Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ كتاب المُسَاقَاة وذلك أن العامل إذا لم يكن عليه الحفظ والسقي ونحو ذلك، والنخل محتاج إليه، كان ذلك على رب النخل، وشَرْطُ بعضِ عملِ المساقاة على رب النخل يُفْسِدها، كما أنه لو شُرِطَ عملُ رب المال مع المضارب، فَسَدَت المضاربة. ٣٨٣ كتاب الإِجَارَات كتاب الإِجَارَات مسألة : [أدلة جواز الإجارة] قال أحمد : الأصل في جواز عقود الإجارات كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واتفاق الصدر الأول. فأما موضعه في كتاب الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾(١). وقال موسى عليه السلام لصاحبه: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيَّهِ أَجْرًا﴾(٢). وقال الله تعالى حاكياً عن نبيِّه شُعَيْب صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّأُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَّ هَتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجٍ ﴾(٣). فدل ظاهر لفظه على أن ذلك كان عقد إجارة فيما بين شُعَيب وبين موسىُ عليهما السلام، وأنه جَعَلَ نكاحَ البنت شرطاً في الإجارة؛ لأنه شَرَطَ المنافع لنفسه، لا للمرأة، ولو كان ذلك عقد نكاح، لوجب أن تكون المنافع مشروطة للمرأة؛ لأنه لا يجوز أن يستحقَّ بدلَ بُضْعها غيرُها. وقال تعالى حاكياً عن صاحب يوسف عليه السلام: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ، (١) الطلاق: ٦. (٢) الكهف: ٧٧. (٣) القصص: ٢٧. ٣٨٤ كتاب الإجَارَات حِملُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمٌ﴾(١). وذلك إجارة؛ لأنه شَرَطَ لَمَن جاء به حِمل بعير، بدلاً عن مجيئه به (٢) . وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن زَّبِّكُمْ ﴾(٣). روي عن ابن عمر أنها نزلت فيمن أُكْرِيَ إلى مكة، وحَجٌ(٤). ومن جهة السنة: حديث أبي هريرة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يربط الحَجَرَ على بطنه من الغَرْث(٥)، فانطلق رجل من الصحابة فاسْتَقَى عشرين سَجْلاً(٦) على عشرين تمرة، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأَكَلَها))(٧). (١) يوسف: ٧٢. (٢) وقد وضح المؤلف هذا المعنى أكثر في أحكام القرآن ١٧٥/٣. (٣) البقرة: ١٩٨. (٤) جامع البيان للطبري ٢٨٢/٢، والمراد أنها نزلت فيمن استأجر ليحمل الحجاج على دابته، ثم هو حج. (٥) الغرث: الجوع، النهاية لابن الأثير ٣٥٣/٣، القاموس المحيط (غرث). (٦) السَّجْل: الدلو الملأى، كما في مختار الصحاح (سجل). (٧) سنن ابن ماجه ٨١٨/٢، سنن البيهقي ١١٩/٦، مسند أحمد ١٣٥/١. