Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ کتاب البيوع يسمع من أبيه شيئاً، ثم كثيرٌ من الرواة لا يذكرون فيه عبد الرحمن، وإنما يروونه عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله، إلا أنه لا يضره إرساله عندنا. وعلى أن هذا الخبر مع إرساله قد اتفق فقهاء الأمصار(١) من قابلي المراسيل ورادِّيها، على قبوله، واستعمال حكمه. قال أحمد : ومن الفقهاء مَن يقول إن القياس ما ورد به الأثر، من إيجاب التحالف والترادِّ عند الاختلاف، من قِبَل أنَّ كلَّ واحدٍ من البَيِّعَيْن يدعي عقداً غير ما ادعاه الآخر، فصار كل واحدٍ منهما مدَّعياً على صاحبه، فيتحالفان ويُفسخ البيع؛ لأن واحداً منهما لم تثبت دعواه. وأما أصحابنا فإنهم قالوا: القياس أن يكون القول قول المشتري، لاتفاقهما على حصول السلعة للمشتري في عقدٍ صحيح، والبيِّع مدعٍ لزيادة الثمن، فعليه البيِّنة، والقول قول المشتري، إلا أنهم تركوا القياس للأثر. وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يميل إلى القول بأن القياس ما جاء به الأثر، قال: ألا ترى أن البيِّع لو قال: بِعْتُكَه بألف درهم، وقال الآخر: وهبتَه لي: أنهما متفقان على حصول الملك للمشتري بعقدٍ صحيح، ولم يختلفوا أنهما يتحالفان قياساً؛ لأن مدَّعي الهبة غيرُ مصدَّق على دعواه إلا ببينة، وكذلك مدِّعي الثمن بالبيع. وكذلك لو قال أحدُهما: بِعْتَنِيْه، وقال الآخر: تزوجتُكِ عليه لامرأةٍ خاطبها بذلك: تحالفا. (١) نقل ابن حجر في التلخيص الحبير ٣١/٣ عن ابن عبد البر مثل ذلك. ٨٢ کتاب البيوع قال: فالقياس عند الاختلاف في الثمن أن يتحالفا، على ما قدَّمْنا من الأصل. فصل : [واختلاف المتبايعين في الثمن والسلعة هالكة] قال أبو جعفر: (فإن كانت السلعة هالكة: فالقول قول المشتري مع يمينه، في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يتحالفان ويترادَّان على القيمة). وجه قولهما: ما قدَّمنا مِن أن القياس يوجب أن يكون القولُ قولَ المشتري، فلما جاء الأثر في وجوب الترادٌّ في حال قيام السلعة، تركنا له القياس، وما عداه محمول على الأصل. فإن قيل: قد روي في أخبار أُخَر: ((إذا اختلف البيِّعان فالقول ما قال البيِّع، أو يترادَّان)) (١)، ولم يذكر حال قيام السلعة. قيل له: كل الأخبار المروية فيه تنتظم حال قيام السلعة؛ لأنه قال: ((أو يترادَّان))، والترادُّ لا يكون إلا والسلعة قائمة؛ لأن المستهلَكَة لا يمكن ردها. وأيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو أُعْطِيَ الناس بدعاویھم، لادَّعىُ ناسٌ دماءَ قوم، وأموالَهم، ولكن البينة على المدَّعي، واليمين على المدَّعی علیه))(٢). فَمَنَعَ عليه الصلاة والسلام أن يستحق أحدٌ على غيره شيئاً بقوله؛ لأن (١) كما في رواية الإمام مالك في الموطأ بلاغاً ٦٧١/٢، وتقدم. (٢) صحيح مسلم ١٣٣٦/٣ بلفظ: ((وأموالهم ... ولكن اليمين على المدعى عليه))، وهو بنفس اللفظ عند البيهقي في السنن ١٠/ ٢٥٢. ٨٣ کتاب البيوع دعواه قولُه، فلو أوجبنا الترادَّ، لاستحق البيِّعُ القيمة بقوله، وهذا لا يجوز. وأيضاً: قد هلكت السلعة على ملك المشتري عن عقد صحيح، لاتفاقهما على صحته، والاختلاف إنما يوجب فسخه في الحال التي يجب فيها الترادُّ، ولا سبيل إلى فسخ العقد على سلعة هالكة. ألا ترى أنهما لو تقايلا: لم تصح الإقالة، ولو اطّلع على عيب بها بعد الهلاك: لم يصح فَسْخ العقد فيها بالعيب، فلذلك لا يصح فسخه بالتحالف. وقال محمد: اختلافُهما في الثمن