Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
کتاب الرَّهْن
* (وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين، كان بمقدار المضمون على
المرتهن، وبمقدار الأمانة على الراهِن).
لأن المضمون منه كالغصب، والأمانة منه كالوديعة.
[مسألة : ]
(وما جُنِيَ على العبد: فالخصم فيه المرتهن).
لأنه أحق بإمساکه وردِّه إلى يده.
مسألة : [نماء الرهن]
قال: (والولد وسائر النَّماء الحادث من الرهن داخلٌ في الرهن).
لأن حق المرتهن ثابت في الرقبة، مستقرٌّ فيها، فيَسْري ذلك الحق
في الولد، كما يسري في حق الكتابة، والتدبير، والاستيلاد في
الأولاد.
فإن قيل: فلِمَ لا يَسْري حق ولي الجناية في ولد الجانية، لثبوت حقه
في الرقبة في حال الولادة.
قيل له: ليست الجناية حقاً مستقراً في الرقبة، وإنما توجب الجناية
أحدَ شيئين: إما الدفع، وإما الفداء، فلم يستقر الحق بنفس الجناية في
الرقبة، فلذلك لم يَسْرِ في الولد.
مسألة : [هلاك نماء الرهن]
قال: (وإن هلك النماء الحادث في يد المرتهن: هَلَكَ بغير شيء).
لأنه دَخَلَ في العقد على وجه البيع، كولد المبيعة الحادث في يد
البَيِّع، يدخل في البيع تَبَعاً، ولا يسقط بهلاكه شيء من الثمن، كذلك ولد
الرهن.

١٦٢
کتاب الرَّهْن
مسألة : [هلاك الأصل وبقاء النماء]
قال: (وإن هلك الأصل، وبقي النماء: هلك بحصته).
کالمبيعة إذا هلکت في يد البيِّع، وبقي الولد.
مسألة : [تقدير قيمة الهالك]
قال: (وتعتبر قيمة الولد يوم الفَكاك، وقيمة الأصل يوم العقد).
كما تعتبر قيمة المبيعة يوم العقد، وقيمة الولد يوم القبض فيما ينقسم
عليه الثمن.
وإنما كان هذا هكذا، من قِبَل أن الولد ليس بمضمون، ولا يثبت له
حكمٌ في الرهن إلا عند الفكاك، وفي البيع إلا عند القبض، فلذلك اعتبر
قيمتها على ما وصفنا.
مسألة :
قال: (والقول قول الراهِن في مقدار الدين).
لأن الأصل أنه بريء الذمة من حق الغير، فلا يلزمه إلا مقدار ما
اعترف به، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((البينة على المدعي واليمين
على المدعى عليه))(١).
ولأنه لو أنكر الدين رأساً والرهن، كان القول قوله، كذلك يُرجع إلى
قوله في مقدار ما اعتَرَفَ به.
(١) تقدم.

١٦٣
کتاب الرَّهْن
مسألة : [اعتبار قول المرتهن في قيمة الرهن]
قال : (والقول قول المرتهن في قيمة الرهن، إذا هلك في يده).
لأنهما إذا اختلفا في مقدار ما استوفاه، فالقول قوله فيه.
كما لو اختلفا في مقدار ما قضاه من غير رهن، كان القول قول
الطالِب؛ لأن الأصل بقاء الدين الذي عُلِمَ وجوبه، فالقول قوله في مقدار
ما برئت منه ذمته.
والأصل في جميع ذلك: أن كل مَن اعتصم بالظاهر: فالقول قوله،
ومَن ادعى خلاف الظاهر: فعليه البينة.
وإن شئت قلتَ: إن مَن ادَّعى أمراً حادِثاً: فهو المدعي، وعليه البينة،
ومَن أنكره: فهو المدَّعَى عليه، والقول قوله مع یمینه.