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٦١/٣: ((رواه أحمد بسندٍ جيد، ورواه ابن ماجه بسند صححه ابن السكن)). اهـ ٣٨٥ كتاب الإجَارات وحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَلُكُم ومثلُ اليهود والنصارى، كمَثَلِ رجلِ استأجر أجيراً، فقال: مَنْ يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط ... ))(١)، إلى آخر الحديث. وحديث عائشة في قصة هِجرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر قالت: ((واستأجر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الدِّيْل هادياً خِرِّيَاً(٢)، فأخذ بهما على طريق الساحل)) (٣). وحديث الثوري عن سِمَاك بن حرب عن سويد بن قيس قال: ((جلبت أنا ومَخْرَفَةِ(٤) العبدي بَزَّا(٥) من هَجَرَ (٦)، فلما كنا بمِنَى، أتانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فاشترىُ مِنَّا سَرَاويل قال: وثَمَّ وزَّانُ يَزِنُ بالأجر، فدَفَعَ إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الثمن، ثم قال: زِنْ وأَرْجح))(٧). (١) صحيح البخاري ٤ /٤٤٥. (٢) الخِرِّيت: الماهر الذي يهتدي لأخرات المفازة، وهي طرقها الخفية ومضايقها. النهاية ١٩/٢. (٣) صحيح البخاري ٢٣٢/٧. (٤) في الأصل: مخرمة، وهو عند النسائي وأبي داود وابن ماجه، ونص على ذلك المنذري في مختصر سنن أبي داود ١١/٥، وفي الترمذي: (مخرمة)، وبين هلالين: (مخرفة). (٥) البز: الثياب، مختار الصحاح (بزز). (٦) هجر: اسم بلد معروف بالبحرين، أما هجر التي تُنسب إليها القلال الهجرية، فهي قرية من قرى المدينة، كما في النهاية ٢٤٦/٥-٢٤٧، معجم البلدان ٣٩٣/٥. (٧) سنن النسائي ٢٨٤/٧، سنن الترمذي ٥٩٨/٣ وقال: حسن صحيح، سنن = ٣٨٦ كتاب الإِجَارَات فهذه الأخبار كلها تقتضي جواز الإجارة على منافع الإنسان. وقد روي في جواز عقد الإجارة على منافع الأَرَضَين حديث سعد بن أبي وَقَّاص ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص أن تُكْرَى الأرضون بالذهب والفضة))(١). وقد اتفق فقهاء السلف(٢) على مثل ما ورد به ظاهر الكتاب والسنة، من جواز عقود الإجارات على منافع الأبدان والعقار والعروض. فصل : [أنواع الإجارة] وعقد الإجارة على وجهين: أحدهما على منافع معلومة، والثاني على مدة معلومة يستحق فيها تسليم الشيء المستأجر، لا تصح إلا على أحد هَذيْن الوجهَيْن، مع نفي الجهالة عن الأجرة حسب نفيها عن عقود البياعات. والدليل على صحة ذلك: ما روى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن استأجر أجيراً فليُعْلِمْه أجره))(٣). استفدنا به معنَيَيْن: أحدهما من طريق النص، والآخر من طريق الدلیل. فأما شرط معرفة الأجرة، ونَفي الجهالة عنها، فهو مذكور فيها نصاً. أبي داود ١٣/ ٦٣١، سنن ابن ماجه ٧٤٨/٢. (١) صحيح البخاري ٢٥/٥، صحيح مسلم ١١٨٣/٣. (٢) المغني ٣/٦. (٣) تقدم. ٣٨٧ كتاب الإجَارات ودلَّنا ذلك على وجوب نفي الجهالة عن المعقود عليه من المنافع، وعلى أن المعدوم من المنافع في عقد الإجارة في حكم المملوك من الأعيان بعقد البيع؛ لأنه من حيث نَفَى الجهالةَ، كان واجباً أن تكون منفية عن بدلها وهي المنافع. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نَفَى الجهالة عن السَّلَم بقوله: («فليُسْلِم في كيلٍ معلوم، ووزنٍ معلوم، إلى أجل معلوم))(١): عَقَلْنا به وجوب نفي الجهالة عن بدله، وهو رأس المال. فصل : [شروط استحقاق الأجرة] والأجرة لا تُستَحق عندنا إلا بأحد ثلاثة معان: إما بشرط التعجيل، [أو بالتعجيل من غير شرط](٢)، أو باستيفاء المنافع. والدليل على أنها غير مستَحَقة بالعقد: قولُ الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣)، فأوجب لهنَّ الأجر بعد الرضاع. