Indexed OCR Text

Pages 1-20

شَرْع ◌َهْرَضِ الطَّوَاِي
(٢٢٩- ٣٢١ هـ)
(فِي أَلْفِقْهُ الْجَنَفِيّ.
لِلإِمَامِ إِ كْرِالزَّازِ الْتَضَاضِ
(٣٠٥- ٣٧٠ هـ)
المجَلّد الرّابعْ
تحقيق
أ.درسائ بكداش
أُعدّ الكتَابَ للطّبَاعَةِ وَرَجَعَه وصححهُ
أ.د/سَائد بكراش
دَارُ الَِّالإسْلاَمِيَّة
دَارُ السَّرة
١٧،٧

شَخْ الْصِ الطَّهَاِي
٤

حُقُوقُ الطّبْعِ مَحْفُوظَة لِلْمُعْتَنِىِالْكِتَابٌ
الطّبْعَة الأولىى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠م
شركة دار البشائر الإسْلاميّة
لِلِطْبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتّوزيعِ ش. م.م
أنتها الشيخ رمزي ومشقية رحمه الله تع الى سنة ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م
بَيروتْ - لبنانُ صَبْ: ١٤/٥٩٥٥ هَاتفُ: ٧٠٢٨٥٧
e-mail: bashaer@cyberia.net.lb
فَاكس : ٧٠٤٩٦٣ / ٠٠٩٦١١
- أَدِيْنَةُ المُغَوَّرَةُ
دَارُ السََّة
يُطلَبُ الكِتَابُ مِنْهَا عَلَى العنَوَانِ التَّالي:
البريد الإلكتروني SRAJ1000@hotmail.com

٥
کتاب العَطَايا
كتاب العَطَايا
[أحكام الوقف]
مسألة : [عدم زوال الملك بالوقف عند أبي حنيفة]
قال أبو جعفر: (لا يجوز الوقف في الصِّحَّة في قول أبي حنيفة)(١).
قال أحمد : الوقف جائزٌ في قول أبي حنيفة، إلا أنه لا تَخْرُجُ الأرضُ
الموقوفة عن ملك صاحبها، ولا يَمنع وقفُه إياها جوازَ تصرُّفه فيها، من
بيعٍ وهبةٍ وغير ذلك، ولا انتقال الملك فيها إلى الوارث بالموت.
وموضع الخلاف بينه وبين مخالفيه، إنما هو في زوال ملكه بالوقف،
وجواز تصرُّفه.
فأما جواز تصرفه، فلا يمتنع منه، وقد روي عن علي، وابن عباس
رضي الله عنهما قالا: ((لا حُبُسَ (٢) إلا في كُرَاع(٣)، أو سلاح)) (٤).
(١) المفتى به هو قول الصاحبين، نَقَل هذا العلامة قاسم في تصحيح القدوري
عن كثيرين، كما في اللباب للميداني ٢/ ١٨٠، وينظر النكت الطريفة ص ٤٠.
(٢) الحُبُس بالضم: الوقف، كما في النهاية ٣٢٨/١.
(٣) الگُراع: اسم لجميع الخيل، كما في النهاية ١٦٥/٤.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٥/١١ (٢١٣٢٥) عن علي رضي الله
عنه من قوله بإسناد حسن، كما في الدراية لابن حجر ١٤٥/٢، نصب الراية
=

