Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب البيوع باب الاستبراء مسألة : [استحباب استبراء الجارية من قِبَل بائعها] قال أبو جعفر: (وإذا كانت للرجل جارية يطؤها، لم يبعْها حتى يستبرئها بحيضة إن كانت ممن تحيض، أو بشهر إن كانت ممن لا تحیض). قال أحمد : وهذا استحباب في البيِّع، وليس بواجب، وذلك لأنها إذا كانت ذات حيض، وقد وطئها، لا يأمن أن تكون حاملاً منه، فيستهلكها المشتري، أو يحدث فيها ما يمنع صحة دعواه، فاستُحِبَّ له الاستبراء احتياطاً. مسألة : [يجب على المشتري استبراء الأمة] قال أبو جعفر: (ولا يَقْرِبُها المشتري، أو مَن مَلَكَها بغير شراء، حتى يستبرئها بحيضة إن كانت ممن تحيض، أو شهراً إن كانت ممن لا تحیض). قال أحمد : الأصل فيه: ما روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في سبايا أَوْطَاس(١): ((لا تُوطَأ حاملٍ حتى تضع، (١) أَوْطَاس: وادٍ في ديار هوازن قرب الطائف، وفيه كانت غزوة أوطاس، وهي بعد غزوة حُنين سنة ثمان للهجرة، وعدَّها بعضهم غزوة واحدة، ينظر فتح الباري ٨/ ٤٢. ١٤٢ كتاب البيوع ولا حائل(١) حتى تُسْتَبْرَأْ بحيضة))(٢). فصار ذلك أصلاً في وجوب الاستبراء لحدوث الملك؛ لأنه معلوم أن هذا الاستبراء لم يجب عن فراش، لأنه لو كان كذلك، لفرَّق بين ذات الفراش، وبین غيرها. فلما أوجب الاستبراء في الجميع، دلَّ على أن وجوبه متعلق بحدوث الملك، فكلّ مَنْ استحدث ملكاً في جارية، وتمَّ ملكه فيها: لم يطَأْها حتى يستبرئها. وقد روي نحو ذلك عن علي، وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفان وعمر، وعُبادة بن الصامت(٣). * (فإن كانت ممن لا تحيض: فشهر). وروي نحوه عن ابن عمر في آخَرِين من السلف(٤). لأن الشهر يقوم مقام حيضة في العدّة، فكذلك في الاستبراء. مسألة : [يكره تحريماً دواعي الوطء قبل استبراء الجارية] قال أبو جعفر: (ولا ينبغي له أن يُقَبِّلها، ولا ينظر إلى فَرْجها من (١) أي لا حمل بها، كما في البناية للعيني ٢٩٦/٩، المصباح المنير (حال)، وينظر النهاية ١ / ٤٦٣. (٢) سنن أبي داود ٦١٤/٢، المستدرك للحاكم ١٩٥/٢، سنن الدارمي ٩٢/٢، مسند أحمد ٦٢/٣، سنن الدارقطني ١١٢/٤، وإسناده حسن، كما قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٧١/١. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢٢٤/٤. (٤) مصنف ابن أبي شيبة ٢٢٤/٤. ١٤٣ كتاب البيوع شهوةٍ، حتى يستبرئها). قال أحمد : كما أن رجلاً لو وجبتْ على امرأته عدة من وطء بشبهة، لم يكن للزوج أن يُقَبِّلها، ولا يباشرها حتى تنقضيَ عدتها، وكذلك الأمة، إذا كانت معتدّة من زوج، لا يقبِّلها المولى ما دامت في العدة، والاستبراء يشبه العدة؛ لأن العدة تجب على وجه الاستبراء. مسألة : [وجوب استبراء الجاريةِ الحاملِ من زنىُ] قال أبو جعفر: (ومن ابتاع جارية حاملاً من زنّى، لم يطأها حتى تضع حملَها). لحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في السبايا: ((لا توطأ حاملٌ حتى تضع)) (١)، وهو عامٌّ في سائر الحوامل. وكما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقيَ ماءَه زرعَ غيره))(٢). رواه رُوَيْفِع بن ثابت الأنصاري. