Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
کتاب الصُّلْح
قال أبو الحسن: ويجيء في قول أبي يوسف أن يضمن المعتِق قيمة
عبد الخدمة.
ألا ترى أن قاتِلَ عبدِ الرهن، تُؤخذ منه القيمة، فتكون رهناً مكانه،
كما قال أبو يوسف في العبد المصالَح على خدمته سنةً إذا قُتِلَ، فأخذ
قیمته.
* وكان أبو الحسن رحمه الله يحتج لوجه قول أبي يوسف في مسألة
العبد المصالَح على خدمته إذا قُتِلَ : أنه أجراه في هذا الوجه مجرى الوصية
بالخدمة، مِن قِبَل أنه لم يثبت عن هذه الخدمة للمدعى عليه بدل في
الظاهر، فكأنها خدمة يستحقها بنفسها، كالعبد الموصى بخدمته.
قال: ويدل على أن المدَّعى عليه لم يحصل له عنها بدل: أنه لو
صالحه مِن دعواه على عبدٍ، لم يجب للشفيع الشفعة في الدار المدعاة.
وعلى هذا المعنى أجرى أبو الحسن مسألة الصلح على سكنى بيت
منها.
فإن قال قائل: الوصية بالسكنى لا تنتقل إلى ورثة الموصَى له، فإن
كان الصلح بمنزلة الوصية، فالواجب أن يبطل بالموت.
قيل له: ليس يمتنع أن نجعله بمنزلة الوصية من وجه، وإن اختلفا من
وجهٍ آخر، فأما جهة اشتباههما فهي أن هذه خدمة، أو سكنى مستحقَّةً
بنفسها، فلا يُبطلها قتل العبد، ولا موت أحدهما.
ويختلفان من جهةٍ أن هذا لا يُبطله موت المدعي.
ويفصل بينهما: بأن الموصي إنما أوصى بالخدمة لهذا، فإذا مات
بطلت الوصية، لاستحالة وجود الخدمة الموصَى بها، فلم يكن هناك بعد
موته وصیة تنتقل إلى الوارث.

٢٠٢
کتاب الصُّلْح
وفي مسألتنا استَحَقَّ الخدمة والسكنى بالعقد، فجاز أن تنتقل.
ألا ترى أن الموصَى له بالخدمة، ليس له أن يؤاجر العبد؛ لأنه لم
يرض بالخدمة لغيره، وها هنا قد أثبت له حقاً استحقه عليه بعقد الصلح،
فیثبت ذلك لورثته.
فإن قيل: فهذا إذاً يكون خارجاً عن الأصلين جميعاً: الإجارة
والوصية؛ لأن موت المستأجر، والموصَى له، يُبطل الإجارة والوصية.
قيل له: لا يمتنع إذا أُخِذَ الشبه من أصلين، أن يكون خارجاً عنهما في
بعض أحكامه، وإنما يُشبه أحدَهما في بعض أحكامه، والآخرَ في حكمٍ
آخر غيره.
ألا ترى أن الهبة على عوض، لها حكمُ البيع من وجه، وحكمُ الهبة
من وجه آخر، وهو مع ذلك خارجٌ عنهما جميعاً.
مسألة : [ادِّعاءُ كلِّ من الجارَيْنِ الجدارَ الحاجز بينهما]
قال أبو جعفر: (وإذا كان الجدار حاجزاً بين دارَيْن، فادَّعاه كلُّ واحد
من صاحبَي الدارين، فإن كان الجدار داخلاً في ترابيع(١) بناء إحدى
الداریْن دون بناء الأخرى: فهو لصاحبها دون صاحب الأخرى.
وإن لم يكن داخلاً في ترابيع بناء واحدة من الدارَيْن، وكان مرتبطاً
ببناء إحدى الدارَيْن: كان لصاحبها.
فإن لم يكن شيء من ذلك، وكان عليه حُمُولة خشب لإحداهما: فهو
لصاحبها دون الآخر.
(١) سيأتي تعريف التربيع في كلام المؤلف آخر الصفحة.