١٦٥
کتاب المداینات
کتاب المداینات
مسألة : [البائع أسوة الغرماء لو أفلس المشتري]
قال أبو جعفر : (وإذا أفلس المشتري، أو مات وقد قبض المبيع:
فالبِّع أسوة الغُرَماء، ولا يكون أحق بالمبيع من سائرهم).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُم
بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْتَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنَكُمْ﴾(١).
ودلالة هذه الآية على ما قلنا من وجهين:
أحدهما: أنه أباح للمشتري الأكل والتصرَّفَ فيه، موسِراً كان أو
معسِراً.
الثاني: أنه مَنَعَ البَيِّع أخذه إلا برضا المشتري، وقال النبي عليه الصلاة
والسلام: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبٍ من نفسه)) (٢).
وأيضاً: فلما سلَّمَه إلى المشتري، فقد رضي بإسقاط حقه من عينه،
فلا فَرْق بينه وبين غيره؛ لأن ثمنه في ذمة المشتري، لا في العين، فكان
کسائر الغرماء.
(١) النساء: ٢٩.
(٢) تقدم.

١٦٦
كتاب المداينات
ونظيره المرتهن إذا رضي بردِّ الرهن إلى الراهِن، فيكون هو وسائر
الغرماء فيه سواء.
وما روي في حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه
قال: ((مَنْ وَجَدَ متاعَه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به من سائر
الغرماء))(١).
فإنه محمولٌ عندنا على حقيقة اللفظ، وهو أن يكون وَجَدَ ملكه في يد
غيره وديعةً، أو مضاربةً، أو نحوها، فيكون أحق به، ولا يجوز أن يُحْمَل
علىُ مَن باع متاعاً، فوجده في يد مشتريه وقد أفلس؛ لأن هذا وَجَدَ متاعَ
غيره، ولم يجد متاعه.
ويحتمل أن يكون معناه: ما روىُ سَمُرَة بن جُنْدُب عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((مَنْ وَجَدَ متاعَه عند رجل قد اشتراه، فهو أحق به،
ويرجع المشتري على البيِّع بالثمن)»(٢).
فإن قيل: روي في حديث أبي هريرة هذه القصة في البيِّع.
قيل له: إن صحَّ: احتمل أن يكون معناه؛ أن المشتري قَبَضَه بغير إذن
البيِّع وهو مفلس لا يقدر على الثمن، فيكون البيِّع أولى بردِّه إلى يده حتى
يقضي الثمن، أو تباع له دون سائر الغرماء.
(١) صحيح البخاري ٦٢/٥، صحيح مسلم ١١٩٤/٣.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٦٥/٤ عن سمرة بن جندب رضي
الله عنه، وقد بيَّن العيني في شرحه نخب الأفكار ٧ / لوحة / ٢٣٤ أن في سنده مَن فيه
مقال، وقال: أخرجه الطبراني من طريق آخر، والقسم الأول من الحديث: ((فهو أحق
به)): هو في الصحيحين كما تقدم.

١٦٧
كتاب المداينات
وأيضاً: أصل الحديث ما ذُكِرِ في الخبر الأول: ((مَنْ وَجَدَ متاعه عند
رجل قد أفلس، فهو أحق به)).
ومَن ذكر البَيْع من الرواة، فجائز أن يكون حَمَلَه على المعنى عنده،
وترك نَقْلَ اللفظ على وجهه، إذ كان من الرواة مَن يرىُ نَقْل المعنى دون
اللفظ.
وأيضاً: يحتمل أن يكون الحديث فيمَن اشترى سلعة في مرضه
بحضرة الشهود، وقبضها، ثم أقرَّ بدَيْن في مرضه، فيكون صاحبُ السلعة
أَوْلى بها بعد الموت من غرماء المرض الذين أقرَّ لهم.
فإن قيل: رُوي في بعض ألفاظه: ((فإن كان قد قَبَضَ بعضَ الثمن، فهو
أسوة الغرماء))(١).
قيل له: مخالفُنا لا يقول بذلك، ولو ثبتت الرواية: لم تدل على أنه من
قول النبي صلى الله عليه وسلم، لجواز أن يكون من قول بعض الرواة،
أدرجه في الحديث.
وعلى أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك.
(١) سنن أبي داود ٧٩٢/٣، الموطأ ٦٨٧/٢، قال ابن حجر في التلخيص
الحبير ٣٩/٣: ((حديث مرسل، ووصله أبو داود من طريق أخرى، وفيها: إسماعيل
بن عياش، إلا أنه رواه عن الزبيدي وهو شامي، قال أبو داود: المرسل أصح، وقال
البيهقي: لا يصح وصله، ووَصَله عبد الرزاق في مصنفه عن مالك، وفي التمهيد: أن
بعض أصحاب مالك وصله)). اهـ باختصار، وقد بيَّن ابن القيم في شرح مختصر سنن
أبي داود ١٧٦/٥ أن الحديث موصول وصحيح.