٦
كتاب العَطَايا
والدليل على صحة قول أبي حنيفة: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال:
حدثنا عُبَيد بن شريك قال: حدثنا عبد الغفَّار بن داود قال: حدثنا ابن
لَهِيْعَة.
قال عبد الباقي: وحدثنا عبد الله بن محمد الورَّاق قال: ثنا كامل بن
طلحة قال: ثنا ابن لَهِيْعَة عن عكرمة قال: سمعت ابنَ عباس يقول: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لما نَزَلَتْ سورةُ النساء، وفُرِضَ فيها
الفرائض:
((لا حُبُسَ بعد سورة النساء)) (١)، ولم يذكر عُبَيْد: ((بعدَ سورة النساء)).
فإن هذا الخبر دلَّ على صحة قوله مِن حيث مَنَع أن يكون وَقْفُه إِيَّاها
حابساً لها عن انتقال الملك منها بالميراث.
وروى سفيان عن مِسْعَر عن أبي عَوْن الثَّقَفِي عن شُرَيَح قال: ((جاءَ
محمدٌ صلى الله عليه وسلم ببيع الحبُّس))(٢).
فإن قيل: المراد بالحُبُس المذكور في هذه الأخبار: حُبُس الجاهلية من
٤٧٧/٣، ورواه عن عبد الله - بن مسعود - ابنُ أبي شيبة (٢١٣٢٦)، وذكره ابن حزم
في المحلى ١٧٥/٩، وقال: وما روي عن علي وابن عباس وابن مسعود فلم يصح.
(١) سنن الدار قطني ٦٨/٤، وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف، كما في نصب
الراية ٤٧٧/٣، وحكم عليه بالوضع ابن حزم في المحلى ٩/ ١٧٧.
(٢) المصنَّف لابن أبي شيبة ٥٥/١١ (٢١٣٢٧). قال ابن الهمام في فتح القدير
٤٢١/٥: ((شريح من كبار التابعين، وقد رفع الحدیث، فهو حديث مرسل يحتج به
مَن يحتج بالمرسل)).اهـ

٧
کتاب العَطَايا
السَّائبة(١)، والوَصيلة(٢)، والحَامِ(٣)، ونحو ذلك.
قيل له: هو على العموم في كل حُبُس، إلا ما قام دليله.
وعلى أن قوله في حديث ابن عباس: ((لا حُبُس بعد سورة النساء)»: لا
يجوز أن يكون المراد به حُبُس أهل الجاهلية؛ لأن ذلك الحُبُس لم يكن
قط مباحاً في الإسلام.
ويدل على صحة قولنا في الوقف: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال:
حدثنا هارون بن يوسف قال: حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان عن
عَمْرو بن دينار عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عبد الله بن زيد
- الذي أُرِيَ النِّداء(٤) - جَعَلَ حائطاً له صَدَقَة، وجَعَلَه إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم.
فأتى أبواهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله! لم يكن
لنا عَيشٌ إلا هذا الحائط، فردَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليهما،
(١) السائبة: التي تسيب في المرعىُ، فلا تُردُّ عن حوض ولا علف، وذلك إذا
ولدت خمسة أبطن، كما في المفردات للأصفهاني ص٢٤٦.
(٢) الوصيلة: هو أن أحدهم كان إذا ولدت له شاته ذكراً وأنثى قالوا: وصلت
أخاها، فلا يذبحون أخاها من أجلها، كما في المفردات ص٥٢٥.
(٣) الحام: قيل: هو الفحل إذا ضرب عشرة أبطن، كان يقال: حمى ظهره، فلا
یرکب، المفردات ص١٣٣.
(٤) ينظر لرؤياه النداء: سنن الترمذي ٣٥٩/١ وقال: حديث حسن صحيح،
وقد توسع في الكلام على هذه الرؤيا الحافظ ابن حجر في الفتح ٧٨/٢، وتنظر
ترجمة عبد الله بن زيد في الإصابة ٣١٢/٢.