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يحلّ لرجلَيْن يؤمنان بالله واليوم الآخر أن يجتمعا في امرأة في طُهْر واحد))(٣). (١) تقدم. (٢) سنن أبي داود ٦١٥/٢، سنن الترمذي ٤٣٧/٣ وقال: حديث حسن، مسند أحمد ١٠٨/٤، المستدرك ١٣٧/٢، وصححه ووافقه الذهبي. التلخيص الحبير ٢٣٢/٣. (٣) لم أهتد إلى تخريجه. ١٤٤ كتاب البيوع وهذا كله يحظر وطء الحامل على مَنْ ليس الحمل منه. مسألة : قال: (ولا يَعْتَدُّ المشتري بالحيضة التي حاضَتْها في يد البيِّع بعد البيع قبل القبض). وذلك لأن المشتري إنما يملك الوطء بعد القبض، ولا يجوز له أن يطأ قبل القبض، فإنما يجب الاستبراء في الحال التي يملك فيها الوطء. وأيضاً: فإن الملك لا يتم فيها إلا بالقبض، وعند تمام الملك يجب الاستبراء. * قال : (وروي عن أبي يوسف أنه قال بأَخَرَة: يُعتد بتلك الحيضة من الاستبراء). وذهب إلى أن الملك قد صحَّ له وإن لم يقبض. مسألة : [مدة استبراء الجارية التي ارتفع حيضها] قال أبو جعفر: (وإذا اشترى جارية ممن تحيض، فَقَبَضها، فارتفع حيضها لا مِن حَمْل، فإن أبا حنيفة رحمه الله قال: لا يطأها حتى يعلم أنها غير حامل، ولم يقدِّر ذلك بشيء. وروى أصحابُ الإملاء عن أبي يوسف عنه مثل ذلك، إلا أنه قال: حتى تمضيَ عليها ثلاثةُ أشهر، أو أربعة أشهر، فإذا مضى ذلك عليها، ولم يُعْلَم حَمْل: كان له وطؤها). وذلك لأن الحيضة لما كانت استبراءً من الحَمْل في ذوات الحيض، لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا تُوطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى ١٤٥ كتاب البيوع تُسْتَبْرَأ بحيضة))(١)، وجب أن يعتبر حصول غلبة الظن في براءة رحمها من الحَبَل، وذلك قد يظهر في مثل المدة التي ذَكَر. وليس ذلك كالعدة لذات الحيض: أن عدتها لا تنقضي حتى تحيض ثلاث حِيَض وإن كانت في سِنِيْن؛ لأنها منصوصٌ في كتاب الله عليها: ﴿ثَثَةَ﴾ (٢)، فلا يجوز النقصان عنها. * (وقال محمد: لا يطؤها حتى يمضيَ عليها شَهْرَان وخمسة أيام، ثم رَجَع فقال: حتى تمضيَ أربعةُ أشهر وعشرٌ). قال أبو بكر : ذكر محمد في الأصل: أربعة أشهر وعشراً، وروى ابنُ سماعة(٣) عنه: شهران وخمسة أيام، فاعتَبر في إحدى الروايتين عِدَّة الحرة في الوفاة، وفي الأخرى عِدَّةَ الأمة. مسألة : [عدم وجوب استبراء الجارية المطلّقة غير المدخول بها] قال أبو جعفر: (ومَن اشترى جارية ولها زوج لم يدخل بها، وقَبَضها، وهي كذلك، ثم طلقها زَوْجُها: حلّ له أن يطأها، ولم يكن عليه أن يستبرأها). وذلك أن الاستبراء إنما يجب بتمام الملك، وقد وُجِدَ ذلك، وهي (١) تقدم. (٢) البقرة: ٢٢٨. (٣) الإمام محمد بن سماعة التميمي، حدَّث عن أبي يوسف ومحمد، وأخذ الفقه عنهما، وولي القضاء للمأمون ببغداد، وَصَقه يحيى بن معين أنه ريحانة العلم، ولد سنة ١٣٠ هـ، وتوفي رحمه الله سنة ٢٣٣هـ، له ترجمة في الفوائد البهية ص١٧٠. ١٤٦ كتاب البيوع تحت زوج فلم يجب؛ لأن غيره هو المالك لوطئها، وطلاق الزوج لم يُحدِث للمولى ملكاً فيها، فلم يجب الاستبراء، إذ كان وجوبه متعلقاً بحدوث الملك لاستباحة الوطء. والدليل على ذلك: أن المولىُ لو زوَّج أمتَه من رجل، حَرُمَ وطؤها عليه، فإن طلَّقها الزوجُ قبل