١٦٨
كتاب المداينات
حدثنا محمد بن أبي حفص المدني(١) قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن
عبيد الله بن إلياس الحافظ قال: حدثنا واقد بن موسى قال: حدثنا عَبْدة بن
سليمان المَرْوَزِي قال: حدثنا أبو عِصْمة نوح بن أبي مريم عن الزهري عن
أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أفلس الرجل، فوجَدَ رجلٌ متاعَه
عنده، فهو بین غرمائه))(٢).
وحدثنا محمد بن أبي حفص قال: حدثني عبد الله بن إسحاق
الأَنْمَاطي أبو محمد قال: حدثنا عبيد(٣) بن شريك قال: حدثنا هشام بن
عمار قال: حدثنا صدقة بن خالد عن عمرو بن قيس عن ابن أبي مُلَيْكة عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن باع بيعاً، فوجده
بعينه وقد أفلس الرجل، فهو بين غرمائه)) (٤).
وعلى أنه قد روي في خبر أبي هريرة الذي ذهب إليه مخالفُنا الفرق
بين حال الحياة والموت.
وهو ما حدثنا محمد بن بکر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا
محمد بن عوف الطائي قال: حدثنا عبد الله بن عبد الجبار الخَبَائري قال:
حدثنا إسماعيل بن عياش عن الزُّبَيْدي، - قال أبو داود: وهو محمد بن
الوليد أبو الهُذَيْل الحِمصي - عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن
(١) وفي نسخة الإتقاني: محمد بن عمر الجعابي.
(٢) ينظر لهذه الروايات فتح الباري ٦٣/٥.
(٣) في المغربية: عبد الله.
(٤) ينظر لهذه الروايات فتح الباري ٦٣/٥.

١٦٩
كتاب المداينات
أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((أيُّما رجلٍ باع متاعاً، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من
ثمنه شيئاً، فوجد متاعَه بعينه، فهو أحق به، وإن مات المشتري، فصاحب
المتاع أسوة الغرماء.
قال: فإن كان قضاه من ثمنها شيئاً، فما بقي فهو أسوة الغرماء))(١).
ففرَّق في هذا الخبر بين الموت والحياة، وبين أن يكون قَبَض مِن
ثمنها شيئاً، أو لم يكن قبض، ومخالفُنا قد تَركه وسوَّى بين حال الموت
والحياة.
فإن قيل: لما كان ذلك عقد معاوضة، أوجب على كل واحد
منهما تسليم ما أوجب ملكه لصاحبه، ثم بطلت ذمة المشتري
بالموت، وصارت رقبة معيبة بالإفلاس: أوجَبَ أن يكون للبيِّع الرجوع
في عين المبيع، وفَسْخ البيع فيه؛ لأن الثمن قد صار معيباً قبل
القبض، كما لو حَدَث بالمبيع عيب قبل القبض، كان للمشتري الخيار
في فسخ البيع.
وكما قلتم في الحوالة: متى مات المُحتال عليه مفلساً، كان
للمُحْتَال الرجوع على المُحِيل؛ لأنه شُرِط في صحة الحوالة سلامة
المال الذي أحال به له من جهة المحال عليه، فلما لم يسلم له: كان له
الرجوع على المحيل، كذلك يلزمكم مثله في البيِّع إذا أفلس المشتري
أو مات.
قيل له: أما سؤالك الإفلاس، فساقط على مذهب أبي حنيفة رحمه
(١) سنن أبي داود ٧٩٣/٣.

