٣. (٤) سنن الترمذي ٣٠١/٤، سنن ابن ماجه ٨٣٦/٢، وقال البوصيري في زوائده: إسناده صحيح ورجاله ثقات، قال ابن حجر في الفتح ٩٢/٥: أخرجه النسائي بإسناد صحيح. (٥) تقدم. (٦) المغني ٣١٩/٦. ٥٤ كتاب اللُّقَطَة والآبق قلنا: نجد في الطريق هَوَامِي الإبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضالَّة المؤمن حَرَقُ النار))(١). فأجاب عن الإبل، فَذَكَرَ الضالة، فدلَّ أن الاسم يتناولها. ويدل عليه ما روي أن قِلاَدة لعائشة ضَلَّت(٢). ويدل عليه حديث عياض بن حِمَار المُجَاشِعِي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن وَجَدَ لقطة، فليُشْهِد ذَوَيْ عَدْل، ولا يكتُمْ ولا يُغَيِّب، فإن جاء صاحبُها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء))(٣). وفيه وجهان من الدلالة على قولنا: أحدهما: أنه نهى عن الكِتْمَان والتغييب، وذلك يمنع استهلاك العين. والثاني: قوله: وإلا فهو مالُ الله يؤتيه من يشاء: وهذا الاسم إنما يتناول المال الذي سبيله الصدقة، والقُربة إلى الله به. ويدل عليه ما روي في الحديث: ((إذا بلغ بنو مروان ثلاثين رجلاً اتَّخَذُوا مالَ الله دُوَلاً(٤)، وعبادَ الله خَوَلاً (٥))(٦). (١) مسند الإمام أحمد ٢٥/٤، ٨٠/٥، وتقدم. (٢) صحيح البخاري ٤٣١/١، ٢٧٢/٨ حين ضاع من السيدة عائشة رضي الله عنها عِقْدُها، وكان ذلك سبباً لنزول آية التيمم. (٣) تقدم. (٤) جمع: دُولة بالضم، وهو ما يُتداول من المال، فيكون لقوم دون قوم، النهاية لابن الأثير ١٤٠/٢. (٥) أي خدماً وعبيداً، يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم، النهاية ٨٨/٢. (٦) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤٨٠/٤ من حديث أبي ذر، وقال: هذا = ٥٥ كتاب اللُّقَطَة والآبق وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البَزَّار قال: حدثنا خالد بن يوسف قال: حدثنا أبي قال: حدثنا زياد بن سعد قال: حدثني سُمَيٌّ عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسئل عن اللقطة: ((لا تحل اللقطة، مَن التَقَط شيئاً: فليعرِّفه سَنَة، فإن جاء صاحبُه: فليردَّه إليه، فإن لم يأت: فليتصدَّق به، فإن جاء: فليخيِّره بين الأجر، وبين الذي له))(١). وقوله: لا تحل اللقطة: يمنع الملتقطَ الانتفاعَ بها في حال الغِنَىُ والفقر، إلا أنا جوَّزْنَا له ذلك في حال الفقر، للاتفاق(٢)؛ لأنه أُمِرَ بالصدقة. وقوله: فليتصدَّق به: ينافي أكلَ الملتقطِ إياه إن كان غنياً. ويدل عليه حديث: أنس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم وَجَدَ تمرةً فقال: لولا أن تكوني من الصدقة لأكَلْتُك))(٣). وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون شأنُها الصدقةَ؛ لأنها لقطة، حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي رحمه الله، ورواه أحمد في المسند ٨٠/٣، وينظر مجمع الزوائد ٢٤١/٥. (١) سنن الدارقطني ١٨٢/٤، قال الحافظ ابن حجر في الدراية ١٤٠/٢: أخرجه البزار والدارقطني، وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي وهو ضعيف. اهـ، وفي التقريب ص ٦١٠ (٧٨٦٢): ((تركوه، وكذبه ابن معين)). اهـ (٢) المغني ٣٢٦/٦. (٣) صحيح البخاري ٢٩٣/٤، ٨٦/٥، صحيح مسلم ٧٥٢/٢. ٥٦ كتاب اللُّقَطَة والآبق ويجوز كونُها من