Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب الشُّفْعَة كتاب الشُّفْعَة مسألة : قال أبو جعفر : (ولا شفعة فيما سوى الدور والأرضين). وذلك لأنه لا خلاف بين الفقهاء (١) في انتفاء وجوبها في الثياب ونحوها من العروض، والمعنى فيها: أن التأذي بالشركة فيها ليس على جهة الدوام والبقاء، فكذلك ما اختلفنا فيه من نحو الزورق، وما يوجب مخالفنا فيه الشفعة. وقد روي في آثار: ((لا شفعة إلا في أرض أو رَبْع))(٢). ذكره محمد بن الحسن، ولم يعزه إلى رجل بعينه. وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الشفعة في كل شِرك في أرض، أو رَبْع، أو حائط))(٣). (١) شرح النووي على صحيح مسلم ٤٥/١١. (٢) رواه البزار مرفوعاً من حديث جابر بسندٍ جيد بلفظ: ((لا شفعة إلا في رَبْع أو حائط))، كما في التلخيص الحبير ٥٥/٣، وعزاه للبزار مرفوعاً الزيلعي في نصب الراية ١٧٨/٤. والرَّبع: المنزل ودار الإقامة، والرِّباع: جمعه، والرَّبعة: أخص من الربع، كما في النهاية ١٩٨/٢، وقال النووي في شرح صحيح مسلم ٤٥/١١ وابن حجر في التلخيص الحبير ٥٦/٣ ((الربعة: تأنيث الربع)). (٣) صحيح مسلم ١٢٢٩/٣. ٣٤٢ كتاب الشُّفْعَة وهذا اللفظ ينفي وجوب الشفعة في غير العقار؛ لأن قوله: الشفعة: للجنس، لدخول الألف واللام عليه، واستغراقه لجميع ما تناوله، فلا تبقى هناك شفعة في غير ما ذُكر من الأرض، والرَّبعة، والحائط. فإن قيل: روى أبو حمزة السُّكَّري عن عبد العزيز بن رُفَيْع عن ابن أبي مُلَيْكَة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء))(١). قيل له: أصله مرسل فيما يقال(٢)، ولم يُسنده إلا أبو حمزة السكري. وقد رواه شعبة، وحَرِيز، وأبو بكر بن عيَّاش وغيرهم، عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الشفعة في العبد، وفي كل شيء))(٣). لفظ شعبة. ولو ثبت وصح كان معنى قوله: ((في كل شيء: من العقار، أو الأرضين، على ما رُوي في الأخبار الأُخَرَ. وأما قوله: ((الشفعة في العبد)): فقد ذُكِرَ في هذا الحديث، وروي بإسناد آخر، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن علي الخَزَّار وعبد الله بن أحمد بن حنبل قالا: حدثنا عفان بن مَخْلَد البَلْخِي قال: حدثنا عمر بن هارون البَلْخي قال: حدثنا شعبة عن أبي بشر عن (١) رواه إسحاق بن راهويه في مسنده، كما في نصب الراية ١٧٧/٤، وقال ابن حجر في الدراية ٢٠٣/٢: ((رجال هذا الإسناد ثقات))، سنن البيهقي ١٠٩/٦. (٢) وأيضاً فإن البيهقي في سننه ١٠٩/٦ صوَّب أنه مرسل، وكذلك البغوي في شرح السنة ٢٤٥/٨. (٣) سنن البيهقي ٦ /١١٠. ٣٤٣ كتاب الشُّفْعَة سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((في العبد شفعة، وفي كل شيءٍ))(١). ولو ثبت هذا اللفظ: احتمل أن يكون معنى قوله: ((في العبد شفعة)): فيما بِيْعَ من العقار بعبدٍ. وفائدته أن كون العبد مما لا مِثل له، لا يَمنع وجوب الشفعة، وإن كان الشفيع إنما كان يأخذ بالبدل، فإذا لم يكن للعبد مثل، أَخَذَه بقيمته. مسألة : [الشفعة للجار] قال أبو جعفر: (والشفعة في ذلك: مقسوماً كان، أو مشاعاً). قال أحمد : الدليل على وجوب الشفعة للجار الملاصق: حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجار أحق بشفعة جاره، يُنْتَظَر بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقُهما واحداً))(٢). (١) سنن البيهقي ١١٠/٦ وقال: تفرد به عمر بن هارون البلخي عن شعبة، وهو ضعيف لا يحتج به.