٨
کتاب العَطَایا
ثم ماتا، فوَرِثَهُما))(١).
ورواه الأنصاري(٢) في كتابه في الوقف(٣) عن حماد بن سلمة عن
يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم نحو
ذلك.
وذكر أبو الفضل محمد بن يحيى بن الفياض البَصْري صاحبُ
الأنصاري أن عبد الوهَّاب حدثه قال: ثنا عبيد الله بن عمر عن بشير بن
محمد ((عن عبد الله بن زيد أنه تصدَّق بحائطٍ له، فأتى أبواه النبيَّ صلى الله
عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله! إنه كانت تُقيمُ وُجوهَنا، ولم يكن يقيمُنا
شيء غيرها.
فدعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن زيد فقال: إن الله قد
(١) سنن الدارقطني ٢٠١/٤ وقال: حديث مرسل؛ لأن عبد الله بن زيد لم
يدركه أبو بكر بن حزم، وكذلك قال الحافظ ابن حجر في النكت الظراف على تحفة
الأشراف ٣٤٥/٤، وذكر هنا ابن حجر أن النسائي أخرجه في الكبرى، وقد أخرج
هذا الحديث وبطرق أخرى الحاكم في المستدرك ٣٤٨/٤، لكن كلها مرسل فيها
انقطاع بين عبد الله بن زيد والذي قبله، قال البيهقي في السنن ١٦٣/٦ : وروي - هذا
الحديث - من أوجه أُخر عن عبد الله بن زيد كلهن مراسيل.
(٢) هو الإمام المحدث الثقة قاضي البصرة محمد بن عبد الله الأنصاري، من
كبار شيوخ البخاري، تفقه بزفر وأبي يوسف، توفي بالبصرة سنة ٢١٥، وعاش ٩٧
سنة، له ترجمة في سير أعلام النبلاء ٥٣٢/٩، الجواهر المضية ١٩٩/٣.
(٣) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٤٠٣/٥ ووصفه بأنه جزء ضخم، وينظر
كشف الظنون ١/ ٢١.

٩
كتاب العَطَايا
قَبلَ صَدَقَتَك، ورُدَّها على أبويك، قال: ووَرَّثَه إياها منهما بعد ذلك))(١).
قال أبو الفضل: وحدثنا الأنصاري قال: ثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي
قال: ثنا أبو الزِّناد قال: ((جاء عبد الله بن زيد إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: يا رسول الله! كل شيء سوى سلاحي، وسَكَني صدقة،
يجعلُه رسولُ الله حيث شاء، فجعله رسولُ الله في الأوقاص، يعني
المساکین.
فجاء أبواه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: إن بُنَّنَا تصدَّق بأرضٍ
له، وإنه ليس لنا شيء إلا أن نسأل مع الأوقاص.
فقال لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم: قد رَدَدْتُ عليكما صدقَةَ
ابنكُما، فَكُلًا، واتَّقِيَا اللهَ، فأكلاها حتى ماتا.
فقال عبد الله: قد مات أبواي، فهي حِلّ لي؟ فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: نعم، فكُلُها هنيئاً))(٢).
وهذه الأخبار تدل على أن وقفه إياها لم يُخْرِجْها عن ملكه، ولا مَنَعَ
انتقالَ الملك منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّها إليه بعدما وقفها
على المساکین.
* ومِن جهة النَّظَر: إن وَقْفَ الأرض إنما يصح عند مجيزيه لأجل
الصدقة والقُربة التي في إخراج غَلَّتها، وهو لو تصدَّق بالغلة وهي
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣٤٨/٤، وقد بيَّن الذهبي في تلخيصه أنه
منقطع.
(٢) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٠٢/٤ وقال: هذا مرسل، وأبو أمية بن يعلى:
متروك.