بين الصدقة. وأي الوجهين كان: مَنَعَ الغنيَّ الانتفاعَ به؛ لأن الغني لا يحل له أكلها إن كانت من الصدقة، ولا إذا كان شأنُها الصدقة. وأظهر الوجهَيْن فيه: أن يكون أجاز(١): شأنُها أنها صَدَقة، من حيث كانت لقطة، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ, كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾(٣)، فيه تحقيق الصفة، كذلك ما وصفنا. * فإن قال قائل: في حديث أَبَيِّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له بعد تعريفها ثلاثة أحوال(٤): («احفَظْ عددَها ووكاءَها ووعاءَها، فإن جاء صاحبُها وإلا فاستمتع بها)»(٥). وفي حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن يزيد مولى المُنْبَعث عن زيد بن خالد الجُهَنِي أن رجلاً سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال: ((عرِّفها سنةً، ثم اعرِفْ عِفَاصَها ووِكاءَها، ثم استنْفِقْ بها، فإن جاء (١) أي أجاز أكلها للفقير، كون شأنها أنها صدقة، والله أعلم. (٢) القصص: ٨٢. (٣) الصافات: ١٤٣. (٤) جمع حَوْل، وهو السنة، القاموس المحيط (حول). (٥) تقدم. ٥٧ كتاب اللُّقَطَة والآَبِق ربُّها، فَأَدِّها. فقال: يا رسول الله! فضالَّة الغَنَم؟ فقال: خُذْها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب. قال: يا رسول الله! فضالَّة الإبل؟ قال: فغَضِبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرَّت وجنَتَاه، وقال: ما لَكَ ولَهَا، معها حِذاؤُها وسِقاؤُها حتى يأتيَها ربُّهَا)) (١). وفي حديث عبد الله بن يزيد عن أبيه عن يزيد بن المُنْبَعِث عن زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ربيعة قال: وسئل عن اللقطة، فقال: تعرَّفُها حَوْلاً، فإن جاءَ صاحبها دفعتَها إليه، وإلا عرفتَ وِكاءَها وعِفَاصَها، ثم أَفِضْهَا في مالك، فإن جاء صاحبُها دفعتَها إليه))(٢). ورواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن يزيد مولى المُنْبَعِث عن زيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث، وقال: ((فإن جاءَ صاحبُها فادْفَعْها إليه، وإلا فهي لك))(٣). وفي حديث عقبة بن سويد عن أبي عن النبي عليه الصلاة والسلام في (١) صحيح البخاري ٨٠/٥، صحيح مسلم ١٣٤٨/٣. (٢) سنن أبي داود ٣٣٣/٢، ومعنى: أَفِضْها: أي ألقها في مالك واحفظها به، معالم السنن للخطابي ٢٦٩/٢. (٣) صحيح مسلم ١٣٥١/٣. ٥٨ كتاب اللُّقَطَة والآبِق اللقطة قال: ((فإن جاء صاحبُها، وإلا فشأنك بها))(١). وروى بكير الطائي عن أبي البَخْتَري قال: ((وَجَدَ عليٌّ رضي الله عنه ديناراً. قال علي: فاشتريتُ به حِنْطَة، ثم أخبرتُ النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فقال: رِزْقٌ سيق إليك، فَأَكَلَ وأَكَلْنَا. ثم جاء صاحبُ الدينار، فقَضَاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم))(٢). والنبيُّ وعليٌّ عليهما السلام لم يكونا ممَّن تحلّ لهما الصدقة، وقد أَكَلاَ منها. وجميع هذه الأخبار تدل على أن لواجد اللقطة الانتفاعَ بها، وأَكْلَها بعد التعريف وإن كان غنياً. * قيل له: أما قوله في حديث أُبيُّ: فاستمتِعْ بها: فلا دلالة فيه على موضع الخلاف بيننا؛ لأن أُبَيّاً كان فقيراً. والدليل عليه: ((أن أبا طلحة لما جعل أرضاً له