٢٠٣
کتاب الصُّلْح
فإن كان متصلاً ببناء إحداهما بتربيع، وللآخر عليه حُمُولة: فالحائط
لصاحب التربيع، ويُترك خشبُ الآخر بحاله).
قال أحمد : الأصل في ذلك أن اليدين إذا اجتمعتا لرجلَيْن في شيء،
فإنما يستحقه آكدُهما يداً، وأظهرُهما تصرُّفاً.
والدليل على ذلك: أن رجلاً لو كان راكبَ دابةٍ، وآخرُ متعلّق
بلِجَامها: أنَّ الراكب أَوْلِى بها، وإن كان المُمْسِك باللِّجام له يدٌ لو انفرد
بها: لحُكِمَ له باليد فيها، إلا أن الرکوب لما کان آکد في باب ثبوت الید،
كان صاحبه أوْلىُ.
فقلنا على هذا، إن صاحب التربيع أَوْلى من صاحب الاتصال بلا
تربيع؛ لأن التربيع: أن يكون الحائط المتنازَع فيه يُداخل آخرُهُ آخرَ بناء
الحائط الآخر، وذلك الحائط يُداخل حائطَ مالكه من جوانب البيت
الأربعة، فيكون حينئذ بمنزلة الأَزَج(١)، والبيت الواحد، فيستحقه
صاحبه.
وكذا كان يقول أبو الحسن في معنى اتصال التربيع.
* وأما اتصال غير التربيع: فهو أن يداخل آخرُ الحائط المتنازَع فيه
آخرَ الحائط الآخر، ولا يكون لذلك الحائط اتصال بسائر حيطان البيت،
أو الدار على نحو ما ذكرنا، فتكون حينئذ يدُ صاحب التربيع أظهرَ وآكدَ،
فهو أولى.
فإن كان لأحدهما اتصال بغير تربيع، وليس للآخر اتصالٌ ولا حِمْل:
(١) الأَزَج: محركة: ضرب من الأبنية، وفي الصحاح والمصباح واللسان: الأزج
بيت يبنىُ طولاً، كما في تاج العروس (أزج).

٢٠٤
کتاب الصُّلْح
فصاحب الاتصال أَوْلى؛ لأن له ضرباً من اليد لم يشاركه الآخر فيه، فكان
أُوْلی.
* وإن كان لأحدهما عليه خشب، وللآخر اتصال بتربيع: حُكِمَ
بالحائط لصاحب الاتصال، من جهة ظهور يده؛ لأن الاتصال متقدم
يحمل الخشب.
ولا يُنْزَع خشبُ الآخر؛ لأن هذا يجوز أن يكون حقاً له، ألا ترى أنه
قد يجوز وقوع القسمة في الابتداء على أن يكون الحائط لأحدهما،
والخشب الذي عليه لآخر: يُتْرَك على حاله، وبمنزلة السُّفْل والعُلْو.
ولأنه لا يجوز أن يستحق على الغير بالظاهر؛ لأن الظاهر إنما يُدْفَع
به، ولا يُستحق به.
وليس الاتصال في هذا كقيام البيِّنة، لو قامت البيّنة لأحدهما، وللآخر
عليه خشب: أُمِرَ بنَزْع الخشب؛ لأنه استحق ملك الحائط بالبيِّنة، والبيِّنة
يستحق بها على الغير، فأُمِرَ الآخر برَفْع الخشب إلا أن يقيمَ البِّنة أنه
يستحقُّ تَرکها بحقِّ يوجبه له.
وأما صاحب اتصال التربيع، فإنما حُكِمَ له به مِن جهة ظهور يده، لا
من طريق الاستحقاق، والظاهرُ لا يُسْتَحَقُّ به على الغير، ولصاحب
الخشب أيضاً يدٌّ ظاهرة، كيد صاحب العُلْو، فلذلك لم يُؤمر برفع
الخشب.
والمحكوم له بذلك يُستحلف إن طلب الآخرُ يمينَه؛ لأنه مدَّعى
عليه، كما يُستحلف صاحب اليد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