اهـ وفي تقريب التهذيب ص / ٤١٧ (٤٩٧٩) قال عنه: ((متروك وكان حافظاً)). (٢) سنن الترمذي ٦٥١/٣، سنن أبي داود ٧٨٨/٣، سنن ابن ماجه ٨٣٣/٢. ونقل الزيلعي في نصب الراية ١٧٣/٤ تصحيحَ الحديث عن صاحب التنقيح - ابن عبد الهادي - وناقش كلام مَن تكلم في الحديث، وقال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام مع سبل السلام ٧٥/٣: ((رجاله ثقات))، وقد شفى الكلام عن عبد الملك وعن الحديث ابن التركماني في الجوهر النقي ١٠٦/٦. ٣٤٤ كتاب الشُّفْعَة رواه عن عبد الملك جماعة، منهم أبو يوسف، وشعبة، وهُشَيْم، وغيرهم. وقد حُدِّثْنا عن الثوري أنه قال: الحُفَّاظُ أربعة: أحدهم عبد الملك بن أبي سليمان(١)، وهذا الحديث وإن كان عبد الملك قد تفرَّد به، فإن تفرُّده به لا يوجب ردَّه؛ لأن أخبار الآحاد مقبولة عندنا في مثل ذلك، وليس أحد من الرواة إلا وقد تفرَّد بأشياء فيما رواه، لم يوافِقْه عليها غيرُه، ولم یوجب ذلك ردُّ روايته. فنصَّ في الخبر على وجوب الشفعة في الدار التي لا شِرْك فيها، لأجل الشركة في الطريق. وروى حسين المعلِّم عن عَمْرو بن شُعَيْب عن عَمْرو بن الشَّريد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أرضٌ ليس لأحدٍ فيها شِرك ولا قَسْم، إلا الجوار؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجار أحق بصَقَبه(٢) ما كان)»(٣). وهذا أيضاً دليل واضح في إيجاب الشفعة بالجوار دون الشركة؛ لأنه أجابه عن الجوار الذي ليس مه شركة، فأوجبها فيه. (١) ذكر هذا عن سفيان ابنُ حجر في التهذيب ٣٩٧/٦. (٢) السقب بالسين المهملة، وبالصاد أيضاً: ((القرب والملاصقة))، كما في فتح الباري ٤٣٨/٤. (٣) سنن النسائي ٣٢٠/٧، سنن ابن ماجه ٨٣٤/٢، ونقل الترمذي في سننه ٦٥١/٣ تصحيحه عن الإمام البخاري رحمه الله. وبلفظ: ((الجار أحق بصقبه)) فى صحيح البخاري كما سيأتي. ٣٤٥ كتاب الشُّفْعَة وهذا يُبْطِل تأويلَ من تأوَّل الجارَ على الشريك. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثنا محمد بن جابر عن إبراهيم بن مهاجر عن رجل عن أبي رافع قال: قال سعد بن أبي وقاص: لولا أني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الشريك أحق بالشفعة، والجار أحق ممن وراءه، ما اشتريتُه))(١). فانتظم هذا الخبر وجوبَ الشفعة للشريك دون الجار، ثم للجار دون من وراءه. وروى قتادة عن الحسن عن سَمُرَة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((جارُ الدار أحق بشفعة الدار والأرض))(٢). وهذا اللفظ أيضاً ينفي احتمالَ الشريك؛ لأنه أوجبها لجار الدار والأرض، وجَعَلَه أحق بالدار، والشريك ليس هو جار الدار، ولا يأخذ الدار، وإنما يأخذ بالشفعة بعضَ الدار والأرض، ولا يأخذُ الدارَ والأرضَ بالشفعة إلا الجارُ. (١) لم أهتد إليه بهذا اللفظ من قصة سعد رضي الله عنه، وسيأتي حديث سعد في الصفحة التالية، وأنه في صحيح البخاري ولكن بغير هذا اللفظ، وما ذُكر هنا فقد ورد بمعناه عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤ /١٢٥، وينظر نصب الراية ١٧٦/٤ فقد قواه. (٢) سنن الترمذي ٦٥٠/٣ بلفظ: ((جار الدار أحق