لله، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: اجعَلْها في فقراء قرابَتِكَ، فجَعَلَها في حسَّان وأُبَيِّ بن كعب))(٣). - وأما قوله في حديث زيد بن خالد الجُهَنِي: ثم استَنْفِقْ بها: فإن معناها في الصدقة؛ لأن الصدقة تسمَّى نفقة، قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُواْ مِنْمًا (١) صحيح البخاري ٨٤/٥، صحيح مسلم ١٣٤٧/٣. (٢) سنن أبي داود ٣٣٧/٢، وقد رواه من عدة طرق، وحسَّن الحافظ ابن حجر طريق بلال بن يحيى العبسي، كما في التلخيص الحبير ٧٥/٣. (٣) صحيح البخاري ٣٧٩/٥، صحيح مسلم ٦٩٤/٢. ٥٩ كتاب اللُّقَطَة والآبق رَزَقْتَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾(١). وقال: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾(٢)، وإنما المراد الصدقة. وقوله: استنْفِقِ بها: معناها: تصدَّقْ بها، والله أعلم. وأيضاً: يحتمل أن يكون الرجل كان فقيراً، يجوز له أكل الصدقة. - وأما لفظ عبد الله بن يزيد عن أبيه وقوله: أَفِضْهَا في مالك: فلا دلالة فيه على جواز الأكل، وإنما فيه الأمر بحفظها، وإجرائها فيما بين ماله في الموضع الذي يحوز فیه مالَه. - وأما قوله في حديث حماد بن سلمة: فهو لك: فإن حُمِلَ على حقيقة لفظه، لَوَجَبَ أن يكون مالكاً لها، ولا خلاف أن الملتَقِطَ لا يملكها(٣)، فإذاً معناه: لك إمساكها، كما ((قال عبد الله بن رواحة لليهود حين بَعَثَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم خارصاً: إن شئتم فلكم، وإن شئتم لي)» (٤). وإنما أضافه إلى نفسه، لا على جهة أنه يملك استهلاك الثمر، والانتفاع بها، لكنه لما كان هو المتولَّ لخَرْصها، والقيام فيها: جاز أن يقال: وإن شئتم فلي. (١) المنافقون: ١٠. (٢) آل عمران: ٩٢. (٣) أي عند التقاطها، وإلا فإن التقطها وعرَّفها سنة: يملكها عند كثير من الفقهاء، كما في المغني ٣٢٦/٦. (٤) الموطأ ٧٠٣/٢ مرسلاً عن سعيد بن المسيب. ٦٠ كتاب اللُّقَطَة والآَبِقِ - وأما قوله في حديث عُقْبَة بن سُوَيْد عن أُبَيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: فإن جاء صاحبُها، وإلا فشأنك بها: فإنه لا يوجب جواز الأكل والانتفاع بها، لاحتمال أن يكون شأنك بها في الإمساك أو الصدقة، ويحتمل أن يكون فقيراً. - وأما حديث عليٍّ: فإن أصلَه ما حدثنا محمد بن بكر قال: ثنا أبو داود قال: ثنا جعفر بن مسافِرٍ قال: ثنا ابن أبي فُدَيْك قال: ثنا موسى بن يعقوب الزَّمْعِي عن أبي حازم عن سهل بن سعد أخبره ((أن علياً دَخَلَ على فاطمةَ، والحسينُ والحسنُ یبکیان، فقال: ما يُبْكِيهما؟ قالت: الجوع. فخَرَجَ عليٌّ فَوَجَدَ ديناراً بالسوق، فجاءَ إلى فاطمة فأخبرها، فقالت: اذهب إلى فلانٍ اليهودي، فخُذْ لنا دَقِيقَاً، فقال اليهودي: أنت خَتَن(١) هذا الذي يزعم أنه رسولُ الله؟ قال: نعم. قال: فخُذْ دينارَك، ولك الدقيق. فخَرَجَ عليٌّ رضي الله عنه، فجاء فاطمةَ فأخبرها. فقالت: اذهَبْ إلى فلانِ الجزَّار، فخُذْ لنا بدرهم لحماً، فذهب فرَهَن الدينارَ بدرهم لحماً، فجاء به، فعَجَنَت وخَبَزَتْ، وأرسلَتْ إلى أبيها، فجاءَهم فقالت: يا رسول الله! أَذْكُرُ لكَ، فإن رأيتَه لنا حلالاً أَكَلْنَا، وأكلتَ معنا، مِن شأنه كذا وكذا. (١) الختَن: بالتحريك: الصهر، القاموس المحيط (ختن).