مَنَعَ صحة العقد؛ لأن كل واحد منهما غيرُ مصدَّق على صاحبه فيما ادَّعاه من الثمن، ولا يختلف حكمه في حال قيام السلعة وهلاكها. ويفسخ البيع فيه على القيمة، كسائر البياعات الفاسدة. فصل : قال أحمد : التحالف الواجب عند الترادِّ غير مذكور في عامة الأخبار، وإنما جهة وجوبه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((البيِّنة على المدعي، واليمين على المدعى عليه))(١). وقد ذُكِرَ: ((اليمين)): في بعض أخبار عبد الله من غير طريق القاسم بن عبد الرحمن، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن داود بن توبة السراج قال: حدثنا الحَكَم بن موسى قال: حدثنا سعيد بن مَسْلَمة (١) تقدم. ٨٤ كتاب البيوع عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عُمَيْر عن ابنٍ لعبد الله بن مسعود عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اختلف البيِّع والمشتري، ولا شهادة بينهما استُخْلِف البيِّع، وكان المبتاع بالخيار: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك))(١). مسألة : [بيع الآبق، والسمكِ في الماء] قال أبو جعفر : (ولا يجوز بيع الآبق على حال، ولا بيعُ سمكٍ لم يُصْطَدَ(٢)، ولا سمكٍ لا يُؤْخَذ إلا بصيد مستأنَف). قال أحمد : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن بيع الآبق(٣). ولأنه غَرَرٌ غير مقدور على تسلميه، فهو كبيع السمك في الماء، والطير في الهواء. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبي قال: حدثنا محمد بن السِّمَاك أبو العباس عن يزيد بن أبي زياد عن المسيب بن رافع عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى (١) سنن النسائي ٣٠٣/٧، سنن الدارقطني ١٨/٣-٢٠، مسند أحمد ٤٦٦/١، قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٣٠/٣، فيه انقطاع، وقد تكلم عن طرقه، ونقل تصحيحه عن ابن السكن والحاكم. (٢) في المطبوع من مختصر الطحاوي ص٨٢: ((ولا بيع طير لم يصطد))، والجصاص رحمه الله في الصفحة التالية يؤكد عبارة: ((السمك الذي لم يصطد)). (٣) تقدم. ٨٥ كتاب البيوع الله عليه وسلم: ((لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غَرَر))(١). ورواه هُشَيْم عن يزيد بن أبي زياد بإسناده مثله موقوفاً. قال عبد الباقي: لم يرفعه إلا أحمد بن حنبل عن ابن السِّمَاك، وهو عجيب، وابن السماك ثقة(٢). * فأما السمك الذي لم يُصْطَد: مثل ذلك، فإن البيع يبطل فيه من وجھین: أحدهما: أن بيِّعه لا يملكه؛ لأنه مباح لا يملكه أحد إلا باصطياد. والثاني: لأنه غرر غیر مقدور على تسليمه. * فأما ما قد اصطِيْدٍ، ثم سُيِّب في الماء: فإن البيع يبطل فيه من وجهٍ واحد، وهو الغرر، وتَعَذَّرُ التسليم. (١) مسند أحمد ٣٨٨/١، البيهقي ٣٤٠/٥، قال البيهقي: هكذا روي مرفوعاً، وفيه إرسال بين المسيب وابن مسعود، والصحيح ما رواه هشيم عن يزيد موقوفاً على عبد الله ا.هـ قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٧/٣ بعد أن نقل كلام البيهقي: قال الدارقطني في العلل: اختلف فيه، والموقوف أصح، وكذا قال الخطيب وابن الجوزي، وفي الباب عن عمران بن حصين مرفوعاً رواه أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب البيوع له، ولفظه: ((نهى عن بيع .... وعن بيع السمك في الماء .... )). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤ /٨٠ ((رواه أحمد موقوفاً ومرفوعاً والطبراني في الكبير كذلك، ورجال الموقوف رجال الصحيح، وفي رجال المرفوع شيخ أحمد: محمد بن السماك، ولم أجد مَن ترجمه، وبقيتهم ثقات)) ا.