٢٠٥
کتاب الصُّلْح
((اليمين على المدعى عليه))(١).
فإن نَكَل عن اليمين: قُضي به عليه للمدعي؛ لأن النكول عندنا
يستحق به.
مسألة :
قال أبو جعفر: (وإذا كان لِرَجُلٍ سُفْل، ولآخرَ عليه عُلْو، فَسَقَطَا
جميعاً: لم يُجْبَر أحدُهما على البناء إذا أَبَىُ، وقيل لصاحب العُلْو: إن
شئتَ فابْنِ سُفْلَه، وابْنٍ عليه العُلْو الذي كان لك عليه، وامْنَعْ صاحبَ
السفل من سفله حتى يؤدِّيَ إليك ما أنفقتَه عليه).
وإنما لم يُجبر واحدٌ منهما على البناء إذا أباه؛ لأنه لم يتعدَّ في طَرْحه،
ولا يُجبر على بناء ملكه لأجل صاحبه.
ولصاحب العلو أن يبني؛ لأنه لا يصل إلى حقه إلا بالبناء، فإذا بنى
كان له مَنْع صاحب السفل من السكنى حتى يعطيَه قيمةَ البناء؛ لأن البناء
ملكٌ لصاحب العلو، فله أن يمنع صاحبَ السفل الانتفاعَ بملکه حتى
يعطيَه قيمته؛ لأنه لا يجوز أن نملكه إياه بغير بدل.
والذي ذَكَرَه أبو جعفر مِن أنه يَرُدُّ عليه النفقة، ليس بسديد(٢)، إلا أن
تكون النفقةُ مثلَ قيمة البناء؛ لأنا نحتاج أن نملكه هذا البناء في الحال،
(١) تقدم.
(٢) قال الإسبيجابي في شرحه ١ / لوحة / ٢٢١ بعد ذكر قول أبي جعفر أنه
يدفع النفقة قال: ((هكذا ذكر في ظاهر الرواية، وقيل: الصحيح أن يغرم صاحب
السفل قيمة بنائه مبنياً، لا ما أنفق عليه، ولا يكون صاحب العلو متبرِّعاً في بنائه، لأنه
مضطر فیه». اهـ.

٢٠٦
کتاب الصُّلْح
فتعتبر قيمته وقت التمليك.
مسألة : [انتفاع الرجل بجَنَاحٍ مدَّه من بيته على الطريق]
قال أبو جعفر: (وإذا أَشْرَع الرجل جناحاً على طريقٍ نافذ، فإن أبا
حنيفة رحمه الله قال: له الانتفاع به ما لم يمنعه من ذلك أَحَدٌ، أو خاصَمَه
فيه، فإن مَنَعَه أحدٌ أو خاصمه فیه: لم يسعْه الانتفاع به، وكان عليه نزعه.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان ذلك مما لا ضرر فيه: لم یکن لأحدٍ
منعه، وکان له الانتفاع به).
وجه قول أبي حنيفة: أن حق كافّة المسلمين ثابت في الموضع، إلا أن
له الانتفاع به ما لم يُمنَع منه، كما له أن يقعد في الطريق، وينتفع بفِنَائه ما
لم يؤذٍ به أحداً.
فإن خاصمه فيه أحدٌ: كان عليه نَزْعه؛ لأن كلّ أحدٍ خصم في ذلك،
إذ كل الناس متساوون في ثبوت الحق في الموضع.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا لم یضر أحداً: فله أن ينتفع به، إذ ليس
فيه إبطالُ حقِّ أحد.
وهذا كما قال أبو حنيفة في أرض المَوات، أن المحيي لها لا يملكها
إلا بإذن الإمام في قول أبي حنيفة، لتساوي الكافة في الحق في الموضع.
وفي قولهما: يملكها المحيي لها: أَذِنَ الإمامُ، أو لم يأذن، إذ ليس فيه
إيطالُ حقِّ أحد.
* قال أحمد: قال محمد في كتاب الصلح: ولو كان لرجل ظُلَّةٌ(١)،
(١) ظُلَّة الدار: يريدون بها السُّدّة التي فوق الباب، المغرب ٣٥/٢.

٢٠٧
كتاب الصُّلْح
أو كَنِيْفٌ(١) شارعٌ على طريقِ نافذ، فخاصمه رجل فيه، وأراد طَرْحه،
فصالحه من ذلك على درهم: كان الصلح باطلاً، ويخاصمه في طَرْحه متى
شاء.
ووجه ذلك: أن الطريق النافذ حقٌّ لجماعة المسلمين، ولا يجوز
لأحدٍ منهم تمليكه؛ لأنه ليس بحقٍّ صحيح يصح تمليكه، ولا يورَث، ولا
تؤخذ عنه الأعواض، فلا يجوز أَخْذُ المال على تركه.
وله أن يخاصمه متى شاء؛ لأن حقه في الخصومة لم يسقط، إذ لم
يصح إسقاطه.
* قال محمد: وإن كان على طريقٍ غير نافذ، فصالحه على دراهم
مسماة: كان الصلح جائزاً.
قال أحمد : كان أبو الحسن يقول: قد حصَّل محمد هذه المسألة في
غير هذا الموضع، فقال: إن كان الطريق ملكاً لهم، وكان أصله داراً، أو
أرضاً بينهم، فَبَنَوْها حَجَراً، أو رفعوا بينهم طريقاً: فإن الصلح جائز، مِن
قِبَل أنهم مالكون، يُورَث عن كل واحد منهم ملكه إذا مات، ويجوز
تملیکه، کدارٍ بین رجلَیْن.
قال: وإن كانت هذه السكَّة اختُطَّت في الأصل هكذا: لم يجز الصلح؛
لأنها ليست بمِلْكٍ لهم، ولو احتاج المسلمون إلى هذه السكة لزحمة، أو
غيرها، لتساووا فيها.
وإذا لم تكن ملكاً، وكانت حقوق سائر المسلمين ثابتة فيها: لم يجز
تمليكها، وأخذ العوض عنها.
(١) الكَنِيف: هو المستراح، المغرب ٢٣٥/٢.