١٧٠
کتاب المداینات
الله؛ لأنه لا يرى الإفلاس شيئاً، ولا يوجب به لمحتال الرجوع على
المحيل(١).
وأما موت المشتري مفلساً، فمخالفٌ للعيب الحادث بالسلعة قبل
القبض؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون موته موجباً لانتقاض البيع،
وعَوْد الشيء إلى ملك البيِّع، لبطلان الذمة التي كان فيها الثمن، كما يبطل
البيع بهلاك المبيع قبل القبض، فلما لم يوجب أحدٌ انتقاض البيع بموت
المشتري مفلساً، عَلِمْنا أن موت المشتري لم يوجب عيباً في الثمن.
وأيضاً: فإن البيِّع قد كان ثبت له حق الحبس بنفس العقد، ليكون
أحق به بعد الموت من سائر الغرماء، فلما سلَّمه، أسقط هذا الحق،
فاستوى هو وغيره فيه، كالمرتهن إذا رضي برد الرهن على الراهن، يكون
وسائر الغرماء فيه سواء، وكذلك مسألة الحوالة، لا يلزم على هذا، مِن
قِبَل أن البيِّع قد أسقط حقه الذي أوجبه له العقد بتسليمه، فلا سبيل له إلى
فسخه.
وأما مسألة الحوالة، فلم يتعلق بها حق أوجبه له العقد فأسقطه، وإنما
أحال بالمال على أن يسلّم له، ولم يجعل له قبض شيء قد كان حقه
متعلقاً به، فلما لم يسلم له، رجع بالمال على المحیل.
ثم يقال لمخالفنا: فهلاً أوجبتَ الرجوع في الحوالة بموت المحال
عليه وإفلاسه، قياساً على البيع، فمِن حيث لم يلزمك مسألة الحوالة على
أصلك في البيع، كذلك لا يلزمنا مسألة البيع على الحوالة، فقد سقط هذا
السؤال من هذا الوجه؛ لأن كل سؤال يرجع على سائله من حيث يريد
(١) مختصر القدوري مع اللباب ١٦١/٢.

١٧١
کتاب المداینات
إلزامه خصمه، فهو ساقط من أصله.
مسألة : [حَبْس المَدِين بطلب الغرماء]
قال أبو جعفر : (وإن سأل الغرماءُ القاضي حبسَ المطلوب بدَيْنهم،
وقد ثَبَتَ عنده: فَعَلَ ذلك به).
قال أحمد : ((روي عن الحسن أن ناساً من أهل الحجاز اقْتَتَلوا، فقَتَلُوا
بينهم قتيلاً، فَبَعَث إليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَحَسَهم))(١).
((وروىُ بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم
حَس رجلاً في تُهَمة))(٢).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَطْلُ الغنيِّ ظُلْم) (٣).
فإذا استحق الحبس في التُّهمة، فبالظلم أَحْرَى أن يستحقه.
((وحَبَسَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بني قُرَيْظة لما نزلوا على حُكْم
سعد بن معاذ رضي الله عنه، ثم قَتَلَهم))(٤).
وروى أبو مِجْلَز ((أن النبي صلى الله عليه وسلم حَبَسَ رجلاً أعتق
(١) المراسيل لأبي داود ص ٢٩٢، ومن طريقه البيهقي في سننه ١٣٠/٨.
(٢) سنن الترمذي ٢٨/٤، وقال: حديث حسن، سنن النسائي ٨ /٦٧، سنن
أبي داود ٤٦/٤، المستدرك ١٠٢/٤، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وينظر نصب
الراية ٣١٠/٣.
(٣) صحيح البخاري ٤٦٤/٤، صحيح مسلم ١١٩٧/٣.
(٤) نقل الحافظ ابن حجر في الفتح ٤١٤/٧ عن ابن إسحاق حَبْس بني قريظة،
ثم قَتْلهم.

