Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ كتاب الإجارات قال أحمد : ومِن السلف من يرى نَقْضَها مِن غير عذر، وأحسبه قول شریح(١). وإنما لم يكن له نَقْضها من غير عذر، لقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾(٢). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المُسلمون عندَ شروطهم))(٣). وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَانُهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤). فظاهره يقتضي وجوب استحقاق الأجر بالرضاع، سواء اختار الزوج فَسْخَ الإجارة، أو لم يختر. مسألة : [أعذار تفسخ بها الإجارة] قال: (ومِن عُذْر المستأجر: أن يُفلِس، فيقوم من السوق، ومِن عذر المؤجر: أن يلحقه دَیْنٌ فيحتاج إلى الدار). والدليل على أن الإجارة تُنقض بالعذر: أنه لو استأجر رجلاً يقلع ضرساً له لوَجَع أصابه، أو علة، ثم بَرَأَ ضِرسُه، أن لا يُجْبَر على قلعه ليستحق الأجر، وكان له فَسْخ الإجارة. وكذلك لو استأجره لهَدْم داره، ثم بَدَا له في هَدْمها، كان له فسخ (١) لم أهتد لتخريج قوله. (٢) المائدة: ١. (٣) تقدم. (٤) الطلاق: ٦. ٤٠٢ كتاب الإجَارات الإجارة، فصار ذلك أصلاً في فسخ الإجارة بالأعذار. ثم تختلف وجوه الأعذار، فتكون تارةً بإفلاس المستأجر وقيامه من السوق، فيكون ذلك عذراً له في فَسْخها؛ لأنه لا يمكنه القعود في الحانوت، ولا الانتفاع به، فيلحقه ضرر ببقاء الإجارة مِن غير نَفْع، کالذي يستأجر لقلع الضرس: للمستأجر فَسْخ الإجارة، لِمَا يلحقه من الضرر بقلعه. وكذلك قالوا في الرجل يكتري جمالاً لَيَخْرج عليها إلى بلد، أو يحمل عليها متاعَه، فله أن يقعد ولا يوجِّه بالأحمال؛ لأن في خروجه تغريراً بنفسه وماله، وذلك غير مستحق عليه بعقد الإجارة. * قال : (فإذا لحق المؤجِرَ دَيْنٌّ: فذلك عذرٌ في فسخ الإجارة). لأن الدَّيْن يستحق به بيع الرقبة، فهو أولى من المنافع المستحقة بعقد الإجارة، إذ ليس يستحق بها الرقبة. مسألة: [بيع المؤجر الدار قبل انتهاء مدة الإجارة] قال أبو جعفر: (ومن أجَّر داره، ثم باعها قبل انقضاء مدة الإجارة، فإن أبا حنيفة قال: للمستأجر مَنْعُ المشتري منها، ونَقْضُ البيع عليه فيها، فإن نَقَضَه كان منتقِضاً، ولم يَعُدْ بعد ذلك. قال : وروى محمد عن أبي حنيفة: أنه ليس للمستأجر نَفْض البيع، ولكنه إن أجاز البيعَ كان له في ذلك إبطال ما بقي من الإجارة. قال: وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه قال: لا سبيل للمستأجر إلى نَقْض البيع، والإجارةُ فيها كالعيب، فإن عَلِمَ بها المشتري فقد برىء البيِّع منه، وللمشتري قَبْض الدار بعد انقضاء الإجارة فيها. ٤٠٣ كتاب الإِجَارَات وإن لم يعلم بذلك، فهو بالخيار: إن شاء نَقَضَ البيع للعيب، وإن شاء أمضاه). قال أحمد : وأما الرواية الأولى فلا وجه لها؛ لأن المستأجر لا حقَّ له في نَقْض البيع، وإنما حقه استيفاء المنافع، وقد يمكنه أن يستوفيها من غير نَقْض البيع. ورواية محمد هي الصحيحة(١)، فإن أجاز المستأجِرُ البيعَ، فقد رضيٍ بفَسْخ الإجارة، وإن لم يرض: كان للمشتري أن يفسخ البيع، لتعذّر التسليم في الحال. وإن شاء صَبَرَ حتى تنقضي مدة الإجارة، فيأخذها، وهذا