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: (١) تقدم. (٢) سقطت هذه الجملة من الأصل، وقد ذكر المؤلف أنها ثلاثة معان، ولم يذكر في الأصل إلا اثنين، لكن لما استدل بالنظر ذكر شرط التعجيل، والتعجيل بغير شرط، وقد أثبتُّ عبارة الهداية ٢٣٢/٣. (٣) الطلاق: ٦. ٣٨٨ كتاب الإجارات ((أعطِ الأجير أجرَه قبل أن يَجفَّ عَرَقه))(١). وهذه حال فراغه من العمل. وحدثنا دَعْلج بن أحمد قال: حدثنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي قال: حدثنا التُّفَيْلي قال: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال: سمعت إسماعيل بن أمية يذكر عن سعيد بن أبي سعيد المَقُبُري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول ربُّكم: ثلاثةٌ أنا خَصْمُهم، ومَن كنتُ خَصمه خَصَمْتُه: رجلٌ أعطاني عهداً ثم غَدَر، ورجل باع حراً ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفىُ عمله، ولم يوفِّه أجره))(٢). فأخبر أن اللوم يلحقه بمَنْع الأجر بعد استيفاء العمل، ألا ترى أن الأجرة لما كان شرطها أن تكون معلومة في العقد قال: ((مَن استأجر أجيراً فليعلمه أجره))، فَشَرَطَ نَفْي الجهالة عنها في العقد، إذ كان ذلك واجباً في نفس العقد، فلو كانت الأجرة مستَحَقَّة بالعقد، لكان الأَوْلى أن يقول: أعط الأجير أجره بعد العقد. (١) سنن ابن ماجه ٨١٧/٢، قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٥٩/٣ ((أخرجه ابن ماجه، وفيه: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والطبراني في الصغير، وفيه: شرقي بن قطامي، وهو ضعيف، وأبو يعلى وابن عدي والبيهقي، وهذا الحديث ذكره البغوي في المصابيح في قسم الحسان)).اهـ وقال المناوي في فيض القدير ٥٦٣/١: ((وبالجملة فطرقه كلها لا تخلو من ضعيف أو متروك، لكن بمجموعها يصير حسناً)) اهـ. وينظر نصب الراية ١٢٩/٤. (٢) صحيح البخاري ٤١٧/٤ بدون زيادة: ((ومن كنت خصمه خصمته))، وهي عند ابن خزيمة وابن حبان والإسماعيلي، كما في فتح الباري ٤١٨/٤. ٣٨٩ كتاب الإجَارات ولقال في حديث: ((ثلاثة أنا خصمهم)): ورجل استأجر أجيراً فلم يُعطه أجرَه. * وأيضاً مِن جهة النظر: إن عقد الإجارة واقع على المنافع وعلى الأجرة، كعقد البيع، يفيد ملك الثمن والمبيع معاً، فلما لم تكن المنافع مملوكة في حال العقد، لأنها معدومة فيه، وجب أن لا يَملك المؤجر الأجرة، فإذا استوفى المنافعَ مَلَكَ المؤاجِر بإزاء ملك المستأجر المنافعَ. * فإن شَرَطَ التعجيل، أو عجّل: مَلَكَ، وذلك لوجود السبب الذي به تملك الآخر عند استيفاء المنافع، وهو العقد، ويصح تعجيل ما لم يستحق مِن أجل وجود السبب، كجواز تعجيل الزكاة لأجل وجود النصاب، وتعجيل كفارة القتل لأجل وجود الجراحة. فإن قال قائل: قَبْضُ الشيء المستأجر، بإزاء قَبْض المبيع، فيجب على هذا أن يستحق عليه الأجر بقَبْض المستأجر، كما يُستَحق