١٧٢
كتاب المداینات
شِقْصاً له في مملوك، حتى باع غُنَيْمةً له))(١).
ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليُّ الواجدِ يُحِلُّ
عِرْضَه، وعقوبَتَه))(٢).
ومعلوم أنه لم يُرِد الضرب، فثبت أنها الحبس(٣).
ورُوي الحبس في الدَّيْن عن علي رضي الله عنه، وعن جماعة من
السلف(٤).
مسألة : [بيعُ مالِ المَدین]
قال أبو جعفر : (فإن سألوه بيعَ ماله، لم يَبِعْه إلا الدراهم بالدنانير، أو
الدنانير بالدراهم في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يبيعُ
العروض، وكلَّ شيء).
لأبي حنيفة: قولُ الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ
أَنْتَكُونَ تِحَكَرَةً عَن ◌َرَاضِ مِّنْكُمْ﴾(٥).
(١) سنن البيهقي ٤٨/٦-٤٩، وقال: حديث مرسل، ورواه من وجه آخر وقال:
فيه الحسن بن عمارة، وهو ضعيف. اهـ.
(٢) سنن أبي داود ٤٥/٤، سنن النسائي ٣١٦/٧، سنن ابن ماجه ٨١١/٢،
قال ابن حجر في الفتح ٦٢/٥: «إسناده حسن)).
(٣) فسره بالحبس سفيان الثوري وغيره، كما في الفتح لابن حجر ٦٢/٥، سنن
البيهقي ٦ /٥١.
(٤) مصنف عبد الرزاق ٣٠٦/٨.
(٥) النساء: ٢٩.

١٧٣
كتاب المداينات
وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يَحِلَّ مال امرئ مسلمٍ إلا بطِيبةٍ
43
من نفسه))(١).
ولما («رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم حَبَس رجلاً أعتق شِقْصاً له
في عبد حتى باع غُنَيْمةَ له))(٢).
ولو جاز أن تباع عليه، لباعها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُجبره
على البيع بالحبس.
* وما ((روي أن النبي صلى الله عليه وسلم باع على معاذٍ مالَه))(٣): فإنَّ
معناه عندنا أنه أَمَرَه بالبيع.
وجائز أن يقال: باع عليه، إذا أمره بالبيع، كما روي في حديث سُوَيْد
ابن المُقَرِّن، «أنه كانت له جارية، فَلَطَمَها أحدُهم، فقال في بعض ألفاظ
الحديث: فَأَمَرَهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعِثْقُها))(٤).
وفي بعضها: ((فأعتقها النبيُّ صلى الله عليه وسلم)) (٥)، فأضاف العِثْق
(١) تقدم.
(٢) سنن أبي داود ٤٥/٤، سنن النسائي ٣١٦/٧، سنن ابن ماجه ٨١١/٢،
قال ابن حجر في الفتح ٦٢/٥: ((إسناده حسن)).
(٣) المستدرك ٥٨/٢، ٢٧٣/٣، ووافقه الذهبي على تصحيحه، البيهقي
٤٨/٦، الدار قطني ٢٣١/٤، قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٣٧/٣: ((رواه أبو
داود في المراسيل من حديث عبد الرزاق مرسلاً، قال عبد الحق: المرسل أصح من
المتصل، وقال ابن الطلاع في الأحكام: هو حدیث ثابت)). اهـ
(٤) صحيح مسلم ١٢٧٩/٣.
(٥) سنن ابن ماجه ٨٩٤/٢، مسند أحمد ١٨٢/٢ ولكن في قصة عبده، قال
=

١٧٤
كتاب المداينات
إلیه، إذ كان بأمره.
وكقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا
يَسْتَضْعِفُ طَائِقَةٌ مِنْهُمْ يُدَبِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ﴾ (١)، ومعلوم أنه لم يكن يلي ذلك
بنفسه، وإنما کان یأمر به.
ولا يحتمل حديث معاذ غيرَ ما وصفنا، من قِبَل أن أحداً لا يرى البيعَ
على الغريم، إلا في حال امتناعه من البيع، وقضاء الدين، ولا جائز أن
يكون معاذٌ ممتنعاً من قضاء الدين، وبَيْعِ ماله مع إلزام النبي صلى الله عليه
وسلم إياه ذلك، فعُلِمَ أن معنىُ الخبر، أنه أَمَرَه بالبيع.
* ووجهٌ آخر للمسألة وهو أن نقول: الغريم (٢) لما كان جائز التصرف
في ماله، ولم يستفد الولاية من ماله، والتصرف فيه من جهة القاضي،
وَجَبَ ألا يجوز تصرف القاضي عليه بالبيع؛ لأن تصرف الإنسان إنما
ابن حجر في الإصابة ٥٥١/١: ((رواه ابن منده من طريق المثنى بن الصباح، وروى
البغوي من طريق عبد الله بن سندر، وروى ابن ماجه القصة من حديث زنباع نفسه
بسند ضعيف)) اهـ، وفي تهذيب التهذيب ٣٤٥/٣: ولحديثه شاهد. اهـ، وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٣٩/٤: ((رواه البزار والطبراني، وفيه عبد الله بن سندر،
ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات)) اهـ، وقد سكت ابن أبي حاتم عن عبد الله بن سندر،
كما في الجرح والتعديل ٦٤/٥.
(١) القصص: ٤.
(٢) أراد بالغريم هنا المطلوب، أي الذي عليه الدين، وهو يطلق في اللغة على
الذي عليه الدين، والذي له، كما تقدم في كلام المؤلف، وينظر: مختار الصحاح
(غرم).