١٠
كتاب العَطَايا
موجودة، لم تخرج عن ملكه بالقول حتى يَقبضَ الله تعالىُ المُتُصدَّقَ بها
عليه، فالأرض التي لا يستحقها الفقراء أحرى أن لا تخرج عن ملكه
بوقفه إياها.
ومن الدليل على أن إيجابه الصدقة فيها لا يوجب إخراجها عن ملكه:
((أن النبي صلى الله عليه وسلم ساق البُدْنَ عام الحُدَيْبِيَةِ(١)، وقلَّدَها(٢).
وذلك يقتضي إيجاباً منه لها، ثم صَرَفها عما أوجبه له، وجعلها
للإحصار(٣)، ولم يمنع الإيجاب بها من غير جهة الإحصار مِن نَقْلِها إلى
الإحصار، ولو كان ملكه زائلاً عنها، لما صحَّ نَقْله إلى غير الوجه الذي
استحق عليه بالإيجاب.
ويدل على أنه قد كان أوجبها: أنه أبدلها في العام القابل(٤)، ولو لم
تكن الأُولى واجبة لما كان الثاني بدلاً.
فإن قيل: معلوم أن الذي جعله للإحصار بدنة واحدة، وعسى أن لا
يكون قد كان أوجب تلك الواحدة قبل الإحصار.
قيل له: يبطله قوله: إنه أبدلها في العام القابل.
وعلى أنه فرَّق البُدْن على أصحابه حتى نحروها عن الإحصار.
(١) صحيح البخاري ٣٣١/٥.
(٢) تقليد الهدي: هو أن يعلق بعنق البعير قطعة من جلد، ليُعلم أنه هدي،
فيكفُ الناس عنه، كما في المصباح المنير (قلد).
(٣) صحيح البخاري ٤/٤، و٣٣٢/٥.
(٤) وهي عمرة القضاء التي فعلها صلى الله عليه وسلم من العام المقبل لعمرة
الحديبية حين صده المشركون. ينظر صحيح البخاري ٦٠٠/٣.

١١
کتاب العَطَايا
ودليل آخر: وهو أنه لو خرج عن ملكه بالوقف، لكان فيه إزالة المال
لا إلى مالك بقوله، فوجب أن لا يصح، كرجل قال: أخرجتُ هذه الدار
عن ملکي، فلا يصح.
فإن قيل: فالمسجد فيه إزالة الملك لا إلى مالك، وقد صح عند
الجميع.
قيل له: للمسجد قابض، وهو الذي يصلي فيه؛ لأنه لا يخرج عن
ملكه إلا أن يُصَلَّى فيه، والمصلِّي فيه قابضٌ له عن نفسه، وعن جماعة
المسلمين، فخرج عن ملكه، كمَن تصدَّق على رجل بصدقة، وأقبضها
إياه.
وأما الوقف فليس له قابض، وإنما يخرج عن ملكه لو جاز بقوله،
وهذا الذي أثبتناه قياساً على قوله: قد أخرجتُ هذه الدار عن ملكي: فلا
یزول عن ملکه بقوله.
فإن قال قائل: الوقف أيضاً له قابض، بمنزلة الصدقة والمسجد، بأن
يجعله الواقف على يد غيره، فيَخْرُج عن ملكه بقبضه.
قيل له: إذا كان القابض إنما يصح قبضه بقول الواقف وتوكيله إياه
بالقبض، فليس ذلك بقبض؛ لأن يد وكيله كيده، فهو مع ذلك باقٍ في
يده مع تسليمه إلى مَن أَمَرَه بقبضه، ومع هذا فلم يُخرجه ذلك مِن أن
تكون صحة القبض أيضاً متعلقة بقوله، فيكون خارجاً عن ملكه بقوله لا
إلى مالك، وهذا فاسد بما دللنا علیه.
وأيضاً: فغير جائز قياس الوقف على المسجد؛ لأن ما يصح المسجد
مِن أجله لا يصح تمليكه، ولا أَخْذ البدل عنه، وهو الصلاة فيه، فلذلك
جاز خروجه عن ملكه، إذْ كان ذلك حقاً خالصاً لله تعالى.