٢٠٨
کتاب الصُّلْح
* قال محمد في كتاب الصلح: ولو صالحه على مائة درهم على أن
يطرح الظَّلَّة عن هذا الطريق: كان ذلك جائزاً؛ لأن في هذا منفعة لأهل
الطريق.
وكان أبو الحسن يقول: يعني محمدٌ: أن صاحب الظلة هو الذي أخذ
المال علىُ طَرْحه(١).
وإنما أجاز ذلك؛ لأن له في هذا لموضع حقاً، فإذا أسقط حقّه من
ذلك بعوض أُخَذَه علی أن یطرحه، جاز ذلك.
فإن قيل: فالباني للظلَّة عليه طَرْحها، فكيف يجوز له أَخْذ العوض
على ما عليه قلعه؟
أرأيتَ لو بنى أحدُ الشريكَيْن في دارِ بينهما بغير أَمْرِ شريكه، هل يجوز
له أخذ العوض على رفع بنائه؟
قيل له(٢): لا يجوز ذلك في الدار، ويجوز في السكة التي ليست
بنافذة، التي لا تَمَلِّك لواحدٍ منهم فيها إلا حق الانتفاع، إذ لا تصح
قسمتها بينهم، وهي كفِنَاءٍ خاصٍّ لهم، دون غيرهم من الناس، فلو رَبَطَ
فيها أحدُهم دابةً، لم يكن لصاحبه مَنْعه، فلما كان له حق الانتفاع به من
هذا الوجه، جاز صلحه علىُ طَرْحه، على أن يأخذ الباني دراهم، إذ كان
بذلك تاركاً لحقه، والحقُّ المتروك بمنزلة ما هو ملك له خاص؛ لأن لكل
واحدٍ الانتفاع به.
(١) سيذكر الجصاص بعد قليل معنى آخر لكلام الإمام محمد.
(٢) في الأصل: (قال أبو الحسن)، وقد أثبتُّ ما في النسخة المغربية.

٢٠٩
کتاب الصُّلْح
فإن قيل: لو كان كذلك، كان لا يكون له أن يخاصمه في طَرْحه؛ لأنه
في حقه.
قيل له: لأن البناء يبقى على الأيام، فيبطل حق الآخرين في الانتفاع،
وهو يفارق أيضاً ربط الدابة من هذا الوجه.
* قال أحمد : ومِن شيوخنا مَن كان يقول في جواب محمد في هذه
المسألة إن معناه: أن المخاصِم هو الذي أَخَذَ الدراهم على طَرْحها، كأن
الباني استأجره عليه، وذلك جائز، كما لو استأجره غيره.
مسألة : [حكم مصالحة المَدِينِ الدائنَ على دينه الآجل ببعضه حالاً]
قال أبو جعفر: (وإذا كان لرجُلٍ على رجُلٍ مال إلى أجل، فصالحه
على أن يعطيَه بعضَه حالاً، وعلى أنه بريء مما بقي: فإن ذلك لا يجوز).
قال أحمد: الأصل في هذه المسألة ونظائرها: أن يُنْظَر إلى ما وَقَع
عليه الصلح، فإن كان مما استحقه بعقد المداينة فهذا جائز، وما بقي فهو
مبراً منه.
وإن كان مما لا يستحقه بعقد المداينة، فهذا عقد مستأنف بينهما،
فيُحمل على نظائره من العقود في صحته وفساده.
فقلنا على هذا في مسألتنا: إن الخمس مائة المأخوذة في الحال، لم
يستحقها بعقد المداينة، وإنما أراد أن يستحقَّها بعقد الصلح، وذلك عقدٌ
مستقل، فيه بيع الألف التي استحقها بعقد المداينة، بخمس مائة، عَقَدَ
عليها عَقْدَ الصلح، فلم يجز ذلك؛ لأنه بيع ألفٍ بخمس مائة.
وعلى هذا قالوا: لو كان عليه ألفٌ سودٌ، فصالحه منها على خمسٍ
مائة بيض، أنه لا يجوز، لأن البيض غيرُ مستَحَقّة بعقد المداينة، وإنما
يريد استحقاقها بعقد الصلح، فصار كشِرَى خمس مائةٍ بِيضٍ، بألفٍ سود.