كرجلٍ اشترى عبداً، فلم يقبضه حتى أَبَقَ، فله أن يفسخ لتعذّر التسليم. مسألة : [ضمان الرَّاعي] قال أبو جعفر: (والرَّاعي فيما تلف منه كالصُنَّاع فيما تلف منهم، على ما ذكرنا من الاختلاف). قال أحمد : الراعي قد يكون أجيراً خاصاً، وقد يكون أجيراً مشتركاً، فإن وقعت الإجارة فيه على نَفْس الرَّجل في المدة، بأن قال: استأجرتُكَ شهراً لرَعْي الغَنَم، فهذا أجير خاص، وليس له أن يرعى لغيره. فإن قال: اِرْعَ هذا الغَنَمَ شهراً بدرهم، فهو أجير مشترك، وله أن يرعى لغيره، كالرجل يقول لآخر: استأجرتُكَ شهراً لصَبْغ الثياب وخیاطتها، فهذا أجیر خاص. (١) وهذا هو ظاهر الرواية، كما في شرح الإسبيجابي ٢ / لوحة / ٣١. ٤٠٤ كتاب الإِجَارَات ولو قال: إِصْبغ لي هذه الثياب، وخِطْها لي بدرهم: كان مشتركاً. ويعتبر ذلك أن يُنظَر إلى المعنى الذي يُستَحق به الأجر ما هو؟ فإن كان إنما يستحقه لتسليم نفسه في المدة إليه: استعمله أو لم يستعمله: فهذا أجير خاص، وإن كان لا يستحق الأجر إلا بالعمل وإن سلَّم نفسَه إليه: فهذا أجير مشترك. مسألة : [إجارة الحانوت] قال أبو جعفر : (ومَن استأجر حانوتاً ولم يسمّ شيئاً: فالإجارة جائزة، ولا يُقْعِدُ فيها حدَّاداً ولا قصَّاراً ولا طحَّاناً). وإنما جازت الإجارة؛ لأن منافع الحانوت لا تختلف ولا تتفاوت، وهذه الأشياء المضرَّة بالبناء مستثناة من عقد الإجارة بالعُرْف، والمتعارف كالمنطوق به، وفي عادة الناس أنهم متى أرادوا استئجاراً للقصارة والطحن وعَمَل الحديد بيَّنوه، فصار ذلك مستثنى، وما عدا ذلك من منافع الحانوت فغير مختلَف فيه، فلذلك جازت الإجارة. مسألة: [إجارة المُشَاع] قال أبو جعفر: (ولا تجوز إجارة المُشاع إلا من الشريك في قول أبي حنيفة). قال أحمد : وسواء ذلك فيما يُقْسَم، أو ما لا يقسم، وذلك لأن الانتفاع بالمُشَاع غير ممكن، لاستحالة سكنى نصف دارِ مُشَاع، واستخدام نصف عبدٍ دون النصف الآخر، فلما امتنع استيفاء المنافع على المشاع لم يصح عقد الإجارة، إذ كان مِن شرائط عقد الإجارة إمكان التسليم. ٤٠٥ كتاب الإِجَارَات فإن قيل: يمكنه استيفاؤها بالمهايأة(١). قيل له: ليست المهايأة من موجَب عقد الإجارة؛ لأنها لو كانت مِن موجَب العقد، لما خلا عقد الإجارة من إيجاب مهايأة، وإذا لم تكنٍ المهايأة مِن موجَب العقد: لم تجب، وإذا لم تجب: لم يصح العقد، لتعذّر استيفاء المنافع. قال أحمد : ولم يختلف أصحابنا في بطلان الرهن المُشَاع فيما يُقْسَم، وفيما لا يُقْسَم، وقد بيَّنًا مسألة الرهن فيما سلف. وأما هبة المُشَاع فيما لا يقسم، فإنما جازت مِن قِبَل أنه لا ينافي القبض إلا على هذا الوجه، فسَقَطَ اعتبار الحيازة فيه، وليس شرط صحة الملك وجود الحيازة فيه والقسمة. ألا ترى أنه قد يصح له ملك المُشَاع بالشراء، والميراث، والوصية ونحوها، فلذلك جازت فيما لا يقسم من المشاع. وفارقت الإجارة من قِبَل أن الإجارة عقدٌ على المنافع، ولا سبيل له إلى استيفائها على المشاع، فلم يختلف حكم ما يُقسم، وما لا يُقسم فيها. * وأما إذا آجره مِن شريكه: فهو جائز؛ لأنه يصل إلى الانتفاع بها من غير مهاياة. * (وقال أبو يوسف ومحمد: تجوز الإجارة ويتهايآن فيها). كمَن استأجر