أن يدخل بها، لم يجب عليه استبراء لاستباحة وطئها، إذ لم يستحدث بذلك ملكاً. مسألة : قال أبو جعفر: (ومَن اشترى جارية، ولم يفارق بيِّعها عن موطن البَيْع، أو لم يكن قبضها، حتى تقايلا البيع، فإن أبا حنيفة قد قال: في الأصل القياس أن لا يطأها حتى يستبرئها، قال: وأَسْتَحْسِنُ فأجعل له وطأها من غير استبراء. وروى أبو يوسف في الإملاء عن أبي حنيفة أنه قال: لا يطأها حتى تُستبرأ). قال أحمد: القياس أن يستبرئها البيِّع، لحدوث ملكه فيها بالإقالة، ولا تُستبرأ استحساناً؛ لأن ملك المشتري لم یتمَّ حتى عادت إليه. ألا ترى أن المشتري لم يكن يعتد بالحيضة التي كانت في يد البيِّع من الاستبراء، وأنها في هذا الوجه بمنزلة مَنْ هي في ملك البيِّع، فكذلك هي في حكم ملكه في سقوط الاستبراء عنه بالإقالة. * قال : (وذكر ابنُ سماعة عن محمد: أن القياس أن لا يستبرأها). قال أحمد : وذلك لأن ملك المشتري لم يتمَّ فيها بعد، والله أعلم. ١٤٧ کتاب الرَّهْن کتاب الرَّهْن مسألة : [شروط الرهن] قال أبو جعفر: (ولا يجوز الرهن إلا مقبوضاً، مُفْرَغَاً، مَحُوزاً، خارجاً عن يد راهِنِه إلى يد مُرْتَهِنه، أو إلى يدِ عَدْلٍ يرتضيان به). قال أحمد : وذلك لقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا فَهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾(١)، وحكم جواز الرهن مأخوذٌ من الآية، ولم يَرِدْ إلا معقوداً بصفة القبض. وأيضاً: فإن الرهن وثيقة، ولا يحصل معناها إلا بحصول يد المرتهن علیه. وإنما يصح قبض العدل؛ لأن الله تعالى لما قال: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾، أجازه مقبوضاً على الإطلاق، ولم يفرِّق فيه بين قبض المرتهن وقبض العدل، وعمومُه يقتضي جوازه بقبض أيِّهما قَبَض. وأيضاً: فإن العدل وكيلٌ للمرتَهِن في القبض، وقد يحصل مضموناً علیه، ويدُ الوکیل کید الموكِّل. مسألة: [رهن المُشَاع] قال: (ولا يصح رهن المُشَاع فيما يُقْسَم، ولا فيما لا يُقْسَم). (١) البقرة: ٢٨٣. ١٤٨ کتاب الرَّهْن وذلك لأن كونه مُشَاعاً يوجب استحقاق القبض بالمُهَايَأة (١)، فإذا كان المعنى الموجب لاستحقاق القبض الذي هو شرط في صحة العقد مقارناً للعقد، لم يصح الرهن. وإنما كان شَرْط استصحاب اليد مع بقاء الرهن، من قِبَل أن الرهن لما كان وثيقة، وكان لا يحصل معنى الوثيقة فيه إلا بالقبض، فمتى استُحِقَّ القبض(٢)، ارتفعت الوثيقة، ومتى ارْتَفَع ذلك بَطَل الرهن. وليس الرهن كالهبة في جوازها في المُشَاعِ الذي لا يُقْسَم؛ لأن القبض في الهبة شرطٌ في صحة العقد، لا في بقاء الملك، لأن صحة بقاء الملك غير مفتقِرَةٍ إلى استصحاب اليد، وصحة بقاء الرهن مفتقرةً إلى استصحاب اليد، إذْ به تحصل وثيقة، وليس في الرهن معنى غيرها، ففي ارتفاعِها ارتفاعُ الرهن، فلذلك افترقا. فإن قيل: فقد يصح بقاء الرهن عندكم مع زوال اليد، وهو أن يستعيره الراهن، فلا يبطل الرهن. قيل له: إنما مَنَعْنَا صحة رهن المُشَاعِ؛ لأن اليد التي بها صحَّ معنى الرهن مستَحَقَّةٌ بمعنى يقارب العقد. ولا يلزم على ذلك العارية؛ لأن يد العارية غير مستحقة على المعير، و کونه شائعاً يوجب استحقاق يده عليه، فلذلك اختلفا. (١) التهايؤ: أن يتواضعوا على أمر فيتراضَوْا به، وحقيقتُه أنَّ كلاً منهم يرضى بحالة واحدة ويختارها، كما في المغرب ٣٩٢/٢. (٢) أي لغير المرتهن. ١٤٩ کتاب الرَّهْن مسألة : [الانتفاع بالرهن بإجارةٍ ونحوها] قال أبو جعفر: (ولا يُؤَاجَرُ الرَّهْنُ، ولا يُخْرَج من يد المرتهن إلا بعد قضاء الدَّيْن، ولا يُنْتَفَعُ به). وذلك لأن في إجارته استحقاق يد المرتهن(١)، وفي ذلك إيطال الرهن. ولا يُرْکَب؛ لأن رکوب الرهن يُزيل يد المرتهن. والمرتهن لا يجوز له أن يركبه؛ لأنه لا يملك منافعه بعقد الرهن، إذ كان عقد الرهن لا يوجب له ملك المنافع. وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الرهن مَحلوب ومَركوب))(٢): فإنه يَحتمل أن يريد به جواز الرهن فيما يُحلب ويُركب، كأنه قال عليه الصلاة والسلام: المحلوب والمركوب يصحُّ رهنه. ويحتمل أن يُحْلَب، واللبن رهنٌ معه. ويَركبه الراهن عاريةً من جهة المرتهن، ولا يَبطل به حق المرتهن في إعادته إلى ید الراهن. (١) في نسخة الاتقاني: (الراهن)، وأثبت ما في الأصل، والنسخة المغربية، وهو الصواب، والله أعلم. (٢) المستدرك ٥٨/٢، وصححه مرفوعاً، سنن الدارقطني ٣٤/٣، قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٣٦/٣: ((أُعِلَّ بالوقف، وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: رفعه مرة ثم ترك الرفع بعد، ورجح الدارقطني ثم البيهقي رواية من وقفه على مَن رفعه، وهي رواية الشافعي عن سفيان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة)). اهـ. ١٥٠ كتاب الرَّهْن فأفاد أن العقد لا يبطل بعوده إلى يد الراهِن عارية. وقد روى الشعبي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كانت الدابة مرهونة، فعلى المرتهن عَلَفُها، ولبن الدَّرّ(١) يُشرَب، وعلى الذي يَشْرِبُه نفقتُه))(٢). وهذا جائز أن يكون كان قبل تحريم الربا، وقبل تحریم کل قرض جَرَّ منفعة؛ لأنه جَعَل اللبن بإزاء النفقة، وقد يتقاربان، فلم يُعتبر ذلك. مسألة : [رهنُ عبدِ ابنِ المَدِین] قال: (ويجوز للرجل أن يرهن عبدَ ابنه الصغير بدَيْن على الأب). وذلك لأنه يلي التصرف عليه في الشراء والبيع، وله أن يودع مالَ ابنهِ بغير ضمان، فإذا شَرَط فيه ضماناً يحصل عليه بالهلاك، فهو أنفع للصبي. فإن قيل: هلاك الرهن يوجب استيفاء الدَّيْن، وليس له أن يقضيَ دَيْنه من مال ابنه. قيل له: نَفْس القبض لا يحصل به استيفاء، وإنما يحصل ذلك بالهلاك، وإذا هلك بضمان الدَّيْن، ضمن الأب مقدار ما قضى به الدين للصغیر، کمن أعاره رجلٌ عبده على أن یرهنه بدین علیه، فما قضی به من الدين: ضَمِنَه المستعير. (١) الدَّرُّ: بفتح المهملة، وتشديد الراء، بمعنى الدارَّة، أي ذات الضرع، كما في فتح الباري ١٤٣/٥. (٢) شرح معاني الآثار ٩٩/٤ بهذا اللفظ، وهو في صحيح البخاري، ١٤٣/٥ بلفظ: ((الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدَّرِّ يُشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يَركب ويشرب النفقة)). ١٥١ کتاب الرَّهْن مسألة : [ضياع الرهن، وضمانه] قال أبو جعفر: (وإذا ضاع الرهن في يدي المرتهن، ضاع بالأقل مما هو مضمون به، ومن الدین). والدليل على أن الرهن