بالدار)) وقال: حديث حسن صحيح، ونقل عن البخاري أن الحديث صحيح، سنن أبي داود ٧٨٧/٣، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٢٣/٤ بلفظ: ((جار الدار أحق بشفعة الدار))، وينظر نصب الراية ٤ / ١٧٢. ٣٤٦ كتاب الشُّفْعَة وقد روى قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((جار الدار أحق بالدار))(١). وهو مثل حديث سمرة في دلالته على ما دل عليه. ويدل على صحة قولنا: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن يونس بن موسى قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا ابن جُرَيْج قال: حدثنا أبو الزُّبَيْر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الشفعة في كل شِرك وحائط، لا يصلح لشريك أن يبيع حتى يُؤذِنَ شريكَه، فإن أبىُ، فشريكه أحق به حتى يُؤْذِنه))(٢). اقتضى ظاهره وجوب الشفعة للشريك في الطريق، وفي البئر والحائط، وإذا وجبت للشريك في الطريق، وجبت للجار بعده. ويدل عليه حديث أبي رافع حين عَرَض بيتاً له على سعدٍ بأربع مائة دينار، وقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الجار أحق بصَقَبه ما بعتُه، إنه أُعطيتُ به خمس مائة دينار))(٣). رواه إبراهيم بن مَيْسَرة عن عَمْرو بن الشريد عن أبي رافع، وهو حدیث مشهور. وكان ذلك بيتاً مقسوماً؛ لأنه كان فيه شركة، كان بعض بيت. (١) ينظر الحاشية السابقة. (٢) صحيح مسلم ١٢٢٩/٣. (٣) صحيح البخاري ٤٣٧/٤. ٣٤٧ كتاب الشُّفْعَة وقد عُقِلَ من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم: ((الجار أحق بصَقَبه)): وجوب الشفعة فيه. وهذه الألفاظ التي ذكرناها كلها تنفي تأويلَ من تأوَّل الجارَ على الشريك، مع تعسُّفه في معنى اللفظ، لأن الشريك لا يسمى جاراً. * واستدل مَن تأوَّله على الشريك بقول الأعشى(١): يا جارتي بِيْنِ فإنك طَالِقَة: فسمَّى المرأةَ جارة. وقال: حَمَل بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم: ((كنتُ بين جارتين لي، يعني امرأتين، فضَرَبَتْ إحداهما الأخرى بعمود فُسْطاط))(٢). قال: فلما سُمِّيَت المرأةُ جارةً، لأجل الشركة بينها وبين الزوج، كذلك الشريك في الدار. وهذا تعسُّفٌ شديدٌ في التأويل؛ لأن المرأة لا شركة بينها وبين الزوج، وإنما لها قُرْب من غير شركة، فسمِّيَت جارة، لقربها منه بيدنها، لا لشر کةٍ بینھما. فإن احتجوا بما روى الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن (١) الأعشى هو عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني شاعر مفوه شهير، كان متعبداً فاضلاً، ثم عبث بالشعر، خرج مع ابن الأشعث ضد الحجاج، ثم قتله الحجاج سنة نيف وثمانين، له ترجمة في سير أعلام النبلاء ١٨٥/٤. وما ذكره عنه هو صدر بيت في ديوان الأعشى ص٢٦٣، أما عجزه فهو: ((كذلك أمور الناس غاد وطارقة)). (٢) صحيح البخاري ٢٤٦/١٢، صحيح مسلم ١٣٠٩/٣، وقد أخرجاه بألفاظ عدة، لكن بلفظ: ((جارتين)): جاء عند البيهقي في السنن ١١٤/٨. ٣٤٨ كتاب الشُّفْعَة أبي هريرة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة))(١)، رواه أبو عاصم النبيل عن مالك عن الزهري. وبما روى ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة أو سعيد بن المسيب أو عنهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قُسِمَت