٢١٠
کتاب الصُّلْح
وكذلك لو كان له عليه ألف درهم، فصالحه منها على مائة دينار،
كان ذلك عقد صرف مبتَدَأ، فيجوز إن قَبَضَها قبل الافتراق؛ لأنه لم يكن
استحق الدنانير بعقد المداينة.
ولو كان له عليه ألفٌ بيض، فصالحه على خمس مائة بيض، أو سود
جاز؛ لأن المأخوذ بالصلح مستَحَق بعقد المداينة، فهو آخذٌ لبعض حقه،
ومُبْرِئٍّ من الباقي، لأن مَن له عليه دراهم بيض، كان له أخذ السود بغير
رضا الغريم، لأنها دون حقه، ويُعتبر ما أوجبه له عقد المداينة بما لَهُ أَخْذُه
بغير رضا الغريم، وما لم يوجبه عقد المداينة بما ليس له أَخْذُه بغير رضا.
ولو كان عليه ألفٌ حالَّة، فصالحه منها على خمس مائة مؤجَّلة: جاز
لما وصفنا؛ لأن المؤجلة مستَحَقَّة بعقد المداينة، فهو لم يأخذها بعقدٍ
ثان، فكان آخذاً لبعض حقه، ومبرئاً من الباقي.
مسألة : [صالحه على الألف التي عليه على خمسمائة في يومه هذا]
قال أبو جعفر: (ولو كان لرجلٍ على رجل ألفُ درهم، فصالحه منها
على خمسٍ مائة درهم، على أن يدفعها إليه في يومه هذا، وعلى أنه إن لم
يدفعها إليه حتى يمضيَ يومه هذا، عاد المالُ عليه كما كان: كان الصلح
على هذا جائزاً).
وذلك لأن البراءة واقعة في الحال، وليست معلّقة على خطر،
فصَحَّت، وإنما شُرِطَ فَسْخها بتَرْك الدفع، وهذا جائز؛ لأن البراءة مما
يلحقه الفسخ بعد صحته، ألا ترى لو أن رجلاً أبرأ رجلاً مِن دَيْن له عليه:
وقعت البراءة بغير قبول المبرَأ، فإن ردَّ المطلوبُ البراءةَ: انفسخت.
وكذلك لو أن رجلاً له على رجل مال، فصالحه منه على عبدٍ بعَيْنه،
بَرِئ منه المطلوب، فإن مات العبد قبل القبض: عاد المالُ على

٢١١
كتاب الصُّلْح
المطلوب، وانفسخت البراءة.
فلما كانت البراءة مما يلحقه الفسخ بعد وقوعه وصحته، جاز شَرْط
فسخها بتَرْك دَفْع المال في اليوم.
ألا ترى أنه لو اشترى عبداً على أنه إن لم ينقده الثمن فيما بينه وبين
ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، أن ذلك جائز على ما شَرَطَ، وينفسخ البيع
بَتَرْك نَقْدِ الثمن في الثلاث.
كذلك البراءة واقعة في الحال، فإذا شَرَطَ فسخَها بتَرْك تعجيل الخمس
المئين في اليوم، جاز ذلك، وعاد المال عليه إذا لم يفِ بالشرط.
[مسألة : ]
قال أبو جعفر: (ولو كان صالحه على خمس مائة درهم، على أن
يعجّلها له في هذا اليوم، ولم يَذْكر شيئاً سوى ذلك: جاز الصلح، وكان
هذا والأول سواء في قول أبي حنيفة ومحمد.
وفي قول أبي يوسف: لا يعود المال عليه إن لم يعجِّل).
لأبي حنيفة ومحمد: أن قوله: عجِّل ليَ اليوم خمس مائة، على أنك
بريء من الفضل، معلومٌ من الظاهر أن البراءة واقعة بشرط التعجيل، وأنه
لولاه لم يُبرئه، فصار كقوله: إن لم تعجلها، عاد عليك المبرأ منه، فلم
يفرِّقا بين أن يكون ذلك ملفوظاً به، وبين ما يكون منه معقولاً من معناه.
وأبو يوسف قال: البراءة واقعة، ولم يشرط عود المال بتَرْك التعجيل،
فلا يعود.
مسألة : [صالحه على جارية فاستحقت بعد أن أولدها]
قال أبو جعفر: (وإذا ادعى رجلٌ على رجل داراً، فأنكر، وصالحه