الثمنُ على المشتري بقبض المبيع. قيل له: أما الثمن فإنما يُستَحَق على المشتري بالعقد، كما مَلَكَ المبيع بالعقد، وأما قَبْض المستأجَر، فلم يوجب له مِلْك المنافع؛ لأنها لو كانت مملوكة بالقبض، لوجب أن تصير في ضمانه، حتى لو هلك المستأجَر في يده بعد القبض: أن لا تنتقض الإجارة، ولا يسقط عنه شيء من الأجر، وهذا خلاف الاتفاق، فثبت بذلك أن قَبْض المستأجر، لم يوجب له ملك المنافع ولا حصولها في ضمانه. فصل : [زمن استحقاق الأجر] قال أبو جعفر: (وقال أبو حنيفة في الإجارة الواقعة على المدة، مثل استئجار الدار شهراً، أو سنة، أنه يستحق الأجر يوماً بيوم، على حسب ٣٩٠ كتاب الإِجَارَات استيفاء المنافع وهو قولهم جميعاً (١). وكان أبو حنيفة يقول قبل ذلك: لا يستحق شيئاً مِن الأجر حتى تمضيَ المدةُ كلها). وقد بيَّنَّا وجه قوله فيما تقدم آنفاً. ووجه قوله الأول: أنه جَعَله بمنزلة المبيع، أن البيِّع لا يستحق شيئاً من الثمن إلا مع تسليم جميع المبيع، وأنه لو مَنَعَه بعضَ المبيع، لم يستحق ثمن الباقي حتى يُحْضِر الجميع. ثم رَجَعَ وفرَّق بينه وبين البيع، مِن قِبَل أن عقد البيع يوجب تسليم المبيع دفعة، وكذلك يستحق ثمنه دفعة، وعقد الإجارة يقتضي التسليم حالاً فحالاً، يستحق البدل على حسب استحقاق المبدل منه؛ لأن تسليم أحد البدلين مستَحق بحذاء تسليم البدل الآخر، ولهذه العلة قالوا: إن المؤجر لو مَنَعَه تسليمَ المستأجر بعضَ المدة، ثم أراد أن يسلم في بقية المدة، لم يكن للمستأجر أن يمتنع من ذلك. ولو أن البيِّع أتلف بعضَ المبيع قبل القبض، كان للمشتري أن يمتنع من قبض الباقي، وأن يفسخ البيع فيه، مِن قِبَل أن المستأجر لم يستحق تسليم المنافع على المؤجر إلا حالاً فحالاً، على حسب مضيِّ الأوقات، فلم يتفرق عليه التسليم المستَحق بالعقد لأجل مَنْع المؤجر إياه بعضَ المدة. وأما المشتري فقد استَحَق على البيِّع تسليمَ المبيع دفعة، فإذا هلك (١) أي قول الإمام والصاحبين جميعاً، وقد اختصر الجصاص عبارة الطحاوي. ينظر المختصر ص١٢٨. ٣٩١ كتاب الإِجَارَات بعضُه، أو نصفُه، أو مَنَعَه، كان له الامتناع من قَبْض الباقي، إذ ليس هو واقعاً على الوجه المستحق بالعقد. فصل : قال أبو جعفر : (وتجوز الإجارة على أجرة آجلة أو عاجلة). وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن استأجر أجيراً فليُعلمه أجره))(١)، فأجازها إذا كانت الأجرة معلومة، ولم يفرِّق بين أن تكون الأجرة معجَّلة أو مؤجلة. مسألة : [حكم الأجرة لو انتقضت الإجارة] (ولو انتقضت الإجارة بعد قبض المؤجر الأجرة: كان له منها بحساب ما مضى، مما قد استوفى منافعه، وردّ على المستأجر ما بقي منها). وذلك أن قَبْضَ العبدِ (٢) لا تصير به المنافع في ضمانه؛ لأنه لا سبيل له إلى استيفاء جميع المنافع بحصول العقد في يده في الحال، وإنما يمكن استيفاؤها على حسب مضي الأوقات، فيحتاج إلى وجود الأوقات التي يصح فيها تسليم المنافع واستيفاؤها، حتى يُستحق الأجر بها، فلذلك لم تلزمه أجرة الأوقات التي لم يقع منه تسليم فيها. وليست الإجارة في هذا