هـ. (٢) ذكره ابن حبان في الثقات، كما في تعجيل المنفعة لابن حجر ص/ ٣٦٤، وترجم له الخطيب البغدادي في تاريخه ٣٦٨/٥. ٨٦ كتاب البيوع مسألة: [خيار المالك في بيع الفضولي بثمن في الذمة] قال أبو جعفر: (ومَنْ باع شيئاً بغير أمر مالكه، بثمنٍ في الذمة، فمالكُه بالخيار: إن شاء أجاز البيع، وإن شاء فسخ، ما لم يَمُتْ أحدُ المتعاقدیْن). وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن موسى الكُدَيْمِي(١) قال: حدثنا أبو عاصم النَّبِيْل قال: حدثنا سعيد بن زيد عن الزبير بن الخِرِّيت عن أبي لَبِيْد ((عن عروة البارقي قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً لأشتريَ له شاةً، فاشتريتُ له شاتَيْن، فبعتُ إحداهما بدينار، وجئتُ بالأخرى، فقال: أحسنت))(٢). وقد روى هذا الحديث عن الزبير بن الخِرِّيت محمدُ بن ذكوان أيضاً. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا شَبِيْب بن غَرْقَدة أنه سمع الحيّ(٣) يحدثون أنهم ((سمعوا عروة البارقي يقول: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً أشتري به أضحية، فاشتريتُ له شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاء بدينار وشاة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم له بالبركة في بيعه، فكان لو (١) في الأصل: (الكديني)، والتصويب من الجرح والتعديل ٨٥/٨. (٢) الحديث روي بألفاظ متقاربة، وهو في صحيح البخاري ٦٣٢/٦، سنن الترمذي ٥٥٩/٣، سنن أبي داود ٦٧٧/٣، سنن ابن ماجه ٨٠٣/٢. وقد توسع في بيان ألفاظه وطرقه والحكم عليها الزيلعي في نصب الراية ٩١/٤، وابن حجر في التلخيص الحبير ٥/٣. (٣) سمع الحي: أي قبيلته، كما في فتح الباري ٦٣٤/٦. ٨٧ كتاب البيوع اشترى الترابَ لرَبِحَ فيه))(١). وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا إبراهيم بن الحجّاج قال: حدثنا سعيد بن زيد عن الزبير بن الخِرِّيت عن أبي لبيد عن عروة البارقي نحو الحديث الأول. «قال: فقلتُ: یا رسول الله: هذا دینارکم، وهذه شاتکم. قال: كيف صنعتَ؟ فحدَّثتُه بالحديث، فقال: اللهم بارك له في صَفْقة یمینه»(٢). وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن زكريا التُسْتَرِي قال: حدثنا هلال بن بشر قال حدثنا عمر بن عمران العلاف قال حدثنا الحارث بن عتبة عن حبيب بن أبي ثابت عن عمرو بن واثلة أو عامر بن واثلة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى حكيم بن حزام ديناراً، وأَمَرَه أن يشتريَ له أضحية، فاشترى، وباع، ثم اشترى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدينارِ وشاة، فقال: ما هذا؟ قال: بعتُ واشتريتُ وربحتُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك في تجارتك، وأَخَذَ الدينار، وتصدَّق به، وأَخَذَ الشاة، فضحَّى))(٣). (١) هذه رواية البخاري في صحيحه. (٢) قريب من هذا اللفظ عند الترمذي ٥٥٩/٣. (٣) قريب من هذا اللفظ عند الترمذي ٥٥٨/٣ قال الترمذي: حديث حكيم بن حزام لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام. اهـ، ولكن في رواية الجصاص حبيب يروي عن عامر بن واثلة، وأخرجه أبو داود ٦٧٩/٣ وفي إسناده رجل مجهول، كما في نصب الراية ٩٠/٤. ٨٨ كتاب البيوع فدل هذان الخبران على صحة قولنا؛ لأن عروة وحكيماً باعا ما اشتريا بغير أَمْر النبي صلى الله عليه وسلم، وأجاز النبيُّ صلى الله عليه وسلم بیعهما بأخذه الدینار. فإن