٢١٢
کتاب الصُّلْح
على جارية، وقَبَضها المصالَح، فوطئها، وأولدها ولداً، ثم استُحِقَّت
الجارية: يأخذها وعُقْرَها (١) وقيمةَ ولدها من المصالح.
ويرجع المدعي (٢) في دعواه في الدار، فإن أقام بيِّنة على الدار: قُضِيَ
له بها، وقُضي له بقيمة الولد على الذي صالحه على الجارية، وإن لم يُقِم
على ذلك بيِّنة: لم يكن له على المدعى عليه شيء غير الرجوع في
الدعوى).
قال أحمد : المصالَح مغرورٌ في باب صحة الدِّعوة، وحرية الولد مع
الاستحقاق؛ لأنه وطِىءَ على وجه الملك.
ولم يختلف السلف(٣) فيمَن اشترى جاريةً واستولدها، فاستُحقَّت: أنه
يصدّق على الدِّعوة، وأن ولدَه حر الأصل، ويَغرم للمشتري قيمةَ الولد،
والعُقرَ للمستَحِقِ.
فكذلك المصالَح بهذه المنزلة في باب صحة الدِّعوة، وحرية الولد،
وضمان العُقْر، وقيمة الولد.
ثم إن صح له مِلْكُ الدار: كان بمنزلة المشتري في الرجوع بقيمة الولد
على المدعى عليه الدار؛ لأنه قد غَرَّ ببدل أخذه منه.
وإن لم تقم له بينةٌ على ملكها: لم يرجع بشيء.
كمن وُهب له جاريةٌ، فاستولدها، فلا يرجع على الواهِب بقيمة الولد
(١) العُقْر: صداق المرأة إذا وُطئت بشبهة، المغرب (عقر).
(٢) في النسختين: (فإن المدعي يرجع)، والتصويب من المختصر ص ١٠١.
(٣) المغني ١٢ /٤٩٠.

٢١٣
كتاب الصُّلْح
التي غَرِمَها للمستَحِقِ؛ لأنه مَلَكَها بغير بدل، وعَقْدُ الهبة لا يوجب ضماناً
على الواهب.
قال أحمد : والغرور الموجب للرجوع بقيمة الولد على الموجب
للملك، إنما يكون باجتماع شيئين :
أحدهما: أن يكون عَقْداً يوجب ضماناً، وهي عقود المعاوضات.
والثاني: أن يكون التمليك واقعاً برضا مَن كان التمليك مِن جهته؛
لأنه استُحق عليه بغير رضاه(١)، لم يلزمه ضمان قيمة ما تضمنه الذي
حصل له الملك بالغرور.
مثلُ الشفيع إذا بنى، ثم استُحق، لم يرجع على المشتري بقيمة البناء.
ومثلُ الجارية المَسْبِيَّة إذا أَخَذَها المالكُ الأول من مشتريها من أهل
الحرب، واستولدها، ثم استُحقّت، فضمن القيمة: لم يرجع المولى على
المشتري بقيمة الولد؛ لأنه أَخَذَها منه بغير رضاه.
وكذلك الرجل يستولد جاريةَ ابنهِ، فَيَغْرَم له القيمة، ثم استَحَقَّها
مستَحِقٌّ، فإنه يأخذها، وعُقْرَها، وقيمةَ ولدها، ويرجع الأبُ على الابن
بالقيمة التي أعطاه، ولا يرجع عليه بقيمة الولد؛ لأنه مَلَكَها عليه بغير
رضا، حسب ما قلنا في المسبية، ومسألة الشفعة.
مسألة : [الصلح على عدم الاستحلاف حال الإنكار]
قال أبو جعفر: (وإذا ادَّعىُ على رجلٍ مالاً، فأنكر، فصالحه
(١) هكذا العبارة في النسختين، والظاهر أنه يوجد سقط في العبارة، وتقديره
واضحٌ.