مضمونٌ، ليس بأمانة، قولُ الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَِّ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَتَهُ﴾ (١). ففرَّق بين الرهن والأمانة، فدلَّ على أن الرهن ليس بأمانة، وإذا لم یکن أمانة، فهو مضمون. وأيضاً: ((روى عطاء بن أبي رباح أن رجلاً رَهَنَ رجلاً فَرَساً بدَيْن له عليه، فنَفَقَ الفرس(٢)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمرتهن: ذَهَبَ حقك))(٣). وأيضاً اتفقت(٤) الصحابة على ضمانه أي الرهن، إلا أنهم اختلفوا في كيفيَّة الضمان: (١) البقرة: ٢٨٣. (٢) نفقت الدابة: ماتت، كما في مختار الصحاح (نفق). (٣) شرح معاني الآثار ١٠٢/٤، سنن البيهقي ٤١/٦، وعزاه الزيلعي في نصب الراية ٣٢١/٤ إلى مراسيل أبي داود، ومصنف ابن أبي شيبة، وقال: ((قال عبد الحق في أحكامه: وهو مرسل وضعيف، قال ابن القطان في كتابه: ومصعب بن ثابت بن عبد الله ابن الزبير: ضعيف كثير الغلط، وإن كان صدوقاً)). اهـ (٤) أحكام القرآن للجصاص ٥٢٦/١، وفي الدراية لابن حجر ٢٥٨/٢ قال: لم أجد ذلك. ١٥٢ کتاب الرَّهْن فُرُوي عن عمر (١) نحو قولنا. وروي عن علي بن أبي طالب (٢) أنهما يترادَّان الفَضْل، وعن ابن عمر (٣) نحوه. وعن شريح(٤) قال: الرهن بما فيه، ولو خاتم من حدید. فحصل من اتفاقهم ضمانه، فمن قال هو أمانة غير مضمون بوجه، فهو خارج من اختلافهم، ومخالِفٌ لإجماعهم. * ومن جهة النظر: إن الرهن مقبوض للاستيفاء، والدليل عليه: أن المرتهن أحق به بعد الموت من سائر الغرماء لاستيفاء دَيْنه، وإذا كان مقبوضاً للاستيفاء، وَجَبَ أن يكون هلاكه على الوجه الذي حصل عليه قبضه. ألا ترى أن المقبوض على وجه البيع، والغصب، والسوم، إذا هَلَكَ، هَلَكَ على الوجه الذي هو مقبوض عليه من الضمان. وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يَغْلَقُ الرهن، (١) شرح معاني الآثار ١٠٣/٤، سنن البيهقي ٣٤٣/٦ مع الجوهر النقي، مصنف عبد الرزاق ٢٣٨/٨-٢٣٩، نصب الراية ٣٢٢/٤. (٢) شرح معاني الآثار ١٠٣/٤، سنن البيهقي ٣٤٣/٦ مع الجوهر النقي، مصنف عبد الرزاق ٢٣٨/٨ -٢٣٩، نصب الراية ٣٢٢/٤. (٣) شرح معاني الآثار ١٠٣/٤، سنن البيهقي ٣٤٣/٦ مع الجوهر النقي، مصنف عبد الرزاق ٢٣٨/٨-٢٣٩، نصب الراية ٣٢٢/٤. (٤) شرح معاني الآثار ١٠٣/٤، سنن البيهقي ٣٤٣/٦ مع الجوهر النقي، مصنف عبد الرزاق ٢٣٨/٨-٢٣٩، نصب الراية ٣٢٢/٤. ١٥٣ كتاب الرَّهْن لصاحبه غُنْمُه، وعليه غُرْمه))(١). فإنه روي عن إبراهيم(٢) والزهري(٣) في تأويل قوله: ((لا يَغْلق الرهن)): أن أهل الجاهلية كانوا يَرْهَنُون على أنه إن لم يأته بالمال وقت كذا: فهو له، فأبطلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ((لا يَغْلَقُ الرهن))، يعني أنه لا يُمْلَك بالدّیْن. وقد حُكي عن جماعة من أهل اللغة(٤) أن العرب تقول: غَلِقَ الرهن: إذا ذهب بغير شيء، وأنشد في ذلك قول زهير (٥): وفَارَقْتُكَ بِرَهْنٍ لا فِكَاكَ له يومَ الوَدَاعِ، فَأَمْسَىْ رَهْنَاً غَلِقَاً (١) المستدرك للحاكم ٥١/٢ ووافقه الذهبي على تصحيحه، موارد الظمآن ص ٢٧٤ (١١٢٣)، سنن ابن ماجه ٨١٦/٢، الموطأ ٧٢٨/٢، سنن الدارقطنى ٣٢/٣ وقال: هذا إسناد حسن