قيل: في حديث عروة أنه أَمَره بشراء شاة، فاشترى شاتَيْن ولم يَفسَخْه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يدل على وقوف الشراء، كذلك البيع. قيل له: قد ذُكِرَ في حديث شبيب بن غرقدة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يشتريَ له أضحية، والأضحية مصدر لا يختص بعددٍ دون عدد، فتناولت الواحدة فما فوقَها. ويجوز أن يكون قال له: اشترِ شاة، ثم قال له: اشتر أضحية، فيصح اللفظان جميعاً، ويكون مخيّراً. * وأما وجه حديث حكيم بن حزام، وقد كان باع ما اشترى، ثم اشترى بأحد الدينارَيْن، ولم يكن مأموراً بالشراء الثاني، فَأَخَذَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فهو أنه كان مشترياً لنفسه، فلما رَضِي أن يعطيَه النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالدينار الذي نَقَدَه، وحَصَلَ في ضمانه، وأخذه النبيُّ صلى الله عليه وسلم منه، صار ذلك بيعاً فيما بينهما. دليل آخر: وهو قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾(١)، فوجب وقوعه على عموم اللفظ. فإن قيل: دلَّ على أنه بيع. (١) البقرة: ٢٧٥. ٨٩ کتاب البيوع قيل له: لا يمنع أحدٌ من إطلاق القول بأنه باع ما لا يملك، فلما سُمِّ بيعاً على الإطلاق، تناوَلَه عموم اللفظ. وأيضاً: فإن البيع عبارة عن الإيجاب والقبول، وليس هو عبارة عن إيجاب الملك بالعقد، ألا ترى أن المالكَيْن لو تعاقدا على أنهما بالخيار ثلاثاً، كان واقعاً من غير إيجاب ملك. وأيضاً: الوكيلان يعقدان ولا يملكان، فإذاً ليس شرط وقوع البيع أن يكون العاقد مالكاً. وأيضاً: روىُ عَمْرو بن خارجة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة))(١). فإذا وَقَفَ وصيته التي لم يملكها على إجازة مَن يستحق، وصار ذلك عقداً موقوفاً على مجيزه، فوجب أن يكون البيع الموقوف كذلك، والمعنى الجامع بينهما أنه عَقْدٌ له مجيزٌ، فوَقَفَ علیه. وكذلك إذا أوصى بجميع ماله، كان ما فوق الثلث موقوفاً على إجازة الورثة، فإن أجازوه: جاز. وأيضاً: الملتقِط إذا تصدَّق باللّقَطَة، ثم حَضَر صاحبُها، كان بالخيار بين الأجر والضمان، فوقف عقد الصدقة على إجازة المالك. وكذلك كل عقدٍ له مجيز في الحال، فإنه يقف على إجازة مجيزه. (١) سنن الدارقطني ١٥٢/٤ بلفظ: ((إلا أن يشاء الورثة)) قال ابن حجر في الدراية ٢٩٠/٢: رجاله لابأس بهم، وقد توسع ابن حجر في تخريجه، وذكر ألفاظه في فتح الباري ٣٧٢/٥، والتلخيص الحبير ٩٢/٣. ٩٠ كتاب البيوع فإن قيل: روىُ عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ((نهى عن بيع ما لم يُمْلَك))(١). قيل له: معناه ما روي في سائر الأخبار، أنه نهى عن بيع ما ليس عنده. وأيضاً: فإن حديث عَمْرو بن شعيب هذا، قد روي على غير هذا الوجه. حدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا موسى بن الحسن بن أبي عبَّاد قال: حدثنا عبد الله بن بكر قال: حدثنا سعيد عن مطر الورَّاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس على الرجل بيعٌ فيما لا يملك))(٢). فيشبه أن يكون هذا أصل الحديث، ومعناه: إذا باع ملك غيره، لم يلزمه تسليمه، ولم يُؤْخَذ به، ولا دلالة فيه على نفي وقوع البيع. ويدل على أن المعنى ما ذكرنا: اتفاق الجميع(٣) على جواز بيع ما لا یملکه العاقد، وهو الوکیل، يجوز بيعه، ولا يملك ما باع. * وأما الشراء فإنما لم يقف على الغير، من قِبَل أنه قد صح عليه ولزمه، وما قد لزم وصح لا يكون موقوفاً. وأيضاً: فإن المشتري