الأرض، وحُدَّت، فلا شفعة فيها))(٢). وبحديث مَعْمَر عن الزهري عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: ((قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفَت الطرق، فلا شفعة))(٣). وفي بعض الألفاظ: ((إنما جَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الشفعةَ فيما لم يُقْسَم)) (٤). قيل له: ليس في شيء من هذه الأخبار ما ينفي وجوب الشفعة للجار عن النبي صلى الله عليه وسلم، أكثر ما فيه إيجاب الشفعة للشريك. وقوله: ((فإذا وَقَعت الحدود، فلا شفعة)): مِن كلام الراوي، ليس عن النبي عليه الصلاة والسلام، هذا في الأخبار التي قَدَّم فيها ذِكر إيجاب الشفعة للشريك. (١) صحيح البخاري ٤٣٦/٤، ٤٠٧/٤، صحيح مسلم ٠١٢٢٩/٣ (٢) هذا لفظ أبي داود في السنن ٧٨٥/٣، وبألفاظٍ قريبة عند البخاري، كما تقدم. (٣) صحيح البخاري ٤٣٦/٤، ٤٠٧/٤، صحيح مسلم ١٢٢٩/٣. (٤) ينظر الحاشية السابقة. ٣٤٩ كتاب الشُّفْعَة وذلك لأن الراوي كثيراً ما يروي الحديثَ عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويعطِف عليه قولَ نفسه، فيُدْرِجه فيه، فيظن السامعُ أن الجميعَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأقل أحوال ما كان هذا سبيله، أن لا تُثْبتَه عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه غير جائز إثبات الرواية عنه بالاحتمال. وأما حديث أبي هريرة من طريق ابن جريج وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا قُسِمَت الأرض وحُدَّت، فلا شفعة فيها)). فإنما فيه نفي الشفعة بالقسمة. وكذلك نقول: إن القوم إذا قَسَمُوا أرضاً، أو داراً بينهم: لم تجب بالقسمة الشفعة بهذا الخبر. ولا دلالة له على نفي وجوب الشفعة بالبيع. وكذلك سائر الألفاظ التي ذُكرت في نحو ذلك، بعد ذكر الشفعة للشريك، لو صحت: كان معناها معنى إيجاب الشفعة بالقسمة. وفي حديث جابرٍ تأويلٌ آخر، وهو أنه ذَكَرَ فيه: ((فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق، فلا شفعة)). ومعناه: إذا كان بين الدارين طريق نافذة فلا شفعة، وكذلك نقول: إن الجار غير الملاصق لا شفعة له وإن تناوله اسم الجار. * ووجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون رجلان اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أحدُهما جار، والآخر شريك، فنفى شفعة الجار مع الشريك، فقال: فإذا وقعت الحدود، فلا شفعة للجار مع الشريك في الطريق، أو في نفس المبيع. ٣٥٠ كتاب الشُّفْعَة وكذلك ما روى صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الشفعة فيما لم يُقْسَم، وتُعْرَف حدوده))(١). معناه: أن هذه الشفعة التي تجب بالشركة، لا تجب بغيرها من الجوار ونحوه. * ويدل على صحة قولنا من طريق النظر: أن العلّة الموجبة للشريك الشفعةَ، هو خوف التأذِّي على الدوام، وذلك موجود في الجار، لأن التأذِّي قائم على جهة الدوام والبقاء. وأيضاً: اتفقنا على أن الشركة في العروض لا توجب الشفعة، فلو كانت الشفعة مستَحَقّة لأجل الشركة، لوجبت في العروض أيضاً لوجود الشركة، فدلَّ على أن وجوبها للشريك في العقار إنما هو لِمَا تعلَّق بها من معنى الجوار؛ لأنه يستحق بهذه الشركة أن يصير جاراً، فلما كانت العلة الموجبة للشفعة عند الشركة إنما هي