٢١٤
کتاب الصُّلْح
على دراهم على أن لا يستحلفه: فإن الصلح جائز، وهو بريء من
الیمین).
قال أحمد: هذه المسألة مبنية على جواز الصلح على الإنكار، والعلة
فيهما واحدة، وهي أن دخولهما في العقد اعترافٌ منهما بجوازه، ولأن
المدعي يزعم أنه أَخَذَه عَمَّا له عليه، فيُحمَلِ أَمْره فيما أَخَذَه على الجواز
والصحة، حتى یتبيَّن غیرُه.
وأيضاً: فهو بمنزلة الناكل؛ لأنه بَذَل المالَ صيانةً لنفسه عن اليمين،
والمالُ مما يصح بَذْله، فجاز أَخْذُهُ مِن هذا الوجه.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ نِحَرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾(١)،
وهذا واقع عن تراض.
ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل مال امرئ مسلم
إلا بطيبةٍ من نفسه))(٢)، وقد أَخَذَه بطيبةٍ من نفسه، فجاز.
باب: [الشفعة في الدار حال الصلح]
قال أبو جعفر: (وإذا ادَّعى داراً في يدي رجل، فأقرَّه، ثم صالحه
على دراهم: فللشفيع فيها شفعة).
لأنه بَيْعٌ، ولو أنكر: لم يكن للشفيع فيها شفعة؛ لأنه لم يعترف له،
وقد يجوز أن يكون الصلح للبراءة من الخصومة، وصيانة النفس عن
الیمین.
(١) النساء: ٢٩.
(٢) تقدم.

٢١٥
کتاب الصُّلْح
مسألة : [ادعى دراهم فصالحه على دنانير]
قال: (وإن ادعى عليه دراهم، وصالحه على دنانير، ثم افترقا قبل أن
يقبضها: بطل الصلح).
لما بيَّنَّا أن حُكْمَ ما يأخذه المدعي حُكْمُ الأعواض المأخوذة عن
اعتبارها، فاعتُبِرَ فيه حُكْم الصرف في إيجاب القبض في المجلس.
مسألة: [العيب في بدل الصلح إن كان عَرْضَاً]
قال أبو جعفر: (ولو كان صالحه منها علىُ عَرْضٍ بعينه، فقبضه، ثم
أصاب به عيباً: كان له أن يردّه على المدَّعى عليه، وينتقض الصلح بذلك،
ویرجع على دعواه إن كان صالحه على إقرار).
قال أحمد: وذلك لأنه مشتر للعَرْض، وعقود المعاوضات تقتضي
صحة الأبدال مِن كل واحد منهما، فإذا وَجَدَه معيباً، كان له الرد
والرجوع في البدل.
* قال أبو جعفر: (فإن كان صالحه على إنكار، وكان العيب فاحشاً:
فالجواب فيه كذلك، وإن كان غيرَ فاحش: فالصلح ماض).
قال أحمد: قوله: ((إن كان الصلح على إنكار: لم يردَّ بعيب فاحش)):
ليس بسديد(١)، ومذهبُهم أنه يُرَدُّ بالعيب الفاحش وغير الفاحش؛ لأنه
يرجع في الدعوى.
ويجوز أن يقيم البيئة، فيستحق المال الذي كان جعله بدلاً عن
العوض.
(١) ومثله في شرح الإسبيجابي ١ / لوحة / ٢٢٣ ب.

٢١٦
کتاب الصُّلْح
ويشبه أن يكون أبو جعفر جَعَلَه كالمهر، والجُعْلِ، والخلعِ، والصلحِ
من دم العمد، وليست مسألتنا من نظائر هذه المسائل؛ لأن هذه العقود لا
تنفسخ ببطلان البدل، وفَسْخ الملك فيه، وإنما يرجع فيه بقيمة العَرْض
المردود، فلا يرده إلا بعيب فاحشٍ؛ لأن العيب غير الفاحش لا يستدرك
به حقٌّ في مثل هذا بالرد، لأن ذلك القدر قد يدخل فيما بين تقويم
المقوِّمين، فلم يُرَدَّ لهذه العلة.
وفي مسألتنا ينفسخ عقد الصلح بالرد، فهو كالبيع وسائر العقود التي
تنفسخ برد البدل.
مسألة : [ظهور العيب في بدل الصلح بعد جنايةٍ عليه]
قال أبو جعفر: (ولو كان لمَّا قَبَضَ العَرْض لم يجد فيه عيباً، حتى
جنى عليه جانٍ، فأخذ لها أرشاً، ثم اطلع على عيبٍ به قديم: فإنه يرجع
بحصة العيب من الشيء الذي ادعى على دعواه فيه).
وذلك لأن العقد ينفسخ في حصة العيب؛ لأنه لا سبيل له إلى
فَسْخ الملك في العَرْض لِمَا وَجَبَ من الأرش، على ما بيَّنَّا من مسائل
البيوع.
كمن اشترى عبداً، فقُطعت يده في يد المشتري، ثم اطلع على عيب:
فإنه يرجع بأرش العيب، ولا يرد، إلا أنه إذا كان الصلح على إنكار: رَجَعَ
في الدعوى في حصة العيب.
مسألة : [الصلح مِن غير المدَّعى عليه]
قال أبو جعفر: (وإذا ادعى رجلٌ على رجل مالاً، فأنكره ذاك،