للغير، إذا كان وكيلاً ينتقل الشيء إليه، ومن (١) سنن البيهقي ٣١٣/٥، وتقدم تخريج حديث النهي عن بيع ما لم يقبض. (٢) قريب من هذا اللفظ في سنن البيهقي ٣٣٩/٥. (٣) المغني ٢٠٣/٥. ٩١ كتاب البيوع جهته ينتقل إلى الموكّل، فإذا لم تتقدم له وكالة: استقرَّ ملْكه فيه، فلا يقف. ويدل على أن الشيء ينتقل إلى الوكيل، ومن جهته ينتقل إلى الموكِّل: أنه متىُ خالف: لَزِمَه، ولم يبطل الشرئ رأساً لإخلافه. وأما الوكيل بالبيع، فإن الشيء لا ينتقل إليه، وإنما يخرج من ملك الموگِّل إلى المشتري. ألا ترى أنه إذا خالف: لم يلزمه، ولم يصح البيع رأساً، فلذلك اختلف حكم الشرى والبيع في وقوفه على الغير. وإنما شُرِطَ في وقوفه بقاء المتعاقدَيْن، وبقاء الملك والمبيع، من قِبَل أن البيِّع إذا مات، لم يجز أن تلزمه حقوق العقد بعد موته، إذْ لم تلزمه في حال الحياة، لأنه موقوف. وأما المشتري، فإنه لم يلزمه في حال الحياة، فلا يجوز أن يلزمه بعد الموت. وأما المالك، فلأن ملكه ينتقل إلى الوارث، فانفسخ الملك الذي كان موقوفاً على المشتري. وأما المبيع فلأن الملك لم ينتقل فيه بالعقد، فلا يجوز انتقال الملك فيه بعد الهلاك، ألا ترى أن ابتداء العقد عليه لا يجوز. فصل : [خيار المالك فيما بِيع له بغير أمره بعَرْض] قال أبو جعفر: (ولو باعه بعَرْض، كان مالك المبيع بالخيار: إن شاء أمضى البيع، فجاز البيع للذي عَقَده، وكان عليه قيمة المبيع للذي كان يملكه، وإن شاء أبطل البيع). ٩٢ كتاب البيوع قال أحمد : وذلك لأنه اشترى العَرْض لنفسه؛ لأن الشراء لا يقف على الغير، وإنما احتيج فيه إلى الإجازة، ليسلِّم البدل لبيِّع العرض، وكان على البَيِّع قيمته للمجيز، كأنه استقرضه منه، واشترى به شيئاً لنفسه. مسألة : [جواز بيع الأعمىُ، وشِرَاه] قال أبو جعفر: (وبيع الأعمى، وشِرَاه جائز). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّيَواْ﴾(١)، ولم يفرِّق بين العميان والبُصَرَاء. ولأن هذا مما قد نَقَلَت الأمة جوازه؛ لأن أهل كل عصرٍ لا يخلون من عميان يكونون فيهم، يتصرَّفون في الشراء والبيع، ولم يُذكَر عن أحدٍ من السلف والخلف بطلان بيعه وشراه. ولو كان كذلك، لكان الأعمى محجوراً عليه، وكان ذلك يوجب أن يكون العبَّاسُ عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عباس، وابن أمِّ مَكْتُوم، ونظراؤهم من الصحابة رضي الله عنهم(٢) لا يجوز تصرُّفهم، (١) البقرة: ٢٧٥. (٢) خص الصفديُّ صاحب ((الوافي بالوفيات)) كتاباً ذَكر فيه العميان وسماه: ((نكت الهميان في نكت العميان)) ذكر فيه ص / ١٧٥ -١٧٨ ممن أُضِرَّ بأَخَرَة: العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: عم النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر ص ١٨٠ - ١٨٢ حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقد أضر أيضاً آخر عمره، وذكر ص٢٢١ ابن أم مكتوم عمرو بن قيس، ويقال عمرو بن زائدة، كما في تقريب التهذيب ص /٤٢١ (٥٠٣١)، وأهل المدينة يقولون اسمه عبد الله، وأما أهل العراق فيقولون اسمه عمرو، كما في طبقات ابن سعد ٢٠٥/٤. ٩٣ كتاب البيوع وكفى بقولٍ يؤدي إلى هذا سقوطاً. مسألة : [خيار الأعمى] (وله الخيار فيما اشتراه إذا أمكنه معرفته بالجَسِّ أو الذوق). فیقوم ذلك له مقام الرؤية. وإن كان نخلاً، أو شجراً: فحتى يوصَف، فتقوم له الصفة مقام الرؤية. وما كان في الجامع الصغير (١): بأنه ((إذا كان مما يُجَسُّ، مثل النخل والشجر: فحتى يقوم مقاماً لو كان بصيراً