الجوار، وهي موجودة في الجار، وَجَبَت الشفعة به. وليس يمتنع أن يكون الجوار والشركة كل واحد منهما سبباً تُسْتَحَقُّ به الشفعة على الانفراد، وإذا اجتمعا كان الشريك أَوْلى، وإن كان الشريك إنما يستحقها أيضاً بمعنى الجوار، كما أن الأخ من الأب يستحق الميراث على الانفراد بتعصيبه من جهة الأب، وكذلك الأخ من الأب والأم، ثم إذا اجتمعا: كان الأخ من الأب والأم أحقَّهما به وإن كان نَسَبُه من الأم على حياله لا يستحق به التعصيب. (١) كما في رواية البيهقي في السنن ١٠٣/٦. ٣٥١ كتاب الشُّفْعَة مسألة : [الأَوْلَىُ بالشفعة] قال أبو جعفر: (وأَوْلَى الشفعاء بالمبيع: الشريكُ الذي لم يقاسِم، ثم يتلوه الشريك في الطريق، ثم الجار الملاصق). وإنما كان الشريك في المبيع أولى لحديث جابر: ((قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يُقْسَم))(١). وقوله: ((إنما جَعَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعةَ فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة))(٢). وقد بيَّا أن تأويله: أن جاراً وشريكاً اختصما، فقضى للشريك دون الجار، ولم يجعل للجار مع الشريك حقاً. ويدل عليه: حديث أبي رافع من طريق إبراهيم بن مهاجر، وقد قدَّمْنا إسناده: ((الشريك أحق بالشفعة، والجار أحق ممَّن وراءه))(٣). ولا خلاف بين الفقهاء(٤) أن الشريك أحق من الجار، ثم الشريك في الطريق أوْلى من الجار؛ لأن قوله: ((الشريك أحق بالشفعة، والجار أحق من غيره)): ينتظم الشريك في الطريق وغيره. ولحديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((جار الدار أحق بشفعة جاره، يُنْتَظَر بها إذا كان (١) تقدم. (٢) تقدم. (٣) تقدم. (٤) المغني ٤٦١/٥. ٣٥٢ كتاب الشُّفْعَة غائباً، إذا كان طريقُهما واحداً))(١). ولأن وجوب الشفعة في الأصل موضوع على ما يُخْشَى من التأذِّي بالمشتري في شركته، أو جواره، والتأذّي بالشريك في المبيع أكثر منه بالشريك في الطريق، وبالشريك في الطريق أكثر منه بالجار. ولهذه العلة كانت الشفعة للجار الملاصق دون مَن ليس بلصيق؛ لأن التأذِّي إنما يكون للملاصق، لما يُخاف مِن إشرافه عليه، واطِّلاعه في داره، وضرر ما يلحقه مما يُحدِثِه في ملكه من بئر، أو حَمَّام، أو رَحَى، أو نحو ذلك، وذلك معدوم في غير الملاصق. مسألة : [استحقاق الشفيع الشفعة بالإشهاد] قال أبو جعفر : (وإذا عَلِمَ الشفيعُ بالبيع، فإن أشْهَدَ مكانه أنه على شفعته، وإلا بَطَلَت شفعتُه). قال أحمد : وذلك لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما الشفعة كنَشْطَة عِقَال(٢)، فإن قيَّدَها مكانَه ثَبَت حقه، وإلا فاللَّوْم عليه إذا لم يقدر عليه))(٣). (١) تقدم. (٢) أنشط من عقال: أي حَلَّ، وهو مَثَلٌ في سرعة وقوع الأمر، وقوله: الشفعة كنشطة العقال: تشبيه لها في ذلك في سرعة بطلانها بالتأخير، كما في المغرب ٣٠٥/٢، المصباح المنير (نشط). (٣) أخرج نحو هذا اللفظ ابن ماجه ٨٣٥/٢ بلفظ: ((الشفعة كحل العقال))، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ٥٦/٣ بعد أن عزاه لابن ماجه والبزار قال: «إسناده ضعيف جداً)). E : ٣٥٣ كتاب الشُّفْعَة ورُوي في خبرِ آخر: ((إنما الشفعة لمَن وَاثَبَها))(١). ولاتفاق الجميع من فقهاء الأمصار(٢) على أن تَرْكَ الطلب مدةً