١٢
کتاب العَطَايا
وأما الأرض، فإن غلّتها التي صح الوقف من أجلها، يصح أَخْذ البدل
عنها وتمليكها، فالأصل أحرى أن يجوز نَقَل الملك فيها مع وقفه إياها.
فإن قال قائل: اعتلالك بأن في تصحيح وقفه إزالة ملكه لا إلى مالك
بقوله: منتقضٌ بإجازتك الوقف في الوصية.
قيل له: إنما أجيزه إذا أضافه إلى ما بعد الموت؛ لأن الموت يوجب
زوال ملكه، فلم يَزُل بقوله، وإنما حظّ قوله فيه: مَنْع انتقاله إلى الوارث
إذا كان في الثلث الذي يملكه الميت، فليس ذلك إزالة ملكه لا إلى مالك
بقوله.
[أدلة المخالفين : ]
واحتج مخالِفُنا بما روى ابنُ عَوْن وغيرُه عن نافع عن ابن عمر عن
عمر قال: أصبتُ أرضاً مِن خيبر، ما أصبتُ مالاً أنفسَ عندي منها، فأتيتُ
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أستَأْمِرُه، فقال: ((إن شئتَ حبست أصلها،
وتصدَّقْتَ بها))(١).
وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: ((وتصدَّقتَ بَثَمَرَتِها))(٢).
وفي بعضها: ((إن شئتَ أمسكْتَ أصلَها، وتصدقت بثمرتها))(٣).
قال: ((فتصدَّق بها عمرُ على أن لا تُّبَاع، ولا تُوهب، ولا تُورث،
حتى تصدق بها في الفقراء والأقربين))، وذكر الحديث.
(١) صحيح البخاري ٣٥٤/٥، صحيح مسلم ١٢٥٥/٣.
(٢) صحيح البخاري ٣٩٢/٥ بلفظ: ((ولكن ينفق ثمره)).
(٣) ينطر الحاشية السابقة.

١٣
کتاب العَطَايا
وما روي في أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم، وأوقاف عليٍّ وسائر
الصحابة رضي الله عنهم، وبأنَّ عثمان اشترى بئر رُومة في أيام النبي صلى
الله عليه وسلم، وجَعَلَها للمسلمين(١)، فالجواب:
أنه ليس فيما ذَكَرَه ما يُعتَرض به على قولنا ولا يخالفه، وذلك لأنا
نجيز جميعَ ذلك على ما روي في هذه الأخبار، وليس في شيء منها بيان
الخلاف بيننا، لأنا نقول يجوز أن يَحبس أصلها، ويَتصدَّق بثمرتها،
ويشترط فيها أنها لا تُباع ولا تُورث، ويكون ذلك عِدَةً منه في أن لا
يبيعها، وأَمْراً للورثة أن لا يعترضوا في فَسْخها، وإبطالها.
وليس في شيءٍ منه دليل على مَنْع البيع، وانتقالِ الملك فيها، وإنما
بَقِيَتْ أوقافُ الصحابة بعدَهم على مرِّ السنين والأوقات؛ لأن ورثتهم
أمضوا على ما كان الواقف شرطه فيها.
وأما وقف النبي صلى الله عليه وسلم، فلأنه قال: ((إنَّا معاشرَ الأنبياء
لا نُورَث، ما تركنا صَدَقة))(٢)، هكذا رواه مالك بن أَوْس بن الحَدَثَان عن
عمر رضي الله عنه.
واستشهد عمرُ على ذلك علياً، والعباسَ، وطلحةَ، والزبيرَ في آخرين
من الصحابة رضي الله عنهم، فصدَّقوه، واعترفوا به(٣).
(١) صحيح البخاري ٤٠٦/٥.
(٢) أخرجه البخاري في حديث طويل في صحيحه ١٩٧/٦، صحيح مسلم
١٣٧٨/٣ كلامهما بلفظ: ((لا نورث، ما تركنا صدقة))، وهو عند أحمد في المسند
٤٦٣/٢ بلفظ ((إنا معشر الأنبياء لا نورث ... )).
(٣) كما هو وارد في قصة الحديث السابق عند البخاري ومسلم.