رآه)): فلا معنى له، وقد كان أبو الحسن رحمه الله يُنكره؛ لأن قيامه في ذلك الموضع، وفي غيره سواء، لا يستفيد به علماً. مسألة : [بيع الملامسة والمنابذة والحصاة] قال: (والمُلامسة والمُنَابذة لا ينعقد بهما بيع). وذلك («لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الملامسة والمنابذة))(٢). وكان أهل الجاهلية يتراضَوْن على البيع، فإذا لَمَسَه، أو نَبَذَه إليه، فقد وجب البيع، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وهذا أصلٌ في امتناع جواز عقود البياعات على الأخطار، نحو قوله: (١) للإمام محمد بن الحسن الشيباني ص٢٨١ مع شرحه النافع الكبير للعلامة اللكنوي. (٢) صحيح البخاري ٤٧٧/١، ٣٥٨/٤، صحيح مسلم ١١٥١/٣. ٩٤ كتاب البيوع إن دخلتُ الدار، أو إن قَدِمِ زيدٌ: فقد بعتك هذا العبد. وكذلك بيع الحصاة، وهو أن يتراضَوْا على البيع، فإذا وَضَعَ المشتري على المبيع حصاةً: فقد وجب البيع، فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم(١)، والمعنىُ فيه كهو في البَيْعَيْن الأوَّلَيْن. مسألة : [بيع الحَمْل دون أمه] قال أبو جعفر : (ولا يجوز بيع الحَمْل دون أمه). وذلك لما حدثنا (٢) دعلج بن أحمد قال: حدثنا عبد الله بن شيرويه قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا وكيع عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المَجْر (٣) - يعني ما في الأرحام - وعن بيع الكالىء(٤) بالكالى(ء))(٥). (١) صحيح مسلم ١١٥٣/٣. (٢) سقط السند من الأصل، ومثبت في النسخة المغربية. (٣) في الأصل (المتحر)، والتصويب من مجمع الزوائد ٨٠/٤، والنهاية لابن الأثير ٢٩٨/٤-٢٩٩، قال ابن الأثير: ((بيع المجر: هو ما في البطون، كنهيه عن الملاقيح، وهو من بياعات الجاهلية، يقال: أمجرت إمجاراً، وماجَرْت مماجرة، ولا يقال لما في البطن: مَجر، إلا إذا أثقلت الحامل، فالمَجْر اسم للحمل الذي في بطن الناقة».اهـ مختصراً. (٤) أي النسيئة بالنسيئة، النهاية ١٩٤/٤. (٥) رواه البزار، وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، كما في مجمع الزوائد ٨٠/٤، وفي تقريب التهذيب ص ٥٥٢ (٦٩٨٩): ((موسى بن عبيدة الربذي: ضعيف، ولاسيما في عبد الله بن دينار))، ورواه أبو عبيد في غريبه ١ /٢٠٦ من طريق موسى بن عبيدة. = ٩٥ كتاب البيوع وحدثنا(١) دعلج قال: حدثنا عبد الله بن شیرویه قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا النضر بن شميل قال: حدثنا صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((نهى عن المضامين، والملاقيح، وحَبَل الحَبَلة))(٢). أما الجزء الثاني من الحديث: النهي عن بيع الكالىء بالكالىء، فقد أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٧/٢، ووافقه الذهبي على تصحيحه، بناء على أن الراوي هو موسى بن عقبة، وقد تعقبه البيهقي في السنن ٢٩٠/٥ بأنه موسى بن عبيدة، وليس ابن عقبة، وأخرجه الدارقطني في السنن ٧١/٣، وابن أبي شيبة في المصنف ٥٩٨/٦، (٢٢٥٦٦ ط الشيخ محمد عوامة) كلهم من طريق موسى بن عبيدة، وقد توسع في تخريجه الزيلعي في نصب الراية ٣٩/٤، التلخيص الحبير ٢٦/٣. ((ولكن مع هذا، فهذه المناهي وإن كانت بإسناد غير قوي، فهي داخلة في بيع الغرر الذي نهى عنه الحديث الثابت))، كما قال البيهقي في السنن ٣٣٨/٥، والنهي عن بيع الكالىء بالكالىء تلقته الأمة بالقبول، وعليه الإجماع، كما نقله الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير عن الإمام أحمد، وينظر التاج