٢١٧
کتاب الصُّلْح
فصَالَحَه غيره(١) عنه بأَمْره: فالصلح جائز، والدراهم على الآمِر، لا على
المصالح.
وإن كان بغير أَمْره: فالصلح موقوف على إجازة المدَّعَى عليه، فإن
أجازه: جاز، وكانت الدراهم عليه، وإن لم يَقْبله وردَّه: بَطَلَ الصلح،
وعاد المدَّعي علىُ دعواه).
قال أحمد : إذا صالح عنه بأَمْره، فهو وكيل، ولا يلزمه ضمان المال؛
لأنه بمنزلة الوكيل بالخلع على مالٍ، والنكاح، وذلك لأن الصلح إبراء
وإسقاطٌ للحق، على ما تقدَّم من بيانه فيما سلف.
ومعلوم أن البراءة ليست معنى يصح انتقالها إلى الوكيل، فصار
كالوكيل بالعتق على مال، والطلاق على مال، والنكاح، إذ لم تكن هذه
المعاني مما يصح نَقْله إلى الوكيل، فصار الوكيل معبِّراً فيه وسفيراً، ولا
يتعلق به شيء من حقوق هذه العقود.
وإذا صالح عنه بغير أمره: فهذا عقد موقوف، بمنزلة مَنْ طلَّق امرأةً
رجلٍ على مال، أو أعتق عبدَه علىُ مال، أو زوَّجه، فيكون العقد موقوفاً
على المعقود له ذلك، فإن أجازه: جاز، وكانت حقوق العقد متعلقة
بالمجيز دون العاقد.
قال أحمد: قالوا: لو ضَمِنَ المصالِح المالَ، صح ضمانه ووقعت
البراءة، كمَن خاطب رجلاً في طلاق امرأته علىُ جُعْل، وضَمِنَه
فيكون المال عليه بالضمان، وذلك لأن البراءة لا يحتاج في صحة
وقوعها إلى قبول المبرَأ منه كالطلاق، وإنما يُحتاج إلى القبول إذا
(١) فيكون غيره وكيلاً.

٢١٨
کتاب الصُّلْح
شُرِط فيها المال، ليسلِّم المال إلى المبرَأ، فإذا كان هناك مَن صح عليه
الضمان: تمّ العقد.
* وإنما صح تبرع الغير بالضمان والأداء، لِمَا روي في حديث عَمْرو
بن أبي عَمْرو عن عِكْرِمة عن ابن عباس ((أن رجلاً لَزِمَ غريماً له بعشرة
دنانير، فقال: والله ما عندي شيء أقضیکَه اليوم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تُنْظِرِه شهراً واحداً؟
قال: لا، قال: فأنا أَحْمِل بها، فتحمَّل بها رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم، فذهب الرجل، فأتاه بقَدْر ما وَعَده.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مِن أينَ أصبتَ هذا الذهب؟
قال: من مَعْدِن(١).
قال: فاذهب، فلا حاجة لنا فيها، ليس فيها خير (٢)، فقضى رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم عنه بغير أَمْرِهِ))(٣).
فإذا جاز الضمان عنه بغير أمره، جاز الأداء.
ويدل عليه ((حديث أبي قتادة في ضمانه لدينارَيْن عن الميت، حتى
(١) واحد المعادن، وهي المواضع التي تُسْتَخْرَجُ منها جواهر الأرض، النهاية
١٩٢/٣.
(٢) ((يشبه أن يكون ذلك لسببٍ عَلِمَه صلى الله عليه وسلم فيه خاصة))، كما ذكر
الخطابي في المعالم ٤/٥، وذکر احتمالات أخرى.
(٣) سنن أبي داود ٦٢٢/٣، سنن ابن ماجه ٨٠٤/٢، المستدرك ٢٩/٢ ووافقه
الذهبي على تصحيحه.

٢١٩
کتاب الصُّلْح
صلَّى عليه النبي عليه الصلاة والسلام))(١).
فاستدللنا بذلك على جواز الضمان عن الغير بغير أَمْره، وجواز الأداء
أيضاً عنه بغير ضمان.
(١) صحيح البخاري ٤٦٦/٤، وستأتي فيما بعد قصة الحديث.