أرضاً أو داراً، ولم يشرط له الشِّرب والطريق: كان له الشِّرب والطريق، إذ لا يصل إلى الانتفاع إلا بهما، فصارا موجَبَيْن بعقد (١) أي بالتراضي. ٤٠٦ كتاب الإجارات الإجارة، لتعلّق صحتها بهما، كذلك المهايأة. فصل : [موت أحد المالكَيْن للدار المستأجرة] (ومَن استأجر داراً مِن رجلين، فمات أحدُهما، فانتقضت الإجارة في حصته: لم تنتقض في حصة الحي). قال أحمد : لا خلاف بينهم في جواز استئجار دارٍ من رجلين، وإن كان كل واحد منهما أجَّر نصيبه مشاعاً، مِن قِبَل أن العقد وقع صفقة واحدة توجب خروج المنافع مِن ملكهما إلى المستأجر في حال واحدة، وهو يصل إلى الانتفاع بها مِن غير مهايأة. وكذلك لو أجَّر رجلٌ مِن رجلين داراً: جاز؛ لأن المنافع خرجت مِن ملكه إليهما في صفقة واحدة، وإنما يحتاجان هما إلى المهايأة فيما بينهما بعد صحة عقد الإجارة، إذ كان عقد الإجارة يتناول منافع غير مشاعة. ألا ترى أنه يجوز بيع عبدَيْن، أو إجارة دارَيْن صفقة واحدة وإن لم يُسمَّ لكل واحد شيء، وإن كان لو أفرد كل واحد منهما، فعَقَدَ عليه بالحصة: لم يصح العقد، ثم جاز إذا وقع العقد صفقة واحدة. وإذا صح ما قلنا، ثم مات أحد المؤجِرَيْن: لم تنتقض الإجارة في نصيب الآخر، وإن لم يصحّ ابتداءً عقد إجارة على مشاع لغير الشريك في قول أبي حنيفة. وذلك لأن الإجارة قد صحت بَدْءاً، وصح تسليم الدار إليهما، فلم ينتقض العقد في نصيبه، لأجل انتقاضه في نصيب الميت. ألا ترى أنه لو اشترى عبدَيْن بألف درهم، ثم مات أحدُهما قَبل القبض: لم ينتقض البيع في الباقي وإن نفى حصته من الثمن، وهو مجهول، ومع ذلك لا يصح ابتداء العقد على الصحة. ٤٠٧ كتاب الإِجَارَات مسألة: [زمن استحقاق أجر حَمَّال المَتَاع] قال أبو جعفر: (ومَن استأجر رجلاً على أن يحمل له شيئاً مسافة معلومة، فحَمَله، ثم طالَبَه بأجر ما حَمَله من المسافة التي استأجره على حَمْله إليها: فليس عليه أن يعطيَه شيئاً مِن الأجرة حتى يستوفيَ منه الحُمُولة كلها). قال أحمد : هذا خلاف قولهم؛ لأن المشهور مِن قولهم(١) أنه يستحق الأجرة بمقدار ما سار. وإن هلكت الحُمُولة بعد الحَمْلِ مِن غير عمل الأجير: كان له الأجر کاملاً في قول أبي حنيفة، ولا ضمان عليه. وفي قول أبي يوسف ومحمد: يضمِّنْه قيمتَه في الموضع الذي ضاعت فيه، ويعطيه الأجر، لأنهما يريان ضمان الأجير المشترك. وهو قولهم في سائر ما ليس للأجير حَبْسه، وهو المَلاَّحِ، والجَمَّال، والحَمَّل، وكل مَن لم يكن لعمله أثرٌ قائم في المعمول. وإنما يكون للمستأجر أن يُسْقِط الأجر عن نفسه: إذا هلك من عمل الأجير في بعض الطريق، نحو أن ينكسر المحمول من حِمله، أو تَغْرَق السفينة مِن مَدِّ(٢)، أو ما جرى مجرى ذلك مما يوجب الضمان، فيكون للمستأجر الخيار: أن يضمِّنْه إن شاء قيمته في الموضع الذي حَمَله منه، ولا أجر له، وإن شاء ضمَّنْه قيمتَه في الموضع الذي تلف فيه مِن عَملِه، (١) وهو ظاهر الرواية، كما في شرح الإسبيجابي ٢ / لوحة / ٣٢. (٢) مدَّ البحر مدّاً: زاد، ومدَّه غيره مداً: زاده. كما في المصباح المنير (مد)، والمراد الزيادة في سرعة السفينة، حتى أدّت بها إلى الغرق، والله أعلم. ٤٠٨ كتاب الإِجَارَات ويعطيه الأجر بحسابه. والجواب