والإكليل ٣٦٧/٤، والمغني ٤/ ٠٥٣ (١) سقط السند من الأصل، ومثبت في المغربية. (٢) ((رواه الطبراني في الكبير والبزار، وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وثقه أحمد وضعفه جمهور الأئمة، وعن أبي هريرة أن البني صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملاقيح والمضامين، رواه البزار وفيه صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف)) كما في مجمع الزوائد ١٠٤/٤، لكن روى عبد الرزاق في مصنفه ٢١/٨ النهي عن الملاقيح والمضامين عن ابن عمر مرفوعاً بإسناد قوي، كما قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٢/٣. = ٩٦ كتاب البيوع ونهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع المضامين مشتمل على الولد في البطن، واللبن في الضرع، وبيع الزيت في الزيتون؛ لأن جميعه من المضامين إذا كان معيناً فيه خِلْقَةً. ومن جهة أخرى: إن الولد بمنزلة عضوٍ بعينه من أعضائها، كيدها ورِجلها، فلا يجوز إفراده بالبيع. مسألة : [بيع الأم دون الحَمْل] قال : (ولا يجوز بيع الأم دون الحمل). وذلك لأنه بمنزلة مَن باع الأصل دون يدِها ورِجلِها، ولأن كلَّ ما لا يصح بيعه على الانفراد، لا يجوز استثناؤه من البيع. مسألة : [بيع اللبن في الضرع] قال أبو جعفر : (ولا يجوز بيع اللبن في الضرع). وذلك لأنه من المضامين؛ لأنه مما تضمنه الضرع خِلْقَة، كما تضمَّنت الرَّحِمُ الولدَ. ولما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عثمان بن عمر الضَّبِّي قال: حدثنا حفص بن عمر الحوضي قال: حدثنا عمر بن فَرُّوخ صاحب الأَقْتَاب(١) عن حبيب عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله أما النهي عن حَبَل الحَبَلة، فقد أخرجه البخاري في صحيحه ٣٥٦/٤، صحيح مسلم ١١٥٣/٣. وحَبَل الحبلة، نتاج النتاج، وولد الجنين، مختار الصحاح (حبل). (١) القِتِب: بكسر القاف، وسكون التاء: إكاف صغير على قدر سنام البعير، = ٩٧ کتاب البيوع صلى الله عليه وسلم عن بيع صوفٍ علىُ ظَهْر، وعن لبن في ضرع، وسَمْن في لبن)»(١). وقد روي هذا الحديث موقوفاً على ابن عباس، ولا يُفْسِد ذلك رفعَ مَن رَفَعَه؛ لأنه جائز أن يكون رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم تارةً، وأفتى به أخرى. مسألة : [بيع عَسْب الفحل] قال : (ولا يجوز بيع عَسْب الفحل). قال أحمد : يعني ما يُلقِّح، وذلك لأنه من الملاقيح، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢). وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ((نهى عن عَسْب الفحل))(٣). وقال جابر ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ضَرْب (٤) الفحل)) (٤). وجمعه: أقتاب، كما في مشارق الأنوار للقاضي عياض ١٧١/٢، القاموس المحيط (قتب)، وكان عمر هذا بيَّاعاً للأقتاب، كما في التهذيب ١٨٨/٧. (١) سنن البيهقي ٣٤٠/٥، وقال: تفرد به عمر بن فروخ، وليس بالقوي، ورواه غيره موقوفاً، لكن في الجوهر النقي قال: وثقه ابن معين وأبو حاتم، ورضيه أبو داود. اهـ (٢) تقدم. (٣) صحيح البخاري ٤ /٤٦١. (٤) صحيح مسلم ١١٩٧/٣ بلفظ: ((ضراب الجمل)). ٩٨ كتاب البيوع مسألة : [خيار الرؤية] قال: (ومَن اشترى شيئاً لم يره: جاز، وله فيه خيار الرؤية). والأصل في جواز شراه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تَلَقَّوا الجَلَب، فمن تلقَّاه، فاشترى شيئاً، فهو بالخيار إذا أتى السوق))(١). ولا معنى لهذا الخيار إلا أنه اشترى الشيء في وعائه، ثم