١٤
كتاب العَطَايا
وإذا كان ذلك سبيل أملاك النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فلا
دلالة فيه على صحة الوقف في أملاكنا على الوجه الذي ذهب إليه
مخالفنا؛ لأنه لو لم يكن وَقَفَها، لكانت وقفاً بعد موته.
فإن قيل: هذا الخبر يردُّ ظاهِرَ الكتاب؛ لأن الله تعالى قال حاكياً عن
زكريا: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَُّنكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثْنِ وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ﴾(١)، فأخبر أن
ابنَه يرثه.
قيل له: لا يجوز أن يكون المراد وراثةَ المال، وإنما المعنى فيه وراثة
النّبُوَّةِ، والحِكْمَةِ، والقيامِ بالشريعة.
وذلك لأنه قال: ﴿ وَ إِنِّ خِفْتُ اٌلْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى﴾(٢)، ومعلوم أن النبيَّ
عليه السلام لا يأسف على أن يصير المال لمستَحِقُّه، بل كانت الدنيا أهونَ
في عَيْنه في حال حياته مِن أن يأسف بعد موته أن تصير لبني أعمامه(٣).
فدل أن المراد وراثةُ العلمِ والقيامِ بالدِّين، كما قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ
أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٤).
وكما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن العلماءَ ورثةُ الأنبياء،
والأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، إنما أورثوا العلم، فمَن أَخَذَ به فقد
(١) مريم: ٦،٥.
(٢) مريم: ٥.
(٣) وهم المراد من قوله: ((الموالي)). ينظر تفسير ابن كثير ١١١/٣.
(٤) فاطر: ٣٢.

١٥
کتاب العَطَايا
أَخَذَ بحظّ وافِرٍ))(١).
فصل : [الوقف في مرض الموت]
قال أبو جعفر : (إذا وَقَفَها في مرضه الذي مات فيه، فخرج مخرج
الوصايا: جاز كما تجوز الوصايا).
قال أحمد : هذا الذي ذكره أبو جعفر عن أبي حنيفة مِن إجازته
الوقف في المرض، فإنه شيءٌ لا نعرفه، ولم نقرأ عنهم إلا مِن جهة أبي
جعفر.
* (وقد روى محمد عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز في المرض أيضاً،
كما لا يجوز منه في صحته، وأنه لا يخرج مخرج الوصايا، وهذا هو
الصحيح من قوله(٢)).
مسألة : [جواز الوقف عند أبي يوسف، وصفته]
قال: (وقال أبو يوسف: يجوز الوقف وإن كان مُشَاعاً، وغيرَ
مقبوض).
(١) صحيح البخاري ١٦٠/١ بلفظ: ((إن العلماء هم ورثة الأنبياء ورَّثوا العلم،
مَن أخذه أخذ بحظ وافر)) وبلفظ: ((الأنبياء لم يورثوا ديناراً ... )). أخرجه الترمذي في
سننه ٤٩/٥ وهو صحيح أو حسن على قاعدة الحافظ ابن حجر رحمه الله، فقد ذكره
في زيادات المتن في الفتح ١٦٠/١.
(٢) أثبتُّ هنا عبارة المختصر المطبوع ص١٣٧ لصحتها، والله أعلم، أما الأصل
فجاءت عبارته هكذا: (أنه لا يجوز في المرض أيضاً، وإنما يجوز بعد الموت، وهو
الصحیح من قوله).اهـ