متصل، وقد توسع في الكلام عن هذا الحديث ابن حجر في التلخيص الحبير ٣٦/٣-٣٧، والزيلعي في نصب الراية ٣١٩/٤. (٢) أي النخعي. (٣) عن الزهري في مصنف عبد الرزاق ٢٣٧/٨. (٤) تهذيب اللغة (غلق). (٥) ديوان زهير بن أبي سلمى، (مع شرحه لثعلب أحمد بن يحيى) ص٣٣، وزهير هو حكيم الشعراء في الجاهلية، ولم يدرك الإسلام، وكان أبوه شاعراً، وأخته الخنساء شاعرة، وابناه كعب وبجير صحابيان شاعرين، وكعب هذا هو الذي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصيدة: (بانت سعاد)، توفي زهير سنة ١٣ قبل الهجرة. ترجم له ابن قتيبة في الشعر والشعراء ١٣٧/١، وابن حزم في جمهرة أنساب العرب ص٢٠١، والزركلي في الأعلام ٥٢/٣. ١٥٤ کتاب الرَّهْن يعني قد ذهب بغير شيء. وأما قوله: ((لصاحبه غُنْمُه، وعليه غُرْمه)): فإن الغُنْم هو الزيادة من نحو اللبن، والولد، والصوف، والسمن، والغُرْم: هو الدَّيْن. فيكون تفسيراً لقوله: ((لا يَغلق الرهن)): يعني أنه لا يُمْلَك بالشرط عند محل الأجل، ولصاحبه إذا جاء زيادته، وعليه دينه الذي هو مرهون به. وتأوَّل بعضُ المخالفين: ((عليه غُرْمه)): يعني على الراهن هلاكه، فأخطأ في اللغة خطأً بيِّناً. قال لنا أبو عُمَر غُلاَم ثعلب: أخطأ في اللغة مَن قال: إن الغُرم الهلاك؛ لأن الغرم أصله في اللغة هو اللزوم، ومنه يسمىُ مَنْ عليه الدين: غريماً؛ لأنه قد لزمه الدين والمطالبة. ويسمىُ المطالِب الذي له الدين: غريماً؛ لأن له اللزوم والمطالبة، ألا ترى أنه لا يقال لمَن ذهب ماله: غريم، وإنما يقال ذلك لمَن عليه دین. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ (١): يعني لازماً دائماً. وقال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (٢): يعني مطالبون بما قدَّمناه. ومنه قول الشاعر: (١) الفرقان: ٦٥. (٢) الواقعة: ٦٦. ١٥٥ کتاب الرَّهْن (إني بحبِّك مُسْتَهَامٌ مُغْرَم))(١) يعني: ملزوماً مطالباً. * ومما يدل على ضمان الرهن: أنه محبوس في يد المرتهن لاستيفاء الدین. * وفي الأصول: أن الحبس لا يثبت إلا مع تعلّق ضمان، ألا ترى أن 93 البيِّع لما كانت السلعة محبوسة في يده لاستيفاء الثمن، كانت مضمونة علیه. فإن قيل: فالمستأجر لا يضمن العبد المستأجر، وهو محبوسٌ في يده. قيل له: هو مضمون في يده بما هو محبوس به، وهو المنافع، ألا ترى أنه یکون مستوفياً للمنافع على حسب بقائه في يده. * ويدل على أن الرهن مضمون: أن جوازه مقصور على ما يصح أن يكون مضموناً به من الديون المضمونة، وأنه لا يصح بالأعيان التي ليست بمضمونة، نحو الودائع والعواري؛ لأنه إذا هلك لم يهلك بها، وصحَّ بالدین، فدل على أنه إنما يصح به؛ لأن هلاکه یوجب استيفاء الدین، ولولا ذلك لكان يصح بالأعيان التي وصفنا، فلما لم يصح بها، لأن هلاکه لا یوجب استيفاءها، دلّ على صحة ما ذكرنا. * وإنما جعلوا الرهن مضموناً بالأقل من الدين، ومن قيمته: من قبل أنه أي الرهن، لما كان مقبوضاً للاستيفاء، وَجَبَ أن يكون أميناً في الفَضْل؛ لأن الدين إذا كان مائة درهم، لا يجوز أن يستوفي(٢) المائة، إلا (١) لم أهتد لقائله. (٢) في الأصل: (يشترط)، وما أثبته من نسخة الإتقاني والمغربية، وهو الصواب، والله أعلم. ١٥٦ کتاب