طويلة يُبطلها، فعَلِمْنا أن وجوبَها متعلق بالطلب في حال العلم بالعقد. [مقدار المدة طلب الشفعة : ] وكان أبو الحسن رحمه الله يحتج عن أبي سعيد(٣) أنه مقدار المجلس، مثل خيار القبول، قال: وكذلك هو عندي. وقد روى هشام عن محمد مثل ذلك. وإنما تعلَّقت صحة الطلب بالمجلس، لأنه حقٌ تعلَّق بعقد البيع، فأشبه خيار القبول. مسألة: [لا يشترط في الإشهاد إحضار الثمن] قال أبو جعفر: (وسواء أحضرَ مالاً عند ذلك بمقدار ثمن المبيع، أما عن اللفظ الذي أورده المؤلف فيقول ابن حجر في التلخيص الحبير ٥٦/٣ : ((هذا الحديث ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي هكذا بلا إسناد)). اهـ، وقد تكلم عن الحديث أيضاً الزيلعي في نصب الراية ١٧٦/٤. (١) قال الزيلعي في نصب الراية ١٧٦/٤: ((غريب، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٨٣/٨ من قول شريح، وكذلك ذكره القاسم بن ثابت السرقطسي في كتاب: غريب الحديث، في باب كلام التابعين)) اهـ. (٢) المغني ٥ /٤٧٧ -٤٧٨. (٣) هو شيخ أبي الحسن الكرخي أبو سعيد البردعي أحمد بن الحسين، المتوفى سنة ٣١٧هـ، وهو أحد الفقهاء الكبار المتقدمين ببغداد، له ترجمة في الجواهر المضية ١/ ١٦٣. ٣٥٤ كتاب الشُّفْعَة أو لم يُحضره). وذلك لأن الحق يتعلق بالطلب، لا بإحضار الثمن، كما يتعلق بخيار القبول إبرام البيع، لا بإحضار المال. * قال أبو جعفر : (وروي عن محمد بن الحسن خاصة أنه قال: وينبغي أن يكون الإشهاد بمَحْضر المطلوب بالشفعة، أو بحضرة الدار المبيعة). وذلك لأن الحق معلّق بالبائع إذا كانت في يده، وبالمشتري أيضاً، لأنه في ملكه، وبالمبيع؛ لأنه يستحقه بالشفعة، فإذا أشهد بمحضرها ولاءً(١): صحَّ الإشهاد. مسألة : [حبس المشتري الدار المشفوع بها حتى يقبض الثمن] قال: (وللمشتري أن يحبس الدار في يده حتى يقبض الثمن، كما يجب للبيِّع حق الحبس إلى أن يستوفي الثمن. قال: وقد روي عن محمد أن القاضي لا يقضي بالشفعة للشفيع حتى يَحْضُرَه مثلُ الثمن الذي استحق به الشفعة). وذلك لأن المشتري مُجْبَرٌ على ذلك، ولا يأمن مِن أن يقضى له بالشفعة، ويبقى الثمن دَيناً عليه، فيَتْوَى حق المشتري في الثمن الذي نقده البِّع. مسألة : [وجوب الشفعة واستحقاقها وملكها] قال أبو جعفر : (والشفعة تجب بالبيع، وتُسْتَحق بالإشهاد والطلب، وتُمْلَك بالأَخْذ). (١) أي متابعاً دون انقطاع. ٣٥٥ كتاب الشُّفْعَة قال أحمد : يعني بقوله: تجب بالبيع: أن حق الطلب يجب بالعقد، فإذا طَلَبَ، ثَبَتَت الشفعة وصحَّت، ولا تُملك حتى يُقْضَى به(١)، وذلك لقول الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ (٢). فلا يملكه عليه إلا بالتراضي، أو بحكم الحاكم إذا كان نافذاً عليه، قائماً مقام قوله، كالعنِّين، والمجبوب، يوجب الحاكمُ لامرأتَيْهِما الخيارَ، ويقوم ذلك مقام قولهما في تخييرهما. وكذلك في الرد بالعيب بعد القبض، أن الفسخ به لا يصح إلا بالتراضي، أو بقضاء القاضي. مسألة : [اعتبار المثل أو القيمة في ثمن المشفوع به] قال أبو جعفر: (وإذا كان ثمن المشفوع فيه له مِثْل: أَخَذَه بالمثل، وإن لم يكن له مِثل: أَخَذَه بالقيمة)(٣). لأن الشفيع يثبت له حق الأخذ بالبدل الذي حصل على المشتري، فإذا كان له مِثْل: ثَبَتَ مثله، وإلا: فالقيمة، لأن مثله