كالنكاح، في باب أن وجود الخلوة مرة واحدة، تَمنع سقوط شيءٍ من المهر بورود الطلاق، وذلك لأن عقد (١) تقدم. (٢) هذا كمثال فيمن استأجر عبداً للخدمة، كما يتضح هذا من آخر هذه المسألة. ٣٩٢ كتاب الإجَارَات النكاح لا يتناول المدة، لأنه لو وقع على المدة، لَمَا صحَّ إلا مع ذكر مدة معلومة، كالإجارة لما تناولت المدة، إذا كانت معقودة عليها، لم تصح إلا مع ذكر المدة، وإذا كان كذلك عَلِمْنَا أن عقد النكاح إنما يتناول تسليماً صحيحاً من جهتها، كما تناول عقد البيع تسليماً واحداً من جهة البيِّع، فإذا وُجِدَ: صار الشيء في ضمان المشتري، كذلك في النكاح. ويَدُلّك على ما وصفنا من الفرق: أن أحد الزوجين لو مات قَبْلَ الدخول: اسْتَحَقَّت كمالَ المهر، ولو مات العبد المستأجر قبل القبض: لم يستحق المؤجر شيئاً من الأجر. مسألة : [انتقاض الإجارة بموت المستأجر أو المؤجر] قال: (ومن مات من المستأجر أو المؤجر انتقضت الإجارة). أما إذا مات المؤجر، فقد انتقل ملك الدار إلى الورثة، والمنافع حادثة على ملكهم، لأنها تُملك في حال حدوثها، فمَن كان الأصل في ملكه، فالمنافع حادثة على ملكه، والميت فإنما كان عقد الإجارة على أن تُسْتَوْفَى المنافعُ مِن ملكه، فلما زال ملكه عن الأصل بَطَلَت الإجارة، إذ غير جائز للمستأجر استيفاء المنافع من ملك مَنْ لم يعقد في ملكه. فإن قيل: فالجارية الموصَى بخدمتها لرجل، تُسْتَوْفَى منافعها ممن هي ملك الوارث. قيل له: لأن هذه المنافع لم تُعقد إلا في ملك الوارث، ونحن فإنما منعنا أن تُستوفی من ملك الوارث منافع عَقَدَ علیها في غیر ملکه. ألا ترى أن المؤجر لو باع العبدَ المستأجر، فأجاز المستأجر البيعَ: فإن الإجارة تبطل، لانتقال الملك إلى غير مَن عُقِدَ في ملكه، ولم يجز أن تُسْتَوفى المنافع من ملك المشتري إذا لم يُعْقَد عليها في ملكه، كذلك إذا ٣٩٣ كتاب الإجارات مات المؤجر. * وأما إذا مات المستأجر، فقد انتقل ملكه إلى الورثة، فلا يجوز أن تُسْتَحق عليهم الأجرة بعد الموت، وذمة الميت قد بطلت، ولا يلحقه الدَّیْن بعد موته. ولأنه مُعْسِر أيضاً، لا سبيل له إلى الأداء؛ لأن الملك قد صار للوارث. فإن قال قائل: لما كان المعدوم من المنافع في حكم الموجود من الأعيان في باب العقد عليها، فهلاّ جعلتَها في حكم الأعيان في باب بقاء العقد عليها مع موت أحدهما. قيل له: جواز العقد على المنافع المعدومة لم نجعلها في حكم الأعيان في باب حصولها في ضمانه بقبض العبد، لاتفاق الجميع (١) على أن العبد لو مات بعد قبض المستأجر إياه قبل مضي شيءٍ مِن المدة: بطل العقد، ولم تلزمه شيء من الأجرة. ولم تكن بمنزلة العبد المشترَى إذا مات في يد المشتري بعد القبض بلا فصل، فكذلك لا تصير في حكم الموجود من الأعيان في باب امتناع انتقاض العقد بموت أحدهما. ويدل على أن المنافع المعقود عليها في ملكٍ لا يجوز استيفاؤها من ملك آخر: أن العاريَّة تبطل بموت المُعِير أو المستعير، لبطلان الملك الذي عُقِدَ فيه الإجارة. (١) لم يحك ابن قدامة فيها خلافاً، كما في المغني ٥٠/٦، ومثله ابن جزي في القوانين