الذي ذكره أبو جعفر إنما هو في القصَّار، والصَّبَّاغ، والخَيَّاط، ونحوهم ممَّن يكون لعملهم تأثير قائم في المعمول، فيكون للأجير حَبْسه بالأجر، ولا يستحق شيئاً من الأجر حتى يسلِّم العمل. فإن هَلَكَ قَبْل أن يسلمه مِن غير عمله: لم يضمن في قول أبي حنيفة، ولا أجر له؛ لأن العمل كان محبوساً بالأجر، كالمبيع محبوس في يد بيِّعه بالثمن، إذا هَلَكَ: هَلَكَ بالثمن. * وفي قول أبي يوسف ومحمد: يضمن، فإن ضمَّنْه معمولاً: استحق الأجر، وإن ضمَّنْه غير معمول: لم يستحق. مسألة : [زمن استحقاق أجر مَن حَمَل علىْ ظَهْره] قال أبو جعفر: (ولو كانت الإجارة على حَمْل الرجل بنفسه: استحق الأجر بمقدار ما سار). قال أحمد : لا فرق بين هذا الوجه، وبين الإجارة على حَمل الرجل، وحَمْل المتاع، في أنه يستحق الأجر بحساب ما سار، وإنما يختلفان مِن جهة أخرى، وهي أن الدابة لو وَقَعَتْ، فَعَطِبَ الرجل مِن سَوْق الأجير مِن غير تعدٍّ: لم يضمن الأجير شيئاً، ولو كان بدلَ الرجل متاعٌ محمول، فعطب مِن سَوْقِه: ضمنه. وإنما يفترق حكم الإجارة على حمْل الرجل، وعلى حَمل المتاع من هذا لوجه الذي ذكرنا، لا من الوجه الذي ذكره أبو جعفر. وكذلك سبيل بني آدم كلهم، أحرارهم وعبيدهم، لا يضمن الأجير منهم مَن عطب مِن سَوْقه الدابة إذا لم يكن منه تعدٍّ، وإنما يختلف حكم بني آدم، والأمتعة مِن هذا الوجه، مِن قِبَل أنه لو ضمن ابنُ آدم بما تولَّد ٤٠٩ كتاب الإِجَارَات مِن فعله من هذا الوجه، كان ضمانه ضمان الجنايات، وكان يجب أن يكون على العاقلة، وضمان الجنايات لا يُستحق بالعقود. وهذا الضرب من الضمان متعلَّق بالعقد، ألا ترى أنه لو أمر رجلاً بسَوْق دابته، وعليها متاع مِن غير أجرِ شُرِط، فساقها فعطبت الدابة، وهلك المتاع: أنه لا ضمان على السائق؛ لأن فِعله غير مضمون عليه، إذ كان بإذن مالك الدابة، ولم يستحق عليه أجر. وكذلك لو أمَرَ راكبُ الدابة رجلاً بسَوْق دابته، وليس بأجير، فساقها فعطبت، وعطب الرجل: لم يضمن السائقُ شيئاً؛ لأنه ساقها بإذنه، فلو ضمَّنَّاه في مسألة الإجارة، لتعلَّق ضمانه بالعقد، وضمان الجنايات لا يُستحق بالعقود. وأما المتاع فإنه مما يصح ضمانه بالعقود، ألا ترى أن المبيع بيعاً فاسداً: يكون في ضمان المشتري بالقبض عن العقد. وكذلك الرهن في يدي المرتهن، والمقبوض على وجه السَّوْمِ، فيصير المبيع مضموناً على البيِّع بالعقد إلى أن يسلِّمه إلى المشتري، فلذلك اختلفا فیما ذکرنا. * وهذا الذي ذكرنا من جواب هذه المسائل قول أصحابنا على ما وصفنا، قد ذكره محمد في مواضع من الكتب، والذي ذكره أبو جعفر قد روي نحوه عن أبي يوسف في الإملاء، وفي الجوامع(١)، والمشهور (١) الجوامع: كتاب للإمام أبي يوسف، من رواية بشر بن الوليد الكندي، صاحب أبي يوسف، المتوفى سنة ٢٣٨هـ عن سبع وتسعين سنة، كما في كشف الظنون ٦٠٩/١، وحسن التقاضي للکوثري ص٣٣. ٤١٠ كتاب الإِجَارَات عنهم ما ذكرناه. * وقد قال في الأصل: إذا استأجر حمالاً يحمل له شيئاً من السُّوق إلى أهله: لم يعطه الأجر حتى تبلغ الحُمولة إلى أهله. وليس هذا بمخالِف لما قلنا، مِن قِبَل أن هذا القدر من المسافة لا يمكن أن يقال فيها: أعطه الأجر بحساب ما