١٧٥
كتاب المداينات
يجوز على غيره إذا كان الغير استفاد جواز تصرُّفه من جهة أمره، كالصبي
المأذون له، والعبد المأذون له، فأما مَن كان جائزً التصرف على نفسه،
ولم يستفدْه من جهة غيره، فهذا لا يجوز تصرُّف الغير عليه، قياساً على
الأحرار البالغين، الذين لا حقَّ عليهم لأحد.
* وهذا القياس في الدراهم والدنانير، إلا أن أبا حنيفة استحسن
فيهما، فأجاز للقاضي بيعَ أحدهما بالآخر، وذلك لأنهما في كثيرٍ من
الأحكام كالشيء الواحد، وبهما تُقَوَّم المستهلكات، إن شاء بالدراهم،
وإن شاء بالدنانير، وأن كل واحد منهما ينوب عن صاحبه في الزكاة.
وقد اتفق أصحابنا على أن المضارب يشتري بالعروض ما شاء بعد
موت رب المال، ولو كان في يده دراهم، ورأس المال دنانير: لم يكن له
أن يصرفها إلا في رأس المال.
* (وأبو يوسف ومحمد يبيعان العروض وغيرها في الدَّيْن).
لما روي في قصة معاذ(١).
مسألة : [بيع القاضي أموالَ المطلوب بموته]
قال أبو جعفر: (وإن مات المطلوبُ: باع لهم القاضي جميعَ ذلك،
في قولهم جميعاً للغرماء، والعهدة فيه على الغرماء، دون الورثة).
وذلك لأن ولاية الميت قد زالت عن نفسه بالموت، فجاز تصرف
القاضي عليه، كالصغير، والمعتوه، وسائر مَن لا ولاية له في ماله.
وتكون العهدة على الغرماء؛ لأن البيع وقع لهم، كرجل أَمَرَ رجلاً
(١) المتقدمة قريباً.

١٧٦
كتاب المداينات
ببيع عبده، فباعه ثم استُحِقَّ، فإن ضمان الثمن على الآمر إذا لحقه
دَرَك(١).
ولا ضمان على القاضي في ذلك، لأنه تصرَّفَ فيه من جهة الحُكْم،
وما تَصرَّف فيه القاضي من طريق الحكم، لا يلحقه فيه ضمان؛ لأنه لو
لَحِقَه فیه ضمان، لکان خصماً فیه، وکونه خصماً فیه یمنع جواز حکمه؛
لأن حُكْمه لا يجوز فيما يكون خصماً فيه.
مسألة : [الدين الآجل يَحِل بموت المدین]
قال أبو جعفر : (ومَن مات وعليه دَين إلى أجل: فقد حلَّ دَيْنه).
وذلك لأن مال الميت لا يخلو من أن يكون محبوساً على الدين،
ممنوعاً منه الوارث، أو يكون للوارث تصرف فيه إلى وقت حلول
الدين، فإن سلَّمْنَاه إلى الوارث، كان ذلك خلاف الكتاب؛ لأن الله
تعالىُ جَعَلَ الميراث بعد الدين بقوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا
أَوْدَيْنٍ ﴾(٢).
وإن حَبَسْنَاه على الدَّيْن، ومَنَعْنَاه الورثة، لم يكن في حَبْسه حق
الأحد، والأجل إذا لم يكن حقاً لأحدٍ: سَقَطَ، فوجب أن يحلّ الدَّيْن.
(١) ضمان الدَرَك: هو ضمان الثمن عند استحقاق المبيع، كما في شرح
الإسبيجابي ١ / لوحة / ٢٢٦، وينظر طلبة الطلبة ص٢٩٣ (كتاب الكفالة)، وسمِّي
دَركاً: لالتزامه الغرامة عند إدراكه المستَحِقِ عينَ ماله، كما في تحرير ألفاظ التنبيه
للنووي ص٢٠٤.
(٢) النساء: ١٢.