الرَّهْن مِن مقدارها من الرهن. وإن كان الدين أكثر، فليس يجوز أن يستوفي من خمسين درهم مائة درهم. مسألة : [عِتق الراهِن العبدَ المرهون، وضمانه] قال أبو جعفر: (وإذا أعتق الراهِنُ عبدَه المرهون، كان حرًّاً، وخَرَج من الرهن). وإنما جاز عتقه؛ لأن صحة الرهن فيه لم يُزِل ملكه عنه، وإذا كان مالكاً: نَفَذَ عتقه، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا عِتق إلا فيما يملك ابن آدم))(١)، فأجاز العتق فیما يملك، وهذا مالك. ويخرج العبدُ من الرهن؛ لأنه حرٌّ لا يصح استيفاء الدين منه، والرهن مقبوض للاستيفاء، لما بيًّا، ولا يمنع حق المرتهن من نفاذ عتق الرهن فيه، كما أن حق أحد الشريكين في العبد وما يلحقه من الضرر بالعتق، لا یمنع عتقه. * فإن كان الراهن موسِراً: غَرِمَ قيمته، كما لو قَتَله غَرِمَ قيمته؛ لأن له حق الاستيفاء من الرقبة، فتقوم القيمة مقامها. (١) سنن أبي داود ٦٤٠/٢، سنن الترمذي ٤٨٦/٣ وقال: حديث حسن صحيح، سنن ابن ماجه ٦٦٠/١، المستدرك للحاكم ٢٠٥/٢، ووافقه الذهبي على تصحیحه. قال ابن الملقن في تحفة المحتاج ٢٠٦/٢: إسناده صحيح، وينظر التلخيص الحبير ٢١٠/٣. ١٥٧ کتاب الرَّهْن وكما لو قتله أجنبي، كان المرتهن أحق بها، حتى يستوفي حقه منها. * قال: (وإن كان الراهِن معسراً: سَعَى العبدُ في الأقل من الدَّيْن وقيمته للمرتهن، ثم رَجَعَ به على الراهِن). وذلك لأن حق المرتهن كان ثابتاً في استيفاء الدين من الرقبة، فإذا حصلت الرقبة للعبد، ولم يقدر على أخذ بدلها من الراهن، ضمنها. كما أن المريض إذا عَتَقَ عبدَه في مرضه، وعليه دَيْن، ولا مال له: سَعَى العبدُ في قیمته. فإن قيل: فلو أعتق المشترِي العبدَ المشترى قبل القبض، لم يَسْعَ العبدُ في شيءٍ وإن كان المشتري معسراً، مع ثبوت حق البيِّع في الإمساك، لاستيفاء الثمن. قيل له: الفرق بينهما أن الثمن غير متعلق برقبة العبد المبيع على جهة الاستيفاء بهلاكه، والدَّيْن متعلق برقبة الرهن على جهة أن يكون مستوفى بھلاکه. ألا ترى أن العبد المرهون لو هَلَكَ كان المرتهن مستوفياً لدَيْنه، ولو هلك المبيع في يد البيِّع: لم يكن البيِّع مستوفياً للثمن بهلاكه، وإنما ينتقض به البَيْع، ويهلك من ماله. * وإنما كان للعبد الرجوع على المولى بما أدَّى من ذلك؛ لأنه لزمه قضاء دينه من جهة الحكم، فصار كأنه قضاه بأمره، ألا ترى أن الوصي والوارث متىْ قَضَيَا دَيْن الميت، كان لهما أن يرجعا به في مال الميت. مسألة : [ضمان الأمة الرهن باستيلادها] قال أبو جعفر: (ولو حَبَلَت الأمة الرهن، فادَّعىُ الراهِنُ حَمْلَها، ثم ١٥٨ كتاب الرَّهْن وضعتْ، ضَمِنَ قيمتَها إن كان موسراً). لأنه أخرجها من الرهن بالاستیلاد. * (وإن كان معسراً، سَعَت الأمة في الدين بالغاً ما بلغ، ولم يرجع به على الراهِن). وذلك لما ذكرنا، من أن حقَّه كان متعلِّقاً بالرقبة، وقد استَحَقَّت هي تلك الرقبة من الرهن بالاستیلاد. * وإنما سَعَتْ في جميع الدين، ولم تكن كالعبد المعتَق؛ لأن كَسْبها في هذه الحال للمولى، فالمرتهن أَوْلى به، ولا ترجع على المولى بما أدَّتْه؛ لأنها أدَّتْه من مال المولى. وأما المعتَق فإنما لزمه الأقل؛ لأن كَسْبه لنفسه، وإنما