سار، إذ ليس يكاد يُضْبَط ذلك. وهذا كما قالوا في الدار أنه يستحق أجر يوم بيوم، لا على معنى أنه لا يستحق الأجر في بعض اليوم، فلا يطالب به، ولكنهم ذكروا ذلك للقدر، استيفاءً أجرَ كلِّ جزء من الوقت، فكما قدَّروا فرض نفقة المرأة شهراً بشهر. وأيضاً: يجوز أن يكون قال ذلك في الحَمَّال يحمل الشيء من السوق إلى أهله، أنه لا يعطيه الأجر حتى يبلغ إلى أهله، لجريان العادة بمثله في الحَمَّال، فصار ذلك كالنطق به. وكما أنه لو أمره بالحمل، ولم يشرط له أجراً: استحق الأجر، لجريان العادة به، فصار کالمنطوق به. مسألة : [زمن استحقاق أجر حَفَّار البئر] قال أبو جعفر: (ومَن استأجر رجلاً على حَفْر بئر في مكان أراه إياه، ووَصَفَ له سَعَتَها، وعُمْقَها، بأجرة معلومة، فَحَفَرَ له بعضَها، ثم طالَبَه بأجرة ما حَفَر: لم يكن عليه أن يدفع شيئاً مِن أجرتها حتى يفرغ له منها). قال أحمد : هذا على وجهين: إذا كانت في ملكه استحق الأجرة بمقدار ما حَفَر؛ لأنها لو انهارت بعد ما حفر: لم يسقط عنه أجر ما حفر، ٤١١ كتاب الإِجَارَات لأنه مسلّم لكل جزء من العمل بعمله، إذ كانت في ملك المستأجر، وفي یده. فإن كانت البئر ليست في ملك المستأجر، ولا في يده: فإنه ينبغي أن لا يستحق الأجر حتى يفرغ منه، سواء أراه الموضع الذي يحفرها فيه بعینہ، أو لم يُرِه. ألا ترى أنها لو انهارت بعد ما حفر بعضَها، أو جميعَها: لم يستحق شيئاً من الأجر. وهذا الذي ذكرنا في التسوية مِن أن يُرِيَه الموضع، أو لا يُرِيَه: أنه لا يستحق الأجر إذا انهارت قبل التسليم رواية هشام عن محمد. وروى الحسن بن زياد (١) عن أبي حنيفة: أنه إن أراه الموضِعَ، فهو بمنزلة ما في يده، ويحصل الحفر في ضمانه، وإن لم يُرِهِ: لم يكن في ضمانه حتى يسلمه. فينبغي في الموضع الذي يصير الحفر من ضمانه: أن يستحق الأجر بقدر الحفر، وفي الموضع الذي لا يصير الحفر في ضمانه: ينبغي أن لا يستحق الأجر (٢) حتى يحفر الجميع. (١) اللؤلؤي الكوفي، صاحب أبي حنيفة، كان يقظاً فَطِناً فقيهاً نبيهاً، حافظاً للروايات عن أبي حنيفة، المتوفى سنة ٢٠٤هـ، له ترجمة في الفوائد البهية ص٦٠، وللعلامة الكوثري رحمه الله: ((الإمتاع بسيرة الإمامین الحسن بن زياد وصاحبه محمد بن شجاع رحمهما الله)). (٢) في الأصل: (ينبغي أن يكون له أن لا يقبله حتى يحفر الجميع). ٤١٣ كتاب المُزَارَعَة كتاب المُزَارَعَة مسألة : [جواز استئجار الأرض للزرع بما تُستأجر به الدور] قال أبو جعفر : (وما جاز أن تُسْتأجر به الدور وغيرها من دراهم أو دنانير أو مكيل أو غيره: جاز استئجار الأرض به للزَّرْعِ). وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن استأجر أجيراً فليُعلمه أجره))(١). يقتضي عمومُه جواز الإجارة بأجر معلوم في الأرضين وغيرها. ويدل عليه أيضاً: قوله عليه الصلاة والسلام: ((أعطِ الأجير أجرَه قبل أن يجفَّ عَرَقُه))(٢). وقال سعد بن أبي وقاص: «كُنَّا نُكْرِي الأرضَ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على السَّواقي من الزرع، وبما صَعِد بالماء عنها، فنهى رسول الله عن ذلك، ورخَّص لنا أن نكريَها بالذهب والوَرِق))(٣). وإذا جازت إجارتها بالذهب والوَرِق: جازت بسائر الأشياء