حَمَله إلى السوق، فَنَظَرَ إليه، فجعل له فيه خيار الرؤية؛ لأن العادة كانت فيمن يتلقىُ الجَلَب، أن يشتريَ الحِمْل على ظهر البعير، فلا يفتحه حتى يردَّه إلى بيته. ويدل عليه أيضاً: حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ((نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزَها التُجَّار إلى رِحالهم)»(٢). ومعناه عندنا: أن يشتريَ المتاع في الوعاء، ثم يفتحه إذا نَقَله إلى رَحْله، فمَنَعَه أن يبيعه قبل أن يراه، لئلا يُلزم نفسه مغيََّاً مجهولاً في الصفة. وأيضاً ((روي أن عثمان رضي الله عنه: باع مالاً له بالكوفة من طلحة ابن عبيد الله (٣)، فقال طلحة: ليَ الخيار؛ لأني اشتريتُ ما لم أره، وقال عثمان: ليَ الخيار؛ لأني بعتُ ما لم أره، فَحَكَّمَا بينهما جُبَيْر بن مُطْعِم، (١) صحيح مسلم ١١٥٧/٣ بلفظ قريب، سنن البيهقي ٣٤٨/٥. (٢) سنن أبي داود ٧٦٥/٣، المستدرك ٤٠/٢، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وصححه ابن حبان (موارد الظمآن) ص٢٧٤ (١١٢٠)، سنن البيهقي ٣١٤/٥. (٣) أحد العشرة المبشرين، كما في طبقات ابن سعد ٢١٤/٣. ٩٩ كتاب البيوع فقضى بالخيار لطلحة))(١). فقد اتفق هؤلاء الثلاثة على جواز شراء ما لم يره، من غير خلاف من أحدٍ من الصحابة عليهم. * ومن جهة النظر: إن الذي جَهِلَه المشتري لِمَا لم يره، إنما هو صفات المبيع، وجهالة الصفة لا تمنع صحة العقد، كما لا يمنعه عدمها رأساً. ألا ترى أنه لو اشترى عبداً على أنه صحيح، فوجده أعمى، مقطوع اليدين والرِّجلين: لم تمنع عدم هذه الصفات صحة العقد، فجهالة صفاته أحرى أن لا تمنع. وأيضاً: اتفقت الأمة(٢) على جواز بيع الباقِلاَء الرَّطْب بقشوره، وشِرئُ الجَوْز واللوز ونحوه مع عدم رؤية ما وراءه، وعلى جواز شراء الصُّبْرة من الطعام مع عدم الرؤية لما تحت الظاهر منها، فدل جميع ذلك على أن عدم رؤية المشتري، لا تمنع صحة العقد. مسألة : [البيعتَيْن في بيعة] قال: (ومَن باع عبده من رجلٍ بثمن، على أن يبيعه الآخر عبدَه بثمن ذَكَرَاه: لم يجز البيع في واحدٍ من بَيْعَتَي العبدَيْن المذكورين). وذلك ((لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتَين في بيعة))(٣)، (١) شرح معاني الآثار للطحاوي ١٠/٤، سنن البيهقي ٢٦٨/٥. (٢) مراتب الإجماع ص ٨٦. (٣) سنن النسائي ٢٩٥/٧، سنن الترمذي ٥٣٣/٣، وقال: حديث حسن صحیح. ١٠٠ کتاب البيوع فانتظم ذلك المعنى الذي ذكرنا. وينتظم أيضاً أن يبيعه حالاً بكذا، ونسيئةً بكذا. مسألة : قال : (ولا يحلُّ النَّجَش). قال أحمد : وهو أن يزيد في الثمن، وهو لا يريد شراه، ليرغُّبَ غيره فيه، فیشتريه. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك(١)، رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أيضاً أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. مسألة : [تلقِّي الركبان، وبيع الحاضر للباد] قال أبو جعفر: (ولا يصلح (٢) تلقّي السِّلَع في البلد الأدنى الذي يضرُّ بأهله، ولا بأس به في البلد الأدنى الذي لا يضرُّ بأهله، وكذلك بيع الحاضر للباد). وذلك لأن المعنى في النهي ما يُدخِل من الضرر على غيره، لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تَلقّوا السلعَ حتى ءِ يُهْبَط بها الأسواق))(٣). (١) صحيح البخاري ٣٥٥/٤، صحيح مسلم ١١٥٦/٣. (٢) في المختصر ص٨٤: (لا يصح)، لكن في الأصلين: لا يصلح، وهو الصواب، والله أعلم، حيث إن تلقي الركبان يصح لكن مع الكراهة. (٣) صحيح البخاري ٣٧٣/٤.