١٧٧
كتاب المداينات
فصل : [يُطلَق المطلوب إذا ثبت فقره، وتجوز ملازمته]
قال أبو جعفر: (ومَن ثبت عند القاضي عُدْمُه(١) بعد حَبْسه إياه:
أطلقه، ولم يَحُلْ بينه وبين غرمائه، وبين لزومه).
وإنما قال: يطلقه؛ لأن الحبس عقوبة على مَنْع الدين عند إمكان
الأداء، فإذا لم يُمكنه الأداء، لم يستحق العقوبة.
وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾(٢)،
فَأَمَر بإنظاره، فلا يجوز للقاضي حبسه، مع أمر الله بإنظاره.
** وأيضاً: لم يَحُل بينه وبين لزومه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
((لصاحب الحقِّ اليدُ واللسان))(٣).
فقيل في معنى اليد: أنه اللزوم، واللسان: التقاضي والمطالبة (٤).
ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَنْظَرَ معسِراً، أو
وَضَعَ عنه: أظلَّه الله عز وجل في ظِلِّ عرشه))(٥).
فجعل الإنظار إليه، فدلَّ أنه لا يكون مُنْظَراً حتى يُنظره، وإلا فله
(١) العُدْم: بوزن القُفْل: هو الفقر، كما في مختار الصحاح (عدم).
(٢) من سورة البقرة، آية رقم / ٢٨٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٦٢/٥ بلفظ: ((إن لصاحب الحق مقالاً))،
وأخرجه بلفظ المؤلف مرسلاً الدارقطني ٢٣٢/٤، وابن عدي في الكامل، كما في
نصب الراية ١٦٦/٤.
(٤) غريب الحديث لأبي عبيد ١٧٥/٢، النهاية لابن الأثير ٢٤٨/٤.
(٥) صحيح مسلم ٢٣٠٢/٤.

١٧٨
كتاب المداينات
لزومه، كما له أن لا يَضَع عنه، ولو لم يكن له لزومه: لكان(١) مُنْظَراً.
مسألة: [حَبْس المدين وإن ادَّعىُ الإعسار]
قال أبو جعفر: (وإذا ادَّعىُ الغريمُ إعساراً، لم يصدَّق، وحُبِسَ).
وذلك لأن دخوله في السبب الملزِم له الدين اعترافٌ منه بلزوم
أدائه(٢)، فلا يصدَّق على سقوطه بما يدّعيه من الإعسار.
* قال أبو جعفر : (ثم يسألُ القاضي عنه بعد أن يمضيَ له في حَبْسه
شھر).
قال أحمد : روى محمد عنهم شهرَيْن أو ثلاثة، وقال محمد عن
نفسه: ما بين أربعة أشهر إلى ستة أشهر، ثم يسأل عنه.
: وإنما حَبَسَهَ بَدْءاً، ولم يسأل عنه؛ لأن في حَبْسه اختبارَ حاله في
الظاهر في يساره وإعساره، وفي الغالب أن عِلْمَه يظهر في مثل هذه المدة،
وتوقیتُ المدة اجتهاد.
وجائز أن يكون له مالٌ مخبوءٌ لا يقف الناس عليه، فإذا حبَسَه مدةً
ما، يَظهر أمره في العادة، ويُلجئه الضجرُ بالحبس إلى إخراجه.
فإذا لم يظهر ذلك، سأل عنه، فإن وقف على أن لا مال له: أطلقه.
مسألة : [بيع أموال المدين لقضاء الدين منها]
قال: (وإن كانت عليه ديون عاجلة وآجلة، فأَمَرَه القاضي ببيع ماله،
فإنه يقضي أصحابَ الديون العاجلة ديونهم، فإذا حلَّت الديون الآجلة:
(١) كما في الأصل والمغربية، وصحح المقابل عمر بن البابا: (لم يكن منظراً).
(٢) وينظر أحكام القرآن للمصنف ٤٧٥/١.