المعلومة؛ (١) تقدم. (٢) تقدم. (٣) تقدم. ٤١٤ كتاب المُزَارَعَة لأن أحداً لم يفرِّق بينهما، وخُصَّ الذهب والوَرق بالذكر مِن بين سائر ما تُستأجر به الأرضون؛ لأنهما أثمان المبيعات، وما يجري عليه التعامل من الأموال. قال أحمد : وكلَّ ما جاز أن يكون ثمناً في البيع: جاز أن يكون أجرة في الإجارات، وما لا يجوز أن يكون ثمناً في البيع لأجل جهالته: لم يجز أن يكون أجرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ((مَن استأجر أجيراً، فليُعلمه أجرة)) (١). نفى به الجهالة عنها، كما نفى الجهالة عن المبيعات وأثمانها بقوله: ((مَن أسلم فليُسلم في كيلٍ معلوم، ووزنٍ معلوم، إلى أجلٍ معلوم))(٢). مسألة : [مدة استئجار الأرض للزرع] قال أبو جعفر: (ولا بأس باستئجار الأرض للزرع إلى طويل المدة وقصيرها بعد أن يكون معلوماً). وذلك لحديث سعد الذي قدَّمناه: ((ورخَّص لنا أن نُكْرِيَها بالذهب والوَرِق)): ولم يفرِّق فيه بين الطويل المدة والقصيرها. وكما جازت إجارة سائر العقار بطويل المدة وقصيرها. مسألة : [جواز استئجار الأرض للزرع إن أمكن تسليم منافعها] قال أبو جعفر: (ولا بأس باستئجارها للزرع قبل رِيِّها بعد أن تكون (١) تقدم. (٢) تقدم. ٤١٥ كتاب المُزَارَعَة معتادة الرِّيِّ في مثل المدة التي تُعقد الإجارة عليها فيها). قال أحمد : إذا كانت مما يمكن تسليمها للمنافع: جاز عقد الإجارة عليها، كالمبيعات إذا أمكن تسليمها: جاز عقد البيع عليها. مسألة : [الأجر مستَحق للمنافع] قال أبو جعفر: (فإن لم يأتها الماء التي تُزْرَع به: لم تجب عليه فيها أجرة). وذلك لأن الأجر مستحق للمنافع، والمنافع متعذَّرة مع انقطاع الماء: فلم يصح التسليم، كما لو غَصَبَها غاصب ومَنَعَه الزراعة: لم تلزمه أجرة. مسألة: [لو لم يكف الماء في الأرض لكل الزرع] قال أبو جعفر: (فإن كان إنما جاء من الماء ما يُزرع به بعضُ الأرض: فالمستأجر بالخيار: إن شاء نقض الإجارة، وإن شاء زَرَعَ ما أمكنه منها، وأعطاه الأجر بحساب ما زرع). قال أحمد : وإنما كان له الخيار لتفرُّق الصفقة عليه؛ لأنه قد استحق تسليمَ الجميع إليه جملة، فإذا تفرَّقت عليه الصفقة: كان له الخيار في فسخ الإجارة، كرجلِ اشترى عبدَيْن، فمات أحدُهما قبل القبض. وإن زَرَعَ: كان له الأجر بحسابه، كالعبَدْين إذا مات أحدهما قبل القبض: يأخذ الباقي بحصته من الثمن. مسألة : [المزارعة على جزءٍ مما تُخْرِج الأرض] قال أبو جعفر: (ولا بأس بالمزارعة على جزء من أجزاء ما يَخرج مِن الأرض في قول أبي يوسف ومحمد، ولا يجوز ذلك في ٤١٦ كتاب المُزَارَعَة قول أبي حنيفة (١)). قال أحمد : مخالفو أبي حنيفة في ذلك فريقان: أحدُهما: أبو يوسف ومحمد، وهما يجيزان المزارعة والمساقاة جميعاً. والآخر: مالكُ(٢) والشافعيُّ(٣)، وهما يجيزان المساقاة والمزارعة في الزرع الذي يكون بين النخل، ولا يجيزان المزارعة في أرضٍ بيضاء ليس فيها نخل. وأما حجة أبي حنيفة في إبطال المساقاة، فقد تقدَّمت جملةٌ مِن القول فيها، ونحن نذكر هاهنا ما يدل على صحة قول أبي حنيفة في إبطال المزارعة، وينتظم بعض ما نذكره إبطالَ المساقاة أيضاً. فأما ما ينتظم الأمرَيْن جميعاً بالإفساد: فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن استأجر أجيراً، فليُعلمه أجره)) (٤)، والعامل في النخل والزراعة أجيرٌ، بدلالة اتفاق الجميع من مجيزيها أنها لا تصح إلا بوقتٍ معلوم. (١) والمفتى به هو قول الصاحبين لحاجة الناس، كما في الهداية ٥٤/٤، وتبيين الحقائق ٢٧٩/٥، ونقل هذا أيضاً عن كثيرين العلامة قاسم في تصحيح القدوري، کما في اللباب للمیداني ٢٢٩/٢. (٢) الموطأ ٧٠٧/٢، المنتقى للباجي ١٣٢/٥، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٥٤٢/٣. (٣) الأم ١١/٤، شرح المحلي على المنهاج ٦١/٣. (٤) تقدم. ٤١٧ كتاب المُزَارَعَة ولا خلاف أن الإجارة لا تصح بما تُخرجه هذه النخلة، لنخلةٍ لم يُشرط علیه عملها. وكذلك إذا شرط له نصف ثمرة النخل الذي شُرِط عليه عمله. وهذا الخبر ينتظم إفساد المزارعة والمعاملة(١) جميعاً بجهالة الأجر فيهما. * ومن الألفاظ التي تنتظم إفسادهما جميعاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم لرافع بن خَدِيج في الأرض: ((لا تستأجِرْها بشيء منها)) (٢). والثمرة في الأرض، كما أن الحَبَّ من الأرض، فمِن حيث دلَّ على فساد المزارعة، دلَّ أيضاً على فساد المساقاة. * ومما يدل على فسادهما جميعاً: حديثُ ابنِ جُرَيج عن عطاء وأبي الزبير عن جابر ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة))(٣). وقال ابن خُثَيْم عن أبي الزبير عن جابر قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَنْ لم يَذَر المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله)) (٤). وروى جعفر بن بُرْقَان عن ثابت بن الحجّاج عن زيد بن ثابت قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة)). (١) أي المساقاة. (٢) تقدم. (٣) صحيح البخاري ٥٠/٥، صحيح مسلم ١١٧٤/٣، ومن حديث زيد بن ثابت أخرجه أبو داود في سننه ٦٩٥/٣. (٤) سنن أبي داود ٦٩٥/٣، وسكت عنه، وكذلك المنذري في المختصر ٦٦/٥. ٤١٨ كتاب المُزَارَعَة والمخابرة اسمٌ يتناول المساقاة والمزارعة جميعاً. ذكر أبو عبيد (١) أن المخابرة عند العرب هي المزارعة بالنصف والثلث. قال: والمخابرة هي المؤاكرة أيضاً، ولذلك سُمِّي الأَكَّار أَكَّاراً؛ لأنه يؤاكر الأرض(٢). قال أحمد : والمؤاكرة تتناول النخل والزرع جميعاً، فيشتمل عليهما لفظ النهي. وذكر القتيبي(٣) عن ابن الأعرابي(٤): أن المخابرة اسمها مشتقٌّ مِن أَمْر (١) هو الإمام الحافظ المجتهد اللغوي ذو الفنون، القاسم بن سلام، الهروي البغدادي، صاحب التصانيف المونقة، كالأموال، وغريب الحديث، والغريب المصنف، وغيرها، ولد سنة ١٥١ هـ، وتوفي سنة ٢٢٤هـ، له ترجمة حافلة في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٤٩٠. وقد أفردتُ له ترجمة موسعة طبعت في سلسلة أعلام المسلمين، برقم (٣٥)، دار القلم، دمشق، ط١٤١١/١، في ٢٤٤ صفحة، حيث كانت رسالتي في مرحلة الماجستير بعنوان: ((فقه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه: غريب الحديث مقارناً مع المذاهب الأربعة)). (٢) كما في غريب الحديث ٢٣٢/١، والأكَّار: هو الحرَّث والزرَّاعِ، كما في تاج العروس (أکر). (٣) هو العلامة الكبير ذو الفنون عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، له