١٦
كتاب العَطَايا
وذهب فيه إلى حديث عمر في قصة خيبر: ((حَبِّس أصلها))(١).
وفي بعض الألفاظ: ((أمسِك أصلَها، وتصدَّق بثمرتها))(٢)، ولم يشترط
فيه القبض.
وكان الذي تصدق به عمرُ رضي الله عنه من سَهْمِه بخيبر مُشَاعاً؛ لأنه
إنما قَسَم خيبر في أيامه(٣) بين مَن شهِدَ فتحَ خيبر، وكان له فيها سهم.
وفَرَّق بين هذه الصدقة، وبين صدقة الأعيان، ولا خلاف بين
أصحابنا في أن مِن شَرْطٍ صدقة الأعيان الحِيازةَ والقبضَ جميعاً فيما يُقْسَم.
ووجه الفَرْق بينهما عنده: أن الحق الذي تعلَّقت به القُربة في الوقف،
ليس هو العين التي عُقِدَ الوقف فيها، ولا اعتبار فيه بالقبض والحِيازة؛
لأنه ليس هو المملوك به، وصدقة العين هي المملوكة بنفسها، فلذلك
اعتبر فيها القبض والحيازة.
* (ويجوز عند أبي يوسف إذا قال: حَبْساً موقوفاً، أو حَبْساً صَدَقة،
فإذا انقَرَضَ أهلُ الوقف: رَجَعَتْ إلى الله مصروفةً في وجوه القُرَب منه).
وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعُمَر: ((حَبِّس أَصْلَها))(٤)،
فأجازه بلفظ الحبس، وإن لم يذكر فيه التأبيد، فجعل أبو يوسف ذلك
بمنزلة العِتق أنه يصح بالقول، وفي المشاع.
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) وذلك حين أخرج اليهود وأجلاهم عن خيبر.
(٤) تقدم.

١٧
كتاب العَطَايا
وروي نحوه عن المسعوديِّ القاسم(١) أنه قال: ((مَن تكلّم بصدقة:
جازت صدقته، کما یجوز عتقه)).
* (وأجاز أبو يوسف أن يجعلَه الواقفُ لها وقفاً على نفسه، أو على
مَن سواه).
وذلك كما يجوز أن يشرط لغيره، كذلك لنفسه؛ لأن الأصل قد خرج
عن ملكه بوقفه إياه، فله في عقد الوقف أن يجعله لمن شاء.
[الشروط المفسِدَة للوقف عند محمد]
(وأما محمد فإنه يجيز الوقف في الحياة، إلا أنه إذا كان فيه إحدى
خِلال يبطل:
وهو أن يكون مُشَاعاً، أو غير مقبوض، أو مستثنياً الواقفُ لنفسه فيه
شرطاً، أو كان غير مؤبَّد، أو لم يجعل آخرَه للفقراء والمساكين، أو في
وجه من وجوه القُرَب).
وإنما شَرَطَ فيه القبض والحِيازة، كما شَرَطَ في صدقة الأعيان، ومَنَعَ
أن يَشْرِطَ لنفسه فيها شيئاً، كما مَنَعَ فيه المُشاع، لبقاء حقه في المشاع
(١) في الأصل (المسعودي عن القاسم)، والصواب ما أثبت، حيث إن القاسم
هذا هو القاسم بن معن المسعودي الإمام الفقيه المحدث الثقة، النحوي، قاضي
الكوفة ومفتيها في زمانه، ومن أكبر تلامذة الإمام أبي حنيفة، توفي سنة ١٧٥هـ، له
ترجمة في سير أعلام النبلاء ١٩٠/٨، والفوائد البهية ص١٥٤.
وقد جاءت نسبة المسعودي له نسبة لجد والده الصحابي الجليل عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه، ولم يذكر المزي له في تهذيب الكمال ١١١٧/٢ ممن روى
عنه أحداً نسبته المسعودي، ولم أهتد لتخريج قوله.