الفقهية ص ١٨٣. ٣٩٤ كتاب الإجارات مسألة : [ضمان المستأجِر إن تعدَّى الشروط] قال أبو جعفر: (ومَن استأجر دابةً إلى مكان، فجاوَزَ بها إلى مكان آخر: كان ضامناً لها ساعةَ جاوز بها). وذلك أنه لم يُؤْمَر بالمجاوزة، فلما جاوز بها بغير أمر مالكها: صار غاصباً، وقد لزمه الأجر قبل ذلك، فلا يسقط الضمان. مسألة : [حبس المستأجِر الدابةَ في منزله] قال: (ولو استأجرها إلى مكان بعينه، فحبسها في بيته: فلا أجر عليه). لأن المعقودَ عليه منها تسليمُها في الموضع المشروط فيها السَّيْر، ولم يحصل ذلك، فلم يجب الأجر، لعدم التسليم. وهو ضامن بحبسها في منزله؛ لأنه لم يُؤْمَر بإمساكها على الوجه. مسألة : [استحقاق الأجر بالتسليم] قال: (وإن قادها إلى ذلك المكان، ولم يركَبْها: فعليه الأجر). لأن التسليم قد وُجِدَ في الأماكن المستأجر إليها، وبه يُستَحق الأجر، لا بالرکوب، کما يُستحق أجر الدار بالتسلیم، لا بالسكنی. مسألة : [وجوب أجر الدار بقبضها] قال: (ولو استأجر داراً فَقَبَضَها: فعليه الأجر وإن لم يسكنها إذا بقيت في يده إلى انقضاء المدة). لأن الأجر إنما يُستَحق بتسليمها في المدة المؤقتة للإجارة، ألا ترى أنه لو سكَنَها إلا أنه كان يخرج بالنهار، ويرجع بالليل فيبيت فيها، أنه تُستحق جمیع الأجرة، ولم تسقط عنه حصة خروجه بالنهار. ٣٩٥ كتاب الإجَارات مسألة : [عدم وجوب أجر الدار إن حَالَ دون سكناها حائل] قال: (ولو قَبَضَها، ثم حال بينه وبينها حائل: لم يكن عليه أجر ما كانت كذلك). وذلك لأن التسليم الذي يُستحق به الأجر قد ارتفع، وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم. مسألة : [خيار الرؤية للمستأجر] قال: (ومَن استأجر داراً لم يرها، ثم رآها: فله فيها خيار الرؤية). كالشراء، والمعنى فيهما جميعاً جهالةُ المعقود عليه عنده. مسألة : [يد المستأجر يد أمانة إن لم يتعدّ] قال: (ولا ضمان على المستأجر إن هلكت الدابة عنده مِن غير تعدٍّ). مِن قِبَل أنه قَبَضَها بإذن المالك، لا على ضمان البدل عن عينها. مسألة : [جواز تأجير المستأجر للدابة إن قبضها] قال: (ومَن استأجَرَ دابة: لم يجز له أن يؤاجرها قبل القبض). كما لا يجوز بيع ما لم يُقْبَض، والمعنى فيهما جميعاً: أن مِن شرائط صحة كل واحدٍ منهما صحة التسليم. وليس هذا كالتصرف في المهر قَبْل القبض، إذ ليس مِن شرائط بقاء العقد وجودُ التسليم؛ لأن العبدَ المهرَ لو هلك قبل القبض، لم يبطل النكاح، وتبطل الإجارة والبيع بالهلاك قبل القبض. * وإن آجَرَها بعد القبض: جاز، إلا أنه إن كان فيه فَضْلٌ تصدق به؛ لأنه رَبِحَ ما لم يضمن، لأن المنافع لم تحصل في جهاته بالقبض، ألا ترى أنه لو هلك: بطل الأجر في المستقبل. ٣٩٦ كتاب الإِجَارَات وأيضاً: هو رِبْحُ ما لم يَملك بنفس العقد؛ لأنها معدومة، والمعدوم لا یملکه أحد. ولو كان لمَّا قَبَضَها زاد فيها زيادةً من عنده: طاب له الفضل، لأن الربح يصير بإزاء الزيادة. مسألة : [خيار العيب للمستأجر] قال: (وإن استأجر داراً، فَحَدَث بها عيب بعد القبض يَضُرُّ بسكناها: فهو بالخيار: إن شاء أمسكها، وإن