١٧٩
كتاب المداينات
دخلوا مع الذين اقتَضَوْا ديونهم، فحاصَصُوْهُم)(١).
وذلك لأنه ليس لأصحاب الديون الآجلة حقُّ القبض في الحال،
فيسلُّم المالَ إلى أصحاب العاجل، فإذا حلَّ الأَجَلُ: شاركوهم، من قِبَل
أن ديونهم كانت ثابتة وقت القضاء، وإنما كانت المطالبة بالقبض متأخرة،
فإذا صحَّت المطالبة: ساوَوْهم.
قال أبو بكر أحمد : وهذا قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنهما يريان
إثبات حق الغرماء في عين مال المطلوب بالإفلاس والحَجْر.
وأما على مذهب أبي حنيفة: فلا يدخل أصحاب الديون المؤجّلة، مع
من قبض دينه قبل ذلك.
مسألة : [إقرار المدين المحبوس بدينٍ لغرماء آخرين]
قال أبو جعفر : (ومن حُبِسَ بدَيْنِ عليه لقوم، ثم أقرَّ بدَيْنٍ لقوم
آخرين، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف كانا يقولان في ذلك: إقراره جائز،
يشاركُ مَن أقرَّ لهم أصحابَ الديون الأُولىُ).
مسألة : [الحَجْر على المدين المحبوس]
قال: (وإن سألَ الغرماءُ الأولون القاضيَ - قبل إقرار غريمهم لغيرهم
بدَيْن - الحَجْرَ على الغريم، ومَنْعَه الإقرارَ لغيرهم: لم يُجِبْهم إلى ذلك في
قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: يجيبهم إلى ذلك، ويحجر على المطلوب، ويمنعه من
الإقرار لغيرهم، ومِن صَرْف ماله في هبة، أو صدقة، حتى يبرأ من الديون
(١) أي اقتسموا المال بينهم حصصاً، كما في المغرب ٢٠٧/١.

١٨٠
كتاب المداينات
التي حَبَسَه فيها).
قال أحمد : أبو يوسف مع محمد، وذلك مشهورٌ من قوله، وأبو
حنيفة وحده(١).
وجه قول أبي حنيفة رحمه الله في إبطال الحَجْر على الحُرِّ: أن الحرَّ
البالغ لم يستفد التصرف قبل الدَّيْن من جهة الغرماء، ولا من جهة
القاضي، فلا يجوز حَجْره؛ لأن الحَجْر إنما يجوز من جهة مَن استُفيد
التصرف من جهته، كحجر المولىُ على العبد، والأبِ على ابنه الصغير،
ونحوه.
وأيضاً: فإن الغريم يلزمه بإقراره حقوق الله عز وجل التي تُسقطها
الشبهة، وهي الحدود، فلأنْ تلزمه حقوق العباد أَوْلى، إذْ لَزِمَه ما سقط
بالشبهة، فما لا يسقط بالشبهة أَوْلى باللزوم، كسائر الأحرار البالغين من
أهل التكليف.
فإن قيل: العبد المحجور عليه تلزمه الحدود بإقراره، ولا يلزمه المال.
قيل له: يلزمه ما يُقِرُّ به من المال في ذمته، وإنما لا نجيز إقراره على
المولى، لأنَّا لو أجزناه، أجزناه في ملك غيره، ولا يجوز إقراره في ملك
الغير، وإنما يجوز على نفسه، ألا ترى أنه إذا أُعْتِقَ، أُخِذَ به.
فإن قيل: المريض يجوز إقراره بالحدود، ولا يجوز إقراره في ماله مع
غرماء الصحة، لأجل حقهم.
قيل له: من قِبَل أن تصرفه في المال معتبر به حال الموت.
(١) ومثله في شرح الإسبيجابي ١ / لوحة / ٢١٧ب.