يتعذر، والقيمة تَقُوم مقام العين. (١) يعني بأخذ المشفوع به. (٢) النساء: ٢٩. (٣) عبارة صاحب الهداية ٢١/٤ توضح المعنى، حيث قال: ((ومَن اشترى داراً بعَرْض: أخذها الشفيع بقيمته، لأنه من ذوات القيم، وإن اشتراها بمكيل أو موزون: أخذها بمثله، لأنهما من ذوات الأمثال)). اهـ ٣٥٦ كتاب الشُّفْعَة مسألة : [ما لا شفعة فيه] قال : (ولا شفعة فيما لم يكن بدله مالاً، مثل النكاح، والخلع، والصلح من دم العمد). مِن قِبَل أنه قد ثبت عندنا أن الشفيع إنما يأخذ الشيء بالبدل الذي حصل على المشتري، وأنه متى حصل له الدار بغير بدل: لم يستحق عليه الشفعة، مثل الهبة، والوصية، والميراث. وإذا صح ذلك، قلنا في النكاح على دار: إن بَدَلَها هو البُضْع، والبُضْعِ لا يَتَقَوَّم على أحد إلا من جهة العقد، أو وطء على شبهة عقد، فصارت الدار في حق الشفيع، كالهبة التي لا بَدَل فيها؛ لأن الشفيع لا يتقوَّم عليه بُضْع، إذ ليس له عقد نكاح، فلم يَجُزْ له أخذها. وكذلك الطلاق ليس بمال، ألا ترى أن مَن طلَّق امرأته في مرضه، فحصل لها بُضْعها: لم يتقوَّم عليها. مسألة : [سكوت الشفيع بعد المطالبة والإشهاد] قال: (وإذا طَلَبَ الشفيعُ، وأشهد على الطلب، ثم لم يطالِب بها، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: هو على شفعته أبداً؛ لأن الشفعة قد ثبتت بالطلب، وصارت له، فلا يُبْطِلها السكوتُ، وتَرْكُ المطالبة، كما لا تبطل سائر الحقوق بترك المطالبة. وقال محمد: إذا ترك مطالبتَه شهراً: بَطَلَت شفعته). وذلك لأنه لا يجوز أن يعطِّل على المشتري تصرُّفه فيها، وثمن الدار جميعاً. ألا ترى أن ما يُتَصَرَّف فيه بالبناء، والغَرْس، معرَّض للتلف والنقض؛ ٣٥٧ كتاب الشُّفْعَة لأن للشفيع متى جاء أن يأخذه برَفْع البناء، وقَلْع الغرس. وإنما للشفيع حق الأخذ، وليس له إبطال حق الغير، فيقال له: إما أن تأخذ، فتحصِّل للمشتري الثمن، أو تترك، فتحصل له الدار. وإنما وقَّت لذلك شهراً اجتهاداً، وجعله حدًّاً فاصلاً بين القليل والكثير، وقد قالوا جميعاً فيمن حَلَفَ ليقضينَّ فلاناً ماله عاجلاً أو قريباً، ولا نية له، أنه على أقل من شهر، فلم يجعلوا الشهر قريباً ولا عاجلاً. مسألة : [لزوم حضور البائع والمشتري للقضاء بالشفعة] قال أبو جعفر: (وإذا كان المبيع في يد البِّع: لم يُقْضَ للشفيع حتى يحضر البيِّع والمشتري). لأن فيه قضاءً عليه؛ لأنه ملكه، ويحتاج إلى حضور البيِّع، لما فيه من استحقاق يده. ٠ وأيضاً أَخْذها من يد البيِّع يوجب فسخ عقد المشتري، فلا يصح الفسخ أو يحضرا (١) جميعاً؛ لأن الفسخ يقع عليهما. مسألة : [العهدة على البائع إن أخذها الشفيع منه دون المشتري] قال: (فإذا أَخَذَها من يد البِّع: كانت عهدته عليه دون المشتري). مِن قِبَل أن البَيْع ينفسخ بأخذها من البيِّع، وذلك لأن صحة العقد موقوفة على سلامة القبض، وقد بطل القبض، فيبطل البَيْع، ألا ترى أن هلاك المبيع قبل القبض يُبْطِل العقد، لعدم القبض، وإذا صح ذلك كانت العهدة على البيِّع، كأنه بَيْعٌ بين الشفيع والبيِّع. (١) أي حتى يحضرا. ٣٥٨ كتاب الشُّفْعَة مسألة : [العهدة على مَن قَبَضَ الثمن] قال: (وإذا كان المشتري قد قبض فهو الخصم وإن غاب البيِّع). لأن البيِّع في هذه الحال لا يقع عليه القضاء بحال؛ لأن ملكه ويده