مصنفات كثيرة منها: غريب الحديث، وأدب الكاتب، والمعارف، وغيرها، توفي سنة ٢٧٦ هـ، له ترجمة في سير أعلام النبلاء ٢٩٦/١٣. (٤) هو إمام اللغة محمد بن زياد بن الأعرابي، انتهى إليه علم اللغة والحفظ، وكان صاحب سنة واتباع، ولد في الكوفة سنة ١٥٠ هـ، وتوفي بسامرا سنة ٢٣١هـ، = ٤١٩ كتاب المُزَارَعَة خَيْبَر، قال ابن الأعرابي: ثم صارت بعد ذلك لغة، فقيل للأَكَّارِ العاملِ: (١) خبير(١). قال أحمد : ومعلوم أن عُظْم ما عَقَدَ النبي صلى الله عليه وسلم على أهل خيبر العمل فيه: كان النخل، فدلَّ أن المخابرة اسم يتناول المساقاة، فوجب أن تبطل بعموم نهيه عن المخابرة. فإن قيل: لم نرهم يشتقون من المواضع اسماً للأفعال، ولا يجوز أن يكون اسم المخابرة مشتقٌّ مِن خيبر. قيل له: قد أجاز ذلك ابنُ الأعرابي، وهو مقبول القول في اللغة. وأيضاً: قد وجدناهم يقولون: بَدَا الرجلُ: إذا صار إلىُ البَدْو (٢). وقال الله تعالى: ﴿سَوَآءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾(٣). ويقولون: أعرق الرجل: إذا أَتَى العراقَ(٤)، وأَنْجَدَ: إذا أتى نجداً(٥)، وأَتْهَمَ: إذا أتى تهامةَ(٦)، وذلك مشهورٌ في لغتهم، فليس يمتنع أن يُسَمُّوا المساقاةَ مخابرةً، اشتقاقاً لها مِن قصة خيبر. له ترجمة في سير أعلام النبلاء ٦٨٨/١٠. (١) كما في غريب الحديث لابن قتيبة ١٩٦/١. (٢) كما في القاموس المحيط (بدو). (٣) الحج: ٢٥. (٤) لسان العرب (عرق). (٥) الصحاح للجوهري (نجد). (٦) الصحاح (تهم). ٤٢٠ كتاب المُزَارَعَة : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخباراً أُخَر تَخْتَص بإفساد المزارعة، وهي ما رواه رافع بن خَدِيج، وثابت بن الضَحَّاك، وجابر بن عبد الله ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة بالثلث والرُبع))(١). تركتُ ذكرَ أسانيدها كراهةَ الإطالة، ولأنها أخبار مشهورة. وقال محمد بن المُنْكدر عن جابر ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كِراء الأرض إلا بذهب أو فضة))(٢). وقال أبو عُبَيْدة بن محمد بن عمار بن ياسر سمعت جابرَ بن عبد الله يقول: ((حَرَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كِراء المَزَارِعِ))(٣). وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسین بن إسحاق قال: حدثنا عَمْرو بن يحيىُ الأَسْواري قال: حدثنا مَخْلَد بن يزيد عن بُكَيْر بن عامر عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم عن رافع بن خَدِيج قال: ((مَرَّ بي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا أزرع من البُقُول، فقال: ما هذا؟ فقلت: بَذْرِي، ومالِيَ إلا الشَّطْر، ولآل فلانِ الشَّطْرِ، قال: أَرْبَيْتَ، رُدَّ الأرض إلى أهلها)(٤). (١) رواه مسلم بلفظ: ((نهى عن المزارعة)) ١١٨٤/٣، وهو عند عبد الرزاق في المصنف ٩٦/٨ من حديث رافع بن خديج نهى عن الثلث والربع. (٢) تقدم. (٣) صحيح مسلم ١١٨٠/٣. (٤) سنن أبي داود ٦٩٢/٣، سنن البيهقي ١٣٣/٦، وقد سكت عنه أبو داود، وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٦٣/٥: ((في إسناده بكير بن عامر البجلي الكوفي، وقد تكلم فيه غير واحد)). اهـ، قال الذهبي في المغني في الضعفاء ١٨٠/١ =