١٨
کتاب العَطَايا
الذي يمكن قِسمته؛ لأن الثمرة والغلة مما يتأتى فيه القسمة.
وأيضاً: ((مَنَعَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام عمرَ بن الخطاب حين حَمَلَ
على فرس في سبيل الله أن يرجع فيه، أو في شيءٍ مِن نَسْلِهَا بشِرَى أو
غيره)(١)، فكذلك الصدقة الموقوفة.
ولم يجزها إذا لم يشترط آخرَها للفقراء والمساكين؛ لأنه متى لم يكن
كذلك: رَجَعَ إليه عند انقراض أهلِ الوقف، فيكون بمنزلة أن يستثنيَ لنفسه
فيه شرطاً.
مسألة : [عدم جواز الوقف في المنقول إلا تبعاً]
قال: (ولا يجوز الوقف في عبدٍ، ولا في شيءٍ سوى العقار
والأرضين، إلا أنْ تكون أرضاً فيها بَقَر وعبيد لمصالحها، فيشترط وقفها
مع الأصل).
وذلك لأن هذه الأشياء لا تبقى مؤبَّدة، فتكون وقفاً بمنزلة وقف إلى
مدة، فلا يجوز.
وأما إذا كان شيء من العبيد والبقر لمصالح الضَّيْعة(٢)، فإنه يجوز
شرطه في الوقف؛ لأنه يدخل فيها على وجه التَّبَع وإن لم يصح وقفه على
حِدَة، كما يدخل الشِّرب في البيع تَبَعَاً للأرض، وكذلك حقوق الدار،
ولو أفردها بالعقد لم يصح.
(١) صحيح البخاري ٢٣٥/٥، صحيح مسلم ١٢٣٩/٣، وقد ذكره المصنف
بالمعنى.
(٢) تقدم أن الضيعة هي العقار والأرض المغلة.

١٩
كتاب العَطَايا
مسألة : [وقف الخَيْل]
قال: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بحبس الخيل في سبيل الله).
وذلك لما روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما (١)، ولا يُعرف
عن أحدٍ من السلف خلافه.
ويدل عليه: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((الخيلُ ثلاثة: هي لرجلٍ
أَجْر، ولآخر سِتْر، وعلى آخر وِزْر، فأما الذي له الأجر: فالذي يحمِلُ
عليها في سبيل الله))(٢).
عمومه يقتضي جواز حَبْسِها للحمل عليها في سبيل الله، إذ لم يفرِّق
بين ما كان منها محبوساً، أو موهوباً، أو مُعَاراً(٣).
(١) المحلى ١٧٥/٩.
(٢) صحيح البخاري ٦٣/٦، صحيح مسلم ٦٨٣/٢.
(٣) انتهت هنا أحكام الوقف في كلام الشارح الجصاص، وقد ذكر الطحاوي
في المختصر ص ١٣٧ مسألةً في الوقف لم تُذكر في الشرح، ونصها: (ولا بأس ببيع ما
هرم من ذلك أو صار بحال لا ينتفع به فيها في الوقف).

٢٠
کتاب العَطَايا
[أحكام الهِبَة]
مسألة : [هبة الأعيان]
(ولا تجوز الهبة في الأعيان إلا مقبوضة).
وذلك لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((يقول ابنُ آدم
مالِي مالِي .. وما لَك من مالِكَ إلا ما أكلتَ فأفنَيْت، أو لبسْتَ فأبلَيْت، أو
تصدَّقْتَ فأمْضَيْت))(١).
فَشَرَطَ في صحة الصدقة إمضاءَها، ومَنَعَ صحتها بالقول دون
إمضائها، وهو الإقباض والتسليم، فدل أنها لا تصح إلا مقبوضة.
ويدل عليه: قول أبي بكر الصديق في مرضه لعائشة رضي الله عنهما:
إني كنتُ نحلتُك جَدَاد (٢) عشرين وَسْقاً مِن مالِي بالعَالِيَة، وإنكِ لم
تكوني حُزْتِيْه، ولا قَبَضْتِيْه، وإنما هو مال الوارث، وإنما هما أَخَوَاك
وأخْتَاك.
فقالت عائشة: وإنما هي أسماء. فقال: أُلْقِيَ في رُوْعِي أن ذا بطنٍ -
(١) صحيح مسلم ٢٢٧٣/٤.
(٢) الجداد: بالفتح والكسر: صرام النخل، وهو قطع ثمرتها، يقال: جد الثمرة
يجدها جداً، والمراد: نحلتك نخلاً يُجدُّ منه ما يبلغ عشرين وسقاً، النهاية لابن الأثير
٢٤٤/١، والوسق ستون صاعاً، النهاية ١٨٥/٥.