جميعاً زائلان، ولا ينفسخ البيع أيضاً بأخذها من يد المشتري، فلذلك لم يُعتبر حضور البِّع، فإذا أخذها من المشتري: كانت عهدته عليه، لأنه هو المستحق للثمن. وجملة الأمر: أن العهدة على مَنْ قَبَضَ الثمن. مسألة : [الشفعة على الرؤوس لا الأنصباء] قال : (والشفعة على الرؤوس، لا على الأنصباء). لأن صاحبَ القليل يستحق شفعة جميع المبيع، كما يستحق صاحبُ الكثير لو انفرد، فلما تساويا في ذلك، تساويا في الاستحقاق. ومَن حضر منهم أَخَذَ الجميع؛ لأن حقه ثابت في الجميع، وإنما ينقص بالمخاصمة والشركة. وإن(١) لم يحضر مَن شاركه استحق الكل. فإن حَضَرَ الآخر: شَركَه فيه، كأنهما حَضَرًا معاً، لا أنا إنما قضينا للحاضر على أن يَبطل حق الغائب. * قال: (وإن كان الأول جاراً، والثاني شريكاً: كان الثاني أَوْلى). كما لو حَضَرَا معاً كان الشريك أَوْلاهما. (١) (إن): ساقطة من الأصل. ٣٥٩ كتاب الشُّفْعَة مسألة : [القول قول المشتري في الثمن] قال: (وإذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن: فالقول قول المشتري). وذلك لأن الدار في ملك المشتري، والشفيع يريد نَقْلَها إليه بالثمن، فالقول قول المشتري فيما يستحق به النقل، كالبِّع مع المشتري. والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا اختلف البيِّعان، فالقول ما قال البيِّع أو يترادَّان))(١). فجعل القولَ قولَ البِّع والشفيع؛ لأنه لم يكن بينهما عقد، ولم ينتقل الملك إليه بعد، وإنما هو في ملك المشتري. وهذا يفارق الوكيل والموكل إذا اختلفا في الثمن، فيتحالفان؛ لأن الشيء في ملك الآمر قد انتقل إليه بالعقد، فصار كالمشتري مع البیِّع. مسألة : [تعارض بينة الشفيع والمشتري] قال: (وإن أقام كل واحد منهما على ما ادعى من ذلك بينة: كانت البينة بينة الشفيع، في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: البينة بينة المشتري). وذلك لأن الشفيع أقام البينة على إقرار المشتري بما ادعى، وأقام المشتري البينةَ على إقرار نفسه أيضاً، فحصل منه إقراران: أحدهما على نفسه، والآخر لنفسه، فإقراره على نفسه أَجْوَز من إقراره لنفسه، ألا ترى (١) تقدم. ٣٦٠ كتاب الشُّفْعَة أنه لو حصل الإقراران منه عند القاضي، أَخَذَه بإقراره على نفسه، دون إقراره لنفسه. مسألة : قال: (وإذا كان الثمن عَرْضَاً وقد هلك، فاختلفا في قيمته، فالقول قول المشتري أيضاً). على ما بيَّنَا. * قال: (وإن أقاما بينةً: فالبينة أيضاً بينة الشفيع في قياس قول أبي حنيفة، على ما رواه أبو يوسف. وقال أبو يوسف ومحمد: البيئة بينة المشتري). وذكر محمد أن هذا قياس قول أبي حنيفة، وأن ذلك مخالف لإقامتهما البينة على الثمن نفسه؛ لأنه إذا أقاما البينة على الثمن، فقد ثبت من المشتري إقراران، فكان إقراره على نفسه أَوْلى من إقراره على غيره؛ لأن البينة قد قامت على إقراره بالثمنَيْن جميعاً، كأنه أقرَّ بهما عند القاضي. وأما قيمة العَرْض، فلم يكن من المشتري إقرار بمقدارها، فالبينة بينة المشتري؛ لأنه أثبتَ بها فَضْل القيمة. مسألة : قال : (وللشفيع خيار الرؤية فيما يأخذه). لأنه بمنزلة الشرئ. * (ويَرُدُّ أيضاً بالعيب)؛ لهذه العلة. مسألة : [ليس للشفيع تفريق صفقة المشتري] قال : (ومَن اشترى داراً مِن رجلَيْن: لم يكن للشفيع أن يأخذ نصيب