شاء نقض الإجارة). لأنه بمنزلة عيب حَدَث بالمبيع قبل القبض؛ لأن قبض الدار لا يجعل المنافع في ضمانه إلا بمقدار ما يُمكن استيفاؤه منها. ألا ترى أنها لو انهدمت: سقط عنه من الأجر بمقدار ما لم يستوف. مسألة : [الضرر المجاور للفعل المأذون فيه غير مضمون] قال: (ولا ضمان على الحجَّام إن هلك المحجوم، وكذلك إذا استؤجر لتبزيغ (١) دابة). لأن السراية الحادثة ليست من فعله، وهو مأذون له في الحجامة، ولا يضمن السراية. وليس هذا بمنزلة تخريق الثوب بالدَّقِّ، فيضمنه، من قِبَل أن ذلك مِن جناية يده بالمباشرة في نفس ما استحق عليه البدل، فكان مضموناً عليه. وحدوث السراية والموت عن الحجامة والتبزيغ ليس من فعله، فلا (١) بزغ الحاجم والبَيْطار الدابة بَزْغاً: شَرَط وشَقَّ، أشعرها بمِبزغه، أي بمشرطه، كما في تاج العروس (بزغ). ٣٩٧ كتاب الإجارات يضمنه، إذ لم تكن الحجامة نفسها مضمونة عليه، إذ هو مأذون فيها. مسألة : [ضمان الأجير المشترك] قال: (ولا ضمان على الأجير المشترك، إلا فيما جَنَت يداه في قول أبي حنيفة). وذلك لأن قبضه بإذن مالكه على غير وجه البدل، فصار كالوديعة، والمضاربة، وكالعبد المستأجر في يدي مستأجره. والأجر غير مستَحَق على الرقبة، ولا عن الحفظ، وإنما هو مستحق بدلاً من المنافع. والدليل على أنه لم يستحق الأجر على الحفظ: أنه لو لم يُعْمِله، ونفى عبدَه زماناً، ثم ردَّه: لم يستحق شيئاً من الأجر للحفظ، فدل على أن الأجر غير مستحق على الحفظ، ولا بَدَلاً عن الرقبة؛ لأن الرقبة على ملك مالکھا. وأيضاً: قد اتفقوا في الأجير الخاص أنه لا يضمن ما يهلك في يده، فكان الأجير المشترك بمثابته، والمعنى الجامع بينهما أن الأجر غير مستحق على الحفظ في الناس، ولا عن الرقبة، وهو مقبوض بإذن المالك. وأيضاً: لو كان الشيء مضموناً في يده، لضَمِنَه بالموت كسائر المضمونات من الغصوب ونحوها. * وقد وافقه أبو يوسف ومحمد أنه لا يضمن بالموت، ولا بالحريق الغالب الذي لا يقدر على الامتناع منه، ولو كان مضموناً لضمنه في هذه الوجوه. ٣٩٨ كتاب الإجَارَات فإن قيل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((على اليد ما أخذت حتى تَرُدَّ»(١) : یوجب ضمانه حتى يخصه دلیل. قيل له: لم يتناول لفظه هذا حالَ الهلاك، وإنما يتناول حال قيامه بعينه؛ لأنه قال: ((عليها ردُّ ما أخذت)). * (وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن الأجير المشترك مما يمكن التحفظ منه، وما لا يمكن التحفظ منه: لا يضمنه). وروي عن علي رضي الله عنه روايتان في الأجير المشترك: إحداهما: أنه يضمن(٢)، والأخرى: لا يضمن(٣). وقيل: إنه يضمن احتياطاً لأموال الناس(٤)، ويحتمل أن يكون الوجه الذي ضمَّن فيه إذا كان الهلاك من خيانة يده. فصل : [ضمان الأجير المشترك عند الجناية] وأما ما جَنَت يد الأجير المشترك، فإنه يضمنه وإن لم يكن متعدِّياً فيه في قولهم. وقال زفر: لا يضمن ما جنت يداه إلا أن يخالف، وهو عنده في يده (١) تقدم. (٢) مصنف عبد الرزاق ٢١٧/٨، المحلى ٢٠٢/٨، البيهقي ١٢٢/٦. (٣) الآثار لأبي يوسف ص١٥٨ (٧٢١)، الآثار لمحمد بن الحسن ص١٧٣ ، المحلى ٢٠٢/٨، البيهقي ١٢٢/٦، قال البيهقي عقب إيراده الأثرين المختلفين السابقين: ((قال الشافعي: روي من وجه لا يُثبت أهل الحديث مثلَه)) اهـ. وقال البيهقي: حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه مرسل، وضعَّه (٤) كما هو معلل في الأثر المروي عن علي رضي الله عنه في المصادر السابقة. ٣٩٩ كتاب الإِجَارَات كالوديعة، لا يضمن إلا بما تُضْمَن به الوديعة من الخلاف. والحجة لقولهم في ضمان ما جنت يداه وإن لم يخالف: أن الأجير لما كان مستَحِقاً للأجر على العمل، كان العمل مضموناً، لأن عقود المعاوضات تقتضي الضمان، وإذا كان العمل مضموناً، كان ما حدث عنه مضموناً، لأن ما حدث من المضمون فهو مضمون. مسألة : [ما للمستأجر أن يأخذه إن ضمن الأجير] (وإذا وجب الضمان، فالمستأجر بالخيار: إن شاء ضمَّنه غير معمول، ولا أجر له، وإن شاء ضمَّنَه قيمته معمولاً، وعليه الأجرة). وذلك لأن العمل لم يُسلَّم له بعد، لأن الثوب لم يحصل في يده، فله أن لا يجعل العمل مضموناً على نفسه، فيضمِّنْه قيمته غير معمول، وإن شاء جعل العمل مضموناً على نفسه، لأنه قد حصل في ثوبه بأمره، فيضمّنْه قيمته معمولاً، ويعطيه الأجر. فصل : [عدم ضمان الأجير الخاص إلا إن خالف] قال: (والأجير الخاص لا ضمان عليه في قولهم جميعاً، والأجير الخاص هو الذي يستحق الأجر بمضيِّ المدة مع التسليم). فيصير الشيء في يده کالوديعة. * (ولا يضمن ما جنت يداه، ما لم يخالف). لأن عمله غير مضمون، إذ كان الأجر مستَحَقّاً بالتسليم لا بالعمل. مسألة : [اختلاف الأجير المشترك وصاحب الثوب في ردِّ الثوب] قال: (وإذا ادعى الأجير المشترك أنه قد ردَّ الثوب على صاحبه: كان القول قوله في قول أبي حنيفة). ٤٠٠ كتاب الإجارات لأنه أمين كالمودَع، وكُلُّ مَن كان مؤتمناً في شيء، فالقول قوله. والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُوَّةِ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَتَهُ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾(١)، فوَعَظَه في البَخْس، فدلَّ على أن القول فيه قوله. (وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يُصدَّق). لأنه مضمون عليه عندهما كالغاصب، لا يُصدَّق فيه على البراءة من الضمان، وكمَن له على رجل دَيْن، فلا يصدّق على القضاء. مسألة : [للأجير القائم عملُه في الشيء حَبْس الشيء بالأجر] قال: (وللحائِك والقصَّار ونحوهما أن يحبسا الثوب بالأجر، وليس للحمَّل والجَمَّال والملاَّحِ الحبس). والأصل فيه: أن الأجر مستَحَقٌّ على العمل متى كان العمل قائماً في الشيء المستأجَر عليه، فله حَبْسه بالأجر، كما يُحبَس المبيع بالثمن. وعَمَل الحائك قائمٌ في الثوب، وكذلك القصَّار تأثيره قائم في الثوب، فمِن أجل ذلك كان له حَبْسه. وعمل الحمَّال غير قائم في المحمول، ولا تأثير له باقٍ فيه، فلذلك لم یکن له حبسه. مسألة: [لزوم عقد الإجارة، ولا تنقض إلا بعذر] قال أبو جعفر: (وليس للمستأجر ولا للمؤجر نقض الإجارة إلا من عذر). (١) البقرة: ٢٨٣.