يضمن الرقبة التي حصلت له، ثم يرجع به على المولى؛ لأنه أدَّاه من ماله نفسه. * ولا سعيَ على الولد؛ لأنه كان علوقاً يوم الدِّعوة (١)، لا قيمة له، فلم يدخل في الرهن. مسألة : [ادِّعاء الراهِن ولدَ الأمةِ الرهن] قال أبو جعفر: (وإن ادَّعىُ الراهنُ الولدَ بعدَ ما وضعت، والراهِنُ مُعْسِر: قُسِم الدين على قيمة الأمة يوم الرهن، وعلى قيمة الولد يوم الدِّعوة، فما أصاب الأمة: سعت فيه، بالغاً ما بلغ للمرتهن، فيكون رهناً فیه، ولا ترجع به على مولاها. وما أصاب الولد: سعى في الأقل منه ومِن قيمته، ثم يرجع بذلك على (١) الدِّعوة بالكسر: الادعاء في النسب، كما في القاموس المحيط (دعا). ١٥٩ كتاب الرَّهْن الراهِنِ، وقَبَضَ المرتهنُ ما سعىُ فيه الولد من دَيْنِه، وَرَجَعَ ببقية دينه أيضاً على الراهن). وذلك لأن الولد دَخَل في الرهن بعد الولادة، فصار مع الأم، بمنزلة عبدٍ وأمة رُهِنَا جميعاً، ثم أَعْتَقَ الراهِنُ العبدَ، وادَّعى أن الأمة أمَّ ولد له، فيسعى العبد في الأقل، ويرجع به عليه، وتسعى هي في جميع حصتها على ما بيَّنَا. [مسألة : ] قال: (وتدبيرُ الأمة الرهن، بمنزلة دعوى الاستيلاد). لأن کسبها للمولى. مسألة : قال : (وتجوز الزيادة في الرهن). قال أحمد : كان القياس عندهم أن لا تجوز؛ لأن فيها تحويل ضمان بعض الرهن إلى الزيادة، وذلك الضمان لا يرتفع إلا بارتفاع السبب الموجب له، وهو القبض، والقبضُ باقٍ لم يرتفع، فهذا هو القياس، إلا أنهم تركوا القياس؛ لأن الزيادة تلحق العقد، وتصير كأنها كانت موجودة فيه، فكأنه رَهَنَهُما معاً. ولا يجوز اعتبار الزيادة على حيالها كأنها رهن مبتدأ، ألا ترى أن مَن اشترى عبداً بألف درهم، ثم إن البيِّع زاده عبداً آخر، ودَخَل في العقد بحصة الألف من الثمن، كأنه كان موجوداً فيه، ولو اعتُبر حكمه على جهة ابتداء العقد عليه لما صح؛ لأن عقد البيع لا يجوز بالحصة. ١٦٠ كتاب الرَّهْن مسألة : [حكم الزيادة في الدَّيْن] (وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجوز الزيادة في الدَّين، وتجوز في قول أبي يوسف). لأبي حنيفة: أن الزيادة في الدَّيْن لو جازت، ولحقت العقد كأنها كانت موجودة فيه، لما صحت على الوجه الذي أوقع الزيادة؛ لأنه لو قال في حال العقد: قد رهنتُك هذا العبدَ نصفه بخمس مائة، ونصفه الآخر بخمس مائة، لما صح ذلك، كذلك الدَّيْن لما كان مسمَّى في العقد على حياله، والزيادة مسمَّاة على حيالها، لم يصح العقد. وليس كذلك الزيادة في الرهن؛ لأن ابتداء الرهن عليهما على هذا الوجه جائز. وأجازها أبو يوسف، كأن جملة الدين كانت موجودة وقت العقد. مسألة : [جناية العبد المرهون] قال: (وإذا جَنَى العبدُ المرهَن، فإن فَدَاه المرتهن، كان متطوِّعاً). لأنه أصلحَ به رَهْنَه، وجنايتُه مضمونة عليه في مقدار المضمون؛ لأن العبد مضمون في يده. وإن دُفِعَ بها برضا الراهن، بطَلَ الدين؛ لأنه استُحِقَّ بجناية كانت في يد المرتهن، کالعبد المغصوب إذا جنى في يد الغاصب، فدُفِعَ بها، ضمن الغاصب قيمتَه، كأنه هلك في يده، كذلك العبد المدفوع بالجناية، كأنه هلك في يد المرتهن. * قال : (وإن فَدَاه الراهِنُ: أخذه، وبطل الدين). لأن ضمانه على المرتهن.